تم إضافته 14 مارس 2014 بواسطة islamiyyat في مقالات عامة
 
 

الإعجاز والبيان

dumy
dumy

الإعجاز والبيان
من كتاب: الإعجاز البياني في القرآن الكريم – د. محمد داوود

مفهوم الإعجاز:
• لُغــةً: يقول ابن منظور: يقال عجز يعجز عن الأمر، إذا قصر عنه وضعف، والمعجزة اسم فاعل من الإعجاز؛ وسميت بذلك لعجز الناس عن معارضتها .

• واصطلاحًا: بلوغ القرآن في درجات البلاغة والفصاحة مَبْلَغًا تَعْجِزُ قدرةُ بُلَغَاء العرب عن معارضته أو الإتيان بمِثْله في اللَّفظ والمعنى والنَّظْم، وخُلُوُّه من جميع العيوب وأوْجُه النَّقْص والقُصور والتَّناقُض والاختلاف .

• حقيقة المعجزة وشرائطها
:
المعجزة: واحدة معجزات الأنبياء الدَّالَّة على صدْقهم صلوات الله عليهم، وسُمِّيَتْ مُعْجِزةً؛ لأنَّ البشر يَعْجِزُونَ عن الإتْيَانِ بمِثْلها، وشرائطها خمسةٌ، فإن اختَلَّ منها شرطٌ لا تكون معجزةً:

– الشرط الأول: أنْ تكونَ ممَّا لا يقدِرُ عليها إلَّا الله سبحانه وتعالى .
– الشرط الثاني: أنْ تخْرِقَ العادة.
– الشرط الثالث: أنْ يستشهدَ بها مُدَّعي الرِّسالة على صدق رسالته.
– الشرط الرابع: أنْ تَقَعَ على وَفْق دعْوَى المتحدِّي بها.
– الشرط الخامس: ألَّا يأتيَ أحدٌ بمثْل ما أتَى به مدعى الرسالة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) [هود].

• تعدُّد وجوه الإعجاز في القرآن الكريم
:
تعدَّدتْ وجوه الإعجاز عند العلماء بين مُجْمَلٍ ومُفصَّل، ويُلخِّص المسألة ويجمعها العلَّامة الطَّاهر ابن عاشور بقوله:
“وإذْ قد كان تفصيل وجوه الإعجاز لا يحصره المتأمِّلُ؛ كان علينا أن نضبط معاقِدها التي هي مِلاكُها، فنرى ملاك وجوه الإعجاز راجعًا إلى ثلاث جهات:

– الجهة الأولى: بلوغه الغايةَ القُصْوَى ممَّا يمكن أنْ يبلغه الكلام العربيُّ البليغُ، من حصول كيفيات في نظمه مفيدةٍ معانيَ دقيقة ونُكَتًا (أي دقائق) من أغراض الخاصَّة من بُلَغاء العرب ممَّا لا يفيده أصل وضع اللغة، بحيث يكثر فيه ذلك كثرةً لا يدانيها شيءٌ من كلام البلغاء من شعرائهم وخطبائهم.

– الجهة الثانية: ما أبدعه القرآن من أفانين التصرُّف في نظم الكلام ممَّا لم يكن معهودًا في أساليب العرب، ولكنه غير خارج عمَّا تسمح به اللغة.

– الجهة الثالثة: ما أُودِعَ فيه من المعاني الحكمية والإشارات إلى الحقائق العقليَّة والعلميَّة ممَّا لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن وفي عصور بعده متفاوتة، وهذه الجهة أغفلها المتكلمون في إعجاز القرآن من علمائنا مثل أبي بكر الباقلاني والقاضي عياض” .

– وقد عدَّ كثيرٌ من العلماء من وجوه إعجاز القرآن ما يُعَدُّ جهة رابعة، هي ما انْطَوَى عليه من: الإخبار عن المغيَّبات، ممَّا دلَّ على أنَّه منزَّلٌ من علَّام الغيوب.

ثم يبين الطاهر ابن عاشور ما كان خاصًّا بالعرب وما كان عامًّا للبشر جميعًا على مر الزمن: “فإعجاز القرآن من الجهتين الأولى والثانية متوجِّه إلى العرب؛ إذ هو معجز لفصحائهم وخطبائهم وشعرائهم مباشرة، ومعجز لعامَّتهم بواسطة إدراكهم أنَّ عجز مُقارِعيه عن معارضته، مع توفُّر الدَّواعي عليه، هو برهانٌ ساطع على أنَّه تجاوزَ طاقة جميعهم، ثم هو بذلك دليل على صدق المنزل عليه لدَى بقيَّة البشر الذين بلغ إليهم صدَى عجز العرب بلوغًا لا يُستطاع إنكارُه لمعاصريه بتواتُر الأخبار، ولمن جاء بعدهم بشواهد التاريخ، فإعجازُه للعرب الحاضرين دليلٌ تفصيليٌّ، وإعجازُه لغيرهم دليلٌ إجماليّ. ثُمَّ قد يشارك خاصَّةَ العرب في إدراك إعجازه كلُّ مَنْ تعلَّم لغتهم ومارس بليغ كلامهم وآدابهم من أئمَّة البلاغة العربية في مختلف العصور. والقرآن معجز من الجهة الثالثة للبشر قاطبةً إعجازًا مستمرًّا على ممرِّ العصور؛ حيثُ أوْدَعَ الله عز وجل فيه من الحُجَّة الحيَّة المستمرَّة الباقية إلى يوم القيامة، بما أوْدَعَ فيه من حقائق العلوم الكَوْنيَّة التي لم يكُنْ للبشريَّة عِلْمٌ بها بأيِّ وَجهٍ من الوجوه وقتَ نزول القرآن الكريم، وهذا من جملة ما شمِلَه قول أئمَّة الدين: إنَّ القرآن هو المعجزة المستمرَّة على تعاقب السنين؛ لأنَّه قد يُدْرِكُ إعجازَه العقلاءُ من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية، وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني، وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك. وهو من الجهة الرابعة معجز لأهل عصر نزوله إعجازًا تفصيليًّا، ومعجز لمن يجيء بعدهم ممَّن يبلغه ذلك، بسبب تواتر نقل القرآن وتعيُّن صرف الآيات المشتملة على هذا الإخبار إلى ما أُرِيدَ منها”.

مفهوم البيان:
• لُغـةً: ما بُيِّنَ به الشيءُ، وبانَ الشيءُ بَيانًا: اتَّضَح ، فالمراد بالبيان: إيصال المعنَى المراد بوضوح.

• واصطلاحًا: هو اسْمٌ جامعٌ لكلِّ شيءٍ كشفَ لك قناعَ المعنى، وهتَكَ الحُجُبَ دُونَ الضَّمير، حتَّى يُفْضِيَ السَّامعُ الى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائنًا ما كان ذلك البيانُ، ومن أيِّ جنسٍ كان ذلك الدليلُ؛ لأن مدارَ الأمر، والغاية التي إليها يجرى القائل والسامع إنَّما هو الفهم والإفهامُ، فبأيِّ شيءٍ بلغتَ الإفهامَ وأوضحتَ عن المعنى فذاك هو البيان. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحُسن الاختصار ودقَّة المدخل يكون إظهار المعنى، وكلما كانت الدلالة أوضحَ وأفصحَ، وكانت الإشارةُ أبْيَنَ وأنْوَرَ، كان أنفعَ وأنجعَ، والدلالةُ الظاهرةُ على المعنى الخفيِّ هو البيان.

وقد ذكر الله تعالى جميل نعمته في تعليم البيان وعظيم مِنَّته في تقويم اللِّسان فقال عز من قائل: (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)) [الرحمن] ، وقال تبارك وتعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [إبراهيم]؛ لأنَّ مدار الأمر على البيان والتبيين وعلى الإفهام والتفهيم، وكُلَّما كان اللسان أبْيَنَ كان أحمد، كما أنَّه كلما كان القلبُ أشدَّ استبانةً كان أحمَدَ .


islamiyyat