تم إضافته 2 أغسطس 2016 بواسطة islamiyyat في دكتورة رقية العلواني
 
 

تدبر آية – (ولقد كرمنا بني آدم) [الإسراء: 70] – د. رقية العلواني

تدبر آية
تدبر آية

تدبر آية – (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴿٧٠﴾ الإسراء)

د. رقية العلواني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حديثنا اليوم عن الإنسان، الإنسان ذلك المخلوق الذي كرّمه الله على من خلق تكريما وتفضيلا، ذلك التكريم الذي اعترف به إبليس حين خاطب الله عز وجلّ فقال له: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٦٢﴾ الإسراء) في سورة الإسراء. وفي نفس السورة ربي سبحانه وتعالى يقرر أنه قد كّرم بني آدم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴿٧٠﴾) إكرام! تكريم الإنسان ووصف الله سبحانه وتعالى بأن هذا التكريم والإحسان والإنعام الظاهر والباطن على جنس الإنسان إنما هو لإنسانيته، إنما هو لأصله الإنساني وليس لأي شيء آخر بعد ذلك يتعلق بمظهره أو بشكله أو بلونه أو بجنسه أو بقبيلته أو عشيرته أو لغته التي يتحدث بها أو أقواله بالتحديد المتعلّقة بتلك اللغة أو اللهجة أو البيئة التي نشأ فيها أو المال الذي سيُكتسب بعد ذلك، لا، الإنسان في القرآن مكرّم لذاته لإنسانيته بصرف النظر عن دينه، عن معتقده، عن عرقه، عن لونه، عن شكله، وتكريم عام، وجاء في هذه الآية العظيمة في سورة الإسراء بشكل عام (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) وهذا التكريم ليس منحة من بشر حتى يناقش فيها أو تؤخَذ أو تُردّ، هذا التكريم منحة من الله سبحانه لبني الإنسان، لجنس الإنسان وليس من أيّ أحد وبالتالي ما منحه الله سبحانه وتعالى وأعطاه لخلقه لا ينبغي لأحد من الناس أن يأخذه أبدًا فهو كالحياة، الكرامة بالنسبة للإنسان كالحياة، الحياة لا يصح أن يأخذها إلا من وهبها وهو الخالق سبحانه. ولذلك كانت جريمة القتل والاعتداء على النفس من أبشع الجرائم لأنها اعتداء على ذلك الحق الذي وهبه الخالق سبحانه وتعالى للإنسان والذي وهب هو الذي يملك حق التصرف ولا يملكه أحد سواه ولذا كان الانتحار وقتل الإنسان لنفسه يعتبر من الكبائر والمحرّمات لأن نفسه ليست له وإنما لخالقه الذي وهب وأعطى وأنعم. وكذلك الكرامة الإنسانية لا يملكها أحد من الناس تُمنَح أو تؤخَذ أو يُزاد فيها أو يُنقص منها ولذلك أصل التعامل فيما بيننا كبشر لا ينبغي أبدًا أن يخرج عن هذا الإطار، إطار الكرامة الإنسانية، من نختلف معهم أو من نتفق معهم، من نحن ومن نكره كل أولئك الأشخاص ونحن نتعامل معهم لا ينبغي أبدًا أن نخرج عن إطار الكرامة الإنسانية. ونحن حين نتصرف بمحض تلك الكرامة الإنسانية إنما ننفذ ما أمر الله سبحانه به فنُكرم البشر لأن الخالق قد كرّمهم وأمر كذلك بإكرامهم وهناك عشرات الأشياء والأحكام والتشريعات في ديننا المذكورة في كتاب الله عز وجلّ المطروحة عمليًا في سنته صلى الله عليه وسلم وحياته التي تدلل على هذا المعنى العظيم، المعنى الكفيل بتحقيق تلك الكرامة الإنسانية في حياتنا.

من هنا ينبغي التنبه على كيفية التعامل فيما بيننا وبين بعضنا البعض كبشر، الإنسان الذي على سبيل المثال أقل حظًا أو نصيبًأ منك في مال أو عرق أو ما شابه وإن كان التفضيل بين البشر لا ينبغي أن يقاس بمال ولا لون ولا عرق فإذن إذا كان الأمر هكذا لا ينبغي أن يكون التعامل مع هذا الإنسان نتيجة لقلّة حظه في مال أو ما شابه أقل من حيث التكريم، الاحترام والتقدير للإنسان لذاته، لكرامته على الله عز وجلّ كإنسان. هذه المهاني في حياتنا المعاصرة نجد أنها قد بدأت تخفت، أصبحنا نتعامل مع الأشخاص بناء على مناصبهم أو على مواقعهم أو على أسمائهم أو على حساباتهم ما يمتلكون من ثروة في البنوك وما شابه. صحيح المفروض أن الإنسان يراعي أقدار الأشخاص ويقدر ويعطي لكل ذي قدر وحق قدره من التكريم والاحترام ولكن هذا لا يعني أبداً أن لا نتعامل مع من هم أقل منا حظًا في مال أو غيره بشيء من الإهانة أو الامتعاض منهم لا لشيء إلا لأن حظوظهم من الدنيا أقل وربي سبحانه هو الذي يقسم الأرزاق. فأنت حين تمشي على سبيل المثال وأنت ذاهب إلى عملك أو إلى أي مكان ترى في الشارع عشرات الأشخاص ما المانع في أن يكون هناك نوع من المبادء التي نتبناها في حياتنا من التلطف أو التبسم أو حلو المعشر؟! ما المانع؟ ما الإشكالية التي يمكن أن تحدث حين يصبح ذلك المظهر من البشاشة والطلاقة في الوجه والإحسان في التعامل شيء معتاد في حياتنا مع الفقير ومع الغني مع القريب ومع البعيد لا نبتغي بها أجرًا من أحد ولا ثناء ولا مدحًا ولكن إكرامًا للرب الذي أمر بإكرام البشر وأمر بالحفاظ على كرامتهم وعدم امتهانهم وعدم النيل من تلك الكرامة بأيّ شكل وبأيّ صورة ولأيّ سبب.

ما بالنا ونحن نتعامل مع أولئك الناس من أصحاب الحظوظ القليلة من حظوظ الدنيا بطبيعة الحال العمّال أو من يعمل لدينا بأي عمل من هذه الأعمال البسيطة المتواضعة، ما الإشكالية في أن فعلًأ يُبسط لهم في الكلام؟! ما الإشكالية في أن يكون الإنسان دأبه في التعامل اللطف والتكريم للطرف الآخر الذي أمامه؟! والتكريم والكرامة الإنسانية كلما زاد بها الإنسان وترقى بها في إنسانيته عادت إليه بالرفعة والقيمة والسمو، لا يمكن أن يكون الإنسان أفضل ولا أحسن حين يكون أكثر على سبيل المثال ترفّعًا على الخلق أو استشعارًا بأنه أفضل أو أكرم على الله أو عند الله من هؤلاء أصحاب الحظوظ الدنيوية القليلة، فليس الذي يرفعنا عند الله عز وجلّ حساب في البنك أو انتساب لعشيرة أو لون أو ما شابه فالرب سبحانه ينظر إلى الأعمال والإنجازات وعلينا نحن كبشر أن نتعامل مع الآخرين بقطع النظر عن أي شيء آخر بتكريم لا امتهان بتواضع وتلطف وتودد لا امتعاض ولا امتهان لعنصر الكرامة الإنسانية الذي هو المعدن الحقيقي للإنسان.

 

https://soundcloud.com/aldu3at/e5gnyflwctmm


islamiyyat