تم إضافته 1 ديسمبر 2015 بواسطة islamiyyat في مقالات عامة
 
 

دروس في العلم والصبر من قصة موسى والعبد الصالح

شروط العلم
شروط العلم

دروس في العلم والصبر من قصة موسى والعبد الصالح

د. أحمد نوفل

19-10-2014
​العلم في هذا الدين ركنٌ ركين وأسٌّ متين، ولسنا نبالغ إن قلنا إنه عماد الدين، ألم يقل المولى سبحانه: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله} [محمد:19]؟ فأساس الدين قائم على العلم.. وأعني به التوحيد. أولم يستشهد الله بالعلماء في قضية توحيده سبحانه: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران:18].

وماذا نقول في العلم وقد وردت مشتقاته في القرآن مئات المرات (إنها حسب ما أحصيته 789 مرة).

وهل أبلغ من أن تكون أعظم تجليات رحمة الرحمن التعليم ببعديه: القرآن والبيان؟ {الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآَنَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:1-4]، وكأنه قال: الرحمن من أجل أن يُعلّم القرآن خلق الإنسان ثم علّمه البيان.

أليس أول عمل زاوله آدم أنه تعلّم؟ فالعلم سابق لكل عمل وإلا فهو الخبط والخلط. وحتى لا ندخل في عموم موضوع العلم وهو بحر بلا ساحل، نقصر حديثنا ونسارع بالذهاب مباشرة إلى المراد: آداب العلم وشروطه في قصة موسى والعبد الصالح في سورة الكهف، ولو كتب في هذه الآيات مجلّد ما كان كثيراً، لكن المقام لا يتسع إلا لأقل من ذلك بكثير، فنحاول تناول بعض النقاط:

1- الإرادة والتصميم في طلب العلم:

يتجلى هذا في قول موسى u: {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} [الكهف:60] إنه يعلن استعداده وتصميمه وعقد العزم على السير أحقاباً من الزمن حتى يبلغ المكان الذي حدّده الله له ليلقى أستاذاً يتلقّى على يديه بعض دروس العلم. (رحلة طويلة شاقة من أجل ثلاثة دروس!).

إنه التصميم العظيم والعزيمة التي لا تتزحزح والقناة التي لا تلين، ومن دون هذا التصميم لا يمكن تحصيل العلم، وقد أطال العلماء في هذا المعنى شعراً ونثراً فلا نكرر ما قالوا ولا نطيل كما أطالوا.

2- الرحلة في طلب العلم والصحبة في الرحلة:

معنيان مهمان، ولقد سنّ علماء أمتنا سُنّة الارتحال في طلب العلم، فيذكر أن الإمام أحمد بن حنبل قطع عشرين ألف ميل ارتحالاً في طلب العلم.. وما من عالم إلا وارتحل في طلب العلم، وخاصة علم الحديث.

وكم تغرّب من أبنائنا في طلب العلم في قارات الدنيا الخمس، ولو كانت ثمة خطة للاستفادة من علم هؤلاء لتغيَّر في حياتنا شيء كثير.

وأما الصحبة فهي معوان على تحقيق المراد؛ فالوحدة وحشة والسفر مظنّة المشقة والأخطار، فالصديق والرفيق في الطريق عون على كل ذلك، والسفر دائماً قطعة من العذاب فيحتاج المرء فيه إلى الأصحاب!

3- التواضع في طلب العلم:

ويتجلى هذا في كثير من مواقف القصة، وكم تكلّم العلماء عن هذا المعنى أيضاً وأكثروا. ولكنا ملتزمون باستقراء النص القرآني في هذا المعنى من قصة موسى والعبد الصالح.. تجلّى هذا المعنى أولاً في أن القرآن لم يُسَمِّ العبد الصالح ليكون هذا بحدِّ ذاته دالاًّ على معنى التواضع، ورادّاً على بني إسرائيل الذين جاءوا يتعالمون على أعلم أنبياء الله محمد e ويسألونه عن ذي القرنين، فقصَّ الله قصة موسى قبل قصة ذي القرنين لتكون ردّاً على تطاولهم.

ونقف عند قول موسى u للعبد الصالح: {هَلْ أَتَّبِعُكَ…}؟ [الكهف:66]، والاتباع السير خلف من تتبعه. أقول: تأمّل التأدُّب من الأعلى رتبة بقوله: هل أتبعك؟ أي أُسلّم لك قيادي وزمامي، وأنت في هذه الرحلة لك الريادة وفي هذه الدورة لك القيادة ومنّي الطاعة والامتثال، ما هذه العظمة؟ ما هذا القدر الهائل من التواضع؟ هذا كليم الله، رسول من أعظم رسل الله، بل من أعظم أولي العزم من الرسل، وهو أكثر الرسل ذكراً في القرآن، وقائد أمة ومخلّص شعب، ومن واجه أعتى طغاة العالم، يقف هذا الموقف أمام شخص لا يعرف حتى اسمه.

إن أول شروط العلم أن تتأدب مع المعلم وتتواضع له، فإن شعرتَ أنك فلان الغني الكبير، أو فلان الأمير، أو الموظف القدير، أو ذو المنصب الرفيع الخطير، فقدتَ الدافع للعلم، وفقدتَ بركة الفتح الرباني على المتعلم المخلص المتواضع.

وتأمّل قوله: {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف:66] كل كلمة تفيض فيضاً بمعاني التواضع.. {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ} الاتباع للتعلّم، ولا أستحيي أن أقول: “تُعَلِّمَنِي”، فلا أحد أكبر من أن يتعلم، وحتى أعلم الخلق e قال الله تعالى عنه: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:5] أي جبريل u.

ثم قِفْ عند {مِمَّا عُلِّمْتَ} أي تُعلّمني بعضاً يسيراً من علمك.

درس كبير نتعلمه من موسى u، ولاحظ كلمة {رُشْداً} في محلها وموقعها، والرشد قمة نضج العقل، وحسن التصرف، وقمة الحكمة في وضع الشيء في موضعه، وموسى يعلن بهذا أنه آت ليستفيد الرشد، كل كلمة تنبئ عن تواضع؛ فهذا أساس من أسس طلب العلم، وكلمة شوقي دوّت في الخافقين في شأن المعلّم.

4- وضوح المعلّم مع طالب العلم:

يتجلى هذا في قول العبد الصالح لموسى u: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [الكهف:67] وليس المعلّم ينفّر المتعلّم ويهزّ ثقته بنفسه، معاذ الله، ولكنه يحذّر من أن المادة الدراسية صعبة والمساق الصعب يحتاج إلى مزيد من الصبر، ويحتاج إلى توطين النفس سلفاً على بذل مزيد من الجهد ومزيد من السهر والعمل والدأب في التحصيل والتعب في اقتباس المعلومة واقتناص الفائدة والعود بأحسن الفوائد والعوائد.

5- الصبر في طلب العلم:

الصبر زاد في رحلة الحياة أيّ زاد، والصبر ملح الأخلاق، وأهم من هذا فقد قيل: إن الصبر نصف الدين، وهو وصفة لكل المواقف: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة:45] وهل الصوم إلا صبر؟ وهل من سلاح للجندي في المعركة أمضى من سلاح الصبر؟ وهل للمريض عدة إلا الصبر؟ وهل لطالب العلم دافع وعون أقوى من الصبر؟ ولا نبالغ إن قلنا إن الدورة التي دخلها موسى تنقسم قسمين: علمٌ وصبر، وإن شئت جعلتهما شيئاً واحداً: تعلّم الصبر!

وستسمع كلمة الصبر تتردد في القصة مرات، وهل تتوقع أن مجموع مرات ورود كلمة الصبر في القصة سبع مرات؟ ذلك ليدلّك على أن أعظم ما يثبّت طالب العلم في طلب العلم الصبر، ثم يفسّر العبد الصالح لموسى u لماذا قال له: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} فيقول مبرِّراً مفسِّراً: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [الكهف:68] إن الإنسان لا يصبر على ما يجهل حكمته! وفي ردّ الجواب قال موسى: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله صَابِراً} [الكهف:69]، ولاحظ أنه قدّم المشيئة على قراره بالصبر، وتأمل قوله: {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} إنه قمة ما مرّ من أدب وتواضع، سأطيعك ولا أعصي لك أمراً واحداً أيّ أمر!

وفي نهاية القصة يقول العبد الصالح لموسى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} [الكهف:78] وبعد أن فسَّر له زال عنه ما كان يعتريه من قلق وبلبال قال: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} [الكهف:82].

هذا غيض من فيض معاني قصة موسى والعبد الصالح في سورة الكهف، ركّزنا منها فقط على أدب العالم والمتعلم كما تجلّى في القصة، وفي القصة جوانب أخرى، ولكلٍّ وجهة.

شروط العلم


islamiyyat