تم إضافته 14 مارس 2014 بواسطة islamiyyat في مقالات عامة
 
 

صوتيات القرآن الكريم واستقرار العربية

1939643_347188872115516_5697319828779498368_n
1939643_347188872115516_5697319828779498368_n

صوتيات القرآن الكريم واستقرار العربية :
من كتاب: العربية وعلم اللغة الحديث
د. محمد داوود

لقد كان التلقى الشفهى هو الأساس فى انتقال القرآن الكريم من جيل إلى جيل، بداية من سيدنا جبريل ـ عليه السلام ـ إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وصولاً إلى زماننا الحاضر وهكذا حتى تقوم الساعة.

ولهذه الخاصية (المشافهة) آثار تصل إلى حد الإعجاز، لكن إلف العادة هو الذى يمنعنا أو يحجب عنا ملاحظة نواحى الإعجاز. ولكن إذا ما قورنت العربية بغيرها من اللغات وما حدث لها من تغير، فإن ذلك يظهر أثر القرآن فى الاستقرار الصوتى للغة العربية، وكذلك فى وجوه الإبداع الصوتى، على نحو ما يظهر من العرض التالى:
أولاً: الفاصلة بين التناسق الصوتى ورعاية المعنى:
أود هنا ـ بداية ـ توضيح ملاحظة تتصل بأدب السلف من صالحى هذه الأمة حيث أطلقوا على نـهايات الآيات القرآنية تسمية ” رؤوس الآيات “، تمييزًا لها عن مصطلحات الشعر والنثر، ففى الشعر نقول: صدر البيت وعجزه، وفى النثر نقول: بداية الجملة ونـهايتها، فبداية الآية عندهم كنـهايتـها: ” رأس “، أى مستوى من الارتفاع والارتقاء لا ينتهى ولا يهبط أبدًا، والوقف عند الرأس يشعر بأن آيات القرآن قِمَـمٌ يرقَى القارئ إليهـا، وكلما مضى فى القراءة ازداد رُقِـيًّا، فهو صاعد أبدًا، حيث يقال لقارئ القرآن: ” اقرأ وارقَ، فإن منـزلتك عند آخر آية تقرؤها “.

ومعلوم أن رؤوس الآيات توقيفية، أى كما جاءت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والملاحظ فى رؤوس الآيات التناسب الصوتى الذى يلفت الانتباه وتستريح له الأذن، إلى حد يأخذ بالنفس، ولعله كان أحد الأسباب التى جعلت الوليد بن المغيرة يقول بعد سماعه القرآن الكريم: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وهما من حسِّ اللسان وحسّ الأذن.

وإذا ما أحببنا محاولة الكشف عن الظاهرة بأسلوب علمى، وذلك بتتبع أصوات الحروف والحركات التى تكوِّن هذه الفواصل، بـهذا التناسق الصوتى المبدع، فإننا نلاحظ التالى:
ـ كثرة ورود الحركات، وبخاصة الطويلة (حروف المد: الألف، والواو، والياء)، بما لها من نغمات منتظمة تسيطر على لحن الكلام.

ـ كثرة ورود الصوامت المتوسطة (النون – الميم – الراء – الواو – الياء)، وهى قريبة – من الناحية الفيزيقية – إلى طبيعة الحركات، التى تسهم فى خاصية التنغيم الشجىّ بشكل واضح.
ـ تسهم بعض الظواهر الصوتية فى الأداء القرآنى (المد والغنة) فى تحقيق التناسق الصوتى المبدع داخل النص القرآنى.

وكل هذه العناصر الصوتية لا تكون بـهذا التناسب الفريد فى غير القرآن من فنون الشعر والنثر.


islamiyyat