تم إضافته 22 ديسمبر 2016 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

في رحاب سورة الرحمن – 2 – د. محمد صافي المستغانمي

IMG-20160122-WA0003
IMG-20160122-WA0003

في رحاب سورة

د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1436 هـ

الحلقة 2 – في رحاب سورة الرحمن

تقديم الإعلامي محمد خلف

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

يعرض مساء الأحد الساعة 9 ليلا بتوقيت مكة المكرمة ويعاد الإثنين الساعة 11.30 ظهرًا.

أسماء السور

للسور القرآنية أسماء وعناوين، هذه الأسماء استقاها الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك ورد في الآثار أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول ضعوا هذه بين هذه وهذه  وكان يلقب السور (اقرأوا الزهراويين)، سورة بني إسرائيل (سورة الإسراء). أسماء السور توقيفية، الفاتحة لها أسماء عديدة فهي سورة الحمد وأم القرآن والسبع المثاني والشفاء والأساس. الصحابة ومن تبعهم استوحوا بعض الأسماء للسور. سورة البقرة سميت لورود قصة البقرة فيها، سورة التوبة لها أسماء كثيرة الفاضحة برآءة والمقشقشة والتوبة، بعد كل آية فيها فضح للمنافقين تأتي الدعوة للتوبة. اسم السورة الأساس التوبة ولها أسماء هي صفاتها: المقشقشة، الفاضحة وغيرها.. سورة الزمر سميت بسبب ورود (الزمر) فيها، والسورة لا تتحدث فقط عن زمرة المؤمنين وزمرة الكافرين وإنما تتحدث عن زمر كثيرة، منها زمرة المخلصين

في رحاب سورة الرحمن

سورة الرحمن تسمى عروس القرآن كما ورد في الحديث الذي رواه البيهقي.

لماذا نبدأ بسورة الرحمن؟ هي نموذج

وسورة الرحمن سورة محببة للناس وفيها اسم الله الرحمن الذي يفتتح به القارئ قرآءته في كل سورة عدا سورة برآءة

يكفي السورة شرفا أنها سميت (الرحمن) سورة فاطر وغافر فيها من صفات الله لكنها لم ترد صريحة (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) غافر) جاء اسم غافر في سياق الآية تسمى سورة غافر وتسمى سورة المؤمن (فاطر السموات) أتت في سياق الآية أما سورة الرحمن تفردت باسم (الرحمن) وتسميتها عروس القرآن ورد في الحديث رواه البيهقي. (الرحمن) هي اسم السورة وهي بمفردها آية هي أول آية في السورة اسم الرحمن يأتي في أول آية ويأتي اسم الله منفردا في آية واحدة بدليل التوحيد والآية الثانية (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) الرحمن) ثلاثة، (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) الرحمن)  ثلاثة. (الرحمن) المعنى مقصود والاختيار اللفظي والصوتي مقصود.

الرحمن تتجلى رحمته في: علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، هذه السورة كلها رحمات وسمى الله رحمته في السورة آلآء (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)) وهي جمع أليٌ وإلي بمعنى رحمة وهذه آلآء، فبأي رحمة ربك تكذب أيها الإنسان؟! وأيها الجان؟! تكررت هذه الآية في السورة شعار وخصيصة من خصائص سورة الرحمن ولا يوجد في القرآن سورة تكررت فيها آية 31 مرة، سورة المرسلات تكررت فيها آية (ويل للمكذبين) 8 مرات فقط. أما سورة الرحمن فتكررت (فبأي آلآء ربكما تكذبان) 31 مرة وكل مرة يهز الوجدان ويحرك النفس وهي خطاب للثقلين والرسول صلى الله عليه وسلم لما قرأها على الصحابة كانوا سكوتا وخشوعا ومن أدبهم يسكتون فلما قرأها عليهم كانوا سكوتا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني قرأتها على الجن (في أرض نخلة استمعوا القرآن) فلما سمعوا سورة الرحمن وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآية (فبأي آلآء ربكما تكذبان) فكانوا أحسن جوابًا يقولون ولا بشيء من آلآئك ربنا نكذب.

سورة الرحمن خصها الله برحماته ولكن الترتيب عجيب وطريقة عرضها عجيبة. بدأها الله سبحانه وتعالى بنعمة القرآن أعظم نعمة، الكون نعمة عظيمة وتسخيره نعم عظيمة لكن أعظم ما أعطانا الله القرآن علم القرآن لمصلحة الإنسان وكان المقتضى العقلي أن يقال – في غير القرآن – الرحمن خلق الإنسان علمه القرآن ولكنه قال (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ) القرآن أعظم رحمة وبعد ذلك هذا الإنسان الذي خلقه الله علّمه البيان حتى يستفيد من هذا القرآن فالقرآن هو أس الرحمات وهو أعظم نعمة وهي خصيصة للإنسان. ثم انتقل إلى النعم الأخرى، شخصية سورة الرحمن هي الآلآء والرحمات من البداية إلى النهاية وكلما ذكر نعمة يشفعها بآية (فبأي آلآء ربكما تكذبان) مع أن سورة النحل هي سورة النعم ذكرت عددا من النعم لكن سميت سورة النحل والنحل والعسل والشفاء نعمة أيضًا. إذا كانت سورة النحل سورة النعم فما الحاجة لسورة الرحمن سورة الآلآء؟ لا تكفي سورة النحل مع أن الله تعالى عدد فيها كثيرا من النعم في 15 صفحة عدّدها في حزب ونصف لكن سورة الرحمن سورة موجزة سورة عجيبة الإيقاع ألفاظها تختلف عن سورة النحل، هناك نعم وهنا آلآء، في الدعاء نشكر الله على نعمه العظيمة وآلآئه الجسيمة، هذه مترادفات لكن الآلآء أعظم في بيان معنى النعم.

ثم تأمل الإيقاع الصوتي في آيات سورة النحل (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) العالم كله يسجد العالم العلوي والعالم السفلي.

مجمل السورة

سورة الرحمن الراجح أنها مكية كما ذكر العلماء في التفسير، الراجح من لغتها وخصائصها وإيقاعها الصوتي أنها من القرآن المكي وقال بعض العلماء نزلت بعد الفرقان والتي ورد فيها تساؤل المشركين (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) الفرقان) فجاءت سورة الرحمن جوابا عن قولهم تعرّفهم به وسورة الفرقان مكية وسورة الرحمن مكية (وما الرحمن) ومعظم آياتها تتحدث عن خصائص القرآن المكي عن العقيدة، التوحيد، آلآء الله ورحماته، خلق الإنسان، خلق الكون، عن الجنة وعن النار ووصفهما.

ورد في سورة الرحمن بأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جهر بها ولاقى أصنافًا من العذاب بجهره بهذه السورة لما نزلت آية (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) الحجر) قام عبد الله بن مسعود وكان قوي الإيمان رغم نحولة جسمه ودقة ساقيه فجهر بسورة الرحمن في مكة فسمعوه قريش فأوسعوه ضربا وشتما حتى أثّروا في وجهه.

سورة الرحمن سورة الآلآء لأن الله تعالى عدد فيها الآلآء والنعم. كل ما جاء في سورة الرحمن آلآء:

  • أول الآلآء علّم القرآن وهي أعظم نعمة
  • نعمة خلق الإنسان من عدم
  • نعمة علمه البيان، علم البيان لمن خلق من الإنسان من أجل أن يخدم القرآن. علم القرآن قدمه لأهميته (قدّم العلّة على المعلول لأهميتها).
  • تسخير الشمس والقمر (بحسبان) بحساب دقيق لمصلحة الإنسان، (بحسبان) حسبان أكثر مبالغة وأدق من كلمة حساب نقول خسر خسرا خسارة خسرانا، (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12)الإسراء) حسبان أكثر مبالغة من الحساب. وحسبان تناسب الإيقاع الصوتي والفاصلة القرآنية للسورة

كل ما ورد في القرآن من تعابير ورد في سورة الرحمن قمته: حساب، حسبان، اختص العالم السفلي بالنجم هنا (النجم والشجر) النجم يقول العلماء له مدلولان نجم السماء والنبات الذي لا ساق له، قد يكون النجم هو النبات الذي لا ساق له والشجر له ساق وكلاهما يسجد فحتى تحدث المقابلة: مقابلة بين الشمس والقمر (علويان) والنجم والشجر (في الأرض) والنجم يقصد به النبات بلا ساق والشجر نبات بساق والكل يسجد. خصص الشمس والقمر من بين النجوم وخصص النجم والشجر. ثم العالم العلوي (والسماء رفعها ووضعها الميزان) العدل، ثم أرضي (والأرض وضعها) مجيء الأرض بعد السماء فيه مقابلة رائعة.

استعمل أليق الألفاظ وأجملها بصورة الآلآء في السورة (والسماء رفعها) هنا رفعها وفي آيات أخرى (والسماء بنيناها) والرفعة غير البناء كما ورد في غير سورة وجاء الفعل مسندا لله تعالى جلّ جلاله بينما ورد مبنية للمجهول (وإلى السماء كيف رفعت) في سورة الغاشية.

الميزان دليل العدل، إيقاع صوتي وفاصلة (الميزان) ورد 3 مرات في السورة للتأكيد ، لأن الله أنزل القرآن ليحكم به البشر تأكيدا على العدالة لأن الميزان هو أساس العدالة (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)الحديد) إيقاع صوتي. والتكرار يؤكد أن الإنسان مطالبٌ أن يحكّم هذا الميزان، ميزان القرآن ميزان العدل في الحياة وهذه من الرحمة.

(والأرض وضعها) بسطها، خفضها، ذللها، مدّها، (وضعها) مقابل (رفعها) للسماء ولغة العرب جمالها في الأضداد وفيها جناس. في القرآن تكلم عن الأرض (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)الحجر) (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30)النازعات) (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)الغاشيه) (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا (15)الملك)

انسيابية الفعل وضع، وضع مقابل رفع وكلمة (وضع) استعملت في القرآن في الأشياء الجميلة (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14)الغاشيه) في الجنة، الله وصف أكواب الجنة أنها موضوعة. (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10)الرحمن) والأنام هم الإنس والجن والبعض يقول على كل خلق الله كل من يمشي على الأرض لو قال وضعها للناس يختلف المعنى والناس مستعملة في كل القرآن وهنا استعمل لفظ خاص (للأنام) في سورة الرحمن. فالسورة فيها خصوصية خصوصية في اختيار الألفاظ، خصوصية في الإيقاع الصوتي، خصوصية في (فبأي آلآء ربكما تكذبان) مكررة كل مرة تهز الوجدان أيها الإنسان أيها الجان بأي آلآء ربكما تكذبان.

ثم فصل الحديث عن الأرض (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11)الرحمن) الكم هو كل غطاء التمر الأكمام المتدلية، كم متدلي وكل غطاء فهو كمّ فكل ما يغطيها من طلع وسعف هو أكمام، وذكر النخل في سور أخرى فقال في سورة ق (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10)ق) بوصف آخر (لها طلع نضيد) وفي سورة الأنعام (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ (99)الانعام) في سورة الشعراء (وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148)الشعراء). قال (والنخل ذات الأكمام) تتناسق مع الجنان وصفها (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48)) أغصان متدلية زيادة في الجمال.

ذكر العصف المأكول هو التبن (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)الفيل) كل ورق الحبّ هو عصف يكون أخضر ثم ييبس فيسمى تبنًا. عندما يكون أخضر يكون جميلا.

وصف القرآن الحب (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28)عبس) وصف مطلق وفي الأنعام (حَبًّا مُتَرَاكِبًا (99)الأنعام) طبقات مثل السنبلة في سورة ق قال (وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9)ق) الحب الذي من شأنه أن يُحصد، المحصود. مرة قال حب متراكبا ومرة حب الحصيد وفي الرحمن قال (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)الرحمن) اختص السورة بأجمل الألفاظ والأوصاف. كل لفظ في مكانه وسياقه هو الأجمل.

الريحان كل نبات ذي رائحة جميلة.

(ذو العصف) يعود على الحب والريحان هو نبات ينبت في مزارع القمح والبر والشعير. ذو العصف وصف للحب فقط.

(فبأي آلآء ربكما تكذبان) الخطاب للثقلين على الرغم أنه لم يذكرهما في بداية السورة.

ثم يتحدث عن خلق الإنسان بعد أن ذكر الأرض والنخل والحب والريحان يتحدث مرة أخرى عن خلق الإنسان مع أنه تحدث في البداية عن الإنسان لأن كل شيء مسخّر للإنسان أنزل الله القرآن ليعلم الإنسان وكل شيء مسخر للإنسان وتحدث عن السماء والشمس والقمر والبحر والحب كل شيء مسخر للإنسان فمن الطبيعي أن يبدأ التفصيل بنعمة خلق الإنسان، كل السورة مبنية لفائدة الإنسان والجان.

في مطلع السورة (علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان) خلق الإنسان في بداية السورة متعلق بأن خلق الإنسان لأجل أن يتعلم بيان القرآن وبعدها خلق الإنسان جاء بعد ذكر تسخير الكون له ليعمر الأرض ويطبق شرع الله ويسبح بحمد الله ويدين له بالعبودية.

خلق الإنسان من صلصال نعمة عظيمة، خلق الإنسان من صلصال كالفخار وورد في غير موضع (مِنْ طِينٍ 2 الأنعام) (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)الحجر) (مِنْ تُرَابٍ 37 الكهف) (مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11)الصافات) أيهما أصح؟ من أيّ شيء خلق الإنسان؟ كل سورة لها ولها ألفاظها ولها قالبها الصوتي لها واختياراتها. الأصل خلقنا من تراب فإذا خلط بالماء صار طينا ثم إذا مضى عليه وقت يصبح صلصال هذه كلها أطوار. في سورة الحجر عندما ذكر فيها المكذبين قال (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)الحجر) نار سوداء كالحة لفظ فيه قوة وشدة لأن المقام يقتضي ذلك. بينما في سورة الرحمن اختار أجمل الأطوار (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14)) الفخار طين مطبوخ وحتى الجان ذكر الله أنه خلقه من مارج من نار (أجمل ما في النار) ليتناسب مع سياق السورة وجوّها والحمأ المسنون يتناسب مع سورة الحجر.

(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)الرحمن) مشرقين ومغربين لأن السورة مبنية على الازدواجية والسورة مبنية على الخطاب للثقلين، فقال رب المشرقين ورب المغربين. إذا نظرنا لجهة واحدة لدينا مشرق ومغرب وإذا نظرنا بالنسبة لكروية الأرض هناك مشرقان ومغربان، وثمة مشارق ومغارب. لما أراد الله التوحيد في سورة القبلة ذكر (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ 28 الشعراء) مشرق ومغرب واحد، في سورة الشعراء والمزمل (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ 9)، في سورة الرحمن مبنية على الازدواجية (رب المشرقين ورب المغربين) وفي سورة المعارج (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40)) قسم والأفضل أن يقسم برب المشارق والمغارب.

معالم سورة الرحمن

كل ما ورد فيها من تعبير جاء على أجمل تعبير. في سورة النحل وسورة فاطر (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا 14 النحل) الحلية هو كل ما تتحلى به المرأة، سورة النحل سورة النعم وسورة فاطر سورة الملائكة، في سورة الرحمن يقول (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22)الرحمن) هي حلية لكن خصص هنا وبيّن أي نوع وهذا يليق بعروس القرآن.

في سورة الفرقان قال (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)) حجر وبرزخ حاجزا وحجرا كأن أحدهما يقول للآخر ابتعد عني واسم السورة الفرقان كأن البحر الحلو يقول لزميله أتعوذ منك أما في سورة الرحمن (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20))(يلتقيان لا يبغيان) كأنهما يتصافحان يتناسب مع جو السورة (بينهما برزخ لا يبغيان) ولا يختلطان. كل تعبير ورد في القرآن ورد في سورة الرحمن بشكل ألطف.

وصف الله الحور العين في سورة الصافات (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)) متاسويات في السن (قاصرات الطرف عين) (كأنهن بيض مكنون) وفي سورة الرحمن (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)) لا إنس مسها ولا جان، (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58)) تعبير أجمل وأليق بالعروس الياقوت والمرجان. كل ما وصفه الله من نعم في السور الأخرى ورد في الرحمن بأجمل صورة ولفظ.

حتى المعاني التي فيها شدة (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ (44)) (يطوفون) عادة تستخدم في الجنة في العادة (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17)الواقعة) والأصل في النار كما في سورة غافر(إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72))وهنا قال (يطوفون) حتى في النار جاءت الألفاظ على أجمل تعبير لتتناسب مع عروس القرآن.

سورة الرحمن مزينة بألفاظها عروس في ما انتقت ووردت فيها من ألفاظ لم ترد إلا فيها (أفنان، الأنام، ياقوت، نضاختان، مرجان، مدهامتان، آلآء، …) سورة عروس ومن قرأها يعيش في الآلآء التي بسطها الله.


islamiyyat