تم إضافته 15 مايو 2016 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

في رحاب سورة الشعراء 5 – د. محمد صافي المستغانمي

IMG-20160122-WA0002
IMG-20160122-WA0002

في رحاب سورة – د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ – تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة الشعراء – 5

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

المقدم: في الحلقة الماضية أسدلنا الستار على مشهد من مشاهد موسى مع فرعون، لأن القصة كأنها دراما تمثيلية في هذه السورة من بداية تكليف موسى عليه السلام بالدعوة ثم دعوة فرعون ثم التحدي مع السحرة، انتهينا من تحدي السحرة وغلبة موسى لهم ودخول السحرة في الإسلام وتهديد فرعون للسحرة وبني إسرائيل  إلى أن قال الله تعالى (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٥٧﴾ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٥٨﴾ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿٥٩﴾ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ﴿٦٠﴾) ثم نأتي إلى مشهد آخر. لما قال الله سبحانه وتعالى (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) من المقصود؟ هل أخرج بني إسرائيل أم أخرج فرعون؟

د. المستغانمي: قوله تعالى (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) هو تعليق عن القصة السابقة، لما غلبت المعجزة الإلهية الموسوية سحر السحرة انقلبوا ساجدين وآمنوا برب العالمين وأسدل الستار على هذا المشهد. بعد زمن طويل ومحاولات من موسى عليه السلام وهارون لكي يخرجا بني إسرائيل معهما من قبضة فرعون الحديدية لم يشأ وكان يتلكأ وكل مرة يأتيهم بأشياء وكل مرة يقول يا موسى ادع لنا ربك أن يفعل كذا، أن يفعل كذا إلى أن رأوا من الآيات ما رأوا حتى في سورة الأعراف (تسع آيات) القمل والضفادع والدم، لئن كشفت عنا كذا لنفعلن كذا، كل مرة ويخلفون عند كل موعد جديد بعدها بعد فترة (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) فخرج موسى وخرج فرعون والحاشرون وجنوده خلفهم. هنا بعد ذلك الخروج لم يخبرنا الله ماذا حدث فأتى هذا التعليق المعترض، هذه جملة اعتراضية (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ). أين كان فرعون وجنوده وقومه؟ كانوا يعيشون في جنات ونعيم وعيون وأنهار، أما بنو إسرائيل فكانوا في ذل ذليل وكانوا مستعبَدين وتحت القهر وفرعون هو القائل (أليس لي ملك مصر) كان ذا ملك كبير في المدائن وسدنته وخدمه وجندوه كانوا يعيشون معه تلك العيشة.

المقدم: (وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهل يرث بني إسرائيل فرعون؟

د. المستغانمي: أورث لله بني إسرائيل ذلك المجد وتلك الحياة الرغيدة وليس شرطا أنها في مصر، هو فتح لهم في بلاد الشام وتاريخيا لم يثبت أن بني إسرائيل عادوا إلى مصر وملكوا مصر إنما أورثهم مشارق الأرض ومغاربها (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأعراف: 137] ذهبوا إلى الشام وورثوا مجدا عظيما عندما آمنوا بموسى وعندما عادوا وكفروا عاقبهم.

قال (مشرقين) إلى البحر الأحمر لما ننظر إلى المدائن التي كانت في مصر، ذهبوا إلى الشرق. (مشرقين) تحتمل معنيين في اللغة العربية: أشرق ذهب إلى الشرق ولكن أيضًأ مشرقين عند شروق الشمس، تحتمل المعنيين. لكن موسى وبنو إسرائيل سروا ليلًا (أن أسر بعبادي) وكانت المسافية بينهم ساعات الليل، عند الشروق كان الحاشرون جاهزين، موسى ومن معه ذهبوا ليلًا بينما اتبعهم فرعون وجنوده في النهار بعد شروق الشمس عندما جمعوا جنودهم وقواهم.

(فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٥٧﴾ وَكُنُوزٍ) الكنوز في اللغة العربية هي الأموال المدّخرة ولم يقل (وأموال) لأنهم كما قال أحد المفسرين لم يقوموا بتزكيتها، الكنز هو الذي لا يزكّى فإذا زكيته صار مالًا حلالًا، الكنز هو المال المدخر الذي لا يُزكّى وفي هذا إشارة إلى شحّهم، إشارة إلى بخل فرعون وجنوده لم يكونوا يزكّون أموالهم أما إذا أديت زكاة الكنز أصبح مالًا عاديًا. قارون كان يكتنز المال (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) [القصص: 76]

(وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) هي المساكن الجميلة الهنية القصور التي كانوا يمتلكونها أخرجهم إلى الغرق جزاء وفاقًا بما عملوا.

المقدم: نأتي إلى مشهد التقاء الجمعين، الله سبحانه وتعالى يقول (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١﴾) هم لم يلتقوا ولكن ترآؤا

د. المستغانمي: الفريق الأول رأى الفريق الثاني والفريق الثاني رأى الفريق الأول، (تَرَاءَى الْجَمْعَانِ) تبادلوا الرؤية، الرؤية مشتركة (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ) وهذا من حكمة الله كأن موسى تباطأ نوعًأ ما هو ومن معه في الطريق إلى أن لقوا البحر من أمامهم والعدو من ورائهم فأدركهم فرعون وجنوده كانوا على مرأى العين.

المقدم: هل هذا الكلام تاريخيًا أو جغرافيًا حصل في البحر الأحمر؟

د. المستغانمي: نعم كانوا يسمونه تاريخيًا بحر القلزم، ثم عبروا إلى سيناء ثم إلى بلاد الشام. فلما ترآءى رأى كل فريق الآخر، قال أصحاب موسى (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) يقين، أيقنوا بأنهم مدركين من قبل فرعون وجنوده، انظر إلى الأسلوب قالوا (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) لم يقولوا أدركنا وإنما (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) بالجملة الإسمية وإنّ المشددة واللام المزحلقة، يعني البحر أمامنا وفرعون وراءنا إنا لمدركون، فقال لهم موسى (كلا) أداة إبطال نافية رادعة، لا تقولوا هذا الكلام ومردود عليكم هذا الكلام (كلا) أداة ردع قوية جدًا. (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿٦٢﴾) هذه المعية تحدث عنها العلماء قال المفسرون قال: إن معي ولم يقل إنا معنا وقد كان معه ستمائة ألف، عدد كبير، قال (إن معي) بعض المفسرين قال: لم يكن بنو إسرائيل على علم بما وعده الله وهو وأخوه هارون كانا على علم (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾) وفي آية سورة الشعراء (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) الله تعالى ثبت قلب موسى وثبت قلب هارون فهو يدري أن الله معه. ثانيًا لما رأى البحر أمامه القضية لا تتطلب ذكاء ولا قوة بدنية وإنما تتطلب معجزة، وهو الرسول فقال (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) سيدلني على ما أفعل وسيوضح لي سبيلي.

بعض المفسرين وقف عند مقارنة جميلة: موسى عليه السلام قال (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) بينما محمد صلى الله عليه وسلم في الغار هو وأبو بكر قال (إن الله معنا) لم يقل معي وإنما قال معنا، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، إيمان أبي بكر وصل مرحلة الصديقية، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثاني رجل في الأمة، فالحفظ تناولهما والخطاب لهما (إن الله معنا) إيمان بني إسرائيل في تلك المرحلة لم يرق لإيمان أبي بكر الصديق، كان إيمان بني إسرائيل في تلك المرحلة متزعزعًا بدليل ما إن عبروا البحر الأحمر حتى رأوا أناسا يعبدون إلهًا فقالوا (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) [الأعراف: 138] لم تجف أقدامهم من البحر الأحمر طلبوا صنمًا وقالوا اجعل لنا إلهًا، فإيمانهم لا يرقى لإيمان أبي بكر فالمعية شيء عظيم ولذلك موسى عليه السلام أجابهم (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)

المقدم: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴿٦٣﴾) لماذا ذكر هنا (أن اضرب) ولم يقل فأوحينا إلى موسى اضرب؟

د. المستغانمي: ذكرنا سابقا (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠﴾) الفعل نادى ليس صريحًا في القول والفعل أوحى ليس صريحًا في القول لذلك يحتاج إلى (أن التفسيرية) أوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك، لو قال له قلنا لموسى لقال (اضرب بعصاك). (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) الله أمره أن اضرب فانفلق هنا كلام محذوف تقديره (فضرب) وهذه تسمى الفاء الفصيحة، في اللغة العربية الفاء الفصيحة التي تعطف على أمر محذوف، هذا المحذوف يذكره كل عاقل لبيب متدبر لكلام الله وإلا لا يعقل (أن اضرب فانفلق)، أن اضرب فضرب فانفلق.

(فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) الطود هو الجبل العظيم الأشم، من خصائص الماء الاستطراق، الماء الذي ضربه موسى بمعجزة من الله أصبح كالجبل كالطود، وقف شامخا كالجبل أبطل الله خاصية الاستطراق للماء، الماء لا يكون كالجبل، هذه الخواص التي يبطلها الله معجزة لأنبيائه ورسله كما فعل مع إبراهيم عليه السلام (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) الأنبياء) من خصائص النار الإحراق، إذن هذه هي المعجزة تفوق ما لدى البشر.

(كالطود) كافية لكن قال (كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) تخيّل البحر الأحمر أصبح جبلين اثنين، لكن بين كل سبط وسبط طريق لأن بني إسرائيل كانوا اثنا عشر سبطًا والسبط فريق والسبط هو ابن البنت، الحفيد ابن الولد والسبط ابن البنت (أسباطا أمما) تشكلت قبائل بنو إسرائيل فأصبحت تسمى أسباطًا. لكن في الجذر اللغوي ابن البنت يسمى السبط ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عن ابنا بنته الحسن والحسين “هما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

هنا تقنية لغوية (فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ) ما قال فأصبح كل فِلق، انفلق وانفرق كلمتان متشابهتان تختلفان في الراء واللام وهما من نفس المخرج مثل بكّة ومكّة تختلفان في الباء والميم وكلاهما من نفس المخرج، هذه تقنية لغوية.

(وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ ﴿٦٤﴾) من هم الآخرين؟ يعني بهم هنا بني إسرئايل، دخل موسى عليه السلام بعدما ضرب البحر فانفلق وصار يبسًا كما ورد في سورة طه (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ﴿٧٧﴾) فمشى موسى وبنو إسرائيل معه هنا تدخلت الحكمة الإلهية (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ) أزلفنا بمعنى قرّبنا أدنينا (وأزلفت الجنة للمتقين) قرّبت، وهنا قال (ثم أزلفنا) هذا التجاذب بين ألفاظ السورة ذاتها، من حكمته جلّ وعلا أن قدّم  بني إسرائيل حتى كادوا يلحقوا بموسى ومن معه، (أزلفنا) فرعون وجنوده، لدينا فرقة فرعون ومن معه ولدينا فرقة موسى ومن معه، موسى ومن معه هم المتقدمون الأولون وفرعون ومن معه (الآخرين). (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ) قرّبنا فرعون وجنده، لماذا قرّبهم الله؟ حتى يزدادوا انجذاباً لموسى ومن معه لأن موسى ومن معه لو اجتاوا البحر الأحمر وبقي فرعون وجنوده عند الشاطئ الثاني قد يدخل شيء من التواني والكسل بأن أولئك قد مروا وابتعدوا، لكن عندما اقتربوا منهم ازدادوا طمعًا في القضاء عليهم، مشهد عجيب لذلك جاءت جملة (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ) حتى ظنّ فرعون ومن معه بأن بني إسرائيل مدركون وفي قبضة يده، أصبح موسى ومن معه يقتربون من الشاطئ وفرعون ومن معه يتبعهم وهذا من جنونه وحمقه لأنه هو يعلم أن موسى رسول الله وقد شهد كل المعجزات وآخر معجزة أنه ضرب البحر فانفلق وهذه معجزة فقد كان بحرا قبل قليل وبما أن الله فتح له البحر وفلق له البحر فلماذا يتبعه فرعون؟! هنا الغطرسة وشدة الملوك كان يدّعي الألوهية فازداد طمعًا في إدراك موسى ومن معه مما سهل عملية خروج موسى ومن معه (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ﴿٦٥﴾) أجمعين لم يتخلف أحد ممن خرج مع موسى (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴿٦٦﴾) كلهم دون استثناء. نهاية مأساوية درامية وحبكة كيف قاده غلوه وكفره وشركه وظلمه إلى هذه النهاية المأساوية.

في سورة يونس والأعراف يكمل الله عز وجلّ المشهد، وهذا جمال القرآن وجمال القصص، في سورة يونس لما أدركه الغرق قال (قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) حتى لم يستطع أن يقول من هو الإله وإنما قال الذي آمنت به بنو إسرائيل فأنا معهم! (آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٩١﴾) تكررت كلمة (الآن) في سورة يونس، ثمة مشهد رسم بلغة سورة يونس.

المقدم: كلمة (الآن) وردت في القرآن كثيرا لكنها في سورة يونس تُقرأ بمدّ البدل

د. المستغانمي: لأنه سبقها استفهام (آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) ولم يسبق (الآن) استفهام في القرآن إلا في سورة يونس في موضعين، وللقرآن أسرار. كنت أقرأ في سورة الشعراء لدى بعض المفسرين ووقفت عند صاحب تفسير المنار الأستاذ محمد رشيد رضا المفسر السلفي المعتدل عندما تحدث عن القصص القرآني كيف تكرر بصورة إعجازية، لو كان هذا القرآن من صنع محمد ما يستطيع كاتب بليغ مسقع مهما أوتي من بلاغة الكلام أن يروي لنا قصة موسى في سورة الشعراء بثوب لغوي وفي يونس بمشهد وبثوب لغوي آخر يناسب السورة وفي الأعراف في حوالي عشر صفحات وفي سورة القمر عندما ذكر قصة نوح عليه السلام عندما دعا ربه، مشاهد تختلف، فأيّ بليغ يعبّر عن قصة بعشرة أثواب؟! وكلها أبلغ ما تكون، هذا كلام رب العالمين.

المقدم: (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ) الآخرين يقصد بهم فرعون وجنوده وانسدل الستار على آية تتكرر في السورة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٦٧﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٦٨﴾) ما المقصود بالآية هنا في قصة موسى؟

د. المستغانمي: الآية عنا هي المعجزة، العبرة. هي كلها آيات، إما آيات القرآن أو آيات الكون أو آيات العبرة (إن في ذلك لعبرة) لعلامة قاطعة على قوة الله عز وجلّ. سورة الشعراء بنيت على آية (تلك آيات الكتاب) سواء كانت المقروءة أو المشهودة. العبرة أمة كانت ذات سؤدد وجاه ومال تعيش في جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، كان له من الجنود ملايين، بين لحظة وأخرى غيّر الله الأمور وأنجى الله بني إسرائيل في صحبة موسى كليم الله وأغرق فرعون وجنوده الذين كانوا يملأون الأرض بطشا وظلما، أليس في ذلك آية؟! كيف زالت دولتهم؟ هل هذا محض صدفة؟!، لا، إن في ذلك لعبرة كيف ينجي الله أولياه ورسله ومن اتبعوهم وكيف يُهلك الظالمين أمثال فرعون وجنوده. هنا العبرة وإلا كيف تكون دولة متطورة تسقط بين عشية وضحاها، ثم قوانين تحكم المجتمعات لكن إذا قلب الله عز وجلّ عاليها سافلها بزلزال عظيم يخرق الله القوانين وهنا نفس الشيء فرعون كان آمنا هو وجنوده في المدائن ليس مدينة واحدة وملك، قارون فقط كان وزيرا وكان له من المال ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، فتخيل قارون وتخيل هامان وبنوا من الصروح ما هو باق حتى يومنا هذا دلالة على عظمة تلك الحضارة التي بنيت في قرون توالت على مصر حسب التاريخ تسع عشرة عائلة فرعوني، تاريخ طويل في لحظة أغرقهم الله ولله في خلقه شؤون.

المقدم: نأتي إلى قصة جديدة وهي قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، الله سبحانه وتعالى يقول (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٧٠﴾) لماذا ذكر إبراهيم قبل نوح والأنبياء الآخرين مع أن نوحًا في الزمن قبل إبراهيم؟ وهناك اختلافات بين ورود القصة هنا ووردودها في سور أخرى.

قصة إبراهيم عليه السلام في سورة الشعراء

د. المستغانمي: قلنا في أول حلقة أن القصص الذي ورد في سورة الشعراء لم يُقصد به التأريخ الزمني كما ورد في سورة الأعراف مثلًا حتى إن بعض المفسرين يقولون الشعراء هي الأعراف الصغرى، الشعراء مصغّرة، الأعراف فيها حزبان ونصف والشعراء حزب واحد حوالي عشر صفحات ومع ذلك القصص فيها جاء يعالج قضية وهي بعثة الرسل إلى أقوامهم، مقابلة الأقوام الرسل بالكفر والتكذيب ثم جاء العذاب للأقوام الذين كذبوا إن في ذلك لعبرة لمشركي قريش الذين رفضوا وقاوموا الدعوة الإسلامية.

لماذا بدأ القصص القرآني فيها بقصة موسى لأن قريشًأ كانت دائمًا تطلب الآية الكونية، الآية الحسّية حتى إن أول آية قال (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴿٤﴾) لو شاء الله وشاءت حكمته لأنزل معجزة حسية ولكنه لم ينزل لأن قوم موسى طلبوا ذلك وأعطاهم الله من الآيات الحسية ما أعطى فلم يؤمنوا، فما تنفع الآيات الحسية؟! الذي ينفع الحوار والمحاججة، تنفع الأدلة العقلية ومن هنا جاءت قصة إبراهيم لأنها تقوم على الحجة العقلية، هذا سبب مجيء قصة إبراهيم بعد قصة موسى. الحجج الحسية واضحة في قصة موسى والحجج العقلية في قصة إبراهيم عليه السلام لأن قصته تشبه قصة محمد صلى الله عليه وسلم بل نستطيع أن نقول أن قصة محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه تشبه قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه وهو الأب الأكبر للأنبياء وأبو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. إبراهيم عليه السلام لم يأت قومه بمعجزة حسية، لم يدخل يده في جيبه ولم يأت بعصا لكن أتاهم بالحوار (ما تعبدون)؟ حوار عقلي يريد أن يوقظهم (مَا تَعْبُدُونَ ﴿٧٠﴾ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴿٧١﴾ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢﴾ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾) في سورة الأنعام (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) حجّة (نرفع درجات  هذا ربي) نقاش قائم على الحوار العقلي. في سورة الصافات (أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿٨٦﴾ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨٧﴾) حاور إبراهيم قومه وحاول أن ينقذهم وهذا هو لبّ رسالة الإسلام. عباس محمود العقاد الكاتب الأديب الناقد كتب كتابًا عنوانه: التفكير ضرورة إسلامية، جمع في هذا الكتاب أكثر من 300 دليل على أن الإسلام دين العقل، دين التفكير (أفلا يتدبرون) (أفلا يتذكرون، أفلا يتفكرون، لا يوجد كتاب في الدنيا حثّ على العقل والمنطق السليم لذلك دعوة الإسلام دعوة محاججة ولذلك من يريد أن ينشر الإسلام بالسيف وبالقوة هذا خطأ وهذا يناقض كل مبادئ الإسلام.

المقدم: لماذا بدأ قصة إبراهيم عليه السلام (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾) بينما في قصة موسى قال (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى)؟

د. المستغانمي: لأنه في قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه رواها لنا قصة (واذكر إذ نادى) القرآن يذكرها كقصة يستفاد منها العبر أما قصة إبراهيم اتلوها عليهم تلاوة حتى يستنبطوا ما فيها من أحكام. نحن ومحمد صلى الله عليه وسلم والعلما والمسلمون مطالبون أن يتلوا قصة إبراهيم حتى يستنبطوا، عملية عقلية حججية. واستعمال كلمة (نبأ) وهو الخبر العظيم (هل أتاك نبأ الخصم) النبأ هو الخبر العظيم الجليل الذي فيه قصة.

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ):

قصة محمد صلى الله عليه وسلم تشبه قصة إبراهيم بأنها عقلية.

قوم إبراهيم ادّعوا أن آباءهم كذلك يفعلون وقوم محمد صلى الله عليه وسلم قالوا (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٧٤﴾).

الأقوام السابقون كلهم أهلكهم الله بعدما جاءهم بالمعجزات الحسية، قوم إبراهيم لم يهلكهم الله، لم يسلط الله عليهم الهلاك لأنه لم يرسل عليهم معجزة حسية (النار معجزة أنجى الله عز وجلّ إبراهيم عليه السلام عندما ابتلي بها) لكن لم يطلبها القوم، لذلك لم يسلط عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم وقريش أيضًا والمشركون أمهلهم الله.

ثمة تشابه كبير إضافة إلى أن إبراهيم الخليل دعا (رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله ) واجعل فيهم الذرية الصالحة كما دعا محمد صلى الله عليه وسلم لقومه وكان محمد صلى الله عليه وسلم يقول أنا دعوة أبي إبراهيم.

المقدم: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) استعمال (ما) هنا

د. المستغانمي: (ما) هنا استفهامية أي ما الذي تعبدون، ماذا تعبدون؟ القرآن ينطق على لسان إبراهيم. أولًا السياق هادء في سورة الشعراء (ما تعبدون) مثلما قال فرعون تمامًا (وما رب العالمين) وأجابه موسى، وهنا قال (ما تعبدون) ما جنس ما تعبدون؟ هو يعرف الجواب ويعرف أنهم يعبدون الأصنام، هو سؤال استنكاري يحرك المحاججة والمناظرة، بدأهم بالسؤال لأنهم يعبدون أصنامًا يعبدون باطلًا، هم يعرفون أنهم يعبدون الباطل والمحامي عندما يريد أن يدافع عن الباطل يتلكأ. لو عندك قضيتين أعط قضية حق لمحامي فصيح وأعطِ قضية باطل لمحامي فصيح، المحامي الفصيح مع قضية الحق سوف يحسن الإتيان بالأدلة القوية لأنه على حق، صاحب الباطل هو يدرك أنه على باطل فيتلكأ ويتمحّل. هنا بدأ المناظرة بسؤال لأن الذي يكتب أو الذي يرد أن يصوغ الباطل بشكل صحيح لا يستطيع. بينما في سورة الصافات قال (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾) هنا قال (ماذا) لأن الاحتدام والنقاش في سورة الصافات قوي (فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿٩١﴾) وكسّر الأصنام لا يناسبه الهدو إنما في سورة الشعرا يناسبها الهدو فجاء بـ(ما الاستفهامية) لأن (ماذا) اقوى من (ما) هذا كلام النحويين، ماذا تعبد فيها قوة، (ذا) اسم إشارة، ما الذي تعبد؟ كأنني أحقّره.

المقدم: هم اعترفوا (نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ)

د. المستغانمي: اعترفوا (نعبد أصناما) كان القياس اللغوي عندما يقول لهم (ما تعبدون)؟ يقولون (أصناما) لأن الفعل ذُكر في السؤال لا داعي للإطناب في الإجابة لكن الإطناب في الآية سببه أنهم مبتهجون (نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) يفتخرون ولذلك كرروا (نَعْبُدُ) نفتخر أننا نعبدها ونبتهج بها، هذا أولًا وثانيًا ليحسن العطف (فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ)، لو قالوا (أَصْنَامًا) لا يستقيم (فنظل لها عاكفين) كما يستقيم (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴿٧١﴾). اللغة العربية (ماذا قال ربكم قالوا خيرا) ما قال: قالوا قال خيرا، (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو) ما قال ينفقون العفو. (نَعْبُدُ أَصْنَامًا) إبراهيم الخليل يعرف لكنهم ما قالوا نعبد الأصنام وإنما قالوا (نَعْبُدُ أَصْنَامًا) التنكير للتعظيم، نكّروها افتخارًا بها وعظّموها زيادة هم مفتخرون بها (فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) وهذا تعظيم أيضًا.

وهنا نكتة بلاغية ثانية (نظل لها) (نظل) في النهار، ما قالوا: نبيت لها، يعني هم لا يعبدونها في الليل خفية بل يجاهرون (فَنَظَلُّ) في النهار (لَهَا عَاكِفِينَ) ما قال نظل عليها عاكفين، يعكفون عليها، القرآن الكريم ضمّن الفعل عكف معنى الفعل عَبَدَ كأنهم قالوا: فنظل لها عابدين وعليها عاكفين، والتضمين تقنية لغوية رائعة جدًا والقرآن مليء، فعبّر عن حبهم وابتهاجهم.

(قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢﴾ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾) بدأ يحرّك عقولهم، حوار عقلي، محاججة عقلية: أنتم تعبدونها، هل يسمعون لكم؟ يسمعونكم أصلها يسمعون دعاءكم بدليل ما بعدها (إذ تدعون) القرآن موجز وبخاصة القرآن المكي خاطب البلغاء (لا داعي لذكر يسمعون لكم وقد ذكر “إذ تدعون” بعدها) هل يسمعون دعاءكم حين تدعون؟!

(أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) لم يقل أو يضرونكم؟ الإنسان يطلب النفع لنفسه لكنه لا يريد الضرّ لنفسه فما قال أو يضرونكم. قال هل ينفعونكم أو يضرون أعداءكم أو يضرون من تريدون إنزال الضرر به، هنا المفعول به محذوف هم الذين يحددونه.

ثم (يضرون) تتوافق مع الإيقاع الصوتي للفاصلة، المعنى أولًا ثم الفاصلة.

المقدم: (بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) ما أجابوا على سؤال إبراهيم وكان المفترض أن يجيبوا بـ(نعم) أو بـ(لا)

د. المستغانمي: هم يعلمون أن جوابهم باطل وأن إبراهيم وضعهم في زاوية ضيقة، هذا الحِجاج، فهربوا إلى أمر آخر لما لم تجدي المناظرة العقلية العلمية قالوا لإبراهيم الخليل (بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) لسفاهة عقولهم شبّهوا آباءهم بهم، وجدنا آبانا يفعلون كفعلنا الذي نفعل، المفترض أن يقولوا: نحن نفعل كما فعل آباؤنا.

(قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾) الفعل رأى والفاء التفريعية للاستفهام هذا السؤال يتفرع عما سبق، الفاء التفريعية يعني الكلام السابق يتفرع عنه (الذي خلقني فهو يهدين) شيء يتفرع عن شيء. علمونا في النحو أن الفاء حرف عطف ولكن لها معانٍ: السببية، التفريعية… هنا (أفرأيتم) أخبروني، هذا سؤال، استفهام، يسأله المتكلم للتعجيب (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) أخبروني بالله عليكم، هو يعجّب من شأنهم (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾) واستخدام الفعل (كنتم) يفيد تأصّلهم في الشرك هم وآباؤهم (أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ) على الرغم من أن إبراهيم الخليل حاول أن ينير عقولهم وأن يهديهم وأن يشرح مسائل الاعتقاد، في النهاية تركوا المحاججة وقالوا (وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)

ووصف آباءهم بـ(الأقدمون) يتحدث عن آبائهم لو قال: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم، كان يكفي في إفحامهم لكن (الأقدمون) تفيد أنه مهما كان آباؤكم الأقدمون موغلين في القِدم فإني لا أعترف بهذه الوراثة، لا يدل على أحقية ما كانوا يفعلون وهذا في اللغة العربية في البلاغة يسمى الإيغال. والإيغال هو أن يصل المتكلم البليغ إلى هدفه قبل أن يصل إلى نهاية الكلام يصل إلى الهدف فيضيف كلمة تفحمهم أكثر، هو وصل حين قال (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾) مهما كانوا في القدم ليس لهم الحق أن يعبدون دون الله. مثال الإيغال في الشعر البلاغيون يأتون ببيت الخنساء:

وإن صخرًا لتأتم الهداة به  كأنه علم في رأسه نار

علم أي جبل، انتهى الكلام عند كلمة (علم) لا تحتاج (في رأسه نار) لأن العلم يُرى من بعيد، لكن (علم في رأسه نار) واضح للجميع فما بالك جبل وعلى رأسه نار؟ هذا إيغال.

في القرآن الكريم كثير، (ولا يسمع الصم الدعاء الصم) لا يسمعون الدعاء فما بالك إذا كانوا مدبرين (إذا ولوا مدبرين) هذه إيغال من أوغل، وهذا قمة البلاغة!.

(أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٧﴾) الفاء تفريعية على كلام مقدّر، إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم يناقشهم فكأني به قال لهم: فكّرت في هذه الأصنام وهذه الأوثان والحجارة فرأيت من السفاهة أن أعبد أصنامًا هي في الحقيقة عدو لي، كيف يعبد الإنسان عدوًا له؟! هو يعرّض بهم، في البلاغة هذا تعريض.

المقدم: العدو دائمًا يضر وهو قال لا يضرون، لماذا يصفهم إبراهيم عليه السلام بالعداوة؟

د. المستغانمي: يوم القيامة يضرّون، يوم القيامة يلقونهم في نار جهنم ويختصمون معهم أما في الدنيا لا يملكون شيئا. (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) ثمّة كلام مقدّر في ذهن إبراهيم قاله لهم وهم يفهمون اللغة وقريش تفهم هذا الكلام، (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) بمعنى أنا فكرت فيهم ورأيت أن عبادتي لهم كأنني اتخذ عدوًا إلهًا، هل أنت تتخذ عدوًا إلهًا تعبده وهو يضرك! هؤلاء يضرونهم. وعرّض بهم ولم يقل فإنهم عدو لكم، (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) أنا حاولت أن أكون مثلكم ولكن وجدت نفسي أنني لا يمكن أن أعبد عدوًا وقال لهم أنتم تعبدون أعداء لكم بدليل بعدها بآيات (قالوا وهم فيها يختصمون).

المقدم: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٧﴾) ذكرتم سابقًا أن المستثنى جزء من المستثنى منه

د. المستغانمي: أستثني رب العالمين. هذا في المستثنى المتصل أما هنا في الآية فالمستثنى منقطع. يجوز الوجهان. المستثنى يكون جزء من المستثنى به، نقول جاء الطلاب إلا أحمد (أحمد من الطلاب)، قرأت كل الكتب إلا هذا الكتاب، هذا أسلوب الاستثناء المتصل أما الكلدانيون الذين بُعث إليهم إبراهيم الخليل كانوا يعبدون الشمس وكانوا يعبدون (بعل) الذي يمثل الآلهة، هذا يحتاج إلى تحقيق تاريخي كما قال المفسرون، لو كانوا لا يعدون الله الحقيقي من ضمن معبوداتهم لأنهم كانوا يؤمنون بآلهة تُرى مثل الشمس و(بعل)، إذن الاستثناء منقطع لأن رب العالمين ليس من معبوداتهم أما إذا كانوا مثل مشركي العرب يعبدون الله وآلهتهم إذن هنا الاستثناء وارد فإنهم أي المعبودات عدو لي إلا رب العالمين الذي تشركون به، فيجوز أن يكون الاستثناء منقطعا أو متصلًا حسب الكلدانيين تحتاج إلى تحقيق تاريخي.

المقدم: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٧﴾) وهنا يأتي الحديث عن رب العالمين.

د. المستغانمي: هو يعرّف رب العالمين وأنا أقرأ هذه الآيات وجدت أن إبراهيم الخليل من بين أسباب مجيء قصة إبراهيم بعد قصة موسى وكأن إبراهيم عليه السلام يردّ على فرعون، ألم يقل فرعون (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾)؟ رد عليه موسى (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴿٢٤﴾) (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٦﴾) (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢٨﴾) كأن هذا الكلام أكبر من فرعون، جاء إبراهيم يخاطب قومه. هو يرد على قومه كذلك، هو قرّب قال (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴿٧٨﴾ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴿٧٩﴾ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿٨٠﴾) إبراهيم الخليل ألم يقل أعبد الله الذي فطر السموات والأرض، في سورة الأنعام (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿٨٣﴾) في النهاية قال (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٧٩﴾) في سورة الأنعام قال (فطر السموات والأرض) نستحضر دائما في التفسير وفي التدبر السياق العام وهذا ديدن البرنامج.

المقدم: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴿٧٨﴾ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴿٧٩﴾ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿٨٠﴾ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴿٨١﴾ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴿٨٢﴾) أحيانًا يستعمل الضمير (هو) وأحيانًا لا يستعمله هناك تنويع في العناصر الخمسة التي ذكرها فما السر؟

د. المستغانمي: السر في ذلك في اللغة العربية عندما نقول (هو) نقول ذهب المعلم هو نفسه (توكيد). (هو) ضمير فصل عندما يؤتى به أحيانًا ليؤكّد، القضايا التي ذكرها إبراهيم الخليل ليست كل لغة مسلّمة لدى المخاطبين فهنا احتاجوا التوكيد حسب الإنكار، عندما (الَّذِي خَلَقَنِي) لم يقل هو خلقني لأنهم لم يدّعوا أن الأصنام خلقت، (فَهُوَ يَهْدِينِ) الهداية الحقيقية من الله، لا يهديك عالم يشرح أو متكلم وإنما الذي يهدي هو الله. (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي) كثير من الناس يظنون أن آباهم يطعمونهم، أبوك لا يطعمك ولا وظيفتك وأنت لا تُطعم نفسك. هذا المزمار الذي يتحرك بين المرئ وبين القصبة الهوائية الذي يحرّكه هو الله ولو شا الله ما تحرّك (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ). (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) كثير من الناس يظنون أن الطبيب هو الذي يشفي أو أن الأدوية هي التي تشفي. (فهو يشفين) لأن القضية تحتاج إلى توكيد عقائدي. (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) لا أحد ادّعى أنه يميت ويحيي، ربما يدّعون الإماتة كما ادّعاها النمرود لكن الإحياء لا أحد ادعاه حتى لما قيل لهم لماذا تعبدون الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى لم يقولوا لأنها تحيي وتميت. في القضايا التي فيها لبس يأتي الضمير (هو) أما في القضايا المحسومة بأنها لله فلم يأت فيها تأكيد.

المقدم: لماذا ختم بهذا الدعاء (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴿٨٣﴾ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ﴿٨٤﴾ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴿٨٥﴾ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ﴿٨٦﴾ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴿٨٧﴾ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨٨﴾ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٩﴾) وهو من الأدعية العظيمة التي ندب الإسلام للدعاء بها.

 

https://www.youtube.com/watch?v=CObLzjzSlEQ&list=PLkfWtLTtKgCNPVnTm3YD9deZOub0-yPc5&index=1


islamiyyat