تم إضافته 22 يونيو 2016 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

في رحاب سورة الفرقان – 2- د. محمد صافي المستغانمي

IMG-20160122-WA0003
IMG-20160122-WA0003

في رحاب سورة – د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ – تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة الفرقان – 2

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

المقدم: كثر في هذا الزمن من يحمل الغثاء الذي لا يسمن ولا يغني من جوع فيتحدث باسم القرآن ويفسر القرآن تفسيرات غير صحيحة لذلك لا بد من الحذر عند الاستماع   البعض ممن يريد أن يشتهر على حساب القرآن ويتكسب على حساب القرآن ففسر تفسيرات خاطئة قد تأتي على المسلمين بالويل.

يقف على ملامح السورة أولها ثم خصائصها حتى ننطلق إلى توضيح جوانب من الإعجاز في القرآن الكريم والإعجاز لا بد لمن يتكلم فيه أن يكون عنده دلائل.

د. المستغانمي: نحن لا نخرج عما قاله علماء التفسير مثل الإمام ابن كثير، الإمام الطبري، نسنتير بكلام أصحاب الرأي لكن الكلام يوافق ما جاء في التفسير وعلى منهج أهل السنة والجماعة.

المقدم: في الحلقة الماضية توقفنا عند قول الله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴿١﴾ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴿٢﴾) وفي آية أخرى (إنا أنزلناه في ليلة القدر) فما الفرق بين نزّل وأنزل؟

د. المستغانمي: العلماء يفرّقون: أنزل تنطبق أكثر على الإنزال جملة واحدة فهو أنزله جملة واحدة إلى السماء الدنيا ثم نزّل منجمًا، فالتنزيل (فعّل) هذه تفيد التكثير وتفيد التدرج. التضعيف يفيد التدرج لما نقول كسّر الأمر يعني كسره قطعًا قطعًا نزّله تنزيلا أي على أحداث متواليات على فترة 23 سنة إذن هذا تنزيل منجّم أما أنزل فمباشرة هذا الفرق بينهما والقرآن أنزله الله في ليلة القدر ونزّله منجمًا حسب الأحداث.

المقدم: قرأت أن الإنزال في العادة يكون من علو ولكن التنزيل (نزّل) أي وضعه في منزلته، هل هذا يستقيم؟

د. المستغانمي: تحتاج إلى بحث. الإنزال من علو هذا صحيح والله أعلى وأجلّ أنزل القرآن والكتب الأخرى.

المقدم: ورد اسم الموصول (الذي) كثيرًا فلماذا لم يستعمل أداة العطف؟

د. المستغانمي: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) حديث عن القرآن وإنزاله، الثانية (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) تغيّر الموضوع، في غير القرآن يمكن القول: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده وله ملك السموات والأرض، هو الله ذاته لكن الآية الأولى تنوه بالقرآن وتشيد بهذا الكتاب العظيم ففيها امتنان على المسلمين بالقرآن العظيم أما الثانية تتحدث عن الملك. إذن هذه لتوحيد الله والحديث عن مخلوقاته وهذه لإظهار الامتنان بإنزال القرآن العظيم لذلك جاء البدل (الذي) بدل من الأولى بإذن الله.

المقدم: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴿٢﴾) إلى أن يقول (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴿٣﴾) كرر فعل الخلق والملك

د. المستغانمي: السياق الأول يختلف عن الثاني. بدأ بإنشاء الثناء على ذاته والامتنان بإنزال الفرقان وتحدثنا كيف أن الفرقان يدحض الشبهات ويبطلها ثم ذكر لذاته العلية أنه له ملك السموات والأرض وذكر صفاته أربع صفات هي: له ملك السموات والأرض، لم يتخذ ولدا، لم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء، هذه الصفات. (وَاتَّخَذُوا) أي المشركين لم يذكروا لكن السياق يُفهمنا أن الحديث عن المشركين. إذن (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً) هذه الآية كأن الجواب جاء قبل أن يذكر أباطيل معتقداتهم جاءت الحقائق (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً) هذا يناقض (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)، (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) ضده (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) ثم (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) ضدها (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الذي له ملك السموات والأرض بيده كل شيء الموت والحياة والضر والنفع. إذن الآية الثانية مقابلة التي وصف بها المشركون آلهتهم المزعومة الأصنام مقابلة لما وصف الله عز وجلّ به ذاته العلية، وهذه عظمة القرآن. (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أتى الحقائق ليثبتها في قلوب المؤمنين ثم أتى بالأباطيل انظروا إليهم (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) جناس جميل! (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) هل الأصنام تُخلَق؟ الأصنام من خشب تصنع ولا تخلق وإنما قال (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) من باب المشاكلة (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) أصلها يُصنعون، مشاكلة في التعبيرللتجاذب. (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) في سورة الأنبياء ذكرنا أن ثمّة فرق بين الضّر والضُر، الضُر في الجسم والضَر عام، ضرر عام، إهلاك.

المقدم: الإنسان لا يملك لنفسه الضر بل قد يملك أن يدفع عن نفسه الضر فلماذا قال (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا)؟ ولماذا يقدم الضر على النفع؟

د. المستغانمي: أولا الضر والنفع في القرآن موضوع طويل، لا يوجد عاقل لا بشر ولا جن ولا يوجد إله يبتغي لنفسه الضر، الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين حقارة الأصنام التي إن طُلب منها أن تضرّ فلا تضر فمن باب أولى لا تنفع، الضر للإنسان أسهل من النفع ولو طلب من هذه الأصنام أن تضر لا تضر فمن باب أولى لا تنفع! لذلك قدّم الضر على النفع. الأصنام لا تملك أن تضركم، الإنسان تسأله لماذا تعبد هذا الصنم؟ إذا لم يكن راجيًا للمنفعة من الأصنام يقول أخاف أن تبطش بي! هذه الأصنام لا تبطش، لا تضر ولا تنفع فلماذا تشرك بالله؟ هذه أولًا، ثانيًا (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) تقديم الضر على النفع يتناسب مع تقديم الموت على الحياة. لو قلنا هذه الأصنام، المعبودات من دون الله إما عقلاء وإما غير عقلاء، غير عقلاء الأصنام وعقلاء عزير، عيسى، الذين اتخذهم الناس وعبدوهم من دون الله، هؤلاء العقلاء منهم لا يتحكمون في الموت ولا في دفع الموت، هل الأصنام وعيسى عليه السلام الذي اتخذوه إلهًا وهو ليس إلهًا وإنما عبد الله ورسوله أو العزير أو الملائكة هل يملكون أن يمنعوا أنفسهم من الموت؟ لا يملكون موتًا لأنهم هم أحياء فلا يستطيعون دفع الموت ولو كانوا يستطيعون دفع الموت لكان الأمر مختلفًا فالترتيب متناسب لا يدفعون ضرًا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة وأضاف لهم شيئا جديدا (ولا نشورا) وهذا من باب التهكم عليهم يعني هم لا يملكون موتًا ولا حياة ولا يملكون البعث وهم لم يدّعوا البعث أصنامهم لم تدّعي أنها تبعثهم، هو من باب أن يقول لهم: هذه الأصنام لا تملك ضررا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا تكذبون به. هذه الآية تقابل ما أثبته الله لذاته العلية. والأسلوب الخبري إذا قلت: الشمس مشرقة، هو أحد أمرين إما أن أخبرك بالخبر أنت لا تعلم أن الشمس مشرقة وإما أحيطك علما بالخبر بأني أعلم الشمس مشرقة، إفادة الخبر أو لازم الفائدة. هنا في الحقيقة لما يقول الله عز وجلّ (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) هو يعجّب منهم، الأسلوب الخبري غرضه التعجيب اتخذوا من دون الله آلهة ليتها تنفع، ليتها تضر! فهو يعجّب من أناس يعبدون أصنامًأ لا تنفع ولا تضر فللتعجيب من أمرهم انظر يا هذا كيف يعبدون أحجارًا وأصنامًا؟!

المقدم: (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) الموت لا يُملك لكن أراد به دفع الموت. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ﴿٤﴾) هذه أول شبهة من شبهات المشركين من هم القوم الآخرون؟

د. المستغانمي: الآية الكريمة (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) من هم الذين أعانوه؟ هم يدّعون أن ثمّة بعض الموالي مثل عدّاس، بعض الموالي من الفرس كانوا يعتنقون النصرانية ولهم بعض العلم بالتوراة والإنجيل مثل عدّاس ومثل حويطب هم من الموالي، هذا اتهام، بعض الموالي الذين آمنوا، بعض المماليك قالوا اختلف إليهم فعلّموه وأعانوه، لكن هؤلاء لا يستطيعون أن يصيغوا مثل هذا الكلام الفصيح، هم من الفرس ولم يكونوا فصحاء وأعظم إنسان لا يستطيع (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103) النحل) فقالوا (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ) أي كذب والعياذ بالله واختلاق (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ) افتراه بمعنى خلقه وأعانه عليه قوم آخرون فردّ الله تعالى عليهم (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) وأصل الكلام جاؤوا بظلم، بكلام ظلم يظلمون به هذا الرجل بتهم جائرة ظالمة ضيزى (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا) في الإعراب نقول: منصوبة على نزع الخافض، جاؤوا بظلم. لم يقل فقد ظلموا أو فقد كذبوا إنما (جاؤوا ظلما) قد لفّقوا وكذبوا واتهموا محمدا صلى الله عليه وسلم البريء الذي هو بريء من كل هذه التهم (وَزُورًا) الظلم هو الاعتداء على الآخرين والزور الكذب المموه المحسّن التزوير يكذب ويزوّر يحسّن، شهادة الزور فيها تمويه، كذب محسّن مزوّق ظاهره جميل (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا). (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ما قال (وقالوا) في البداية قال (واتخذوا) هؤلاء ليسوا قوما آخرين وإنما هم أنفسهم وأظهر هنا بدل الإضمار ليقول لنا أن هذا الكلام صادر عن كفر لا يقول إنسان عاقل هذا الكلام، كفرهم حجبهم عن معرفة الحقيقة لو لم يحجبهم كفرهم لتبينوا أن هذا هو الحق.

المقدم: هو تعمّد أن يذكر صفة الكفر هنا

د. المستغانمي: هذا هو الإظهار بدل الإضمار. دائما في القرآن الكريم إذا وجدت كلمة أظهرت بدل إضمارها فثمّة نُكتة في إظهارها، وأذكر في قصة الكهف عندما يقول (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ﴿٩﴾ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) ما قال “إذ أووا إلى الكهف”، الفتية ذكروا في الآية الأولى وتكرر ذكرهم (إذ أوى الفتية) أظهرهم بلفظ الفتية لما ذكر (أصحاب الكهف) ما عرفنا هل كانوا كبارًا أم صغارا أو شيوخا لكن لما أظهرهم (إذ أوى الفتية) إظهار بدل الإضمار بيّن حقيقتهم.

المقدم: (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) هل هناك ارتباط بين هذه الآية وما قبلها؟

د. المستغانمي: (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ) هذه شبهة الله عز وجلّ دحضها في البداية (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ)، الله سبحانه وتعالى يقول (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) وهم يقولون (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ) هذا كلام منزّل، الله عز وجلّ لم ينتظر حتى يقولوا إن هذا إلا إفك فدحضهم قبل أن يذكروها وفي العادة أن الشبهات تدحض بعد ذكرها، وهنا دحض الله تعالى الشبهة في البداية وأبطلها لما قال (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) ولما نطقوا قال لهم (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) إذن هذه الشبهة داحضة من جانبين: المطلع العجيب يقول (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) الله يقول نزّله وأنت تقول إن هذا إلا إفك! ألا تستحي أيها الإنسان والواقع يكذبك؟! ليس اختلاق، هذا كلام عجيب منسّق منضد عجز البشر كلهم قاطبة أن يأتوا بمثله ولو كنتم مستطيعون أيها القرشيون البلغاء فانسجوا على منواله ولو آية!

المقدم: (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ) ما هذا الأسلوب؟

د. المستغانمي: أسلوب القصر، يعني ما هذا إلا إفك

المقدم: يريدون أن يقولوا أن هذا القرآن لا يوصف إلا بالإفك

د. المستغانمي: هذا قولهم والقصر أنواع، هذا قصر قلب، قلب الحقائق هو قال هذا تنزيل وهم قلبوا الحقائق وقالوا (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ) لو قالوا هذا إفك فالمستمع البسيط من المشركين يقول هذا إفك، لكنهم قالوا (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ) هذا توكيد وقصر للحقيقة على أن القرآن إفك والقرآن بريء من الإفك.

المقدم: لماذا قال (افتراه)؟ ما هي الفرية؟

د. المستغانمي: الفرية هي الاختلاق والكذب، افترى بمعنى كذب واختلق واصطنع من عنده. القصر هنا في قضيتين لأن الواو جامعة: (افتراه وأعانه) هم قالوا هذا إفك افتراه من عنده وأعانه عليه لأنهم يعلمون أن أولئك لا يستطيعون المجيء بمثله، هم كانوا يظنون أن محمدًا عبقري أتى بشيء من عنده وأعانه عليه قوم آخرون ووالله هو بريء من هذا ومن ذاك!

المقدم: الحديث لا زال متواصلًا في ذات الشبهة، الله عز وجلّ يقول (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٥﴾)

د. المستغانمي: لم يقولوا كتبها وإنما اكتتبها، تكلّف كتابتها لأنهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم أميّ. اكتتب على وزن افتعل التي فيها تكلّف. هم لو شاؤوا لقالوا أساطير الأولين كتبها، يمكن أنه كلّف غيره أو كتبها هو بيده ولكنهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أميّا (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت) لو كان الأمر كذلك لارتاب المبطلون. كلمة أسطورة صيغة أُفعولة، مثل أكذوبة أغلوطة، أحذوثة تدل على الكلام الملفّق الخطأ، كلمة أسطورة بمعنى قصة مسطورة قصة ملفّقة مفتعلة.

(اكْتَتَبَهَا) أي اصطنع والتمس من يكتبها له (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) كأن هناك من يمليها عليه ممن قالوا عنهم (وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ) يكلف من يكتبها هم يشيرون ويلمّحون أنه أميّ ومع ذلك ألصقوا به تهمة أنه أتى بالكتاب من عنده! وهو يقول أنا بريء منكم (  قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) يونس) لا بد أن نتحاكم إلى العقل، الناس تكتب بحوثًا تكتب مقالا فيقولون أنا كتبت وكتبت ومحمد صلى الله عليه وسلم أتى بكتاب عجيب لو كان هو الذي صدر منه لنسبه إلى ذاته وإنما قال (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ) أين عقلاؤكم؟! لذلك هذه شبَه وإبطالها بعدها مباشرة.

المقدم: (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أول النهار وآخره

د. المستغانمي: لإفادة الديمومة كأنهم يقولون تملى عليه في كل حين لأنه باغتهم كل يوم يأتيهم بشيء جديد، لا يقصدون البكرة والأصيل وإنما يقصدون استمرارية الإملاء عليه وهذا كلام خطأ.

المقدم: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٦﴾)

د. المستغانمي: لو شاء لقال: أنزله الله جلّ جلاله باسمه الأعظم (الله) لكن قال (أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ) يريد أن يبين لهم أن هذا القرآن يتضمن من الحقائق العلمية والإعجاز في كل ميدان ما لا يستطيع أحد أن يفنّده، هذا الكلام لو جاء به بشر لتبين لكم خطؤه وعواره وضعفه لكن أنزله الذي يعلم السر في السموات، من علّّم محمدا صلى الله عليه وسلم النجوم والكواكب كل في فلك يسبحون؟ من علّم محمدا انشقاق السماء وانفطارها ومواقع النجوم؟ الإعجاز العلمي في القرآن عجيب، (والسماء والطارق) (والسماء ذات البروج) هذا الكلام لا يصدر عن بشر أنزله الذي يعلم (السرّ) جنس السر في السموات والأرض وسوف يتبين لكم من حقائقه ما يثبت أن هذا القرآن صادر من رب العالمين.

المقدم: ختم الآية (إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ولم تختم مثلا (عليما حكيما) على اعتبار أن الأمر متعلق بالعلم

د. المستغانمي: الخطاب موجّه لكفار قريش، الله تعالى يلقّن النبي صلى الله عليه وسلم ليتحدث مع كفار قريش، الله عز وجلّ يريدهم أن يتوبوا (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) النساء) الإسلام جاء للهداية لا للمحاسبة. فمع كل ما تقولون هناك فرصة للتوبة والعودة والشاهد (إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) لو قال عليما حكيما لتناسق مع صدر الآية لكن (إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) أما حان لكم أن تتوبوا؟ أما آن لكم أن تثوبوا إلى رشدكم وتستدلوا على عظمة الخالق؟!

————-فاصل————

المقدم: بعد الحديث عن تهمهم بنسبة القرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبأنه اكتتب قوما فهم يملون عليه القرآن بكرة وأصيلا إلى أن تحدثوا في بشرية النبي صلى الله عليه وسلم كأن لسان حالهم يقول هو بشر مثلنا (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿٧﴾) في موضع آخر طلبوا من الله أن ينزل ملكًا عليهم وهنا طلبوا أن ينزل مع النبي صلى الله عليه وسلم ملكًا معاونًا له

د. المستغانمي: في البداية نحن في محور سورة الفرقان ذكرنا المواضيع ومن بينها: الثناء على الله عز وجلّ والتوحيد، الفرقان، بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم والإنذار. لكا حاولوا أن يبثوا بعض الشبهات والأباطيل الخطأ في القرآن (إن هو إلا إفك، أساطير الأولين..) انتقلوا إلى الرسول وهم لا زالوا يبثون السموم لم يتوقفوا عن وضع الأحجار في الطريق والقرآن كان يعالجهم، فبعد أن دحض شبهاتهم عن القرآن (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) انتقلوا إلى شخص رسول الله كأنهم يقولون فرضًا أن هذا القرآن من عند الله ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟

المقدم: لماذا يعترضون عليه أن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟

د. المستغانمي: هذا كناية عن بشريته، لا يريدون أن يكون الرسول بشرًا وهنا جاؤوا بها بطريقة الكناية الذي يأكل الطعام كناية عن موصوف هو البشر، البشر يأكل وينام ويرتاح ويغضب وله شهوات معينة ويمشي في الأسواق لكنهم أظهروا المتبادر المشهود العام، البشر يأكل ويمشي في الأسواق هذا المشهور فقالوا (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) قالوا (الرسول) هل يعترفون برسالته؟! المفروض أن يقولوا هذا الرجل، لا هم استهزاء ومجاراة، فرضًا وجدلًا أن القرآن من عند وأنه رسول ما به يأكل الطعام؟! ما به بشر؟! كان المفترض أن يكون ملكًا.

المقدم: ما نوع الاستفهام هنا (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ)؟

د. المستغانمي: استفهام تعجيبي من حال الرسول من حال بشريته، يستنكرون ويتعجبون بالدرجة الأولى، المفسرون يذكرون أنهم يعجّبون من حاله ويستنكرون فهم لا يعترفون له بالرسالة، اعترفوا بها مجاراة واستهزاء (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ). بعد ذلك قالوا (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) في البداية كأنهم تدرجوا قالوا المفترض أن ينزل هذا القرآن على ملك بدليل إنكار البشرية (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) فرضًا لم ينزل الله ملكًا كان قد أنزل معه ملك، رضوا ببشريته مع ملك، نزلوا عن مقترحاتهم، قللوا من مطالبهم، في البداية كانوا يريدون ملكا (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) ثم قالوا دعنا ننزل إلى (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) نحن نقبل به ونقبل معه ملك، بعد ذلك قالوا (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ) ما عادوا يريدون أن يكون ملكا ولا أن يكون معه ملك، قالوا على الأقل يلقى إليه كنز من السماء فإن لم يأت بكنز من السماء أن تكون له جنة في مكة في جوها الشديد الصعب أن تجد جنة فيحاء وفيها اخضرار، هذا من الخوارق بالنسبة لهم أما بالنسبة لله فستعود بلاد العرب مروجًا وأنهارًا. تنزلوا معه في الاقتراحات وتدرج القرآن في وصفها (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿٧﴾ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) وثمّة قرآءة صحيحة (نأكل منها) قال أحد المفسرين: تكون له جنة ونحن نذوق ونطعم حتى نتبين إن كانت فاكهة حقيقية أو يسحرنا! (لولا) هنا للتحضيض التي تحثّ لولا أنزل بمعنى هلّا أنزل.

المقدم: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ) كيف يلقى إليه كنز؟ كأن فيه اعتراف أن الله في السماء، ومن سيلقي للنبي كنز إلا الله فبالتالي قالوا (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ)

د. المستغانمي: الكنز يُخرج من الأرض، هم يعترفون، العجائز لما كنّ يؤمنّ يقلن الله في السماء. الله المهيمن جلّ جلاله استوى على العرش. بعض المفسرين قالوا يُخرج له كنز. هم معترفون بعظمة الله سبحانه وتعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الزخرف) يعترفون (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ) ومن معانيها أو يُخرج إليه كنز، لكن نحن تحدثنا عن التجاذب وسيأتي بعد قليل في جهنم (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿١٣﴾) ثمة تجاذب صوتي، قد يكون القرآن اختار هذا الفعل لهذا وقد يكون اختاره لأسباب وحكم أخرى.

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) لماذا وصفهم بالظالمين هنا؟

د. المستغانمي: لأن وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم مسحور ظلم! الرسول أعقل العقلاء في فصاحته وبيانه وعقله وأمنته وصدقه قالوا عنه مسحور فعندما وصفوه بأنه مسحور اختل عقله ظلموه بهذه التهمة فقال الله سبحانه وتعالى قال الظالمون بهذه التسمية وهذه إظهار بدل الإضمار، مرة قال عنهم (قالوا) ومرة (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهنا قال (وَقَالَ الظَّالِمُونَ) وسيأتي بعد قليل (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) اثبت لهم صفات مرة الظلم ومرة الكفر ومرة عدم رجاء لقاء الله فلو أنهم كانوا يرجون لقاء الله ويحسبون حساب ذلك اليوم ما تلفظوا بهذه الكلمة.

المقدم: الآية التي تلي تبين أنهم تنزلوا في طلباتهم (ملك، معه ملك، كنز، جنة…) ثم يقول الله تعالى (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴿٩﴾)

د. المستغانمي: الأمثال الباطلة فضلّوا فلا يستطيعون سبيلا، هذه الآية تدل على تخبطهم وتسلّي الرسول صلى الله عليه وسلم انظر يا محمد، الله جلّ جلاله يقول انظر كيف ضربوا لك الأمثال ليسلّيه، انظر كيف ضربوا لك الأمثال الباطلة وحاولوا أن يختلقوا تهمًا باطلة مرة ساحر، شاعر، مجنون، معلّم مجنون، سحور، ما تركوا شيئا إلا الصقوه وذهبوا إلى الوليد بن المغيرة وقال ما قال، قال ساحر وهو غير مقتنع لكنه أقرب شيء (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ المدثر). الأمثال المقصود منها القصص المختلقة، ضربوا له الأمثال، ضربوا له شبيها بالمسحور، أمثال باطلة، انظر كيف لفّقوا لك التهم. (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) لا يقدرون على إيجاد طريق صحيح يتهمون به محمد صلى الله عليه وسلم لم يستطيعوا أن يصلوا إلى كلام دقيق صحيح علميا يتهمون به محمدا فلا يستطيعون أن يهتدوا سبيلا.

المقدم: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴿١٠﴾) هنا المرة الثانية التي ورد فيها (تبارك) (خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ) خيرا مما يقولون (جنات) هم قالوا (جنّة) (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا) وهذا ما طلبوه ولكن الله تعالى يقول إن شاء يجعل لك ذلك.

د. المستغانمي: (تبارك) الثانية جاءت مع الشبهات لم تأت في البداية، القرآن مقسّم بطريقة عجيبة وليس عبثًا. لا يسأل أحد لماذا لم تأتي (تبارك) في بداية الشبهات (لا يُسأل عما يفعل) البشر يُسألون في رسائل الماجستير والدكتوراة لماذا فعلت كذا ولماذا قسمت الباب الفلاني ويجب أن تذكر الأسباب أما الله جلّ جلاله حاول أن تسبر وأن تغترف من معين القرآن وسلّم الأمر لصاحب الأمر. (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) جاءت في البداية عندما تحدث عن القرآن وعظيمته، ولما جاءت الشبهات جاءت (تبارك) الثانية ردّا عليهم، هم يطلبون أن تكون لك جنة وأن ينزل إليك كنز والله تبارك وتعالى وزادت عظمته وزاد خيره وتعاظم خيره الذي إن شاء جعل جنات تجري من تحتها وليس جنة وجعل لك قصورا عظيمة، العلماء قالوا هل هذا في الدنيا أم في الآخرة؟ جمهور المفسرين يقولون في الدنيا لأن الحديث في الدنيا، الله جلّ جلاله وإن شاءت قدرته يجعل لك جنات ويدعل لك قصورا. (إن شاء) (إن) هنا بمعنى (لو) لو الامتناعية، لماذا لم يجعل له جنات؟ لم تشأ الحكمة الإلهية أن يربط الناس بجنات، لو كان رسولا غنيا والله لا يعجزه ذلك لارتبطت أذهان الناس بالجنات والقصور، جعله الله تعالى فقيرًا مسكينًا أتى بالقرآن، من شاء أن ينتبع محمد فللقرآن لا لأن لديه جنات، لم يشأ أن يربطهم بالمادة لأنه يعلم أنهم مفتونون بالمادّيات. بعض المفسرين ابن عطية الأندلسي في كتابه المحرر الوجيز يقول: تبارك الذي إن شاء الذي شاء فعلاً وحقا وسيجعل له الجنات والقصور في الآخرة في الجنة، يقول (إن شاء) هنا لعظمة المشيئة ذكرنا في سورة من السور أن المشيئة تبقى مفتوحة حتى لما يُدخلهم الجنة كما في سورة هود (ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء الله) الذين في الجنة خالدون فيها إلا ما شاء الله والذين في النار خادون فيها إلا ما شاء الله، فعظمة المشيئة دائمًا مفتوحة. يقول ابن عطية: قد يكون المعنى في الآخرة وله ذلك والمعنى يكون: تبارك الذي جعل لك جنات ويجعل لك وقرآءة ابن كثير وابن عامر الدمشقي (يجعل) بالاستئناف لا بالجزم تدل على هذا المعنى والقرآن حمّال ذو وجوه والله جلّ جلاله لا يعجزه أن يجعل للرسول صلى الله عليه وسلم جنات في الدنيا ولا يعجزه جلّ جلاله أن يعجزه في الآخرة.

المقدم: كأن في الآية شيئا محذوفًا (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴿١٠﴾)

د. المستغانمي: إن شاء جعل في الدنيا لكن الله جلّ جلاله لم تشأ حكمته أن يربط الناس بالمال والماديات.

المقدم: كأن السامع ينتظر أن يقال: بل لم يشأ الله لأنه كذا…

د. المستغانمي: هناك مقدّر وقوله (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) تدل على أن هناك كلام مقدّر محذوف أما ما قبلها فلا يدل على ذلك. (إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا) ثم (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) (بل) تفيد الإضراب الانتقالي، كذبوا بشأن الرسول وكذبوا بالبعث فهم في ضلال كبير والنتيجة (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) إضراب ينتقل بهم من كفر إلى كفر، هم كذبوا بالرسول ثم كذبوا بالساعة والساعة عَلَمٌ على يوم القيامة ولكن هي مبدأ القيامة، هي أول القيامة. لما نقول (كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) كأننا نقول كذبوا بيوم القيامة.

ثم أوضح (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) هذا الدليل يشفع رأي الذين يقولون يوم القيامة، الذين كفروا بالساعة أعتدنا لهم سعيرا ومحمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه أعد لهم جنات وقصورا.

(تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴿١٠﴾) هو ردّ للشبهة التي وردت من قبل (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) يوم ردّ عليهم (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) كأنه فتح قوسين (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا) ثم عاد ففنّد شبهتهم.

المقدم: الذي أفهمه من الآية (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴿١٠﴾ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴿١١﴾) الله سبحانه وتعالى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك في يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار ولكنهم هم كذبوا بالآخرة

د. المستغانمي: المعنى وارد والقرآن حمّال. جمهور العلماء الذين قالوا في الدنيا، رأي صحيح، والرأي الذي قال إن شاء يجعل لك وسيجعل لك ولكن للأسف هم لا يؤمنون بالساعة فكيف سيرون ما في الجنة وهم يكونوا في السعير وساءت مصيرا؟!

المقدم: (سعيرا) يقصد بها نار جهنم، اسم من أسمائها وصفة من صفاتها، تسعّر بهم النار

د. المستغانمي: أي تلتهب، سعيرا أي التهابًا، وقودًا، لما نقول سعيرا بمعنى مسعورًا (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) أعتدنا لمن كذب بالساعة نارا مستعرة متقدة سعيرا فهو وصف للنار واسم من أسمائها بالغلبة لما تطلق يذهب الذهن إلى النار. سعير من الناحية اللغوية على وزن فعيل بمعنى مفعول (سعير بمعنى مسعور) فهي تسعّر بأهلها.

المقدم: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴿١٢﴾)

د. المستغانمي: الحديث عن النار، إذا رأتهم. هل النار ترى؟ هنا معنيان ونقف عند ما يقف عنده المفسرون. نستطيع أن نفهمها مجازيًا ونحن الآن لا نتحدث عن صفات الله وأسمائه، جمهور المفسرين قالوا: يجوز أن يكون المعنى المجازي مقصود، إذا رأتهم من مكان بعيد، إذا اصبحوا عندما يساقون إلى النار ويُزجى بهم إلى النار بمكان المرأى منها – هنا حديث مجازي – سمعوا لها تغيظًا، صوتًا وهي تحترق، التغيظ هو الغضب الشديد، سمعوا صوت المتغيظ كالإنسان الغضبان وزفيرًا الهواء الشديد الحار السموم شًبّه . والمعنى الثاني الذي يقول به أهل السنة والجماعة ونحن نميل إليه أيضًأ: أحوال الآخرة مجهولة عنا لا نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا فليس ببعيد عن الله أن يخلق لها إدراكا وتنظر وعندما يأتي ليها أهل جهنم تراهم وتتحدث وتقول هل من مزيد في سورة ق واشتكت النار إلى الله كما في الحديث الصحيح فجعل لها نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء فلا يبعد أن يخلق لها إدراكا ولو قلنا مجازيا فالقرآن نزل على لسان العرب ولكن المشهد مخيف!

المقدم: وهذه الآية تذكرنا بآية سورة تبارك قال (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ﴿٧﴾ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ الملك)

د. المستغانمي: تكاد تنفجر وتتميز قطعها وتفترق من الغيظ والغيظ شدة الغضب وهنا قال (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا) تغيّظ تفعّل، الغيظ شدة الغضب والتغيّظ أشد الغيظ.

المقدم: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٥٩﴾ يس) أي تفرّقوا، (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) تتفرق وتتشتت. (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ)

د. المستغانمي: مصفّدين بالأغلال أو مقرّنين بالأصفاد.

المقدم: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿١٣﴾)

د. المستغانمي: إذا ألقوا في جهنم والعياذ بالله وهنا في البلاغة يسمى الإدماج، (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا) أصل الحديث: إذا ألقوا في مكان ضيّق، هنا السرعة في الحديث دائما في الإعراب نقول منصوبة بنزع الخافض لأن التقدير: إذا ألقوا في مكان ضيّق، إدماج، كأنه يصور لنا جهنم من داخل، من يعرف أن جهنم ضيقة أو واسعة؟! هذا إدماج. لو قال إذا ألقوا مقرّنين دعوا هنالك ثبورًا المعنى واضح، ألقوا فيها مصفّدين بالأغلال أو مقرّنين بالأصفاد (في سورة إبراهيم ورد: (مقرنين بالأصفاد)) والقرآن يقاس بعضه على بعضه دعوا هنالك ثبورا قالوا يا ثبوراه! واثبوراه! الثبور هو الهلاك، يدعون الثبور أن يأتي، هذا أوانك فإت! هم لا يريدون البقاء، يدعون بالهلاك أن يأتي إليهم (يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) هذا الإدماج من باب تصوير جهنم من داخل كأن عدسة بيانية تصوّر (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ) هي مصيبة إذا ألقوا فيها بدون أن يكونوا في مكان ضيق وبدون أن يكونوا مقرّنين فما بالك بكل هذه الأوصاف؟!

 

https://www.youtube.com/watch?v=xfxqSkJgysA&index=1&list=PLkfWtLTtKgCNPVnTm3YD9deZOub0-yPc5


islamiyyat