تم إضافته 3 مايو 2016 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

في رحاب سورة الفرقان – 4 – د. محمد صافي المستغانمي

IMG-20160122-WA0003
IMG-20160122-WA0003

في رحاب سورة – د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ – تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة الفرقان – 4

تفريغ الأخت نوال جزاها الله خيرًا لموقع إسلاميات حصريًا

المقدم: أتذكر بشكل جلي كيف أننا أنهينا الحلقة الماضية عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حينما طلبوا هذا الطلب ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾، فسألتك سؤالاً لم تجبني عليه لانتهاء الوقت، فأرجأنا الإجابة عليه لهذه الحلقة. قلت لك: لماذا لامهم الله سبحانه وتعالى في هذا المطلب الثاني وقال: ﴿اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ لاشك أن المطلب الثاني أشد من المطلب الأول حينما طلبوا رؤية الله سبحانه وتعالى، وقلت لك: بأن موسى عليه السلام قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ صحيح أن الله سبحان وتعالى قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ ولكن الله سبحانه وتعالى تجلى للجبل. فالقصد السؤال هو: أن موسى طلب رؤية الله وكان طلبه مشروعاً بينما هنا وصف بما وصف؟

د. المستغانمي: سؤالك وجيه، لكن أنا أجيبك باختصار: اختلف الغرضان من الطلب صح كلاهما موسى قال: أرني أنظر إليك وهم المشركون قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. أما موسى عليه السلام من باب الاطمئنان غرض سؤاله (أرني) ليزداد قلبي اطمئناناً يعني كان الله اختاره ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ كما تعرف، ورباه وأوحى إليه، وجعله كليمه وكلمه، ثم قال ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ زيادة اطمئنان وكان تعليماً له صلى الله عليه وسلم وعليه السلام.

بينما المشركون قالوا ذلك تعنتاً وتجبراً وعتواً، كانوا مشركين لا يعترفون، ينسبون إلى الله ما لا يليق، ويعبدون معه الأصنام تقربهم إلى الله زلفى كما يدعون، ومن هنا قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ هلا أنزل يعني: يريدون أن ينزل الله عليهم ملائكة سواءٌ على وجه التبليغ لهم يعني: الملائكة يبلغونهم الشرع، أو ينزلونهم ليثبتوا لهم صدق محمد عليه الصلاة والسلام. أو نرى الله جهرة حتى ينبئنا جل جلاله -سبحان الله- هذا مطلب عسير يعني: مطلب يدل على عتو، على تجاوز للظلم.

المقدم: الأقوام السابقة طلبت هذا المطلب كذلك.

د. المستغانمي: الإسرائيليون الذين كانوا مع موسى في ذلك الوقت أو اليهود قالوا ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ في سورة البقرة. فقط أريد أن أبيّن لك لما علّق القرآن قال: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ (اللام) موطئة لقسم محذوف (قد) تفيد التحقيق قبل الفعل الماضي (استكبروا) تفيد المبالغة (الألف، والسين، والتاء) هنا استجاب، أجاب استجاب لا تفيد الطلب، تفيد المبالغة في وصفهم بالكبر، (لقد استكبروا) وليس تكبروا بالغوا في الاستكبار، ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ جعل الكبر مظروفاً في أنفسهم، ووصفهم ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. (العتو) هو تجاوز الظلم أي: الظلم الفاحش، تجاوزوا كل حد في هذا الطلب.

في سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ لما عبّر عن بني إسرائيل وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ الذي استوقفني ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وهنا قال ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بنو إسرائيل وصفهم بالعلو، والحقيقة أنت تقول لي: هل المشركون كانوا أعتى من بني إسرائيل؟ هم صحيح كانوا عتاة غلاظاً جفاة، لكن بنو إسرائيل أيضاً كان لهم علو واستكبار كبير ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وهل أشدّ من فرعون وأخطر؟! الذي ادعى الإلوهية، وجعل أهلها شيعاً، ولقي حتفه، قصدي فعل العلو أيضاً ليس من صفاتهم، يعني لا يستحقون هذا العلو، لما قال القرآن ﴿علواً كبيراً﴾ من بين ما أريد أن أعطيك لما نصل إن شاء الله إلى سورة الإسراء من بين مراعاة النظير فيها ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.

لما جاء في سورة الإسراء حديث عن الله وتنزيه له سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً جاء وصف بني إسرائيل (علواً كبيراً) بينما هنا لا، ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ والوصف من الناحية المعنوية دقيق، ومن الناحية الصوتية دقيق للسورة.

المقدم: تجعلني دائماً أفكر بمفردات السور ومناسبتها للسورة، أقول ربما كذلك لأنك قلت لي في الحلقة الماضية على ما أذكر: لماذا تدرجت مطالب المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الإسراء ارتقاءًا وارتفاعاً، بينما هنا نزولاً، فقلت: لأن الإسراء والمعراج، لأن الحديث هناك عن المعراج يناسبه العلو، فجاء وصف بني إسرائيل بالعلو أيضاً، وهنا النزول على اعتبار الفرقان ينزّل؟

د. المستغانمي: نعم.

المقدم: هل في ذلك إشارة بأنه (علوا علواً)؟

د. المستغانمي: أنا قلت لك: استنباط جميل جداً صحيح هم علوا في أنفسهم، والفعل (علا) من بينه الارتقاء، ودائماً في السورة الواحدة تلتقي مفردات من نفس الجنس، من نفس العائلة، لما قالوا له ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ والإسراء هو المشي ليلاً، لكن فيه إشارة إلى المعراج، وفيه العلو، والله تعالى علواً كبيراً جل جلاله.

أنت لماذا ذهبت إلى سورة الإسراء؟ نحن في السورة التي بين أيدينا هنا قال ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ السورة هذه كما سوف ننتهي إليها إن شاء الله عندما ننتهي، فيها مفردات الإهلاك، البوار الذي رأيناه المرة الماضية ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ الثبور هو الهلاك.

المقدم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.

د. المستغانمي: وهذا لم يتكرر في السور الأخرى بهذا الأسلوب (الثبور) والهلاك، البور والبوار عندنا التدمير ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ ستأتي الآيات ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ عندنا التدمير، بعدها يتكلم عن الأقوام السابقة كما سوف نرى قال ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أي: دمرناهم، ما هذه المفردات من العائلة الواحدة؟! كيف لمحمد صلى الله عليه وسلم الرجل البسيط الأميّ الذي لم يقرأ ولم يكتب، يأتي بمفردات عائلة واحدة يبثها هنا وهناك، والقرآن يتنزل منجماً مفرقاً؟! لا يستطيع بشر أن ينسج على هذا المنوال، لذلك من بين – كما سوف نرى إن شاء الله – أسباب تنزل القرآن منجماً، ثم جمعه الإعجاز.

المقدم: يعني الإعجاز ليس في تنزيله فقط، وإنما حتى في مواضعه أو مواضع الآيات من السورة الواحدة؟

د. المستغانمي: نعم أنا أسألك وأسأل المشاهدين: هل هناك عالم في الدنيا دكتور كاتب مجمع علمي، يكتب اليوم جملة وغداً جملتين، وبعد غداً فقرة فقرات وبعد سنة فقرة، ثم تجمع وتصبح لوحة فنية نظماً رائعاً متناسقاً؟!! هنا القرآن أنا قلت لك: عائلة واحدة: الدمار، البوار، الثبور، التتبير، شيء عجيب!!

المقدم: مما لفت نظري ونحن في رحاب سورة: بعد البرنامج وكما يقول الإخوة المشاهدون حتى يقولون: بتنا نقرأ القرآن بطريقة مختلفة عن ما كنا عليه، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل اجتهادك جزاك الله خيرا.

أقول وأنا أقرأ سورة الفرقان وجدت في مطلعها ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ وأنت قلت: بأن الفرقان نزل تنزيلاً صحيح، فوجدت أن فعل (أنزَلَ) و(نزَّل) مضطرد بشكل كبير جداً ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أو حتى لما نرى هنا يقول الله سبحانه وتعالى ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.

د. المستغانمي: وهذا من الأفعال ومن الكلمات المستعملة في السورة الواحدة، وسنصل إن شاء الله لمزيد من الإيضاح، كل سورة لها ثوب، لها أنماط تعبيرية، لها مواد معجمية معينة، مثلما قلنا قبل قليل (عائلة الدمار). لها أساليب نحوية تعتمد، هنا ماذا قلنا قبل قليل ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (عتواً) مفعول مطلق. هذا الأسلوب مضطرد وهو نمط في سورة الفرقان ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾، ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾، ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾، ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، ﴿رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.

الآن اذهب إلى سورة النور الذي انتهينا منها قبل أسابيع لم نجد هذا النمط من المفعول المطلق، أنا أريد أن أقول: الله جل ثناؤه جل في عليائه يختار من الألفاظ ما يشاء، يختار من المواد المعجمية ما يشاء، يختار من الأساليب، ومن الوظائف النحوية من الكلمة ما يشاء، لذلك هو معجز من كل ناحية أتيته، هنا حضور مكثّف للمفعول المطلق، حتى لما يقول: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ في النهاية (عباد الرحمن) ﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ دون أن يخلّ بالمعنى، والإيقاع الصوتي جميل، والإعجاز العظيم. اذهب إلى سورة مريم ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ لماذا هنا قال ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؟ بنيت على المفعول المطلق.

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ * ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. أول أمر: هم طلبوا رؤية الله سبحانه وتعالى ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ الله سبحانه وتعالى يقول ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ ما المقصود هنا؟

د. المستغانمي: هذه الإجابة أو هذه الآية استئنافية كأنه يقول: واذكر يوم يرون، ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ جواب عن الجزء الأول، هم قالوا ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ هذا جواب عن الجزء الأول، هم يطلبون الملائكة جاءت الآية وفيها تهكم بطريقة عجيبة كأن القرآن يقول لهم ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ قف عند الملائكة، هم قالوا (يا رب لولا أنزل علينا الملائكة) أجابهم الله سبحانه وتعالى ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيه تطميع إطماع لهم وترغيب كأنكم سوف ترونهم، لكن لا على الوجه الذي تريدون، بل على الوجه الذي يريد الله ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ هذا تيئيس! هذا أسلوب تهكمي فيه إطماع، هذا من باب ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ كأنه في البداية يقول: معقول؟! أنت وأنا مستمع ما جاءتني الكلمة الأخيرة بعد ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾، ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ أنا وأنت أجهل، معقول استجاب الله لهم؟! ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ في ذلك اليوم، معنى (لا بشرى يومئذٍ)؟ أي: لهم النذر ولهم السوء، ولهم الحزن الشديد.

المقدم: يعني كأنه كما نقول نحن: طلبت شيئاً، خذ هذا الشيء، ولكن ليس بالطريقة التي طلبت بطريقتنا نحن.

د. المستغانمي: جل جلاله هكذا الله تعالى يقول، ولله المثل الأعلى. ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ هو في الحقيقة لم يقل: (لا يبشر المجرمون) قال: (لا بشرى) (لا) نفي للجنس، جنس البشرى معنى ذلك قال العلماء: جنس الغمّ والهمّ يكون مسلطاً عليهم، العكس تماماً. ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ﴾ لم يقل: (لهم) كلما أظهر شيئاً بدل الضمير فيه معنى وهنا أضاف صفة الإجرام مثل ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾. هو كأنه يقول: أو القياس اللغوي ما دام الحديث عنهم كان يقول: (يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم يومئذٍ) لكن قال: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ﴾ اهتمام بالزمن للمجرمين فهم مجرمون بعدها يقول ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.

(حجراً محجوراً) كلمة كان يقولها العربي الجاهلي عندما يتعوذ عندما يرى قاتل أبيه أو واحد يريد أن يقتله في الحرم أو في الأشهر الحرم يقول: (حجراً محجوراً) جعلت بيني وبينك حجراً كأنه يقول: أناشدك ألا تقتلني وأن تجعل بيني وبينك برزخاً وحجراً في هذا المكان الآمن، أعيذ نفسي منك بالله ويقول: (حجراً) منعاً (الحجر) في اللغة العربية من المنع، وسمي العقل حِجراً؛ لأنه يمنع صاحبه من الخطأ والزلل، وسمي حِجرُ إسماعيل حِجراً؛ لأنه يُمنع الطواف داخله.

المقدم: مع أنه يشك في نسبته لإسماعيل عليه السلام، لكن يسمى (الحِجر).

د. المستغانمي: الحجر: هو المنع في اللغة، فيقولون: منعاً وستراً من هذه النار يا رب! الآن وقد كفرت من قبل؟!!.

فقط أنبه المشاهد الكريم إلى أن لفظة (حِجوراً محجوراً) من خصوصيات سورة الفرقان، لم ترد في كل القرآن إلا هنا، وعلى كلٌ: كل سورة فيها ألفاظ خاصة بها، في كل سورة فيها مفردة أو مفردتان أو ثلاث حسب جو السورة وألفاظها، لم ترد إلا فيها، هذا قرآن، هذا معجز من أي جهة أتى.

المقدم: معنى ذلك ونحن في شهر القرآن وفي شهر رمضان الإنسان حينما يقرأ القرآن يجب أن يفطن على الأقل لهذه المفردة التي خصت بهذه السورة.

د. المستغانمي: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ من خصوصيات الفرقان وحتى لا يقول قائل ولا يظنّ ظانّ ولا يهيم واهم أنها جاءت هكذا كررها جل جلاله كررها في موضع آخر: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، بينما في سورة الرحمن: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ واضح الكلام؟ فهي من خصوصياتها يعني تتجاذب الألفاظ في السورة الواحدة. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ * ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ لم تتكرر، وكذلك ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أقصر سورة لم تتردد الكوثر، وكذلك ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ لم تتردد، وكذلك ﴿الْأَبْتَرُ﴾ لم تتردد، نخشى لو انتقلنا إلى سور أخرى يضيع المشاهد الكريم، أنا فقط أعطي مفاتيح، وهذا من الإعجاز المتجدد لكل سورة شخصية قلنا (ثوب لفظي) كلمات لا تتكرر أبداً، وهذه منها بإذن الله سبحانه وتعالى.

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى بعد ذلك ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ما مناسبة هذا الحديث الآن في هذا الموقع؟

د. المستغانمي: عندما تحدث عن أعمالهم أو عن مصيرهم المشؤوم في جهنم ويقولون حجراً محجوراً، كأن سائلاً يسأل: يا أخي! المشركون صح كانوا مشركين، لكن كانت عندهم أعمال صالحة أحياناً، وكانت أعمال خيرية، وكانوا يرأفون بالفقير، على الأقل يسقون الحجيج، وعلى الأقل كانوا يكسون البيت، وكانت لديهم مكارم وأخلاق يجيرون على بعضهم البعض، ويقرون الضيف، وكانوا يكرمون اليتامى (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) معناه مكارم الأخلاق كانت موجودة، فأتى لإتمامها، كأن قائلاً يقول: جيد وأعمالهم الأخرى أين هي؟! هذه آية أتت وتقول ﴿وَقَدِمْنَا﴾ الله يتحدث جل جلاله ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ من جنس العمل استغراقية لجميع أعمالهم ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.

(والهباء) هو الغبار الدقيق الجسيمات الغبارية الدقيقة جداً التي لا تُرى إلا عند أشعة الشمس، فتخيل ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ولم يكتف بـ (هباء) بل (منثوراً) هو أصلاً لا تُرى، فكيف إذا كانت منثوراً، فعملهم لا يجازون عنه، لماذا؟ لأنه عملٌ خالٍ عن الاعتقاد الصحيح، خالٍ عن لا إله إلا الله محمد رسول الله، خالٍ عن الإيمان الذي ينجي صاحبه، مهما عملت صالحاً بدون عقيدة صحيحة لا ينجيك شيء، أحد الشعراء يقول:

يا رب إن ذنوبي في الورى كثرت

وليست لي أعمالٌ يوم الحشر تنيجيني

وجئتك بالتوحيد وحبّ

النبي وهذا القدر يكفيني

هو إنسان كان مسرفًا على نفسه، لكنه كان شاعراً، يقول: وجئتك بالتوحيد وحب النبي، وهذا القدر يكفيني. فنسأل الله أن نأتيه بالتوحيد الصحيح. مهما عملنا صلاتنا صيامنا، ونحن في هذا الشهر العظيم، قيامنا للتراويح، والله إذا لم يكن صادقاً لوجه الله الكريم، ولم نشفع ذلك ونقوّيه بالعقيدة الصحيحة، فالعمل لا ينفع. وهذا يوافق ما ورد في الحديث القدسي الصحيح: (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا وجئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). ما أحوجنا أن نرغب في هذا الشهر العظيم، حقيقة ونحن في برنامج ليس للترغيب، لكن هذه الآية تقول: عملٌ بدون إيمان يذهب أدراج الرياح.

المقدم: الآن –سبحان الله- وأنت تتحدث في تفسير هذه الآية تذكرت سورة النور التي لم نغادرها إلا من أسابيع بسيطة حينما يقول الله سبحانه وتعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

د. المستغانمي: وفي سورة إبراهيم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ والرماد يظهر واضحًا، أما ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ يعني أعمالهم تصبح كالهباء هنا تشبيه بليغ لو جئنا للتحليل البلاغي، أعمالهم هباء منثور، أو كالهباء المنثور في عدم النفع والجدوى، حذف وجه الشَبَه، وحذفت الأداة فنحن مع التشبيه البليغ العظيم.

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.

د. المستغانمي: هنا المقابل يظهر بذكر المقابل، عدل عن الحديث عن المشركين وأتى بما يقابله وهم المؤمنين، أتى بوضع المؤمنين في الجنة أصحاب الجنة، وأنتم أين تكونون؟ في جهنم والعياذ بالله!!.

المقدم: هنا حتى حينما تحدث عن أعمال المشركين قال ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ كأن أعمالهم ليست كأعمال المشركين؟

د. المستغانمي: طبعاً، أعمال المؤمنين الصادقين الذين شفعوا الإيمان بالعمل الصالح تورثهم بتوفيق الله وفضله الجنة، ثم وصف الجنة فقال ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أي خيرٌ مقاماً، خيرٌ مكاناً، ستقول لماذا قال ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ ألم يصف المشركين بجهنم بمكان ضيق، مكاناً ضيقاً هنا قال خيرٌ مستقراً.

المقدم: وأصحاب الجنة يوصفون بالخير المستقر؟

د. المستغانمي: أصحاب الجنة يكونون في المكان الخيّر.

المقدم: يعني يقصد: أصحاب الجنة يومئذٍ مستقرّهم خيرَ المستقر.

د. المستغانمي: هذا هو في حذف مائة بالمائة: (خيرٌ مستقر) قد يكون مستقرهم خير المستقر، هنا (خير) أخير، ولكن العرب في التفضيل تحذف الهمزة. قال تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ لو قال جل جلاله: خيرٌ مستقراً ومقيلاً، الخيرية تكفي، لكن قال ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ المقيل هو عندما الإنسان يستروح في الظلال، وليتنعّم بدل من الآن يعاني في كبد، وفي مشقة، وفي صيام وفي تعب، وفي اجتهاد، يوم القيامة خيرٌ مستقراً وأحسن مقيلاً يجذبهم ويحبّب لهم الجنة وصفها لهم. وهذا يغيظ الكافرين الذين يكون مقامهم مكاناً ضيقاً.

المقدم: وهذا يزيد المشركين حسرة وندامة. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هنا يأتي الحديث عن يوم القيامة ومشهد من مشاهد يوم القيامة. مشاهد يوم القيامة كثيرة لماذا اختار هذا الوصف ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هل في ذلك علاقة بأنهم طلبوا إنزال الملائكة؟

د. المستغانمي: هذا هو التفسير الصحيح هم طلبوا الملائكة الله قال لهم: لا يوجد ضرورة لإنزال الملائكة، سُنة الله في الخلق أن يبعث رُسلاً بشراً يأكلون الطعام، ويشربون من الماء، ويمشون في الأسواق، ويبشّرون ويعلمون. إنزال الملائكة يكون لغايات أخرى، يوم يرونهم في جهنم يرون الزبانية تسوقهم سوقاً لا بشرى لهم يومئذٍ! بعد ذلك تحدث عن أصحاب الجنة عاد الكلام يركّز ويثبّت هذا المعنى تريدون الملائكة؟ سيأتي وقتهم، وترونهم ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ الآن السماء ليست منشقة، يعني يوم تتشقق السماء مصحوبة ملابسةً بتشقق الغمام، أو تشقق السماء بسبب من الغمام، المفسرون وقفوا وقفة هذه تحتاج –والله أعلم- أنا رأيي تحتاج إلى رأي من الفلكيين يعني في الإعجاز العلمي الفلكي، لكن أنا أقول: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ واذكر يا محمد ذلك اليوم. في الحلقة الماضية أو ما قبلها قلت ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ هو بدأ وجلب لنا بعض المشاهد ليثبت الإيمان في قلوبنا.

المقدم: الذي أقصده من سؤالي: ما المقصود بتشقق السماء بالغمام؟

د. المستغانمي: قرب وقوع الواقعة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾.

المقدم: انشقاق السماء بالغمام هذا الذي أسألك من الناحية العلمية؟

د. المستغانمي: لا أذكر، أنا قلت لك: نسأل الفلكيين أكيد فيها شيء، لكن أنا ما وقفت عليه عند المفسرين اللغويين: (تشقق) مصحوبة بانشقاق الغمام، أو تنشق السماء ويظهر الغمام، ونزلت الملائكة تنزيلاً، سيحدث هذا، كيف؟ أحداث يوم القيامة مجهولة، لكن قد تظهر بعض الإشارات العلمية التي العلم الحديث يثبتها.

المقدم: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ مفعول مطلق.

د. المستغانمي: مفعول مطلق، أيقونة نحوية مكررة بطريقة تثبت المعاني. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ هذا هو المراد: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ لا يوجد تحاكم لفلان أو علان –والعياذ بالله- ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ تقديم (يومئذٍ) هذا يوم عظيم للعناية بالزمن، وهو يوم القيامة، الملك الحق (الحق) صفة للمُلك، (للرحمن) خبر مستحقٌ للرحمن وحده، الملك في الدنيا قد يكون هنا ثمة ملك أنا أملك سيارة، والثاني يملك دولة، لكن هناك: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ كأنه يقول: الملك الثابت الحق المستحق للرحمن، لا ملك لغيره.

المقدم: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.

د. المستغانمي: أصل الكلام: وكان يوماً عسيراً على الكافرين. انظر إلى التقديم ماذا فعل ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أي: على المؤمنين يسير إن شاء الله.

————فاصل————–

المقدم: الله سبحانه وتعالى هنا لا زال الحديث مسترسلاً عن يوم القيامة، لكنه في إطار الكافرين، في إطار المشركين، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ أولاً: لماذا يعض الظالم على يديه؟ ثانياً: وهل يقال في اللغة: ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ أو يقال: اتبعت الرسول أو جعلت سبيلي مع سبيل الرسول؟ لكن اتخذت مع الرسول سبيلاً، ما أعرف كيف؟

د. المستغانمي: أولاً: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ الظالم، جنس الظالم، المفسرون قديماً جزاهم الله خير ورحمهم الله قالوا: عقبة بن أبي معيط هو الظالم، وخليله هو أُبيّ بن خلف الذي كان يوسوس له. هذا نعم من الممكن أن تعنيهم الآية، فنقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ جنس الظالم على يديه، هذه الحركة عندما يعضّ اليدين كناية عن الندم عن شدة الندم، بدليل اليهود عندما كانوا يمرون على المؤمنين في المدينة ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ عضوا الأنامل أم الأيدي؟ الأنامل؟ في الدنيا كانوا يتحسرون ويندمون يكفي الأنامل في وصف غيظهم، فالقرآن وصف غيظهم، وتحسرهم بعضّ الأنامل، وهذا من لغة الجسم في القرآن الكريم، التعبير الجسدي والجسمي موجود في القرآن.

المقدم: (الأنامل) جمع: أنملة، والأُنملة: الأصبع أو طرف الأصبع.

د. المستغانمي: الأنملة الاصبع والبنان هو طرف الأصبع.

أنا أقول لك فقط: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ يمسك بأسنانه على يديه، لماذا القرآن الكريم عدل عن الأنامل إلى اليدين؟ حتى اليهود واغتاظوا وتحسروا على المؤمنين، لكن حسرتهم في الدنيا لن تبلغ حسرتهم يوم القيامة. يوم القيامة لا يكفي العض على الأنامل، بل على كلتا يديه، إذاً شدة الندم والتحسّر، كناية عن ذلك، الكناية: كلام يطلق ويراد لازم معناه.

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (ليت) تُفيد التمني. المفسرون والعلماء يقولون: ينادي هذا الظالم والمجرم ينادي ليته يا ليته، فـ (ليت) تفيد التمني والندامة والحسرة، كأنه يقول: يا أيتها الندامة هذا وقتك فاحضُري.

بعض المفسرين النحويين يقولون: المنادى محذوف (يا قوم ليتني اتخذت مع الرسول) كلاهما موجود، ولكن انظر إلى المعنى الأول طريف، ليت ينادي اسمها يريد أن تحضره الندامة لتسعفه لن تسعفه الندامة شيئاً!!!

﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ أصلها (يا ليتني اتبعت الرسول) لكن الاتباع أن تتبع خطط الرسول صلى الله عليه وسلم، أو تتبع منهجه، أو تتبع سنته، لكن هو لشدة الندم يقول: يا ليتني تكلّفت وعرقت ونصبت واجتهدت واتخذت مسلكاً وسبيلاً كسبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هنا ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ فيها تشبيه دعوة الرسول بالسبيل المستقيم، يعني اتخذت مع سبيل الرسول سبيلاً. الأسلوب بهذا النوع: يا ليتني تكلّفت على نفسي واجتهدت واتخذت سبيلاً مشابهاً لسبيل الرسول بمعنى شبّه الإسلام والصراط المستقيم والقرآن بالسبيل، وليتني سلكت هذا السبيل فأوصلني إلى الجنة. بينما لو قال (ليتني اتبعت الرسول) لا تفيد هذه المعاني.

إضافة على أننا قلنا (اتخذ) هذه من لوازم هذه السورة ستأتينا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، أو ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً﴾ هنا قال: ﴿لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ثم يندم ويقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لم يقل: (ليتني لم أسمع كلام فلان) (ليتني لم أطع فلان) بل قال: (لم أتخذه خليلاً) هو اشمئز من صداقته.

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى﴾ هنا ترقّي. (يا ويلتى) الألف منقلبة عن ياء هكذا يقول المفسرون وكذلك نحوياً أصلها: (يا ويلتي) ألف منقبلة عن ياء، لكن أنا أقصد: في البداية دعا الندم (ليت) والثانية دعا (الويل) يا ليتني يا ويلتى، وهذه من معاني الثبور والهلاك.

﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ لم يندم ولم يقل: ليتني لم أسمع كلام فلان، ليتني لم أطع، إنما تبرأ من خُلّته، ومن صداقته، والخُلة هي شدة الصداقة، إذاً اشمئز من صداقته. وفي آية في سورة الزخرف ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فانظر إلى التناسق في التعبير على ألسنة المشركين –والعياذ بالله- ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ لا يكتفي (يا ويلتى) جملة اعتراضية؛ لأن الثانية بدل الأولى.

المقدم: في البداية كان النداء لـ(ليت) وهنا النداء (للويل والثبور والهلاك)؟

د. المستغانمي: نعم، (يا ويلتى) هذه جملة اعتراضية هو أصل الكلام: ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً، الذي يتخذ مع الرسول سبيلاً يشتمل أن تكون صداقته طيبة، فالثانية بدل اشتمال من الأولى، لأن الثانية ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ اتباعي لسنة رسول الله كان الأولى كان من الجدير باتباعي لسنة الرسول أن تمنعي من خلة فلان – فلان تطلق في العربية على أي إنسان يكنّى ولا يُذكر – إذا أخذنا الآية على محمل عقبة بن أبي معيط الخليل كان أُبي بن خلف هكذا يقول المفسرون، وليس معنى هذا أن هذان المشركان وحدهما اللذان سيعاقبان، فأنا أقول لك جازماً: الآية عامة، والظالم عام، فكل واحد في الدنيا من المشركين من الظالمين من المجرمين إلا وتجد خليلاً يوسوس له، عندما يهتدي أو يقارب الاهتداء يقول: يا أخي! ماذا تريد بهذه الصلاة؟ وماذا وماذا؟! يوسوس له ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ تنطبق على كل موسوس بالشرور والعياذ بالله!!

المقدم: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.

د. المستغانمي: هو موقن أن ما جاءه هو الذكر (بعد إذ جاءني)، وصله، بلغه (وإذا) هنا زمانية. هذا التصوير والتعبير أن هذا المشرك كان مقارباً للاهتداء قوله: (لقد) اللام تفيد موطئة لقسم محذوف (قد) تفيد التحقيق دائماً. ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ هو المفترض أن يقول: لقد صرفني عن الذكر، الآن تبين لنا لماذا قال في البداية (اتخذت مع الرسول سبيلاً) هو قال ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ هذا الفلان أضلني عن ذلك السبيل، كان الأولى في منطقنا أن يقول لقد صرفني عن سبيل الله بل قال (لقد أضلني) لأن الضلال هو البُعد عن الطريق الصحيح، عندما أنت تضل عن الطريق أنا أذهب من هنا إلى أبو ظبي، لو ضللت الطريق معنى: لم أهتد، فكلمة (ضلال) تستدعي سبيل طريق، فهذه من المجاذبات والمصاحبات اللفظية.

﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ يعني: وصله سواءٌ كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يستمع، الآن القرآن موجود بين العرب في الدول العربية كلها في الإذاعات في التلفزيونات في الكتب في المكتبات مترجم معانيه ترجمت معاني القرآن باللغة الانجليزية والفرنسية بكل لغات العالم ومعظمها، الآن كل العالم يتحدث عن الإسلام، هل هناك من يجهل ما معنى القرآن؟ والله لو قرأوه، ولو بلغة ثانية قرأوا الترجمة، المعاني لا أقول القرآن، فهو لا يترجم، هذا الكلام الذي الآن نحن نقربه إلى العالمين، لا أحد يستطيع أن يترجم كلام الله، إنما يترجم المعاني ويقرّبها، والله لو قربوا لهذه المعاني لوجدوا فيها هداية عظيمة. فإذاً (إذ جاءني) كل الناس قد جاءهم، ولذلك المسلمون مقصرون عندما لا يبينون حقائق الإسلام للعالمين.

المقدم: هنا لما قال: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ ما المقصود بخذلان الشيطان هنا؟

د. المستغانمي: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) الشيطان يخذل الإنسان، خليله الذي وسوس له، أيضاً الشيطان وسوس لذلك الخليل ليوسوس له، والشيطان دائماً ديدنه أن يوسوس للناس وأن يبعدهم في الدنيا ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ الذي يزين ويوسوس الشيطان. يوم القيامة يخذل، معنى الخذل: تخذل إنسان تتخلى عنه، فلان خذل فلان بمعنى: لم ينصره، ما بالك إذا أعان على إدخاله في النار؟! لذلك لم يقل الله: وكان الشيطان للإنسان خاذلاً بل قال: (خذولاً) شدة الخذلان؛ لأنه لو لم ينصره مقبولة، لكن الشيطان دلّه على جهنم خذله وزجّ به في جهنم لذلك قال الله ﴿ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ فلا ينصره، بل يوقعه في جهنم والعياذ بالله!!.

المقدم: طبعاً هنا كل الحديث عن هذا الذي يدعو الثبور والويل والهلاك لنفسه، على لسان الظالم ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ لكن هنا حديث الله سبحانه وتعالى.

د. المستغانمي: نعم هذا حديث من الله سبحانه وتعالى، هذا تذييل الشيطان للإنسان خذولًا هذا تقرير قاعدة من قواعد الحياة.

المقدم: ثم يتحدث الله سبحانه وتعالى عن موضوع أراه بشكل عام بشكل ملاحظ بعيد تمام البُعد عن هذا الموضوع، عن الآية السابقة ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ لا حول ولا قوة إلا بالله! ونحن في شهر القرآن وللأسف أغلبنا يرجع للقرآن في هذا الشهر، فإذا ما انقضى وانتهت أيامه، نسي القرآن، وإذا ذكره في الأسبوع أو الشهر مرة، نسأل الله العفو والعافية!!. السؤال لماذا الآن جاء هذا الموضوع في هذا الوقت بالتحديد؟

د. المستغانمي: أنا سأحدد لك: أنت تقول: بعدما تحدث عن الظالم وعضه لليدين أنت رأيت إلى هنا، لماذا لم تنظر إلى آخر جملة ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ من الذي أضلّه؟ زميله المشرك مثله، خليله، الشيطان. ما هو الذكر؟ القرآن. بعد ذلك ناسب أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم الشكوى وأن يبثها لله، والله يعلم جل جلاله ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّهذا النداء (يا رب) ورد في القرآن مرتين، أما الواردة دائماً (رب آتيتني) بدون أداة نداء، وردت (يا رب) مرتين: هنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم هنا قال ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾، وفي سورة الزخرف على ما أذكر: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

وقول محمد ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ على لسان محمد لشدة بثّ الشكوى، لهذا أتي بالياء هنا. خصوصية في حديث محمد بينما دائماً (رب) لما تأتي النداء لرب العالمين تحذف الياء ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي﴾، ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾.

المقدم: هنا طبعاً (يا رب) فيها آخر شيء ياء النسبة.

د. المستغانمي: ياء المتكلم المحذوف لكنها حذفت، ودلّت عليها الكسرة.

المقدم: وهذه سبحان الله فيها تلطّف أن الإنسان حينما يناجي الله سبحانه وتعالى يناديه بشيء كأنه شيء يملكه (يا ربي) يضيف ذاته إلى الله.

د. المستغانمي: فيها تقرّب إلى الله. انظر: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ هذه شكوى عجيبة وأنا أقرأها وقرأت سورة الفرقان –والحمد لله- عند عدد المفسرين: الرسول يثب شكواه لله ضد قومه، لم يقل: وقال الرسول يا رب إن قريشاً إن المشركين إن المخاطبين، بل قال (إن قومي) الذي كان يفترض أن ينصروني، قومي الذي أنتمي إليهم ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ رجعنا إلى (اتخذوا) لم يقل: وقال الرسول يا رب إن قومي هجروا القرآن، هجروا ما توفّي بالمعنى بل قال ﴿ اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ أشد مبالغة في وصف هجر القرآن، كيف هجروه؟ لم يقرأوه، وإذا قرأوه لم يتدبروه، وإذا تدبروا لم يطبقوه، الهجران: اتخذوه متروكاً مهجوراً، وتكلفوا هجرانه!! فهذا التعبير عجيب، لماذا هذا الحديث عن القرآن؟ لأننا في سورة الفرقان يتفق مع سورة الفرقان وأتى ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا﴾ (هذا) هذا القرآن العظيم كان يستطيع أن يقول: يا رب إن قومي اتخذوا القرآن، (هذا) للتقريب، هذا الذي نقرأه هذا الذي يجدر ألا يهجره هاجر، هذا الذي يجدر أن يتقرب به العباد حبل الله المتين الذي وهبه الله للبشر ليستمسكوا به، هذا أسلوب عظيم! (هذا القرآن مهجوراً) على وزن (مفعولاً) وهذا (مهجوراً، مخذولاً، مسؤولاً) هذه أيضاً أيقونة سأتحدث لك عنها إن شاء الله.

المقدم: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ مثل ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ يعني القصد ما قالوا (باروا) وإنما كانوا قوماً بوراً، وهنا لم يقل: القرآن هجروه وإنما قال: اتخذوه مهجوراً.

د. المستغانمي: لبيان ووصف التمكن من الهجران، فهو وصفهم أشد وصف.

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ هنا الخطاب لمن؟

د. المستغانمي: للنبي صلى الله عليه وسلم، وعدنا الآن إلى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عاد السياق:﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ لا تحزن يا محمد لا تذهب نفسك عليهم حسرات، سنّة الله في خلقه أن يجعل لكل نبي عدواً من المجرمين ومن الشياطين من الإنس والجن.

المقدم: لماذا ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ولم يقل (أعداء) مجرمين هنا (جمع)؟

د. المستغانمي: أولاً (عدو) كلمة تطلق على المفرد وعلى الجمع، فتقول: هذا عدواً، وهؤلاء عدوٌ، هذه واحدة.

ثانياً: عندما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ جعل الأعداء من زمرة المجرمين لو قال: أعداءً مجرمين وصفهم، الوصف لا يأتي مثل عندما جعلهم من ضمن زمرة المجرمين.

ثانياً: أعداء الأنبياء هم طائفة من زمرة المجرمين الكبار، فالإجرام أوسع وأعداء الأنبياء طائفة منهم (عدواً من المجرمين) بينما لو قال (أعداءً مجرمين) كان وصفهم لا تأتي صفة الإجرام ثابتةً فيهم كما جاءت في هذا الأسلوب.

المقدم: ثم يقول الله سبحانه وتعالى ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ ربما يقول قائل: ما مناسبة هذا التذييل؟

د. المستغانمي: ألم يقل له ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ لكن لا تيأس سيهدي لك كثيرين وسينصرك نصراً مؤزراً، هذه تطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وترغّبه وتحنو عليه هذه الآية ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ انظر! أصلها (وكفى ربك) كفى حرف جر زائد، (رب) اسم مجرور لفظاً مرفوع محلاً، فاعل أصلها (كفى ربك هادياً) (هادياً) تمييز، نصيراً. كأنه يقول: إن كان هؤلاء المجرمون كثيرين أيضاً فإن الله سيفتح باب التوبة والقلوب وسيهدي الكثيرين، وسينصرك، يعني يشوقه ويزيد من مؤازرة قلبه صلى الله عليه وسلم.

المقدم: رجعنا إلى شبهات المشركين والكفار، والآن يقول ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ الحديث عن القرآن لأنه سبق الحديث عنه

د. المستغانمي: تحول السياق والكلام من شبهة إلى شبهة، تحدثوا عن شبهة الرسالة للبشر وتحدثوا عن الملائكة وهنا لما تحدث الرسول عن القرآن جيء بشبهة القرآن.

المقدم: مع أنه في الواقع في التأريخ ربما يكون الحديث ليس هنا

د. المستغانمي: لله في كتابه أسرار.

المقدم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ لماذا يريدون القرآن جملةً واحدة؟

د. المستغانمي: هم يظنون أن الكتب السابقة أنزلت جملة وفي الحقيقة هذا فيه خلاف، بعض العلماء لكن الراجح أنها أنزلت متفرقة، حتى إن الألواح التي أنزلها الله على موسى كانت تضم عشر كلمات أو عشر وصايا، فكل الأنبياء – على رأي بعض العلماء – أنزلت كتبهم متفرقة منجمة، إلا أن التحدي وقع بنصوص القرآن لا بنصوص التوراة والإنجيل والزبور، بمعنى: هم يريدون كتاباً واحداً معجزاً، يعني مرة واحدة، القرآن أجاب محمد صلى الله عليه وسلم ﴿َكذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أعطاه الحكمة في التنجيم، يعني: كذلك الإنزال المنجم لماذا؟ لنثبت به فؤادك يا محمد ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.

كذلك الإنزال المنجّم لنثبت قلبك وفؤادك.

المقدم: ما مناسبة الترتيل هنا في قوله ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾؟

د. المستغانمي: هنا كلمة (ترتيل) في اللغة العربية أولاً: نعود إلى أصل اللغة نقول (ثغرٌ مرتلٌ) بمعنى منسّق مفرّق مفلّج يعني: بينه مسافات وهذه المسافات تعطي جمالاً للثغر المرتل، ومنه ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ أي: اقرأه متناسقاً جميلاً على مهلك، ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ هنا تشير إلى هذا المعنى ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أي وفرّقناه تفريقاً؛ لأنهم قالوا: لولا أنزل جملة، كذلك لنثبت، ورتلناه ترتيلاً أي جعلناه مفرقاً، هذا معنى.

المعنى الثاني: أمرنا بترتيله ترتيلاً جميلاً متناسقاً عذباً نعطي لكل حرف حقّه من المخرج والصفة، الترتيل هو إعطاء الحروف حقوقها من المخارج والصفات. إذاً: (رتلناه): أي: جعلناه متناسقاً منضوداً محكماً مفرقاً في التلاوة لنثبت به فؤادك، كيف كان يتنزل القرآن؟ تقع حادثة فيتنزل، ونحن في سورة النور تقع حادثة فتأتي آية بلسماً شافياً، بينما لو أنزل القرآن جملةً مثلما نحن الآن لدينا كل هذا الكتاب العظيم ونبحث عن الحلول فيه، بينما هم كان يتنزّل جرعات منجّمة لتداوي مشاكل الناس، ولتثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

آخر شيء: الإنزال المنجم إعجاز، يعني لا يستطيع البشر أن يكتبوا اليوم جملة وغداً فقرة وغداً فقرتين، وبعد عشرين سنة ثم يجمعها وتتناسب وتتناسق وتصبح وحدة متكاملة غير معقول هذا الكلام! لكن الله سبحانه وتعالى قادر، ففيه دليل الإعجاز.

المقدم: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ سوف إن شاء الله نتحدث عن هذه الآية في الحلقة القادمة إذا مد الله في أعمارنا.

 

https://www.youtube.com/watch?v=hU3YXDWkla0&index=1&list=PLkfWtLTtKgCNPVnTm3YD9deZOub0-yPc5


islamiyyat