تم إضافته 3 مايو 2016 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

في رحاب سورة الفرقان – 5 – د. محمد صافي المستغانمي

IMG-20160122-WA0002
IMG-20160122-WA0002

في رحاب سورة – د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ – تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة الفرقان – 5

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

المقدم: وقفنا في الحلقة الماضية عند قول الله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴿٣٢﴾) تحدثنا عن الآية وقلنا أن الله سبحانه وتعالى يقول بأن الكافرين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم هلّا نزِّل عليك يا محمد القرآن مرة واحدة؟! هم يعاجزونه، هم لم يطيقوا آية واحدة فكيف بالقرآن كله؟! قال الله سبحانه وتعالى (كذلك) أي أُنزل كذلك مفرقًا منجمًا مرتّلا لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا أي نجمناه أو وزّعناه فرّقناه، يقال هذا ثغر مرتّل أو الأسنان مرتلة فيه أي مفرّقة، مفرّق منضّد. إلى أن قال الله تعالى (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴿٣٣﴾) ما المثل؟

د. المستغانمي: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴿٣٣﴾) ولا يأتونك بشبهة من الشبهات، كلمة مثل في العربية هي المشابِه ولكن هنا المقصود منها في هذا السياق أنه لا يأتونك بشيءء يريدون أن يعاجزوك به ولا يضربوا لك مثلًا بمعنى يقترحون مقترحًا، يتعللون بشبهة إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا. المثل بمعنى المشابِه، المثل في اللغة العربية عندما يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون، لعلهم يعقلون كما قلنا في سورة النور (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٣٩﴾) هذا مثل والمثل في اللغة العربية عندما يضرب في موضع محدد ترسم به صورة معينة لمعنى معين يشبه به صورة أخرى، هذا المثل اللغوي البلاغي. لكن هنا لا يأتونك بمثل ولا يضربون لك مثلا هم قالوا عن محمد ساحر وشاعر ومجنون هم يضربون له مثلا أي يبحثون عن صفة يلصقونها به. المراد في هذا السياق لا يأتونك بشبهة ولا يقترحون مقترحا باطلًا إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا. لا يأتونك بمثل يقابلها إلا جئناك بالحق، جئناك بالحق معناه أن الذي أتوه به باطل، ولا يضربون مثلا باطلًا إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا.

أتى وجاء هذا ترادف، لما قال ولا يأتونك أنت يا محمد بمثل ويأتون بتعلّة ويضربون شبهة إلا جئناك، هنا عدل عن أتى إلى جاء لأن جاء يفيد معنى أتى بقوة، أتى جاء بسهولة الأتيّ هو النهر السهل والأتيّ فيه سهولة، أما المجيء في القرآن جاء فيه قوة وتأكيد وثقة (أن جاءه الأعمى) فيه جهد جاءه مجيئا يريد النصح من رسول الله صلى الله عليه وسلم (حتى حروف الكلمة فيها قوة اجتماع الجيم جرف شديد مجهور مع الألف مع الهمزة القوية). كاف الخطاب في (ولا يأتونك) في غير القرآن لو قال: ولا يأتون بمثل إلا جئناك بالحق لكن قال لا يأتونك أنت ليعجزوك ويفحموك أنت كأنهم ضربوا المثل خصيصًا للمعاجزة ولإفحامك (إلا جئناك) تأييد رباني (وأحسن تفسيرا).

باختصار هذه خلاصة الشبهات المتقدمة ضربوا له شبهات متعددة قالوا (أساطير الأولين) (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ) ثم قالوا (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) أجابهم وأفحمهم وألقمهم الحجر كما قال أحد المفسرين ثم هنا أتى بالقاعدة النهائية (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ) على طريقة: وإن عدتم عدنا.

الختام (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) يعني أي أحسن بيانًا وأوضح تفسيرًا وبيانًا وكشفًا، التفسير في اللغة هو البيان.

المقدم: ما الارتباط بين هذه الآية وما سبقها (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴿٣٤﴾)؟ من هؤلاء الذين يحشرون على وجوههم؟ ولماذا على وجوههم؟ وهل يحشر الناس على وجوههم؟

د. المستغانمي: هذا السؤال سأله أحد الصحابة الكرام للنبي صلى الله عليه وسلم قال: كيف يمشي الله الناس على وجوههم؟ آية سورة الإسراء أوضح (يحشرون  وصما)؟ قال الذي أمشاه على رجليه يمشيه على وجهه. علاقة هذه الآية بما سبق (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴿٣٤﴾) لها ارتباط وثيق بما سبق ولكن النظم اختلف، قبلها قال (ولا يأتونك بمثل) هؤلاء المعاجزون المشركون الذين يريدون إيقاع النبي صلى الله عليه وسلم ووضع الأحجار والعراقيل والعوائق أمامه قال له جلّ جلاله ولا يأتونك بشبهة وبتعلّة إلا جئناك بالحق واضحًا مفسرًا، هؤلاء في الحقيقة هم شر مكانًا وأضل سبيلًا وسوف يحشرون على وجوههم يوم القيامة. عكس البيان القرآني فقال: الذين يحشرون على وجوههم، تبين لك كقارئ تريد أن تتدبر القرآن فقلت ما علاقة هذا بهذا؟ لكن القرآن نظمه عجيب وفيه أسرار: عوض أن يقول ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا هم شر مكانا وأضل سبيلا ويحشرون على وجوههم عَكسها وقال (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ) وبنى عليها اسم الإشارة (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) حتى يصفهم ويميزهم عن غيرهم، المشركون عددهم كثير، هؤلاء المتعنتون المعاجزون هم شر مكانًا وأضل سبيلًا، فحتى يسمَهم ويصفهم قال أولا بشّرهم وأنذرهم أنهم يحشرون على وجوههم وبنى عليها. لو قلنا العكس ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا أولئك شر مكانا لا يستقيم الكلام بالطريقة التي استقام النظم الجليل. فأتى بالاسم الموصول الذي يعود عليهم ثم أشار إليهم. قال: الذين يحشرون على وجوههم أولئك شر مكانًا. لو في غير القرآن لكان يستقيم: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا هم شر مكانا وهم يحشرون، عكسها الله عز وجلّ ليبني شيئًا على شيء وهذا كثير في القرآن.

المقدم: هنا لغة قوية شديدة، كلنا سيُحشر يوم القيامة ولكن أن يحشر المرء على وجهه لفظ قوي وليس فقط يحشر على وجهه وإنما يحشر إلى جهنم، حدد مصيره وانتهت المسألة (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ) إضافة إلى أن الله تعالى يقرر (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) فيه وعيد شديد!

د. المستغانمي: والذي فعلوه والذي اتهموا به الرسول صلى الله عليه وسلم من بداية السورة يستحق هذا العقوبة قالوا أساطير الأولين وقالوا لولا أنزل عليه ملك وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا وأعانه عليها قوم آخرون ما آلوا جهدا في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء شر مكانا وأضل سبيلا. وشر مكانا هو مكان في جهنم يليق به (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ) فأعاد هنا وقال (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) السبيل هو الطريق الذي يقود إلى جهنم، أسند الضلال إلى السبيل لا يوصف السبيل بأنه ضال وإنما الإنسان يضل وهذا من المجاز العقلي. قال إذا كان السبيل ضالًا وأضلّ فما بالك بالذي يمشي عليه؟ هو في ضلال بعيد، هذا على طريقة (في عيشة راضية) إذا كانت العيشة راضية فما بالك بالذي يعيشها؟ هنا السبيل وصفه الله بالضلال فما بالك بالذي يعيش عليه؟ هو في ضلال بعيد.

المقدم: بعد ذلك يأتي القصص النبوي والسورة سورة الفرقان وقلنا بأن من محاورها الرئيسة قضية الفرقان وبشرية الرسول صلى الله عليه وسلم والإنذار (ليكون للعالمين نذيرا) ثم يتحدث عن موسى ثم أخاه هارون ويتحدث عن نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا أحاديث مختصرة آية آيتان، فما علاقة هذا بمحور السورة؟

د. المستغانمي: هذا في رحاب سورة الفرقان. سورة الفرقان تعالج محورًا عظيما وهو إثبات أن القرآن من عند الله سبحانه وتعالى والتنويه بشأن الفرقان وأنه من عند الله، التنويه بعبودية النبي صلى الله عليه وسلم فهو عبدٌ بشر، الإشارة إلى أنه جاء لينذر، هو في الحقيقة جاء ليبشر وينذر لكن سورة الفرقان فيها ذكر لأحوال المشركين المكذبين المعاجزين الذين يجحدون كل الآيات الساطعات وحاولوا أن يأتوا بالشبهات ويلقوها في وجه الإسلام وكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا هو بشر (ما لهذا الرسول ) وقد وردت في السورة (مبشرا ونذيرا) مبشرا مرة واحدة مقابل أربع مرات (نذيرا). (نذيرا) أربع مرات وعندما ذكر التبشير ذكره (مبشرًا) لا بشيرًا وثمة فرق بين بشير ومبشّر، مبشر اسم فاعل وبشير مبالغة أكثر على وزن فعيل وصيغ المبالغة: فعيل فعول مفعال تفيد شدة مبالغة اسم الفاعل. فهنا حتى لما ذكره بالبشرى بأنه يبشّر أتى باسم الفاعل بينما في سورة فصلت (حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿٤﴾) لأن سورة فصلت بنيت على شيء من البشرى. أما في سورة الفرقان أتى بـ(مبشرا) لإثبات وظيفته لكن ليس على وجه المبالغة لأن المبالغة في المشركين والمكذبين يحتاج معها الإنذار أكثر.

هذه الآيات التي وردت في القصص القرآني جاءت لتثبت النبي صلى الله عليه وسلم وتقول له لست وحدك يا محمد على طريق الدعوة وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك. انظر إلى الترتيب بدأت القصص بقصة موسى عليه السلام مع أن نوح قبل موسى، أقرب القصص إلى قصة النبي صلى الله عليه وسلم هي قصة موسى من أولها إلى آخرها، حياة موسى شبيهة بحياة النبي صلى الله عليه وسلم من حيث تعرضهما للابتلاء والفتن، موسى تعرض لفرعون ومحمد صلى الله عليه وسلم تعرض لشرك المشركين، بدأ ترتيب القصص بأقرب الرسل للنبي صلى الله عليه وسلم، عيسى أقرب تاريخيا لكن قصة موسى وقصة بني إسرائيل وفرعون قريبة إلى قصة محمد صلى الله عليه وسلم والمشركين ما عاناه موسى مع بني إسرائيل تكاد القصتان تتطابق. من هذا بدأه بقصة رجل نبي من أولي العزم يقول له تأسّ بموسى وقد لاقى من فرعون ما لاقى وكذبه الأقباط وكذبه فرعون وصدّق به بنو إسرائيل الذين اتبعوه.

المقدم: لماذا يبدأ قصة موسى بقضية الكتاب؟ لما تحدث عن نوح قال (وقوم نوح ) ولما تحدث عن عاد وهود لكن بدأ قصة موسى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴿٣٥﴾)؟

د. المستغانمي: لأن الآيات قبله تجادل في الكتاب هم يجادلون في الكتاب (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) فآية في قصة موسى تعرّض بجهلهم أنتم تجهلون كيف أنزل الله الكتب السابقة منجمة، مرة واحدة؟ يقال أن التوراة نزلت مرة واحدة لكن ثمة من المفسرين من يقول عندما أنزل الله الألواح كان فيها عشر وصايا لا تزيد عن سورة الليل ثم أنزل الله التوراة كأن الحديث موجه للمشركين يعرّض بهم أنتم تجهلون تاريخ الكتب وتاريخ الديانات وكما أعطينا محمدًا كتابًا عظيمًا أعطينا موسى كتابًا عظيمًا إلا أن الفرق أن الكتب السابقة لم يكن الإعجاز فيها من الناحية البلاغية والنظمية إنما كانت بما تحمل من معان ودلالات أما القرآن فمعجز نظمًا ومحتوى ولن يأتي بشر ولا جنّ بمثل هذا النسيج العجيب.

تبدأ قصة موسى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴿٣٥﴾) اختلف الأسلوب، لما يتكلم عن قوم لوط (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) انظر إلى تغيير الأسلوب، الله جلّ جلاله وهو خالق الأكوان ومنزل القرآن وفصاحة القرآن لا فصاحة فوقها! عجبت وأنا أتأمل في سورة الفرقان: مشاهد منتظمة بدقة لما تعلق الأمر بالشبهات بناها القرآن بـ (قالوا) و(وقل) (قالوا أساطير الأولين) (قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام) (قال الذين لا يرجون) (وقال الذين كفروا). الشبهات مقترحاتهم المعاجزة جاءت في ثوب (قالوا) ولقنّ الله النبي صلى الله عليه وسلم: قل لهم. لما جاء إلى القصص أعطاها التأكيد (ولقد آتينا موسى) (ولقد أتوا على القرية) اللام موطئة لقسم محذوف: والله لقد. ولما تكلم عن يوم القيامة عرضه بشيء آخر (يوم يعض الظالم على يديه) (يوم يحشرهم) (يوم  ) هذا مشهد. أنا أرى سورة الفرقان فيها مشاهد وسورة الفرقان هي لوحة واحدة فيها عدة مشاهد وكل مشهد له ثوبه وألفاظه: عندما قال (يوم يحشرهم) (يوم تشقق السماء) (يوم يعض الظالم) كأنه يقول أنا أعطيتك هذا المشهد الرباني: يوم القيامة ويم كذا ويوم كذا. ولما جاء القصص أتى يحقق لمحمد صلى الله عليه وسلم (ولقد) ولما جاء إلى التوحيد قال (وهو الذي) (وهو الذي مرج البحرين) (وهو الذي جعل) (هو الذي أرسل الرياح) أعطاها صبغة التوحيد لا يستطيع الأصنام أن يفعلوا هذا ولما ذكر عباد الرحمن أعطاها لوحة أخرى، جاء بصيغة (الذين يمشون) (الذين يبيتون) (الذين يقولون ربنا اصرف عنا) لا يستطيع خلق ولا بشر ولا مجمع علمي من عظماء العلماء أن ينسجوا مثل هذا البيان القرآني، في سورة واحدة أعطاك مشاهد كأنك أمام لوحة في البحر – ولله المثل الأعلى – وأنت تنظر الأمواج وتنظر السماء! هذه سورة عجيبة والقرآن كله عجب.

المقدم: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴿٣٥﴾) حين يتحدث الله سبحانه تعالى عن قصة موسى أحيانا يذكر هارون وأحيانًا لا يكذره وهنا ذكره على الرغم أن القصة قصيرة في هذه السورة جاءت في آيتين فقط (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا) وصفه بالوزير فما دلالة ذكر هارون هنا؟

د. المستغانمي: القصص الذي ورد في سورة الفرقان يخدم موضوع سورة الفرقان وبما أن المشركين تعنتوا وتصلبوا وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكأن القرآن يقول يا محمد لست وحدك في الدعوة رسل من قبلك كُذبوا وأنت واحد من كوكبة من هؤلاء العظماء الذين يدعون إلى الله، ولأنهم تعنتوا في بداية السورة وقالوا (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) لولا أنزل إليه ملك أو معه ملك، وأكدوا إما أن يكون ملكًا أو يكون رجلًا معه ملك، هنا قال الله تعالى بطريقة ضمنية مبطنة: لو كان الأمر يقتضي أن أؤيدك بأحد لأيدتك برجل كما أيدت موسى بأخيه هارون، هذه حكمة من الحكم، الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يقتضي أن يكون معه أحد. هم طلبوا ملكًا لم يقتنعوا بالبشرية والله تعالى يقول لو كان الأمر يقتضي أن يكون معك رديفًا لكان بشرًا كما جعل الله لموسى أخاه هارون ولذلك قال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) عرّض بجهلهم ثم قال (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا) لو كنت باعثًا رجلًا مؤيدًا به محمدا صلى الله عليه وسلم لكان رجلًا. الوزير هو الذي يحمل من أوزار الملك هو الذي يساعد الملك ويؤيده ويظاهره، يكون نائبًا عنه ويساعده ويؤازره.

المقدم: (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ﴿٣٦﴾) الله سبحانه وتعالى كأنه حينما يقرأ القارئ قرر مصيرهم قر موقفهم من دعوة موسى وأخاه هارون، لم يصلوا بعد فكيف قال (الذين كذبوا)؟

د. المستغانمي: لو قال في غير القرآن اذهبا إلى فرعون وقومه مثلا كما وردت في آيات أخرى لكن هنا في الحقيقة وصفهم (اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا) حيّز الصلة كما يقول البلاغيون (إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا) وصفهم بالتكذيب، القرآن موجه لقارئ القرآن بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم فكأن القرآن يُعلمنا ويشعرنا وينبئنا بأنهما ذهبا وكلّما فرعون وقومه وملأه ويعطينا الخلاصة لأن القرآن موجه إلى قارئ القرآن (اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا) نفهم أن موسى وأخاه ذهبا وبلّغا الدعوة وكانت النتيجة أن كذبوا وبالتالي استحقوا (فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا) ليبني على التكذيب دمرهم تدميرا أتى بالصفة التي اقتضت التدمير والإهلاك. أعجبني د. عبد الكريم الخطيب عالم أزهري عنده التفسير القرآني للقرآن في 16 مجلد يقول: لا يهمنا الأقوام في ذاتهم، تهمنا الصفة، لو قال له اذهبا إلى فرعون وقومه فدمرناهم تدميرًا، أنت تسأل لماذا دمرهم تدميرا؟ لكن لما قال (اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا) صفة التكذيب هي التي تهمنا في سورة الفرقان فاستحقوا التدمير. و(فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا) صيغة المفعول المطلق أيقونة نحوية مكررة من أيقونات السورة.

المقدم: هنا يبدأ بداية أخرى (وَقَوْمَ نُوحٍ) وقلنا قومَ منصوبة

د. المستغانمي: (قومَ) منصوبة لوجهين: يقولون فدمرناهم تدميرا ودمرنا قوم نوح لأن قوم نوح معطوفين على ما سبق، (اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ) (هم) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، (وقومَ) نوح أي ودمرنا قوم نوح. ثمة وجهان نحويان ذكرهما السمين الحلبي وذكرهما صاحب البحر المحيط:

وجه هو معطوف على (ودمرناهم) ودمرنا قوم نوح: لما كذبوا، أغرقناهم. هذه جملة أخرى وهكذا يستقيم الكلام

الرأي النحوي الثاني: وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية، يفسرونها منصوبة بفعل محذوف هو أغرقنا الذي دلّ عليه: وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم، الفعل الثاني دلّ على الأول. منصوبة بفعل جاء تقديره بعد ذلك أو دلّ عليه الفعل الموالي. والرأيان ذكرهما أصحاب النحو.

المقدم: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٣٧﴾)

د. المستغانمي: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا) ما قال وقوم نوح لما تكبروا، لما أجرموا، ذكر التكذيب فقط لأن مشركي قريش كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تكذيبا كبيرا فلما ذكر القصص ذكر كذبوا قوم فرعون كذبوا، قوم نوح لما كذبوا، إذن هذه هي الصفات التي استدعت هذا النوع من التدمير.

المقدم: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) قوم نوح أرسل الله إليهم نوح فلماذا قال كذبوا الرسل؟ هل هو رسول أم رسل؟

د. المستغانمي: (كَذَّبُوا الرُّسُلَ) من كذب برسول فقد كذب جميع الرسل من هذا الباب. قوم نوح في سورة المؤمنين قالوا (ما هذا إلا بشر مثلكم  ) أنكروا على نوح بشريته فلما كذبوا نوحًا لكونه بشرًا والرسل كلهم بشر يستلزم أنهم كذبوا كل الرسل، هذا أمر وثانيًا من كذب رسولًا من أولي العزم فقد كذب جميع الرسل الرسل وقوم نوح من أوائل الأقوام فلما كذبوا رسولهم نوحا فكأنهم سنّوا للأقوام سنة في تكذيب الرسل ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها.

المقدم: (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً) لمن جعلهم آية؟

د. المستغانمي: لجميع الأقوام الذين جاؤوا من بعدهم وكذبوا رسلهم كان قوم نوح لهم آية وعبرة ونكالًأ ودليلًا كل من كذب رسل اللله يحيق به العذاب. جمع بين قوم نوح وفرعون لأن مصيرهم سواء، فرعون أغرقه الله وجنوده وقوم نوح أغرقهم الله تشابه الجزاءات فعطف قوم نوح على فرعون لأن هنا الترتيب التاريخي غير مقصود.

المقدم: في كثير من الآيات حين يذكر قوم نوح يقول (من قبل) أو (من بعد) وهنا لم يذكره ولم يذكر التسلسل التاريخي على اعتبار أن نوح قبل موسى

د. المستغانمي: لأن العبرة  فيمَ سيقت له القصة. القصص في سورة الفرقان سيق لتثبيت تكذيب الأقوام للرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وتثبيت قلب محمد صلى الله عليه وسلم فبدأ بقصة موسى لأنها الأقرب إليه ولأن اليهود الذين كانوا في المدينة وكانوا يستمعون لأخبار الإسلام كانوا أقرب إلى دين موسى عليه السلام وكانوا يعلمون التوراة والكتاب فبدأ بالأقرب. ربطت بين الجزاءين لفرعون وقوم نوح وهو الإغراق (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً). ثم قال (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) أظهر بدل الإضمار (أغرقناهم) هم، (وجعلناهم) هم، المقتضى أن يقال وأعتدنا لهم لكن قال (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) أظهر بدل الإضمار لبيان ظلمهم الذي استوجب ذلك التدمير والعذاب الأليم، الإظهار دائمًا يعطينا نُكتة جيدة من باب (وُعد المتقون). لما قال (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) تنطبق على قوم نوح وتنطبق على كل ظالم فكأنه تذييل يمكن الاستشهاد به في الخطب أو الكتابة (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) كل الظالمين بما فيهم قوم نوح أصبحت مثلا يُستشهد به. كذلك قول الله تعالى (لا بشرى يومئذ للمجرمين) تضرب مثلًا لا بشرى للمجرمين.

المقدم: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ) كلها منصوبة، عاد وثمود معروفين، من هم أصحاب الرس؟

د. المستغانمي: أصحاب الرسّ مختلف فيهم لدى المفسرين. الرسّ هي البئر باتفاق أصحاب اللغة. أصحاب الرس قالوا عنهم قوم كانوا في اليمن جاءهم نبي حنظلة بن صفوان ولما قتل العنقاء التي كانت تؤذيهم وتفترس أولادهم بعد ذلك لم يصدقوه وكذبوه. قوم قالوا هم أصحاب الأخدود قوم من المفسرين قالوا أنهم أصحاب أنطاكية الذين كانت لهم رسّ وبعث الله لهم حبيب النجار وقال يا قوم وذكروا في سورة يس حتى قتلوه ولما قتلوه قال (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) فهم مختلف فيهم ما جاء في وصفهم أنهم من أواخر الأمم، هكذا يقول المفسرون في جميع التفاسير ولا نستطيع أن نجزم بأي رأي منها لأنها تحتاج إلى بحث تاريخي. (وعادا) قوم سيدنا هود وثمود قوم صالح عليه السلام وأصحاب الرسّ مختلف فيهم.

ننظر إلى الأسلوب (وعادًا) ما قال قوم لأن اسم القوم عاد ونبيهم هود (وثمودَ) وفي قرآءة وثمودًا لأن ثمود اسم علم إذا كان ينطبق عى القبيلة يكون ممنوعًأ من الصرف وإذا كان ينطبق على الأب الكبير ثمود بن عاد بن إرم يكون منصرفًا كما يقول السمين الحلبي وأبو حيان الغرناطي. في آية من سورة هود وردت مرتين منصرفة وغير منصرفة على اختلاف القراء. جاءت منصوبة إما بـ(دمرنا) السابقة: ودمرنا عادًا ودمرنا ثمودًا بعضهم يقول (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ﴿٣٨﴾ وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ﴿٣٩﴾) تبّرنا يعني دمّرنا أي دمرنا عادا وثمودا وأصحاب الرس بفعل محذوف يفسره ما يأتي والوجهان جائزان في اللغة العربية.

(وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا) تدل على أن البداية بقوم نوح والنهاية بأصحاب الرس ووردت كذلك في سورة ق، والقرون بين ذلك تروى رواية في التفسير أن أحدهم كان يدّعي أنه يعلم كل شيء فجاء إلى علي بن أبي طالب فقال له: ما قولك (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا)؟ قال أنا أعلم ذلك الكثير، فضحك علي بين أبي طالب قال: كيف تعلم ذلك الكثير إذا كان الله أبهمها؟!

المقدم: (وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ﴿٣٩﴾) الأمثال هنا هل هو ذات المثل الذي ورد في أول السورة؟

د. المستغانمي: (وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ) بمعنى أوضحنا قصصهم بيّنا شؤونهم ضربنا لهم الأمثال وبيّنا لهم العبر منهم من اهتدى واقتدى وعاد إلى الإسلام ومنهم من غوى ولم يرشد. (كلاً) يسمى تنوين العوض عن قول محذوف، كل قوم من الأقوام السابقين ضربنا له الأمثال، (كلًا) يسمى تنوين العوض منصوبة بفعل محذوف يبينه ما يأتي (وضربنا لهم) خاطبنا كلًا ضربنا له الأمثال، حذّرنا كُلًّا ضربنا له الأمثال. (وكلا تبرنا تتبيرا) تبرنا أي أهلكنا لكن أيّ إهلاك؟ فتتناهم، التبر هو الذهب الفتات الخالص الذي يكون كالتراب

والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى في أَمَاكِنِه         والعودُ في أرضه نوعً من الحطب

سمي الذهب تبرًا لأنه كالتراب مفتت وهنا جاء من نفس المادة (وتبرناهم تتبيرا) أي فتتناهم.

في السورة وردت ألفاظ الهلاك (دمرنا تدميرا) (دعوا هنالك ثبورا) (تتبيرا) وعندما نصل إلى صفات عباد الرحمن (إن عذابها كان غراما) من أشد معاني الغرام الهلاك.

المقدم: ذكرتم سابقا أن كل سورة في القرآن مفردات خاصة بها فهل تتبيرا وردت في غير سورة الفرقان؟

د. المستغانمي: وردت في سورة الفرقان ووردت في سورة الإسراء أيضًا (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤﴾ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴿٥﴾ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿٦﴾ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴿٧﴾) وأتت أيضًا بالمفعول المطلق، ليتبروا المؤمنون المسلمون يتبرون ما علا اليهود تتبيرا، هذا وعد من الله: المسلمون يتبرون ما علا اليهود تتبيرا. (فإذا جاء وعد الآخرة) وعد الآخرة آتٍ بنصّ القرآن الكريم.

المقدم: لا زال الحديث في القصص القرآني ولكن اختلف الأسلوب (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴿٤٠﴾) لماذا اختلف الأسلوب؟ ما هذه القرية التي أمطرت مطر السوء؟ لمن الخطاب هنا (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا)؟

د. المستغانمي: القصص كان (وقوم نوح) (وعادًا) ثم توقف (ولقد أتوا على القرية). من سمات القصص هنا أن بدأها (ولقد) (ولقد) أعطانا مشهدًا. (ولقد) والله لقد لام موطئة للقسم. ساق لهم القصص السابق قوم نوح وموسى مع فرعون وعاد وثمود وأصحاب الرس، ساق لهم هذه القصص حتى يعتبروا (كلا نقص عليك من أنباء الرسل) يعتبر الكفار، المفترض أن الكفار يرون في الأقوام السابقة الذين كذبوا رسلهم وحاق بهم الدمار عليهم أن يعتبروا، المشركون من قريش كان الأولى بهم لما دمر الله قوم نوح وقوم فرعون وعادا وثمود كان الأولى أنهم يخشون من هذا المصير لكنهم ما فعلوا ذلك وإنما ازدادوا عنتًا وتكذيبًا لم يتعظوا برسالة القصص. هنا قال الله تعالى لهم (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) قرية قوم لوط وهي قرية سدوم كبرى قرى قوم لوط جعل الله عاليها سافلها وخسف بهم الأرض وأمطر عليهم حجارة من سجيل. هذه القرى الخمس المؤتفكات كانت على طريق فلطسين وكان القرشيون يمرون عليها في تجارتهم، كانوا يأتون من مكة والمدينة يمرون على بلاد فلسطين يدخلون الشام، كانوا بالفعل يمرون عليها (ولقد أتوا على) لما تكلم عن القرية قال (ولقد أتوا على) أنت تقول أتيت السارقة الفعل أتى لا يتعدى بحرف الجر (على) لكن هنا ضمّنها معنى (مرّ) (أتوا على) أتوا ومرّوا على، لكن انظر إلى ديدن القرآن في التعبير، لما تحدث عن القرية قال (أتوا على) ولما تكلم عن القوم قال (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين) فالمرور يكون على الأقوام والإتيان يكون للقرى. في اللغة العربية نقول: أتيت الشارقة ومررت بأهل الشارقة. (إنكم لتمرون عليهم) فكان المفترض أن يتعظوا بالأقوام السابقين الذين كذبوا لكنهم لم يتظعوا (ولقد أتوا على القرية). وأبهم اسم القرية هنا وذكرها بالصلة ولأنها قرية قوم لوط التي خسف بها وعذّبت كانت مشهورة لدى العرب ولدى أهل الكتاب يعرفون القرية التي أمطرت مطر السوء ويمرون عليها، هي في الأذهان، خطاب لما في الأذهان القرية التي أمطرت مطر السوء. ثم قال (أفلم يكونوا يرونها) هنا حذف: أعموا عنها أفلم يكونوا يرونها؟ هنا الفاء الفصيحة التي تعطف على كلام محذوف (أفلم يكونوا يرونها) تقدير الكلام: أعموا عنها فلم يكونوا يروها؟! كان الأولى أن يأخذوا العبرة لكنهم لم يتعظوا.

(بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا) هم أنفسهم و(بل) هنا انتقالية، (بل) تفيد الإضراب ولكن ليس إبطالي وإنما انتقالي: أعموا فلم يكونوا يرونها وانتقل من موضوع عماهم وعدم الإدراك إلى أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث. أفلم يكونوا يرونها؟ لكنهم لم يتعظوا بعقولهم وإيمانهم وكانوا لا يرجون النشور أن يبعثهم الله وينشرهم النشور هو الحشر أي البعث لكن لم يقل البعث لأن السورة فيها النشور ولأن الآلهة التي كان يتخذها المشركون (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴿٣﴾) هنا ادماج كان الأولى بهم أن يؤمنوا بيوم النشور وأن يؤمنوا بالله الذي يبعث أما آلهتهم فلا تغني ولا تسمن ولا تملك نشورا.

المقدم: بعد نهاية القصص القرآني عدنا إلى المحور السابق (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ﴿٤١﴾)

د. المستغانمي: ساق القصص له ليعلم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما أعطاه من أمثال الأقوام السابقين مع رسلهم عاد إليه وإليهم (وَإِذَا رَأَوْكَ) لا تحزن يا محمد. (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا) لا يتخذونك إلا هزوا هذا أسلوب حصر وقصر نفي مع استثناء، معناها الحقيقي: لا يتخذونك إلا هزوا كأنه لا عمل لهم ولا شغل لهم إلا الاستهزاء، حصر كل أعمالهم وقصرها على الاستهزاء فلا تبالي يا محمد ولا تحزن (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا).

 

https://www.youtube.com/watch?v=KqzwsjrEkAA&index=2&list=PLkfWtLTtKgCNPVnTm3YD9deZOub0-yPc5

 


islamiyyat