تم إضافته 18 نوفمبر 2016 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

مقاصد السور – سورة الأحقاف ومحمد والفتح- د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

03
03

مقاصد السور

د. محمد عبد العزيز الخضيري

سورة الأحقاف، محمد، الفتح

تفريغ الأخ الفاضل هيثم العريان جزاه الله خيرا لموقع إسلاميات حصريًا

سورة الأحقاف

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، معنا في هذه الليلة سورة الأحقاف، هذه السورة من الحواميم وهي آخرها وموضوعها هو موضوع سور الحواميم: الحديث عن التوحيد ومناقشة المشركين والإيمان بالبعث والحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان برسالته، هذا ما جاءت السورة لتحقيقه، ثم ضربت لذلك أمثالًا فجاءت بقصة هود وهم أهل الأحقاف والأحقاف جمع حُقف والحُقْف هو الجبل من الرمل، ولعل منطقتهم هي منطقة الربع الخالي هذه التي هي بحر من الرمال فهم كانوا يسكنون في هذه المنطقة التي تسمى منطقة الاحقاف، فالله عز وجل جعل لنا فيها آية وهي أنّ من كذّب واستكبر كانت عقوبته عظيمة وقد يعجلها الله له في الدنيا بأن يُنزل عليهم عقوبة قاصمة في الحياة الدنيا وقد يؤخر الله ذلك كله فتكون عقوبته مجتمعة في يوم القيامة.

افتتحت هذه السورة بقول الله عز وجل (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ كسائر الحواميم (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) لا يلتفتون ولا ينتبهون ولا يؤمنون ولا يستجيبون ثم ذكر الله عز وجل مناقشة مع هؤلاء الكفار (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) هؤلاء الذين تزعمون أنهم آلهة ماذا رأيتم من مخلوقاتهم في الأرض هل رأيتم شيئا؟؟ قال الله عز وجل (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) هل هم شركاء لله أيضًا في السماوات شاركوه في خلق السماوات أو شيء منها (ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أعطوني كتابًا نطق بهذا أو شيئًا من علم دلّ على هذا (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ هذا ثم قال الله (وَمَنْ أَضَلُّ أي لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون) واستمرت الآيات تناقش هؤلاء الكفار في شركهم وكفرهم بالله عز وجل إلى أن وصل إلى قوله (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) حمله وفطامه من الرضاع يقع في ثلاثين شهرًا يعني لو حسبناها تطلع سنتين وستة أشهر، ولكن الحمل تسعة أشهر وليس ستة! هذه إشارة إلى أدنى الحمل يعني أدنى ما يكون به الحمل ستة أشهر فهي سنتان وستة أشهر تصبح ثلاثون شهرًا وقال في أية أخرى في سورة لقمان قال الله عز وجلّ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير) لما ذكر هذا بيّن من هو هذا الشخص البارّ الذي وصّاه الله بوالديه فقام بحقهما قال (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ) وهو الثلاثين أو الثالثة والثلاثين (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) حتى والديه النعمة التي على والديه هي نعمة عليه وبذلك يشكر النعمة التي لله عليه ولله على والديه لأن كل نعمة من الله على والديك لا بد أن تأتيك قال (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) تصل فيه إلى الرضا يا رب (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) لذلك هذا الدعاء من أجمع الدعاء في القرآن فاحرصوا على أن تدعوا الله به (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قال الله (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) قد تقول ما مناسبة مجيء هذا المقطع في وسط الحديث عن الشرك وأهله؟ والذي يظهر لي – والله أعلم – أن المناسبة هي الفكرة أن الإنسان إذا أُنعم عليه شكر، فالعبد لما أنعم الله عليه يجب أن يشكر الله بأن يوحّده ويفرده بالعبادة كما أنه يشكر نعمة والديه بالبرّ بهما والإحسان إليهما يرى فضلهما عليه فالذي يشكر والديه ويحسن إليهما ينبغي أن يكون مثله الذي يشكر ربه ويثني عليه ويردّ الإحسان إليه سبحانه وتعالى فيفرده بالعبادة ولذلك جاء بالمقابل فقال (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿١٧﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴿١٨﴾) ثم ذكر الله قصة الأحقاف التي هي قصة قوم هود (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٢١﴾ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٢﴾) ثم أنزل الله بهم عقوبته ثم هدّد المشركين فقال (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) يعني أيّ فضل لكم عليه؟ هم أقوى منكم وأكثر تمكنا فما نفعتهم قوتهم بل نزل بهم العذاب فما الذي يفضلكم عليهم؟؟ أنتم كذبتم كما كذبوا فانتظروا العذاب من الله. ثم ذكر الله نموذج لقوم آخرين سمعوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فامنوا به وهم الجنّ (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ) ماذا فعلوا؟؟؟ لم يعرضوا (قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ) هذا يدل على إنهم كانوا يهودًا (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيم 30 يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) يعني صاروا دعاة بمجرد سماعهم للقرآن من رسول الله لأن الحجة بلغتهم. قال الله عز وجل (وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)

ثم ختمت السورة بأمر النبي صلى الله عليه بالصبر(فَاصْبِرْ) يا محمد (كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) أي إخوانك أهل العزائم العظيمة والقوة البالغة وهم إبراهيم ونوح وموسى وعيسى (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلَاغٌ) أي هذا بلاغ (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) من هم القوم الفاسقون؟ افتح الصفحة التالية بسم الله الرحمن الرحيم (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿١﴾ محمد) وهذه هي المناسبة بين سورة الأحقاف وسورة محمد، مناسبة بالغة.

سورة محمد

سورة محمد تسمى بثلاثة أسماء الاسم الأول محمد وهو أشهر الأسماء والاسم الثاني هو القتال وهو اسم مشهور وهو مأخوذ من قول الله عز وجل في السورة (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ) وتسمى أيضًا “سورة الذين كفروا” وهذا الاسم غير مشهور لها.

هذه السورة تتحدث عن الصراع بين المؤمنين والكافرين أو بين المؤمنين وأعدائهم سواء كانوا من الكفار أو كانوا من المنافقين لأنها جاءت بالحديث عن هؤلاء وهم الكفار وجاءت بالحديث عن المنافقين وفضحتهم شر فضيحة في أولها بذكر الفرق بين الطائفتين (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿١﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) ذكر اسم محمد في القران أربع مرات: في سورة آل عمران والأحزاب والفتح ومحمد ولعل هذا الموطن أولها ورودًا في القرآن الكريم ولذلك سميت هذه السورة سورة محمد وكل السور الأربع مدنية وليست مكية.

قال (ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) ثم ذكر أحكام القتال (فإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) واستمر في هذه ثم بيّن بعد ذلك جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين فقال في جزاء المؤمنين (أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) ما معنى مثل الجنة؟؟ مثل بمعنى صفة، صفة الجنة التي وعد المتقون. تأتي كلمة مثل بهذا المعنى كثيرًا في القرآن (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أي صفة الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار وليس نهر، غير آسن يعني غير متغير (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ ) قال صفتهم يمكن أن تكون مثل صفة هؤلاء الكفار؟! (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) لا يمكن! شتان بين الفريقين!!

ثم انتقل إلى الفريق الثاني من الصادين أو المعرضين وهم المنافقون قال ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ) يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون يقولون والله ما ندري بماذا يتكلم

محمد !!!! لا ندري ماذا يقول! (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴿١٦﴾ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴿١٧﴾)

ثم استمرت الآيات تتحدث عن هذا إلى أن جاءت في قوله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) يذمّ الله من لا يتدبر القرآن ، تدبر القرآن من الواجبات وليس من النوافل لأنك لا تنتفع بالقرآن إلا بالتدبر فيجب على الإنسان أن يعد نفسه للتدبر ، كيف تتدبر ؟؟ تقرأ وأنت حاضر القلب (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) أحضِر قلبك هذا هو التدبر. لكن هل هذا يعطيك صلاحية انك تتكلم بما فهمت أو بما استوعبت لا؟! لا بد أن ترجع به إلى أهل العلم. لكن أن تقرأ وآنت حاضر القلب هذا ضروري جدًا بل هو واجب لأن الله قال هنا على سبيل الذمّ (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) كأن الذي لا يتدبر القرآن قلبه مقفل.

وختمت هذه السورة بأمر المؤمنين بالنفقة في الجهاد لأن عمود الجهاد هو الإنفاق، ولذلك في تسع مواطن في القرآن يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس لماذا ؟؟؟ لأنه لا يقوم الجهاد أصلًا إلا بالمال، ولأن المال يستطيعه أكثر الناس بخلاف الجهاد بالنفس لا يستطيعه إلا القلة من الخلائق ولأن المجاهدون أنفسهم إذا لم يجدوا من إخوانهم دعمًا ومساندة فإنهم قد لا يستطيعون مقاومة أعدائهم ولذلك قال الله في آخر آية (هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ۖ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) لا يبخل على الله، أنت تبخل على نفسك، تراك إذا نقلت هذا المال تنفقه في سبيل الله أنت تضعه في رصيدك فقط يعني لا يذهب إلى غيرك ولما تضعه في رصيدك هنالك جهة تنميه لك حتى تكون درهم واحد عند الله بسبعمائة درهم جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بناقة مخطومة يعني عليها خطامها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن لك بها عند الله سبعمائة ناقة مخطومة. قال (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) قاتلنا ماذا ننتظر؟؟؟ الفتح من الله.

سورة الفتح

من قاتل فتح الله عليه علمًا بأن بين السورة الأولى والسورة الثانية قرابة أربع أو خمس سنين في النزول، سورة محمد من أوائل ما نزل في المدينة بينما سورة الفتح نزلت بعد صلح الحديبية في السنة الخامسة وتسمى سورة الفتح وهذه السورة أنزلها الله بعد صلح الحديبية وسمى الله الصلح فتحًا لأنه كان هو مقدمة الفتح الحقيقية خلافًا لما كان الصحابة يتوقعونه بأن الصلح ذلًا وهزيمة ، لا، كان هو الفتح لذلك لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحبّ إلي مما طلعت عليه الشمس (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) فالله عز وجل أنزل هذه السورة لتبشير المؤمنين وتثبيتهم ومناقشة أولئك الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعراب، دعاهم رسول الله لمشاركته عندما أراد الذهاب للعمرة فأبوا أو تخلفوا ففضحهم الله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا) فالله عز وجل بيّن أن الذي منعهم هو عدم وجود الإيمان في قلوبهم.

ثم ذكر الله رضاه عن أولئك الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة والتي تسمى بيعة الرضوان.

وختمت هذه السورة بقول الله عز وجل (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) وعمر ناقش النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها فإنه لما خرج من المدينة قال: إني رأيت أني أعتمر أنا وأنتم فلما رجعوا ولم يعتمروا قال يا رسول الله أين الرؤيا؟ قال هل أخبرتك أننا نعتمر هذا العام؟ لا، هذا العام لا تصلح العمرة، الله منعنا منها لحكمة يعلمها ليتحقق لنا بها شيء أعظم مما أردناه نحن لأنفسنا، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الصلح الذي سماه الله عز وجل فتحًا ثم عاد السنة التي بعدها وهي عمرة القضية أو القضاء واعتمر عليه الصلاة والسلام ثم بعدها بعام رجع وفتح مكة، كان سبب فتح مكة هو صلح الحديبية. قال الله عز وجل ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا)

ثم ختمت السورة بقوله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)المؤمن سبحان الله ينّور الله وجهه بسبب سجوده له، نعم وليست السيمة المقصود بها هذه الرقعة التي تكون في جباه بعض الناس، لا، ليست هذه المقصودة ولكن المقصود هو هذا النور المنبعث من الوجوه بسبب نور القلوب وإيمانها بعلام الغيوب سبحانه وتعالى، وأنا رأيت هذا في البلاد التي زرتها خصوصًا في إفريقيا ترى رجلين أخوين من أم وأب سوادهما واحد وشكلهما واحد أحدهما تقول هذا مسلم والآخر تقول هذا كافر من دون أن تعلم هل هذا مسلم أو كافر! وقد رأيت ذلك مرارًا سبحان الله والله من دون أن يخبرنا أحد، نقول هذا مسلم فيقول نعم، فمن أين عرفنا؟؟ من هذا النور الذين ينبعث يبعثه الله عز وجل علامة وسيمة في وجوه المصلين وانتم تلاحظون أن بعض المسلمين الذين لا يصلون يكون في وجوههم قتر وظلمة شديدة جدًا حتى كل من يراهم يقول فلان ولو كان جميلًا في وجهه قتامة لا تدري ما سببها، سببها قلة صلته بالله عز وجل ولذلك قال (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) أي وصفهم، مثل بمعنى وصفهم، وفي الإنجيل (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أي صغاره وأفراخه (فَآزَرَهُ ) آزر الأصل نخلة وبجوارها فراخها لما نتج الفراخ وقامت آزرت الأصل وقوّته (فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وهذا مثل للمؤمنين في الإنجيل وهو أنهم يبدأون ضعافًا وقلة فما يزالون يكثرون ويقوون حتى يصبحوا أشداء (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم جميعًأ منهم اللهم انك عفو تحب العفو فاعفو عنا اللهم تقبل منا واجعلنا ممن يوفق لقيام ليلة القدر .

https://soundcloud.com/nasser-alusfoor/mp3-6

 


islamiyyat