تم إضافته 23 ديسمبر 2016 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

مقاصد السور – من سورة القمر إلى الحشر – د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري

03
03

مقاصد السور

د. محمد عبد العزيز الخضيري

سورة القمر، الرحمن، الواقعة، الحديد، المجادلة، الحشر

تفريغ الأخ الفاضل هيثم العريان جزاه الله خيرا لموقع إسلاميات حصريًا

معنا اليوم عدد من سور جزء الذاريات وجزء المجادلة، سنمر بها في إلماحة يسيرة وسريعة نسأل الله أن ينفعنا بها.

السورة الأولى هي سورة القمر

وتسمى عند العلماء سورة القمر وسورة اقتربت الساعة وهذه السورة مناسبة تمام المناسبة للسورة التي قبلها فالتي قبلها سورة النجم، والنجم والقمر من آيات الله في السماء. وهذه السورة وفي سورة النجم ذكر الله عز وجل مصائر الأمم المكذبة بإجماع قال سبحانه وتعالى (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) وفي سورة القمر فصّل في مصائرهم فذكر مصير قوم نوح ومصير قوم صالح في قوله عز وجل (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) ومصير قوم هود في قوله عز وجل (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) وفي مصير قوم لوط (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ) وافتتحت هذه السورة بذكر آية عظيمة حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم وهي انشقاق القمر حيث قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم هات لنا آية، فأمره الله عز وجل أن يشير إلى القمر فأشار إليه فانشقّ نصفين حتى رأوا جبل حِراء بينهما وكانت هذه آية عجيبة جدًا ولكن المشركين قابلوها بقولهم (سحر مستمر) هذه هي أقرب بوابة أو مخرج للتكذيب بأي آية “سحرنا محمد، هذا سحر” ولأجل هذا لم يجبهم الله عز وجل إلى كثير مما طلبوا لأنهم سيقابلون الآيات بمثل هذا التكذيب.

ومن المناسبات العجيبة بين سورة النجم وسورة القمر أن سورة النجم فيها الإشارة إلى معجزة المعراج، وسورة القمر فيها الإشارة إلى معجزة انشقاق القمر ولما ذكر الله عز وجل شأن المكذبين وعاقبتهم، كيف أن الله سبحانه وتعالى عجل لهم العقوبة في الدنيا هدّد هؤلاء، فماذا قال؟ (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) أي في الكتاب المحفوظ (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) أي مكتوب في سطر. ثم ختم الله بقوله (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) نسأل الله أن يجعلنا منهم، ويقال إن شيخ الإسلام ابن تيمية كانت هذه الآية آخر ما قرأه من القرآن الكريم ثم مات رحمة الله تعالى عليه. هذه الآيات التي ختمت بها سورة القمر فصّلت بشكل كبير في سورة الرحمن، فكأن كل سورة تشرح السورة التي قبلها، ذكر الله مصائر المكذبين في سورة النجم بشكل مختصر وفي سورة القمر توسع، في سورة القمر ختمت بذكر أصحاب الجنة وفي سورة الرحمن توسع في ذكر جزاء الله عز وجل للمؤمنين في الجنة وبيّن أن أهل الجنة على قسمين كما ستتبين بعد قليل.

سورة الرحمن

سورة هي السورة الوحيدة في القرآن التي سميت باسم من أسماء الله وليس هناك سورة سميت باسم من أسماء الله إلا هذه السورة العظيمة. ولما قال (الرَّحْمَنُ) ذكر بعده قوله (عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ) فبدأ بتعليم القرآن قبل خلق الإنسان لبيان أن نعمة الله على عباده بالقرآن أعظم من نعمته عليه بخلقه وأنها أولى النعمتين بالشكر وأنها أدل على رحمته من خلقه حيث أنزل عليهم هذا القرآن الذي يهديهم ويدلهم على الطريق ويبين لهم سواء الصراط. وهذه السورة جمعت بين أمرين: التفكر في مخلوقات الله عز وجل وشكر نعمة الله جلّ وعلا ثم بيان المآل والمصير. ففي أولها (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) وفي كل مرة يقول بدءًا من هنا (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) يعني يا أيها الإنس ويا أيها الجن بأي ألاء ربكما تكذبان؟ بأي نعم الله تكذبون؟ ولما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة هذه السورة سكتوا، فقال ما لي أرى الجن خيرٌ جوابًأ منكم ما قرأت عليهم هذه السورة فسمعوا قول الله (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) إلا قالوا: لا ولا بشيء من نعم ربنا نكذّب. فالنبي صلى الله عليهم وسلم يثني عليهم بجوابهم كيف أنهم كانوا يجاوبون مع كل واحدة وقد جاءت (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في هذه السورة 31 مرة بعد كل نعمة تقريبًا تُذكر.

ثم ذكر خلق الإنسان (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَار ) وذكر كثيرًا من هذه النعم إلى أن جاء إلى يوم القيامة وذكر قيام القيامة وانقسام الناس إلى ثلاث فرق:

المجرمون الذين سيكون مآلهم النار،

والمؤمنون وهم على صنفين: السابقون وأهل اليمين

فأما المجرمون فقد قال الله عز وجل (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ) أي علاماتهم، لهم علامات يعرفون بها يوم القيامة (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ) يؤخذ المجرم من ناصيته وقدمه يعني في أقبح هيئة وأدلّها على الإذلال والإهانة فيلقى في جهنم، قال في سورة الشعراء (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) دلالة على عدم المبالاة والإهانة والإذلال التام الذي يلقاه هؤلاء في الآخرة. قال الله عز وجل (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ) يعني بين النار وبين الماء الحار. ثم انتقل بعد ذلك إلى قوله (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) هذا الصنف الأول من المؤمنين وهو أن الله يجعل للمتقين من المؤمنين أو للخائفين من مقام الله من المؤمنين وهم السابقون جنتان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “جنتان من ذهب آنيتهم وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما” وهم المشار إليهما بقوله (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) ما معنى أفنان؟ أي أغصان، قال (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) بينما في الجنتين القادمتين (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) أقل منهما. قال (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) من كل فاكهة بينما في الثانية قال (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) فهي أقل من الأولى. قال (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) واستمر يوصِّف هاتين الجنتين ثم انتقل بعدهم إلى الجنتين اللتين من دونهما قال (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) وهما الجنتان اللتان ستكونان للأبرار أو لأهل اليمين وختمت السورة بهذا قال الله عز وجل (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).

ثم انتقل الحديث إلى سورة الواقعة

والواقعة اسم من أسماء يوم القيامة،قد سميت يوم القيامة بالقرآن بأسماء عديدة: القارعة والحاقة والقيامة والصاخة والطامة والساعة والواقعة وعدد من الأسماء كل واحدة تصف حال من أحوال هذا اليوم المهول. الواقعة من باب أنها حقٌ لا محالة ستقع لا شك في ذلك. وقد قال الله هنا (إذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) لا تغرّكم مناصب الناس وما أوتوه في الدنيا هذا عطاء الدنيا الذي لا يبالي الله به لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء، في يوم القيامة ستتبين لكم موازين مختلفة جدًا ذاك الشخص الذي كنت تحقره تراه إنسانًا بسيطًا عاميًا وغيره من الأوصاف التي فيها نوع من التقليل ستراه وقد رفع عليك رفعا كثيرا، ولذلك قال الله في حق هذا اليوم (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) وهذه إشارة لنا جميعًا أن لا نهتم بالخفض والرفع في الدنيا وأن لا نبالي بها وأن نجعل عدتنا في الخفض والرفع في الآخرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين فكن ممن رفعهم الله بهذا الكتاب” وقال في سورة المجادلة (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) فبهذا تكون الرفعة عند الله وليس بشيء آخر.

ثم قال (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) أي في يوم القيامة ستقسمون ثلاثة أقسام، هي نفسها الأقسام المذكورة في سورة الرحمن لكن من زاوية أخرى، ما هي الأقسام الثلاثة يا ربنا؟؟ (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) ثم ذكر مصير كل طائفة وما لها عند الله عز وجل فبدأ بالسابقين ثم بأصحاب اليمين ثم بأصحاب الشمال ولما انتهى من أصحاب الشمال ذكّر بأهم قضية وهي قضية التوحيد (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) استمرت تذكّر بهذا إلى أن قال (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) وهذا يبين لنا أن كلمة (لا أقسم) في القرآن معناها أقسم، لأنه قال (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ) الذي نزل بهذا الوعد والوعيد وبهذا التوحيد (إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) أي في اللوح المحفوظ (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) ثم قال (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) سؤال: الآن في أول السورة تحدث عن الأصناف الثلاثة وفي آخر السورة تحدث عن الأصناف الثلاثة هل هو من باب التكرار؟؟ الثانية هي عند الاحتضار، أحوال الناس عند االاحتضار لأنه قال (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) تأتي الملائكة لتسلّم عليه ولذلك يُرى كثير من أهل الإيمان يبتسم ويفرح وينشرح صدره عند الموت ويعرق مما يرى من فضل الله عليه قال (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ) تبدأ البداية من هنا من النزل وهي الضيافة (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) وختمت السورة (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) – (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هذه مناسبة بين ختام سورة الواقعة وسورة الحديد.

سورة الحديد

هي أول المسبِّحات والمسبِّحات هي سورة الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن، خمس سور هذه تقال لها المسبِّحات افتتحت بمادة التسبيح سبّح ويسبِّح أما السور التي افتتحت بمادة التسبيح فهي سبع هذه الخمس و (سبحان الذي أسرى بعبده) سورة الإسراء (وسبح اسم ربك الأعلى) التي هي سورة الأعلى، والعجيب أنها استوعبت أهم تصريف الكلمة فهي بالمصدر (سبحان الذي أسرى)، وبالفعل الماضي (سبَّح) في الحديد والحشر والصف، المضارع يسبح (يسبح لله) في الجمعة والتغابن، بالأمر (سبِّح اسم ربك الأعلى). هذه السورة افتتحت بتعظيم الله عز وجل وذكر صفاته ثم هي سورة الإيمان، هذه سورة الإيمان افتتحت بالإيمان واختتمت بالإيمان قال الله عز وجل فيها بعد أن أثنى على نفسه (آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وفي آخر السورة قال مبينا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) فهذه سورة الإيمان. ولما كانت سورة الإيمان أراد الله أن يبين فيها أثرًا عمليًا من آثار الإيمان وهو الإنفاق في سبيل الله ولذلك ذكر مع الإيمان في هذه السورة الإنفاق كثيرًا فقال في أول آية (آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا) وقال (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) وهذه الآية تدل على أن السورة مدنية هذا هو الصحيح وان كان الخلاف قوي جدًا بين العلماء في كون هذه السورة مكية أو مدنية ولكن هذه الآية تدل على أن السورة مدنية. وقال في الإقراض (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ). ثم بيّن جزاء المؤمنين في الآخرة (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) لما تقع الظلمة في يوم القيامة، تقع ظلمة عظيمة لا يُبصر أحد شيئًا يجعل الله لأهل الإيمان نورًا هذا النور يكون بإيمانهم مثل الكشّاف ترى طريقك حتى تصل الجنة. وأما المنافقون فاسمعوا قول الله عز وجل (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا) أي انتظرونا (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ ) ما الذي يحصل؟ الحاصل أن الله يجمع المؤمنين والمنافقين سواء لماذا؟ لأن المؤمنين والمنافقين كانوا مجتمعين في الدنيا سواء كانوا ساكنين مع بعض ويصلّون مع بعض بل أحيانًا يجاهدون مع بعض ولكن هؤلاء قد استتروا أو ستروا النفاق الذي في قلوبهم وتستروا بأعمال المؤمنين خدعوا الناس في الدنيا، ففي يوم القيامة يخدعهم الله فيحشرهم مع أهل الإيمان فهم يقولون في هذا المشهد كما كنا معهم ندخل معهم (يخادعون الله وهو خادعهم) ففي تلك اللحظة تظلم يوم القيامة فتقع الظلمة العظيمة فيضع الله النور بإيمان المؤمنين فيمشي المؤمنون فيقول المنافقون (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) في الدنيا ألم نكن نصلي معكم ونساكنكم وكنا نتزاوج مع بعض؟! (قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) بعد ذلك تأتي

سورة المجادلة

يقال المجادِلة والمجادلَة، وتسمى أيضا سورة (قد سمع)، أما المجادلَة فهي المحاورة التي حصلت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المرأة التي ظاهر منها زوجها وهي خوله بنت ثعلبة زوجة أوس بن الصامت، جاء زوجها وقال أنت عليّ كظهر أمي فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم وكان الظِهار عند أهل الجاهلية طلاق، فقالت يا رسول الله إن لي منه صبية إن ضممتهم إليّ جاعوا وان ضممتهم إليه ضاعوا، يا رسول الله ماذا أصنع؟؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لم يوحى إليه في أمر الظهار بشيء فكانت تناقش النبي صلى الله عليه وسلم في زاوية الحجرة وعائشة في الزاوية الأخرى لا تسمع كلامها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت إني لأسمع بعض كلامها ويخفى عليّ بعض وسمع الله حوارها ونقاشها لرسول الله ولم تسمعه عائشة وهي في طرف الحجرة! وحجرة النبي صلى الله عليه وسلم صغيرة جدًا مترين في ثلاثة. قال الله عز وجل (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) وكلمة (قد سمع الله) التي افتتحت بها السورة تدل على سمع الله وعلمه بما يقع في كونه فهذه السورة سورة علم الله، بعض الناس يقول سورة الظهار وهذا من أسمائها وهي لها أربعة أسماء: وهي سورة المجادِلة وهي خولة بنت ثعلبة، والمجادلَة وهي المحاورة، وقد سمع، وسورة الظهار، وموضوعها هو علم الله ولذلك جاء بحادثة الظهار كحادثة تدل على سمع الله عز وجل لما يقع بين عباده ولذلك قال بعدها (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) ما في شيء تعملونه إلا وهو محصى، حتى مدّ الرجل محصاة ومكتوبة في الكتاب الأول ومكتوبة في الكتاب الذي ستراه يوم القيامة، (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) وختمها بقوله (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). ثم قال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ثم قال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ) والنجوى هي المسارّة بين اثنين، وقد كانوا يتسارّون بأشياء فيها أذى للمؤمنين ونهاهم الله عن ذلك وحذّرهم بعلمه لأنه يعلم ما يتناجون به. قال (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) ويقول بعدها (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)ز ولما ذكر العلم رفع من أقدار أهل العلم في الدنيا فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) إذا جاء من هو أعلم وقيل لكم ارتفعوا واخرجوا لأجل أن يدخل هؤلاء العلماء أو يجلسوا في صدور المجالس فافسحوا لهم واجعلوا لهم هذه المجالس لأن الله ميّزهم قال الله عز وجل (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ما جُعلت الرفعة إلا في شيئين: في الإيمان والعلم ولذلك من رُزِق الإيمان والتعبّد ما جعلت له رفعة يعني رفعة في الدنيا وان كان له رفعة عند الله تعالى سبحانه وتعالى ولكن الرفعة هو الذكر الحسن عند السلف الصالح كلهم تجده للعلماء وليس للعُبّاد! نادرا من العباد من يذكر لماذا؟ لأن العلم هو الذي يحفظ به الدين، وهو الذي يُجاهَد به المنافقون والمشككون والملاحدة وأهل الكتاب وهو الذي يقوم به نقل الكتاب والسنة وتحكّم به الشرائع قال (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). ثم ذكر مناجاة الرسول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) هذه الآية لم يعمل بها أحد، أنزلها الله تأديبًا للمؤمنين لأنهم أكثروا من مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فأدّبهم بأنهم ينبغي لهم أن يقلّوا منها لأن هذا يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لا أحد يناجي الرسول إلا أن يتصدق فأمسك الصحابة فقال الله عز وجل (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). ثم تحدثت الآيات الباقية عن موضوع الولاء والبراء وذلك لأن الولاء والبراء أمر قلبي لا يعلمه إلا الله ولذلك في آخر آية من سورة المجادلة (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) لاحظ قوله (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) وهذه الآية في قوله (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) لما شرحها الشيح الشنقيطي وانتهى من تفسيرها توفي، شيخ الاسلام عند قوله (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) وهذا عند قوله عز وجلّ (أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) نسأل الله حسن الخاتمة.

ثم تأتي بعد ذلك سورة الحشر

أو سورة النضير أو بني النضير لأنها نزلت في أعقاب غزوة النضير وهي الغزوة التي وقعت مع اليهود وهذه الغزوة لم يقع فيها قتال، أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة وجاء بجيش وحاصرهم فخافوا وألقى الله الرعب في قلوبهم فاستسلموا، ولم تطلق رصاصة واحدة وما حصل أي قتال ولذلك هذا أول فيء في الإسلام، عندنا ما يؤخذ بسبب القتال أو المعارك نوعان: الغنيمة والفيء، والغنيمة هي ما كان بقتال المقاتلين، والفيء ما كان بغير قتال، ولذلك قسمته ليست للمقاتلين، قال الله عز وجل (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) أما الغنائم (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (الأنفال) إلى آخره، فالخُمس لله وللرسول ومن ذكر أما هنا فالكل لهم وليس للمقاتلين منه شيء لأنهم كما قال الله عز وجل (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) إذا لمن يا ربنا هذا؟ يقسم بين المهاجرين أم الأنصار؟ قال (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) وأيضًا للأنصار وهم (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) والصنف الثالث (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا) وهم كل من جاء بعد الأنصار والمهاجرين. قال الإمام مالك هذه الآية تدل على أن الرافضة لا حق لهم في بيت المال لماذا؟ لأن في الآية قال (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا) وهؤلاء قد امتلأت قلوبهم بالغلّ على الأوّلين ولا يدعون لهم بل يلعنونهم والعياذ بالله! ابتلاهم الله بهذا وأي شيء أشد من هذا ثم ذكر الله عز وجل العلاقة بين المنافقين وبين اليهود وهذه علاقة مستمرة مطردة إلى اليوم، دائمًا المنافقون تجدهم مع اليهود لا ينفك أحدهم عن الآخر ولذلك قال الله (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ) لمن؟ ( لِإِخْوَانِهِمُ) سماهم إخوانًا لهم (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). وختمت السورة بمثل ما ابتدأت به، ابتدئت بتسبيح الله واختتمت بالثناء على الله عز وجل (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد.

 

https://soundcloud.com/nasser-alusfoor/lgrkq5mgzwf1

 


islamiyyat