تم إضافته 25 نوفمبر 2016 بواسطة islamiyyat في مقالات عامة
 
 

وقفات وتأملات في سورة الحجرات

daawah
daawah
*وقفات من سورة الحجرات *
أبو حمزة الكناني
 سورة الحجرات وليس لها اسم غيره ..
ووجه تسميتها أنها ذكر فيها لفظ الحجرات . ونزلت في قصة نداء بني تميم رسول الله صل الله عليه وسلم من وراء حجراته ، فعرفت بهذه الإضافة . وهي مدنية باتفاق أهل التأويل ، أي مما نزل بعد الهجرة ..
 وهي مدنية بإجماع ، وهي ثماني عشرة آية ويقال أنها نزلت بعد الجاثية ..
 وهذه السورة هي أول سور المفصل بتشديد الصاد ، وبعضهم يسميه المحكم .
 سنكون بإذن الله مع وقفات من سورة الحجرات .. تفسيرية وتدبرية
 ___________
 لما أثنى الله على أصحاب رسوله في خاتمة سورة الفتح جعل سورة الحجرات في تكميل إيمانهم وتأديبهم ، فأرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وهي إما :
١ – في جانب الله أو جانب رسوله ﷺ
٢- أو بجانب المؤمن
٣- أو بجانب المؤمن المتلبس بالفسق
٤- وبجانب المؤمن الحاضر .
٥- أو بجانب المؤمن الغائب .
 فهذه خمسة أقسام ، كما جاء النداء في السورة ب” يا أيها الذين آمنوا “ مكررا خمس مرات في هذه السورة ..
 _______
 وأول ما يبرز للنظر عند مطالعة السورة، هو أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة، لعالم رفيع كريم نظيف سليم متضمنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يقوم عليها هذا العالم والتي تكفل قيامه أولا، وصيانته أخيرا.. عالم يصدر عن الله، ويتجه إلى الله، ويليق أن ينتسب إلى الله.. عالم نقي القلب، نظيف المشاعر، عف اللسان، وقبل ذلك عف السريرة.. عالم له أدب مع الله، وأدب مع رسوله، وأدب مع نفسه، وأدب مع غيره. أدب في هواجس ضميره، وفي حركات جوارحه ..
 ظلال القرآن – سيد قطب
 _________
 يُلاحظ أن السورة عالجت موضوع اللسان معالجة شاملة ؛ ( فغالب ) موضوعاتها لها ارتباط مباشر ووثيق باللسان .
 وذلك – والله أعلم – لخفة حركته وعظيم أثره .
 ___________
 ” يا أيها الذين آمنوا “
 تصدير السورة بنداء الإيمان يشعرك بدفئ الخطاب مع من أخطأ في حضرة المصطفى ..
 هذا النداء الحبيب يخجل من يدعى به من الله أن لا يجيب فهو ييسر كل تكليف ويهون كل مشقة ، ويشوق كل قلب فيسمع ويستجيب .
 وتذكر قول ابن مسعود : إذا سمِعتَ اللَّهَ يقولُ : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا “ فأرعِها سمعَكَ ، فإنَّهُ خيرٌ يأمرُ بِهِ أو شرٌّ ينهَى عنهُ .
 صححه أحمد شاكر
  ________
 ” يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله “
 نداء الإيمان فيه إشارة أن الالتزام بما خوطب به المكلف هو من مقتضيات الإيمان ، وأن مخالفته نقص في الإيمان بحسب المخالفة ..
 ___________
 ” لا تقدموا بين يدي الله ورسوله “
 قال ابن كثير :
 هذه آداب ، أدّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام ..
 _________
 ” يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله “
 والتقدم حقيقته: المشي قبل الغير، وفعله المجرد: قدم من باب نصر قال تعالى:
” يقدم قومه يوم القيامة “
 البدع من التقدم بين يدي الله ورسوله بجميع أنواعها العقدية القولية والفعلية ، بل هي أشد التقدم ..
فإن حقيقة حال المبتدع أنه يستدرك على الله ورسوله ما فات ، مما يدعي أنه شرع ، كأنه يقول : إن الشريعة لم تكمل ، وأنه كملها بما أتى به من البدعة ..
 ويدخل في ذلك دخولا أوليا تشريع ما لم يأذن به الله وتحريم ما لم يحرمه ، وتحليل ما لم يحلله، لأنه لا حرام إلا ما حرمه الله ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا دين إلا ما شرعه الله .
________
 قرأت “لا تَقدَموا” بفتح التاء والدال ، من التقدم أي : لا تتقدموا .
وقرأ الآخرون بضم التاء وكسر الدال ، من التقديم ” لا تُقدمِوا “وهو لازم بمعنى التقدم، [قال أبو عبيدة] :
تقول العرب : لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب ، أي لا تعجل بالأمر والنهي دونه .
 تفسير البغوي
 * ويحتج بهذه الآية في اتباع الشرع في كل شيء . ويحتج به في تقديم النص على القياس .
_________
 ” يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله “
 متى استبانت سنة رسول الله ﷺ وجب اتباعها ، وتقديمها على غيره ، كائناً ما كان ..
 تفسير السعدي
_________
     ” واتقوا الله “
هذا تعميم بعد تخصيص ؛ لأن التقدم بين يدي الله ورسوله مخالف للتقوى ، لكن نص عليه وقدمه لأهميته .
ومعنى {واتقوا الله} أي اتخذوا وقاية من عذاب الله – عز وجل – وهذا لا يتحقق إلا إذا قام الإنسان بفعل الأوامر وترك النواهي تقرباً إلى الله ..
  __________
 ” واتقوا الله “
  ” ومن الناس من إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم “ وتصاعد وعز في نفسه ، وأوغل في الإثم ، وانتفخت أوداجه ، وقال: أمثلي يُقال له : اتق الله !
الله خاطب أشرف الخلق وخير من اتقى الله ب ” يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين “
 فأي إنسان يترك واجباً فإنه لم يتق الله حق التقوى ، وقد نقص من تقواه بقدر ما حصل منه من المخالفة ، فالتقوى مخالفتها تختلف بحسبها ، فقد تكون مخالفتها كفراًًً ، وقد تخدش الإيمان وقد تكون دون ذلك بحسب الذنب ..
 __________
 مفيدة ولو طالت ( والمسألة عقدية )
 ” إن الله ( سميع ) عليم “
  يقول العلماء – رحمهم الله -: إن السمع الذي اتصف به ربنا – عز وجل – ينقسم إلى قسمين: سمع إدراك وسمع إجابة، فسمع الإدراك معناه أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظهر، حتى إنه – عز وجل – يقول لنبيه ﷺ {قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} . قالت عائشة – رضي الله عنها -: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كنت في الحجرة – أي حجرة النبي ﷺ – والمرأة تجادله وهو يحاورها وإنه ليخفى علي بعض حديثها) 
وأخبر سبحانه بأنه سمع كل ما جرى بين هذه المرأة وبين رسول الله ﷺ فهذا سمع إدراك، ثم إن سمع الإدراك قد يراد به بيان الإحاطة والشمول، وقد يراد به التهديد، وقد يراد به التأييد، فهذه ثلاثة أنواع.
الأول: يراد به بيان الإحاطة والشمول مثل هذه الآية.
الثانييراد به التهديد مثل قوله تعالى{لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} . وانظر كيف قال{سنكتب ما قالوا} حين وصفوا الله تعالى بالنقص، قبل أن يقول{وقتلهم الأنبياء} مما يدل على أن وصف الله بالنقص أعظم من قتل الأنبياء.
الثالثسمع يراد به التأييد، ومنه قوله – تبارك وتعالى – لموسى وهارون{لا تخافآ إننى معكمآ أسمع وأرى} ، فالمراد بالسمع هنا التأييد يعني: أسمعك وأؤيدك، يعني أسمع ما تقولان وما يقال لكما.
 أما سمع الإجابة فمعناه: أن الله يستجيب لمن دعاه، ومنه قول إبراهيم{إن ربي لسميع الدعاء} . أي مجيب الدعاء، ومنه قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده فأثابه، ولا أدري !! أنحن ندرك معنى ما نقوله في صلاتنا أو أننا نقوله تعبدا ولا ندري ما المعنى؟! عندما نقول: الله أكبر، تكبيرة الإحرام يعني أن الله أكبر من كل شيء – عز وجل – ولا نحيط بذلك؛ لأنه أعظم من أن تحيط به عقولنا، وعندما نقول: سمع الله لمن حمده. يعني استجاب الله لمن حمده، وليس المعنى أنه يسمعه فقط، لأن الله يسمع من حمده ومن لا يحمده إذا تكلم، لكن المراد أنه يستجيب لمن حمده بالثواب، فهذا السمع يقتضي الاستجابة لمن دعاه.
 تفسير العثيمين للسورة .. من موقعه في الشبكة العنكبوتية
___________
 ” يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي “
كره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفا لهم ، لأنهم ورثة الأنبياء .
 قال القاضي أبو بكر بن العربي : حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيا ، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه ، فإذا قرئ كلامه ، وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ، ولا يعرض عنه ، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به .
 تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
_________
 كان السلف إذا قرأ حديث النبي ﷺ أمرهم بالسكوت وقال : ” لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي “ وينصت لسماع قوله .
 قال ابن عقيل في الفنون :
ما أخوفني أن أساكن معصية فتكون سببا في سقوط عملي وسقوط منزلة إن كانت عند الله تعالى بعدما سمعت قوله تعالى ” لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له كجهر بعضكم لبعض ( أن تحبط أعمالكم ) وأنتم لا تشعرون “
 الآداب الشرعية لابن مفلح
__________
 خاف كبار الصحابة من حبوط العمل حين نزلت ” لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي “
وتجد اﻵن من يرفع صوته فوق صوت السنة كلها وهو متكئ على أريكته !
بل وكيف بمن يسخر من هديه وسنته مباشرة ؟!
 ____________
 ” أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون “
 يقول ابن عقيل :
وهذا يدل على أن في بعض التسبب وسوء الأدب على الشريعة ما يحبط الأعمال ، ولا يشعر العامل إلا أنه عصيان ينتهي إلى رتبة الإحباط ، هذا يترك الفطن خائفا وجلا من الإقدام على المآثم ..
 الآداب الشرعية لابن مفلح
 ____________
” يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم “
 .. مجرد رفع الصوت فوق صوت النبي هذا إثم يخشى أن يحبط العمل ، فكلمة واحدة من سوء الأدب مع الله أو مع رسوله قد تحرق إيمان العبد كله ..
 د. فريد الأنصاري
 وقال أيضاً في مجالس القرآن ( ملخصا ) :
ويدخل في ذلك احترام وتوقير أهل العلم والديانة اتباع النبي ﷺ من وقفوا حياتهم خدمة للسنة وأهلها .
  _________
 تعظيم الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام :
 كان الصحابة يجلون النبي ﷺ إجلالا عظيماً .. فمما روي عن عمرو ابن العاص :
ما كان في الناس أحد أحب اليّ منه ، ولا أجلّ في عيني منه.. ولو سئلت أن أنعته ما استطعت، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه اجلالا له ..
 وفي الحاكم وأصل الخبر في البخاري :
عندما نزلت هذه الآية ” لا ترفعوا أصواتكم “
قال ابن الزبير، فكان عمر بعد إذا حدث النبي صل الله عليه وسلم بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه ..
قال القاضي عياض في مشارق الأنوار ( كأخي السرار ) هِيَ النَّجْوَى وَالْكَلَام الْمُسْتَتر بِهِ وَمِنْه قِرَاءَة السِّرّ فِي الصَّلَاة .
وفي فتح الباري : أي يخفض صوته ويبالغ حتى يحتاج إلى استفهامه عن بعض كلامه .
 * فلا صوت يعلو فوق صوت النبي .. هذا حال القوم بعد نزول الآية ، فما هي حالنا عندما يقال قال رسول الله ﷺ ؟!!
 ________
 لاحظ التدرج في مسجد واحد في ٣ آيات :
أدَّب ووجه : ” لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي “
مدح : ” إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله “
ذم : ” إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون “
 ___________
 انقياد الصحابة
 بعدما نزل قوله:  ” لا ترفعوا أصواتكم “ و ” لا تقدموا بين يدي الله ورسوله “
 ما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه..
ولثابت بن قيس قصة عجيبة في هذه الآية أوردها ابن كثير في تفسيره وهي في صحيح البخاري اترك لكم قراءتها ..
 س : كيف حالي وحالك بعد توجيه القرآن لسلوكياتنا الخاطئة ؟!
_________
 ” لا تقدموا “
” لا ترفعوا “
” لا تجهروا “
” يغضون “
” فتبينوا “
” فأصلحوا “
” لا يسخر “
” لا تلمزوا “
” لا تنابزوا “
” بئس الاسم الفسوق “
” اجتنبوا “
” لا تجسسوا “
” لا يغتب بعضكم بعضا “
 كمية من الآداب في هذه السورة لو طُبقت لكانت كفيلة بحفظ البيت والمجتمع المسلم ..
من هذا الكتاب يقتطف ثمر الألباب ، وتقتبس محاسن الآداب .
 * اعرض نفسك على هذا المعين .. وأصلح به ما فسد من قلبك ..
 استغفر الله من الزلل ..
 ________
 ” قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم “
” إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله “
 جاء الغض للبصر وللصوت وهو القصر ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى :
… فبالعين والنظر يعرف القلب الأمور ، واللسان والصوت يخرجان من عند القلب الأمور ، هذا رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه ، وهذا ترجمانه .
 ________
 ما في القلب من الإيمان والتقوى له أثر حتى على حبال الصوت قال تعالى : ” إن الذين يغضون ( أصواتهم ) عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ( قلوبهم ) للتقوى “
 __________
 غضك لصوتك واتهامك لرأيك في معارضة النص الشرعي دليل نجاحك في امتحان تسليم قلبك لوحي ربك ..
 تأمل :
 ” إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أولئك الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ للتقوى ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ “
 _________
 ” إن الذين ينادونك من وراء الحجرات
أكثرهم لا يعقلون “
 أدب العبد عنوان عقله ، وأن الله مريد به خيرا ..
تفسير السعدي
 * فمن العقل وعلامته استعمال الأدب .
 _______
 ” أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون “
 كم من مسرور بعمله وهو عند الله هباءً منثورا ..
 ________
“ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله (غفور)(رحيم)”
أي : غفور لما صدر عن عباده من الذنوب, والإخلال بالآداب
رحيم بهم حيث لم يعاجلهم بذنوبهم بالعقوبات والمثلات.
 تفسير السعدي
__________
 قال أبو عبيد القاسم بن سلام : ما استأذنت قط على مُحدِّث كنت أنتظر حتى يخرج إلي ، وتأولت قوله تعالى” ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم “
 الاداب الشرعية لابن مفلح
  ___________
 ” ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم “
 عبادات سنين بصيامها وقيامها وصدقاتها تتلاشى لرفع صوت .. فكيف بترفّع قلب ؟
 ومن عرف الله أدرك أن كلمة واحدة خرجت مخرج الكبر قد تفسد جميع الحسنات ، قل صل الله عليه وسلم في مسند أحمد : ” إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا ، يهوي بها سبعين خريفا في النار “
 وأيضاً من أحب الله وصدق في ذلك قد تخرج منه كلمة صدق يكتب به الفلاح السرمدي كما هو في حديث البطاقة عند الترمذي وغيره ..
فلنتفطن لذلك ..
 _________
 ” ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض “
 بعد هذه الآية لا أشك في حنينك الجارف إذا طافت بمسمعك همسات الصحابة المؤدبة : يا رسول الله ! بصوتهم المنخفض ، وحبهم الصادق له ..
مجتمع تربيته الوحي .. ما أحلاه .
 ____________
 ” ينادونك من وراء الحجرات “
 هذه حجرات النبي  .. وليست قصوراً .. وليست بنايات .. وظاهر اللفظ مع نقل السنة يدل على صغرها .. فأين المتهالكون في توسعة البيوت في غير حاجة .. وأين من يفني ماله بين الفينة والفينة في تجديد الأثاث ؟!!
 * فائدة :
الحجرات بخلاف الغرف :
الحجرة : مكان محجور في سفل وليس في علو ، والغرفة ما كانت في عُليّة البناء ، ولذلك فمنازل الجنة غرف ” لهم غرف من فوقها غرف مبنية “
 جعلك الله وإياي ومن له حق علينا من أهلها من دون حساب ولا سابقة عذاب ..
 ___________
 درس في الإنصاف في آية واحدة ” إنَّ الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون “
 تأمل كلهم ” نادى ” ، لكن ليس كلهم ” لا يعقلون “
 والله لا يوجد أجمل من كلام الله فيه حلاوة ولذة وتربية وتوجيه تعجز الكلمات عن وصفه لمن تدبره ..
أعاننا الله وإياكم على تلاوته وحفظه وفهمه والعمل بمقتضاه على الوجه الذي يرضيه عنا ..
 ____________
 قول ( كما وصلني )
 لن ترفع عنك خبر كاذبا وتعتذر بها يوم القيامة بل جاء المنهج الرباني: ” إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا “
 _________
 كثرت التفرقه بين الأقارب لوجود نوعيتين :
• نوعية فيها مرض الكذب والنفاق
• نوعية مغفلة تصدق وتبدأ بالانتقام
 ” إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا “
 فلا تستعجل بتصديق أحد ولا بتكذيبه .. حتى الفاسق لا يرد خبره ولا نثبته إلا بعد التبين والتثبت ..
 * مع أنه فاسق إلا أن المولى عز وجل قال “فتبينوا”
ولم يقل “فاحكموا” أو “انشروا”
 ___________
 ” يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنوا “
 لا تأخذ الخبر من طرف واحد فحسب كما يفعل البعض
بل تبيّن من الخبر ، ذلك لئلا تظلم الناس .. 
 * ما أجمل الحلم واﻷناءه في الأمور كلها .
 _________
 ” إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا “
 منهج عظيم في تلقّي ونشر الأخبار ليتنا نطبقه :
• الأمر بالتثبت وذم التسرع
• المطالبة بالدليل الواضح
• تقديم حسن الظن بالمسلمين
• تقييم مصادر الخبر
• اعتماد خبر الثقة دون الفاسق
• الإمساك عن الكلام والنشر إلا بيقين ولمصلحة
  ___________
” ﺇﻥ ﺟﺎﺀﻛﻢ ﻓﺎﺳﻖ ﺑﻨﺒأ ﻓﺘﺒﻴﻨﻮﺍ “
 ﻧﻘﻞ ﺍﻟﺨﺒﺮ ﺃﻣﺎﻧﺔ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺗﻴﻘﻨﺎ ﻭﺗﺜﺒﺘﺎ ﻭﺇﺷﺎﻋﺔ ﺍﻷﺧﺒﺎﺭ ﺑﺪﻭﻥ ﺫﻟﻚ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺇﺛﺎﺭﺓ اﻟﻔﺘﻦ ﻭﺇﻳﺬﺍﺀ ﺍﻟﻤﻈﻠﻮﻣﻴﻦ ﻭﻓﻀﺢ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﺭﻳﻦ
 ___________
 “فتبينوا أن تصيبوا قوما ( بجهالة ) فتصبحوا على ما فعلتم ( نادمين )”
 ” بجهالة “
” نادمين “
كم يسوقني ( ولا أشك في أنه يسوقك أيضا ) الحنين إلى ذلك المجتمع الطاهر .. حتى الخطأ شريف .. لأنه ( ١ )بجهل ( ٢ ) يعقبه ندم !
 اليوم الأقارب والأصحاب يظلمون عن ( علم وقصد ) ثم ( لا يندمون ) بل يتفاخرون !!
  __________
 العاقل من يسير وفق مبادئه العظيمة .. لا يساير ، ولا يجاري كل أحد على حساب الحق ” واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم “
 __________
  الإندفاع بلا هدى يجلب العنت والمصائب :
 ” واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم “
 ___________
 ” لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنّتم “
 فالمقصود تعليم المسلمين باتباع ما شرع لهم ﷺ من الأحكام ولو كانت غير موافقة لرغباتهم .
  ____________
 إذا أحب الله الإنسان حبب إليه الطاعة
” حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم “
 وإذا كرهه حبب إليه المعصية
” كره الله انبعاثهم فثبطهم “
 ___________
 حب الطاعة نعمة لا يُوفق الله إليها إلا من يحبه ولا يتذوق حلاوتها إلا موفق ” حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم “
ومن كرهه الله صرفه عن الطاعة ” كره الله انبعاثهم فثبطهم “
تأمل .
 وكلما زاد حب الطاعة في قلبك زاد بغض المعصية معه ” كره إليكم الكفر والفسوق والعصيان “
 ____________
  جمال الإنسان وزينته في إيمانه
 قال تعالى ” حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم “
وصح من دعاء النبي صل الله عليه وسلم : ” اللهم زينا بزينة الإيمان “
 * فزينة البيوت الحقيقية ساكنوها ، وليست قطعة خشب أو لوحة ، وزينة ساكنوها إيمان القلب ” ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم “
 __________
 في بداية جهاد الصحابة في ذات الله وجدوا مشقة وحرج بل قد كرهته النفوس كما قال الله ” كتب عليكم القتال وهو كره لكم “
ثم دارت الأيام وإذا بالقوم كما حكى الله عنهم ” تولوا وأعينهم تفيض من الدمع “
 ذلك لأن ” الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم “ ولولاه صل الله عليه وسلم لما حصل ما قد سمعت من تضحياتهم ..
 وأنت كذلك ما أعظم فضله عليك ، فكل طاعة تعملها هو حبب وكل معصية تتجنبها هو كره .
 ولولا الله وتوفيقه لنا لتخبطنا في ظلمات الكفر والشك فاللهم لك الحمد أن هديتنا للإسلام والسُنة .
 فإذا داخل العجب نفسك لطاعة عملتها فتذكر الآية ، وأي شيء تكون لولا ذلك ؟!
 ___________
 ” حبب إليكم الإيمان “
 نصيحة :
حبِّب الناس في العلم والإيمان والعمل الصالح واستدرجهم إلى ذلك ؛ كما حبب الله إليك الإيمان ، ولا تتعالى بشيء وهبه الله لك من الإيمان والعلم ، واحمل الناس على ذلك بلينٍ بلا تمييع وحزم بلا غلظة .
 مثال :
من أكبر النعم أن تجد حلاوة كلام الله ، فكما تلذذت أنت به ، فدل الناس إلى ذلك .
 وكما أن هذا الفسوق الذي تطير إليه أفئدة متبعي الهوى ، كم هو مكروه لدى نفسك الطاهرة  فكرِّه الناس في ذلك أيضاً .
  ___________
 حبَّب إلى أولياءه الإيمان وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان ثم قال :
” فضلا من الله ونعمة “
 سبحان مسدي النعم ، لا إله إلا هو .
يعطيك النعمة التي بها نجاتك ويثني عليك بها ..
 ___________
 ” فضلا من الله ونعمة “
 ما الفرق بين الفضل والنعمة في الآية ؟
لعل فضل الله – والعلم عند الله – :
 إشارة إلى ما عنده من الخير وهو مستغن عنه .
والنعمة :
إشارة إلى ما يصل إلى العبد وهو محتاج إليه .
لأن الفضل في الأصل ينبئ عن الزيادة ، والنعمة تنبئ عن الرأفة والرحمة وهو من جانب العبد ، وفيه معنى لطيف وهو تأكيد الإعطاء .
 _____________
  ” أولئك هم الراشدون “
 والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه .
والراشدون : هم الذين صلحت علومهم وأعمالهم .
وضدهم الغاوون : الذين حبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، وكره إليهم الإيمان .
 فتمام العقل أن تغرف من معين الطاعة بكل حُب ، وتفر من جحيم المعصية فرارا بكل خوف ولو كنت أُمياً ، وليس الشأن بأن تكون مثقفا كبيرا أو متعلما وفاسقا !
  ____________
 إذا تنازعت طائفتان من المؤمنين ، فلا يلزم أن تكون رقما في أحد الطائفتين ، بل كن الطرف الثالث المصلح : ” وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما “
 ___________
 ﴿ وإن طائفتان من ( المؤمنين اقتتلوا ) ﴾
 بهذه الآية يُستدل على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية ، وأن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ، وإن عظمت ذنوبه لا كما يقوله الخوارج ، في هذه الآية أثبت الله لهم الإيمان مع اقتتالهم .
 ___________
 رفعت السيوف وسالت الدماء
” وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا “
والرحيم يعاتب
” إنما المؤمنون إخوة “
ويبين
” فأصلحوا بين أخويكم “
العفو صنيع الكرام
 _________
  قال الإمام القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى ” وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا “
 المسألة العاشرة :
لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأٌ مقطوعٌ به ، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه ، وأرادوا الله عز وجل ، وهم كلهم لنا أئمة ، وقد تعبّدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر ؛ لحرمة الصحبة ، ولنهي النبي ﷺ عن سبهم وأن الله غفر لهم وأخبرنا بالرضا عنهم .
 ___________
 الله عز وجل عندما قال لنا ” فأصلحوا “
قيلت بحق ” طائفتان “
ووصفهم ” المؤمنين “
ومشكلتهم ” اقتتلوا “
 فما بال أقوام لا يريدون الصلح في أمور دون الاقتتال بكثير.
 __________
 بعض الأحبة يهجرك ويعاديك ﻷسباب يسيرة ، بينما الصلح طلب من المتقاتلين :
“وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما”
وتأمل اختلفوا حتى اقتتلوا ، ومع ذلك قال الله :
 ” إنما المؤمنون ( إخوة ) فأصلحوا بين أخويكم “
 ___________
 ” فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا “
 لم يأمر بالإصلاح بين المؤمنين فحسب
بل أمر بالعدل والقسط في الإصلاح !
 فرب إصلاحٍ فيه جور وظلم على أحدهما !
 __________
 ‏” إنما المؤمنون ( إخوة ) “
ميثاق الأخوة حاضر في كل الظروف .. تأمل :
 ” فمن عفي له من ( أخيه ) شيء “
هذا في القتل والقصاص .
 وفي الحرب :
” فأصلحوا بين ( أخويكم ) “
 وفي السلم :
” ولا يَغتب بعضُكم بعضاً، أيُحب أحدكم أن يأكل لحم ( أخيه ) ميتاً فكرهتموه “
 وفي حال الخصومة :
“إن هذا ( أخي ) له تسع وتسعون نعجة”
رغم الخصومة ناداه ب ” أخي “
 * بعد هذا الحشد من النصوص ينبغي مراعاة حق الأخوة في الدين .
 __________
 الصلح وفض النزاع إذا لم يقم على رد الحقوق والمظالم كان كالجرح يُغلَق دون تطهير … سرعان ما ينفجر ” فأصلحوا بينهما ( بالعدل ) و ( أقسطوا ) “
 ____________
 ” إنما المؤمنون إخوة “
 بقدر إيمانهم تكون أخوتهم ، ومن ينتهك أخوة الدين لأي اعتبار آخر فإنما هو على حساب إيمانه .
 __________
 وصايا وأوامر من سورة الحجرات
 “فتبينوا”
“المؤمنون إخوة”
“فاصلحوا”
“واقسطوا”
“لا يسخر”
“ولا تلمزوا”
“ولا تنابزوا”
“اجتنبوا كثيرا من الظن”
“ولا تجسسوا”
“ولا يغتب”
“واتقوا الله”
 احفظها جيدا طبقها دائما
 _________
 ” إنما المؤمنون إخوة “
فهم كالجسد الواحد كما صح ذلك عن المصطفى صل الله عليه وسلم ..
فأخوة الإيمان والدين أقوى من غيرها وأممية الإسلام أكبر من حدود مرسومة ..
فلا حدٌّ جغرافي أو فاصل إقليمي ..
 أخوة الدين يجب أن تعظم وتستقر في الأذهان .. لا أخوة طين ، لا أخوة الجماعة .
 ___________
 ﴿ إنما المؤمنون إخوةٌ فأصلحوا بين أخويكم واتّقوا الله ( لعلكم تُرحمون ) ﴾
 رحمة الله تنزِعها الخلافات والتفرقة وتقديم المصلحة الخاصة على العامة .
 وعلى أنني أشرت إلى هذا المعنى كثيرا في هذه الوقفات وغيرها ، إلا أنه قليل من يفهم المعنى ، وأقل منه من يطبق معنى الأخوة واقعا حقيقا في يومه .
ولذلك مع أول خلاف بسيط مع بعض الإخوة تجد التفرقة والعدوات وقد يصطحب ذلك سوء ظن وغيبة وغيرها ..
 عفا الله عنا جميعا وردنا إلى كتابه وسنة نبيه صل الله عليه وسلم ووحد صفوفنا وجمع كلمتنا على الحق .
 __________
 لا يعني إن خالفتك أني أكرهك ، بل أرجو لك الخير ، ولا أبخسك حقك ، وقد أكون فوق هذا أحبك حتى ولو خالفتك كما أمرني الله عز وجل ” إنما المؤمنون إخوة “
 __________
” إنما المؤمنون إخوة “
 يقول القرطبي في تفسيره :
( أخوة الدين أثبت من أخوة النسب فإن أُخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب )
 وعليه :
فجسد الأمة واحد فإذا جُرحت تنبهت أطرافها ، ومن لم يشتكِ فإما مخدَّر أو ليس منها .
 فمقتضى أخوة الإيمان أن يتألم المؤمن لمصائب إخوانه وأن يهتم لهمومهم بل ويحزن إن تعثروا وأصابوا ذنبا فيدعوا لهم .. إلى غير ذلك من معاني الأخوة .
 ____________
  ” إن هذه أمتكم أمة واحدة “
وقوله
” إنما المؤمنون إخوة “
وقوله
” المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض”
” المؤمنون تتكافأ … “
” المسلم أخو المسلم لا ..”
 هذا الحشد من النصوص يجب أن يؤثر فيك ..
 س : هل يجتمع في الشخص أسباب الحب والبغض في نفس الوقت ، فإذا كان كذلك فما العمل ؟
 ‏قال ابن تيمية في الفتاوى :
 ( … وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر ، وفجور وطاعة ومعصية ، وسنة وبدعة : استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير ، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر ، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا ، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته .
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه … )
 ___________
 من أعظم حواجب الرحمة بخس حقوق المؤمنين ، قال تعالى :
” إنما ( المؤمنون ) إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ( ترحمون ) “
 وأول أبواب الرحمة التقوى ” واتقوا الله لعلكم ترحمون “
 ___________
 ” لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم “
 المؤمن لايرى إخوانه إلا خيراً منه ولعل هذا أحد أسرار عظمة سلفنا الأوائل وفرض احترامهم على غيرهم .
 ومن تدبر كتاب الله بحق جعل هواه وراء ظهره ، وقدم مراد الله ومراد نبيه على كل مراد ، وتجرد من كل هوى ، واستحيا من الله أن يخالف أمره .
 ________
 ” لا يسخر قوم من قوم “
 … وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته ، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله ، والاستهزاء بمن عظمه الله .
ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل :
لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه لخشيت أصنع مثل الذي صنع…
 وعن عبد الله بن مسعودالبلاء موكل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا .
 تفسير القرطبي
 ___________
 لا تكاد تجد شخص يسخر من قبيلة أو بلد أو منطقة أو عرق إلا وتجد فيهم من هو خير منه ، وهذا مصداق قول الله ” لا يسخر قوم من قوم ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) “
 ___________
 ” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ “
 قال صلى الله عليه وسلم
” إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم , ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم “
رواه مسلم
[ وهذا حديث عظيم يترتب عليه ألا يُقطع بعيب أحد لما يُرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة ، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال , ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يَعلم الله من قلبه وَصفا محمودا يغفر له بسببه .
فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية , ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة ، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة , بل تُحتقر وتُذم تلك الحالة السيئة ، لا تلك الذات المسيئة , فتدبر هذا ، فإنه نظر دقيق …]
( الجامع لأحكام القرطبي )
______________
” ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن “
أفرد النساء بالذكر مع أنهن يدخلن في عموم قوله ” لايسخر قوم من قوم “ لأن السخرية منهن أكثر والله أعلم .
___________
” ولا تلمزوا ( أنفسكم ) “
” ولا تقتلوا ( أنفسكم ) “
” لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ( بأنفسهم ) خير “
وهل أحدنا يلمز نفسه ؟!!
ويقول في موضع آخر: ” فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ( أنفسكم ) تحية من عند الله “
فهل يسلم المؤمن على نفسه أو يسلم على من دخل عليهم؟
الحق يريد بالتشريع ( والله أعلم ) أن يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، ولذلك قال أيضا:
{ولا تقتلوا أنفسكم} أي لا تقتلوا غيركم، والمعنى هو أن الوحدة الإيمانية يجب أن تجعلنا متكاتفين في وحدة.
فأخوك في الإسلام وروحك التي بين جنبيك يعبر عنها في الوحي ب” أنفسكم “ وبهذا قال قال شيخ المفسرين أيو جعفر ابن جرير الطبري .
قال الطبري :
( لا يلمز بعضكم بعضا، ولا يقتل بعضكم بعضا لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزه كلامز نفسه، وكذلك تفعل العرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها )
قال القرطبي في تفسيره :
( .. وفي قوله” أنفسكم” تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن يعيب غيره لأنه كنفسه، قال صلى الله عليه وسلم:] المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )
وقال الشنقيطي في تفسيره :
( .. يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ تنبيها على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه .. )
___________
 انصراف الكثيرين عن الحرص على تحسين أخلاقهم و عدم مبالاتهم بذلك دليل على ضلالهم وانحرافهم وتفشي الفسوق :
” بئس الاسم الفسوق ( بعد الإيمان )”
____________
الإنسان بين حالين :
• إما توبة .
• وإما ظلم . 
” ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون “
____________
” بعض الظن إثم “
” ( بعض ) الظن “ وليس ( كل ) الظن .. فبعضها في محلها لوجود إمارات على ذلك .
 قال ابن كثير معلقا على صفات المنافقين في سورة البقرة :
.. من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير …
___________
المراتب ثلاث :
” اجتنبوا كثيراً من الظن “
” ولا تجسسوا “
” ولا يغتب بعضكم بعضاً “
إذا ساء الظن وكان في غير محله كما قلنا من قبل أتى بعده التجسس ، ثم قد يغتاب ..
الظن السيئ مدعاة للتجسس ، والتجسس مدعاة للغيبة !
______________
التجسس هو :
 أن يتتبع الإنسان أخاه ليطلع على عوراته سواء كان ذلك عن طريق مباشر ، بأن يذهب هو بنفسه يتجسس لعله يجد عسرة أو عورة ، أو كان عن طريق الآلات المستخدمة في حفظ الصوت ، أو كان عن طريق الهاتف فكل شيء يوصل الإنسان إلى عورات أخيه مسالبه فإن ذلك من التجسس ، وهو محرم …
ابن عثيمين شرح رياض الصالحين
* التجسس والتحسس لا يبعد أحدهما كثيرا عن الآخر لكن توجد فروق صغيرة بينهما ذكرها ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري وكذلك ذكرها النووي في شرحه على صحيح مسلم .. لكن تسكن النفس لما قاله ابن كثير والبغوي وغيرهم
.( .. والتجسس غالبا يطلق في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسس فيكون غالبا في الخير، كما قال تعالى إخبارا عن يعقوب صلى الله عليه وسلم  إنه قال” يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه “ .. )
_________
اجتناب الكثير مخافة الوقوع في القليل فيه تغليب جانب السلامة وإلتزام الورع ..
وكذلك اجتناب القليل مخافة الوقوع في الكثير دليل على الورع :
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا ( كَثِيرًا ) مِنَ الظَّنِّ إِنَّ ( بَعْضَ ) الظَّنِّ إِثْمٌ “
_____________
” ولا تلمزوا أنفسكم “
” ظن المؤمنون والمؤمنات ( بأنفسهم ) خيرا “
في موازين هذا الدين العظيم أخوك هو أنت .
” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه “

 __________

 ” ولا يغتب بعضكم بعضا “

سمع علي بن الحسين رجلا يغتاب آخر ، فقال : إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس .
وقيل لعمرو بن عبيد : لقد وقع فيك فلان حتى رحمناك ، قال : إياه فارحموا .
وقال رجل للحسن : بلغني أنك تغتابني ! فقال : لم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي .

 القرطبي

________
 ” أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه “
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله :
( .. فاكرهوا غيبته حيا ، كما كرهتم لحمه ميتا ، فإن الله حرم غيبته حيا ، كما حرم أكل لحمه ميتا .. )

 ____________

” واتقوا الله إن الله تواب رحيم “
والتواب الذي يأذن بتوبة عبده ، فيوفقه لها ، ثم يتوب عليه ، بقبول توبته .
رحيم بعباده ، حيث دعاهم إلى ما ينفعهم ، وقبل منهم التوبة .
تفسير السعدي

 ___________

” وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا “
لا لتتفاخروا ..
” إن أكرمكم عند الله أتقاكم “
___________

 ” وجعلناكم شعوبا “

قال ابن عطية :
والشعوب : جمع شعب وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطا بنسب واحد، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الأسرة والفصيلة : وهما قرابة الرجل الأدنون .
تفسير المحرر الوجيز
* وبمثله قال القاسمي في محاسن التأويل
___________
” إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير “

 قال قتادة في تفسير البغوي :

إن أكرم الكرم التقوى ، وألأم اللؤم الفجور .
قال ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير :
والمراد بالأكرم : الأنفس والأشرف.. والأتقى : الأفضل في التقوى ..

 قال العثيمين :

وإذا أحببت أن تكون عند الله كريما ، فعليك بتقوى الله – عز وجل – والتقوى كلها الخير ، وكلها البركة ، وكلها سعادة في الدنيا .
_______

 ” قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم “

العبرة في الأشياء بالمسمى الذي هو حقيقة الشي لا بالاسم الظاهر ..
فالإيمان اعتقاد وقول وعمل ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة ..
فليس بالإدعاء أو باللسان فقط أو بالقلب فقط أو الإقرار فقط .

 __________

فائدة لغوية :
قال العثيمين :
” لما يدخل “ ولم يقل : ” ولم يدخل ” ؟!
قال العلماء : إذا أتت ( لما ) بدل ( لم ) كان ذلك دليلا على قرب وقوع ما دخلت عليه ، فمثلا إذا قلت : ( فلان لما يدخلها ) أي أنه قريب منها ، ومنه قوله تعالى : ” بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب ” أي لم يذوقوه، ولكن قريب منه، وهنا قال : ” لما يدخل ” أي : لم يدخل الإيمان في قلوبهم ، ولكنه قريب من الدخول …
* وحوله دندن ابن عاشور في تفسيره
__________
فائدة :
في هذه الآية الكريمة ” قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا “ فرَّق بين الإسلام والإيمان، وكذلك في حديث جبريل عليه السلام فرق بين الإسلام والإيمان، ففي حديث جبريل عليه السلام لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» . وفي الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» . ففرق بين الإسلام والإيمان، وفي أدلة أخرى يجعل الله الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، فهل في هذا تناقض؟

والجواب: لا، فإذا قرن الإسلام بالإيمان صارا شيئين، وإذا ذكر الإسلام وحده، أو الإيمان وحده صارا بمعنى واحد، ولهذا نظائر في اللغة العربية كثيرة، ولهذا قال أهل السنة والجماعة: إن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا، يعني إذا ذكرا في سياق واحد فهما شيئان، وإذا ذكر أحدهما دون الآخر فهما شيء واحد، ويدل على هذا أن النبي ﷺ عدد أعمالا هي من الإسلام، وجعلها من الإيمان فقال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله» مع أنها من الإسلام، قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله» . «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» . وإماطة الأذى عن الطريق من الإسلام؛ لأنها عمل، والأعمال جوارح «والحياء شعبة من الإيمان» وهذا في القلب، فالمهم الإيمان والإسلام إذا افترقا فهما شيء واحد، وإن اجتمعا فهما شيئان.

تفسير العثيمين
________
” أتعلمون الله بدينكم “

 وفي هذه الآية إشارة إلى أن النطق بالنية في العبادات منكر .

تفسير العثيمين

 _________

” بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان “
إن الإيمان هو كبرى المنن التي ينعم بها الله على عبد من عباده في الأرض ، إنه أكبر من منة الوجود الذي يمنحه الله ابتداء لهذا العبد وسائر ما يتعلق بالوجود من آلاء الرزق والصحة والحياة والمتاع…
فهي المنة الكبرى التي لا يملكها ولا يهبها إلا الله الكريم، لمن يعلم منه أنه يستحق هذا الفضل العظيم.
سيد قطب

*وهذه استدراكات بعد أن انهينا الوقفات بفضل الله*
{ثم لم يرتابوا} كلمة، {ثم} هنا في موقع من أحسن المواقع؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والمهلة، ثم استقروا وثبتوا على الإيمان مع طول المدة، {لم يرتابوا} : أي لم يلحقهم شك في الإيمان بالله ورسوله.

 العثيمين وبه قال ابن عاشور

 ” ثم لم يرتابوا “

 فإذا قال قائل: ما الطريقة التي توجب للإنسان ثبوت الإيمان واستقراره؟

قلنا: أولا: أن يتفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، وأن هذه المخلوقات العظيمة لم تكن وليدة الصدفة، ولم تكن وليدة بنفسها.
ثانيا: أن يتفكر في شريعة الله وكمالها.
ثالثا: أن يتفكر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وآياته وما إلى ذلك.
رابعا: أن يكثر من ذكر الله – عز وجل – فإنه بذكر الله تطمئن القلوب، ويكثر من الطاعات والأعمال الصالحة، لأن الطاعات والأعمال الصالحة تزيد في الإيمان، كماهو مذهب أهل السنة والجماعة – رحمهم الله -.
 
” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا “

  الخطاب هنا مصدر بنداء الناس عموما، مع أن أول السورة وجه الخطاب فيه للذين آمنوا، وسبب ذلك أن هذا الخطاب في هذه الآية موجه لكل إنسان؛ لأنه يقع التفاخر بالأنساب من كل إنسان، فيقول – عز وجل -: {يا أيها الناس} ، والخطاب للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}

تفسير العثيمين

(واتقوا الله لعلكم ترحمون) اختيرت الرحمة

لأن الأمر بالتقوى واقع إثر تقرير الأخوة بين
المؤمنين ،وشأن تعامل الإخوة الرحمة فيكون
الجزاء عليها من جنسها .
(ابن عاشور)

islamiyyat