تم إضافته 18 مايو 2012 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

برنامج التفسير المباشر 1433هـ – من سورة العصر إلى سورة الكوثر

dumy
dumy

الحلقة 182

ضيف البرنامج في حلقته رقم (182) يوم الجمعة 29 رمضان 1433هـ هو فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد بن سريع السريع، أستاذ القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .

وموضوع الحلقة هو:

علوم سورة العصر، والهمزة، والفيل، وقريش، والماعون، والكوثر .

********************

د. الشهري: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أيها الإخوة المشاهدون الكرام في هذه الحلقة التي تأتيكم في هذه الجمعة الأخيرة من شهر رمضان من عام ألف وأربعمئة وثلاث وثلاثين للهجرة وهذه الحلقة هي الحلقة الثانية والثمانون بعد المائة من حلقات هذا البرنامج أسأل الله جلّ وعلا أن يجعلها عوناً لنا على فهم كتابه والعمل به وتدبره إنه سميع مجيب. اليوم بإذن الله تعالى سوف يكون حديثنا عن ست سور من سور الجزء الثلاثين سورة العصر وسورة الهمزة وسورة الفيل وسورة قريش وسورة الماعون وسورة الكوثر. وباسمكم جميعاً في بداية هذا اللقاء أرحب بضيفي في هذا اللقاء فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بن سريع السريع أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه “تبيان”. حياكم الله يا شيخنا

د. السريع: أهلاً وسهلاً بك

د. الشهري: وأهلاً وسهلاً بك يا دكتور محمد. اليوم عندنا ست سور أرجو إن شاء الله أن نوفق في إعذائها حقها في هذه الحلقة الأخيرة وتعلم شيخ محمد اليوم هو التاسع والعشرون من شهر رمضان ولا نعلم هل سنتمكن من اتمام بقية السور أم نؤجلها لحلقة خاصة بعد رمضان بإذن الله تعالى. نبدأ مع سورة العصر، عن اسم السورة وموضوع السورة.

سورة العصر

د. السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، بادئ ذي بدء بعد شكر الله جلّ وعلا أشكر فضيلتكم شيخ عبد الرحمن أن أتحتم لي هذه الفرصة للقاء مع إخواني وأخواتي المشاهدين حول تدبر معاني كتاب الله جلّ وعلا وتفهّم آياته والوقوف على معانيه والتعاون على ذلك. واسمح لي أن أبتدئ من حيث انتهيت نحن في هذه الجمعة الأخيرة من أيام رمضان المبارك وقد يكون هو اليوم الأخير من أيام الشهر الكريم حريٌ بالمؤمن أن يستبق أنفاسه في الاستفادة من هذه اللحظات الشريفة النفيسة التي ستعود بإذن الله تعالى لكن ما ندري هل ستعود ونحن على قيد الحياة أم غير ذلك. وحتى لو عادت ونحن على قيد الحياة فإن هذه مغانم إذا ذهب شهر فإنه لا يعوّض والفطن اللبيب العاقل هو الذي يستكثر من الخير ومن الحسنات يوم القيامة لأنه حتى الجنة درجات كما أن النار دركات وما من ميت إلا سيندم إن كان محسناً إلا ازداد زإن كان مسيئاً إلا استعتب. وفي هذه اللحظات المباركة عشية الجمعة ما أجمل أن يقسم الإنسان – وأنا أتحدث مع إخواني وأخواتي المشاهدين والمشاهدات أن يقسما هذه العشية المباركة قسمين: قسم مع كتاب الله جلّ وعلا في روضة من رياض العلم وحِلَق الذكر والقسم الثاني في الابتهال والانطراح بين يدي الله جلّ وعلا لأنه مما هو معلوم أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد يسال الله من فضله إلا أعطاه الله مسألته وأرجح الأقوال في هذه الساعة أنها آخر ساعة من نهار الجمعة فإذا أضاف إلى ذلك الصيام يضاف لذلك ما جاء في الحديث الصحيح أن للصائم دعوة لا ترد جاء في بعض الألفاظ أنها عند فطره فالفضائل تجتمع فتكون الاجابة بإذن الله تعالى حريّة وقريبة مع حسن الظن واليقين بالله جلّ وعلا نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا خير ما عنده بِشَرِّ ما عندنا.

د. الشهري: نعود إلى سورة العصر

د. السريع: أما فيما يتعلق بسورة العصر فهي من السور المكية التي هي غالب جزء عمّ الجزء الثلاثون وهذه السورة تسمى سورة العصر كما هي أول كلمة منها. والعصر في هذه السورة أكثر أهل العلم على أن المراد به الزمان، مطلق الزمان وقال بعض المفسرين المراد به العشيّ الذي هو الوقت الذي نحن فيه. وهذا قسم من الله جلّ وعلا بالعصر. وبالمناسبة القسم هو أحد علوم القرآن العظيمة والمهمة والتي أُودع فيها كثيرٌ من أسرار القرآن ومغازيه وحكمه وأحكامه والقسم في القرآن له أهداف وأسرار لكن أعظم أغراض القسم في القرآن غرضين: الغرض الأول هو تأكيد المقسم عليه الذي يسمى جواب القسم (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)) (وَالضُّحَى (1) – مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)). الغرض الثاني وهو الذي قد يغفل عنه البعض وهو العناية بالمُقسم به وتشريفه وابرازه فإذا أقسم ربنا جلّ وعلا بالعصر فهذا عناية بهذا المُقسم. والقاعة التي نحفظها ونحن صغار أن الله تعالى إذا أقسم بشيء فإنما يدل على عظمة هذا المُقسم به. ولذلك كما هو معروف أحياناً قد يحذف جواب القسم فيدل عليه المقسم به وأحياناً بعض العلماء نبّه على أن الغرض الرئيس أحياناً قد يكون المقسم به إبرازه وايضاحه والعناية به وتشريفه فيؤتى به ويُحذف جواب القسم وهذه كلها من أسرار ومفردات القسم في القرآن التي توجد في مضامنها.

د. الشهري: موضوع السورة يا دكتور؟

د. السريع: موضوع السورة، السور القصيرة لا يلتبس في الغالب موضوعها لأنها قصيرة وتدل على موضوع واحد مركز مثلاً سورة الصمد هي في توحيد الله جلّ وعلا. سورة العصر (وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾) أسباب النجاة من الخسار، موضوعها النجاة من الخسار في الدنيا والآخرة. ولذلك من فضائل هذه السورة أنه كان كما روى الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب الرجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعا لم يتفرقا حتى يقرأ كل واحد منهما سورة العصر فيسلم كل واحد على الآخر ويتفرقا، هي مثل العهد مثل الميثاق مثل التذكير ولذلك الشافعي عليه رحمة الله يقول: لوما أنزل الله على عباده حجة إلا هذه السورة لوسعتهم.

د. الشهري: ما دلالة هذا الكلمة للشافعي وهي مشهورة؟

د. السريع: هذه يبينها ما ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله حين قال في المسائل الأربعة المعروفة أن الله تبارك وتعالى علم أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم أربع مسائل والعمل بها: العلم، العمل، الدعوة إليه، الصبر على الأذى فيه ثم قال: والدليل على ذلك قول الله تعالى (وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾) إلى آخر السورة ثم ذكر مقولة الشافعي عليه رحمة الله. الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في طريق الهجرتين يقول نجاة الإنسان مكفولة بسببين السبب الأول تكميله لنفسه والثاني تكميله لغيره ، تكميله لنفسه (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، تكميله لغيره (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ولذلك من تدبر هذه السورة وتأملها وقام بها حق القيام لَكَفَتْه ووسعته.

د. الشهري: لعلنا نكتفي بهذا فيما يتعلق بسورة العصر وننتقل إلى سورة الهمزة في قوله (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾) اسم هذه السورة وأين نزلت يا دكتور محمد؟

سورة الهمزة

د. السريع: لا تزعل عليّ شيخ عبد الرحمن من كثرة الإعادات! في سورة العصر الله جلّ وعلا يقول (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) جنس الإنسان في خسارة، الجميع إلا من استثناه الله جلّ وعلا وهم الذين اتصفوا بالصفات الأربع: الإيمان وحقائقه والعمل به ثم بعد ذلك الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، التواصي بالحق كلها مفردات متقاربة ثم لا بد من الصبر لأن الداعي لا بد أن يطاله شيء من الأذى كما طال الأنبياء. ما أريد التنبيه له ما اشار إليه الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله وغيره أن الخسارة متفاوتة، هناك أناس في أحطّ درجات الخسارة خاسر درجته صفر وهناك من الناس من هو أقل ومن هو أقل وكما قلنا قبل قليل النار دركات والجنة درجات أيضاً. ليس في هذه الدنيا إما أبيض وإما أسود، لا، هناك أبيض وهناك أسود وهناك درجات بينهما ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الإنسان خصال خير وخصال شر قد يجتمع فيه من خصال الإيمان وخصال الكفر فاستكثر يا عبد الله من خصال النجاة وابعِد عن خصال الخسارة.

د. الشهري: نسأل الله من فضله. نعود لسورة الهمزة، تسمية السورة بالهمزة هل هذا هو الاسم الوحيد للسورة؟ وأين نزلت؟

د. السريع: سورة الهمزة أيضاً هي من السور المكية يدل على ذلك سياقها، يدل على ذلك مفرداتها، يدل على ذلك الموضوعات التي تناولتها واسمها هو أيضاً سورة الهمزة أخذاً من أول آية. وموضوعها كما هو ظاهر من ثنايا الآيات هو حديث عن المكذبين وصفاتهم، المكذّب وشيء من صفاته وسبب هذا التكذيب والمصير الذي سيذهب إليه

د. الشهري: هل لها سبب نزول؟

د. السريع: ذكر بعضهم أنها نزلت في العاص ولكن أياً ما قيل فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. خصوصاً أنها تشخِّص ظاهرة (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾) الويل قيل واد في جهنم وقيل هو العذاب الشديد يستخدم للتنكيل والتعنيف والهمزة اللمزة هو الذي يعيب الناس إما بحركاته وغمزه ولحظه وإما بقوله. (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿٢﴾) هذا المكذّب وهذا واحد من أكثر أسباب التكذيب جمع المال والالتهاء به (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿٣﴾) (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا ﴿١٦﴾ المدثر) فأحياناً كثرة المال قد تكون ولذلك في سورة العلق ذكر ربنا جلّ وعلا (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴿٧﴾) أعظم ما يكون شعور الإنسان بالاستغناء استغناؤه بالمال خصوصاً إذا رزق معه الأمن والعافية في الأبدان، ظنّ أنه المنتهى! قارون قال (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي (78) القصص) ما هذا الحمق؟! بالأمس كنت تعرف من أنت وأين تذهب والآن لما جاءك مجموعة من الريالات وتضغط على زر فترى رصيدك وتقول هذا مني؟! سبحان الله! لكن ابن آدم محدود ضعيف إلا من تداركه الله جلّ وعلا برحمة منه وكرم. هذا حاله وهذا سبب من أسباب الطغيان، أعطاه الله لاحظ (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) هناك شعور باستهواء المال واستغراقه فيه، أحياناً المال نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح إذا كان ما يلهيك عن الصلاة وعن البرّ وقائم بحقوق الله فنعمّا هو لكن حين يستهوي الإنسان ويغرق معه وربما منع حقوقه فهذه هي المصيبة!.

د. الشهري: الله المستعان!. نكمل في قوله (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾) في هذه السورة بعض الألفاظ الغريبة مثل الهمزة واللمزة وأمت بينتها وهنا الحطمة

د. الشهري: الحطمة اسم من أسماء جهنم مأخوذ من صفة من صفات جهنم وهي أنها تحطم، تدق الذين يُلقون فيها وهم الكفار والمنافقين تدق أعناقهم تحطمهم ولذلك سميت الحطمة نعوذ بالله من حالها. ولاحظ هذا التأكيد الذي تحفل به السور المكية وهو من سماتها (لَيُنْبَذَنَّ) قَسَم وأيضاً انظر هذا التعبير (لَيُنْبَذَنَّ) أولاً فيه إهمال وازدراء لهذا الشخص فإن الإنسان لا ينبذ الذهب وإنما ينبذ الرديء الذي لا يهتم به ولا يحتفل به الأمر الثاني فيه عنف في حقه فهو سينبذ في نار جهنم والمعروف واليعاذ بالله أنه ربما ألقي فيها سبعين خريفاً لا يدرك قعرها نعوذ بالله من هذا الحال!

د. الشهري: (يوم يدعون  دعا) أيضاً سبحان الله هناك تكرر في السور المكية ولعل الإخوة المشاهدون أدركوا هذا في السور التي مرت معنا في استخدام (كلا) بكثرة في السور المكية وأيضاً مثل هذا التأكيد في قوله (الْحَاقَّةُ ﴿١﴾ مَا الْحَاقَّةُ ﴿٢﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴿٣﴾) (الْقَارِعَةُ ﴿١﴾ مَا الْقَارِعَةُ ﴿٢﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴿٣﴾) وهنا (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴿٥﴾) هذا الأسلوب الذي يدل على التهويل وأيضاً المبالغة في وصف قسوة جهنم. في ختام السورة في قوله (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴿٦﴾ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴿٧﴾ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴿٨﴾ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴿٩﴾) ما معنى هذه الآية؟ البعض لا يتصور ما معنى (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ)

د. السريع: لا إله إلا الله القرآن له أسلوبه المميز له خصائصه، له كما قال ابن عاشور مبتكراته، انظر إلى هذا التعبير، أنا لم استقرئ كلام الجاهلية لكن أظن أن مثل هذه التعابير لم يُسبَق إليها القرآن وهذا التعبير ليس تعبيراً عقلياً كتغبير الشعراء لا حقيقة له في الواقع، لا، هو رسم ووصف دقيق لحقيقة ما سيحصل يوم القيامة في نار جهنم فهذه النار من شدتها وسطوتها تطّلع على أفئدة هؤلاء الكافر وتصل إليها. فنارٌ تخترق جسم الإنسان حتى تصل إلى فؤاده، والفؤاد في أعمق مكان، عمق الإنسان، محفور ومع ذلك نار تبلغ هذا المكان فلا تسل بعد ذلك عما التهمت وعما عذّبت وعما قاسى الإنسان في أجزاء بدنه الأخرى!. وكما تفضلت في قوله (كلا) هذا التعبير لم يرد إلا في السور المكية ولم يرد إلا والله أعلم في النصف الثاني من القرآن سورة مريم وما بعدها. وهو كما فلنا مراراً القرآن المكي له خصائص حتى في ألفاظه وهذه من خصائصه ولهذا قال بعض أهل العلم أن كل سورة فيها (كلا) فهي سورة مكية على قول بعضهم.

د. الشهري: لعلنا نكتفي بهذا فيما يتعلق بسورة الهمزة ونقف مع الفاصل الأول في هذه الحلقة ثم نواصل. فاصل أيها الإخوة المشاهدون ثم نواصل حديثنا إن شاء الله.

——————–

فاصل – سؤال الحلقة

قوله تعالى (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴿٣﴾ الكوثر) ما هو تفسير كلمة (الأبتر)؟

1.      الذي لا عقب له

2.      الخبيث

3.      الأحمق

——————-

سورة الفيل

د. الشهري: مرحباً بكم أيها الإخوة المشاهدون مرة أخرى ولا زال حديثنا متصلاً مع ضيفنا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بن سريع السريع حول عدد من سور القرآن الكريم انتهينا من الحديث عن سورة العصر وسورة الهمزة ولعلنا نبدأ في الحديث عن سورة الفيل، اسم السورة؟ متى نزلت؟

د. السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. كل هذه السور التي ستأتي معنا كلها من السور المكية. وسورة الفيل هي حديث عن حادثة الفيل عن واقعة الفيل التي امتن الله تعالى بها على قريش وفي هذه السنة سنة الفيل ولد النبي صلى الله عليه وسلم كما يؤرَّخ لولادته. وحادثة الفيل حين همّ أبرهة بهدم البيت وجرّ معه الأفيال والجيش العرمرم فلما قرُب أرسل الله عليهم طيراً أبابيل كان هذا إرهاصاً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحفظاً للبيت وتعظيماً لقريش ونحو ذلك ولذلك الله تبارك وتعالى يمتن على قريش في هذه السورة وفي السورة التي تليها، سورة الفيل وسورة قريش بهذا الحدث الذي حفظ الله فيه بلدهم وعظّمهم ولذلك ارتفعت مكانة قريش بعد هذه الحادثة.

د. الشهري: هل يمكن تحديد موضوع سورة الفيل؟ ماذا يمكن أن نقول عنه؟

د. السريع: موضوع سورة الفيل هو حادثة الفيل ومنّة الله تعالى على قريش وأهل البيت بحفظ البيت ممن أراده بسوء

د. الشهري: والعرب ما كانت تعرف الفيل فإحضار الفيل كان شيئاً جديداً.

د. السريع: نعم، شيء لافت

د. الشهري: قرأت في بعض كتب المعاصرين أن إحضار أبرهة للفيل في ذلك الوقت أشبه ما يكون اليوم بطائرات 52 التي لا يملكها أحد فكونه يحضر الفيل والفيل من الحيوانات التي لا تعرف إلا في الهند والمناطق البعيدة كان شيئاً مرعباً بالنسبة للعرب

د. السريع: هو مثل هذه الطائرات لو أن هذه الطائرات مشت في الطريق والناس يشاهدونها لأن الفيل كان يمشى بين القبائل والناس كانوا يشاهدونه والفيل كما يقول بعض أهل السيَر لم يكن في اليمن وإنما استقدمه من الحبشة التي كانت تابعة لأبرهة.

د. الشهري: بالنسبة لما ذكره الواحدي في سبب نزول السورة وهذه مسألة يذكرونها في كتب علوم القرآن أن الواحدي قال أن سبب نزول هذه السورة أنها نزلت في قصة الفيل التي وقعت في ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، كيف يكون هذا سبب نزول وقد تقدم أربعين سنة على الوحي؟!

د. السريع: طبعاً لا نوافق الواحدي على ما ذهب إليه لأن سبب النزول هي القصة التي نزلت الآيات مقارنة لها وقت نزولها، حصلت حادثة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فنزل كذا، حصلت قصة الظهار فجاءت خولة تشكي فنزلت الآية فنزلت الآية، جاء هلال بن أمية يشتكي قضية اللعان فنزلت آيات اللعان هذا واحد، الأمر الثاني أنا لا أرى تسارع بعض الباحثين في الرد على الواحدي وفي تعنيفه كيف يقول هذا سبب نزولها. سبب النزول ليس مصطلحاً شرعياً وإنما هو مصطلح تعارف عليه العلماء فإذا كان الواحدي يرى أن سبب النزول هو القصة التي من أجلها نزلت الآية، فليكُن، هذا مصطلح، لا تغضب أنت عليه، قل المصطلح الذي أقول به هو كذا وكذا. وهذا يتعدد في كثير من الأحيان وأبلغ منه ما حصل عند بعض الكُتّاب وعند بعض الباحثين في مسألة النسخ، يجد قولاً لعكرمة أو ابن عباس “هذه الآية نسختها كذا” (وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾) قالوا نسختها (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وقالوا هذا خطأ وإن أراد أن يلطّف العبار يقول هذا ضعيف لا يصح سنده! لماذا؟! هو صحيح وصحيح سنداً – في غير هذا الموضع، هذا الموضع ما بحثته – لكن النسخ كان في لسانهم غير النسخ الذي أتيتَ به والنسخ في لسانهم هو الأصح مما هو في لسانك

د. الشهري: رفع الحكم أو جزء منه إما بتخصيص أو بتقييد

د. السريع: حتى لو لم يكن في لسان الشرع هؤلاء هم الصدر الأول تعارفوا عليه هنا العلماء تواضعوا على مصطلح معين وهو النسخ الأصولي فبيِّن أن مراد السلف كذا ومراد المتأخرين كذا وقوله يُحمل على كذا

د. الشهري: وتأييداً لكلامك يا أبا معاذ الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله وأيضاً الشيخ عبد الحميد الفراهي يؤيدون هذا الكلام الذي ذكرته في توسيع مفهوم سبب النزول حتى يشمل مناسبات النزول أو ملابسات النزول أو ما يذكره الله سبحانه وتعالى من عادات العرب التي كانت أيام نزول القرآن الكريم لأنها تكشف عن المعنى فقصة الفيل تكشف دلالة السورة ومعناها. نعو للسورة في قوله سبحانه وتعالى (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) كلمة أبابيل تعتبر من غريب القرآن فما معناها؟

د. السريع: الأبابيل قيل جمع لا مفرد له وقيل أن لها مفرد ثم اختلفوا في المفرد هل هو إبّيل أو غيره. أبابيل هي الجماعات التي جاءت لترمي هؤلاء بالحجارة من سجيل كما جاء في بعض الآثار كان كل طائر يحمل في منقاره حجراً وفي أطرافه أحجار وأيّاً ما قيل هذا لا يعنينا سواء صح أو لم يصح المقصود أن الحجارة كانت تحملها هذه الطيور الأبابيل التي جاءت جماعات فرمى الله تبارك وتعالى الكفار بها

د. الشهري: تلاحظ يا دكتور محمد وهذه استطراداً كيف يولع الناس بتتبع التفاصيل مثلاً الله تعالى يقول (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿٣﴾ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٤﴾) ولم يذكر كيف كان الطائر يمسك بالحجارة ولا عدد الحجارة التي يحملها، ثم تجد الناس يسألون كيف كان الطير يمسك الحجارة؟! ويدخلون في تفاصيل أخرى فيدخلون منها أحياناً إلى روايات اسرائيلية قد لا يكون لها أيّ أساس صحيح.

د. السريع: أريد أن أشاركك الأجر في الفائدة، الشرع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله أحد الصحابة: أفي كل عام؟ أفي كل عام؟ الحج، والنبي صلى الله عليه وسلم يسكت عنه ثم قال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم بعد ذلك. هذه التفاصيل الله سبحانه وتعالى لو تعبّدنا بها كان ما استطعنا الوفاء بها وأيضاً لأشغلتنا عما هو أهم ولذلك علم السلف أعلم وأحكم لأنهم لم يشتغلوا بهذه التفاصيل ولذلك تجد الواحد منهم له كلمة في سطر وهو يحتاج إلى مجلدات

د. الشهري: ويبدو لي من بركة علمهم أنهم اشتغلوا بالعمل فكان الواحد منهم يشتغل بالعمل فينشغل بذلك عن الدخول فيما يمكن أن نسميه بترف العلم أو ترف المسائل. قبل أن ننتقل في قوله (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴿٥﴾) وقفة مع هذه الآية ثم ننتقل إلى سورة قريش.

د. السريع: العصف ما يُعصف من بقية الزرع الذي تذروه الرياح هذا شيء من الزرع مما تخرجه الأرض أو يزرعه الناس أكلته البهائم والدواب ثم جاءت الريح تعصفه، ما بقي منه شيء إلا حطام هنا وهناك وفتات وأجزاء يسيرة صفراء فهؤلاء بعد أن عذبهم الله تبارك وتعالى حين همّوا بما همّوا به أصبحوا على هذا النحو.

سورة قريش

د. الشهري: ننتقل إلى سورة قريش والصلة بينها وبين سورة الفيل، اسم السورة هل لها اسم آخر أم هذا اسمها الوحيد؟

د. السريع: سورة قريش أيضاً من السور المكية وهي وثيقة الصلة بسورة الفيل لأن كلها في الامتنان على قريش وأيضاً الامتنان عليهم بالأمن هو بعد حادثة الفيل التي مرت في تلك السورة. للعلماء في الصلة بين السورتين قولان: القول الأول أن السورتين متصلتان (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ) فعل ما فعل بأصحاب الفيل (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ) ليألفوا ما هم فيه وهذا قال به جمع من المفسرين وعلى هذا فالسورتان متصلتان

د. الشهري: كأنهما سورة واحدة

د. السريع: نعم واللام في أول السورة متعلقة بالسورة السابقة. والقول الثاني أنه ليس ثمة تعلق وأن اللام إما عائدة على محذوف أو عائدة على قوله (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) أو نحو ذلك.

د. الشهري: ربما كثيرون يقرأون سورة الفيل وسورة قريش ولا يدركون معنى (لإِيلاَفِ) ما معنى (لإِيلاَفِ)؟ حتى بعضهم ينطقها بشكل خاطئ!

د. السريع: (لإِيلاَفِ) هذه اللام لام التعليل هنا. الإيلاف هنا هو إما أن يكون من الإلف والتعوّد أو من الائتلاف كما قال بعض المفسرين ليتآلفوا فيما بينهم ويجتمعوا لأنه لولا فضل الله على قريش بهذا الأمن وهذا البيت وردّ عنهم هذا العدو لصاروا شذر مذر في البلاد، منهم في الشمال ومنهم في الجنوب ومنهم في اليمن ومنهم وراء البحار ولم يعد ثمّة قريش إلا يُذكرون في التاريخ فالله تبارك وتعالى رد عنهم هذا الكيد وهذا العدو واجتمعوا وتوطّنوا في هذا المكان وأمنوا وبعد ذلك واجتمع الناس عليهم وأدركوا عظمتهم ومكانتهم ثم بعث الله تبارك وتعالى فيهم هذا النبي الكريم.

د. الشهري: ما المقصود برحلة الشتاء والصيف؟

د. السريع: رحلة الشتاء والصيف كانت لقيش وقريش لم يكونوا أهل زرع وإنما كانوا أهل تجارة فكانت لهم رحلتان في العام، الرحلة الأولى للشام في الصيف لأن الجو بارد وكانت الرحلة الثانية في الشتاء إلى اليمن لأن الجو هناك ألطف فكانت محل حراك وتجارة والبضائع تُجلب إليها. في هذه السورة ربنا جلّ وعلا يقول (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿٢﴾ فَلْيَعْبُدُوا) هذا هو الجواب. الذي منّ عليكم بهذه النعم (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) ولاحظ التعبير لم يقل فليعبدوا الله وإنما أضاف نفسه بالربوبية كأنه أمرٌ بالعبادة وبيان لشيء من علّتها أو الدلائل التي تدل عليها إنه رب هذا البيت الذي دانت له كل الأمم ومن علاماته وعجائبه ما حصل بالأمس القريب (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾) سمتان لا نزال نعيش في وارف ظلالها (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) هذه الجبال القافرة

د. الشهري: لعلنا نعود لهاتين الصفتين بعد الفاصل. فاصل أيها الإخوة المشاهدون ثم نواصل حديثنا حول سورة قريش مع الدكتور محمد السريع.

————-

فاصل – تعريف بمركز تفسير للدراسات القرآنية – ملتقى أهل التفسير

—————-

د. الشهري: مرحباً بكم أيها الإخوة المشاهدون مرة أخرى. ما زال حديثنا مع الأستاذ الدكتور محمد بن سريع السريع حول سورة قريش. قبل أن نواصل أيها الإخوة نشاهد الفائز في حلقة الأمس نسأل الله للجميع التوفيق والفوز في الدنيا والآخرة.

الفائز في سؤال الأمس: سالم يحيى علي من الرياض

د. الشهري: كنا نتحدث عن قوله (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) في الامتنان على قريش وأنت قلت أن السورة في مكانة قريش والامتنان عليهم

د. السريع: نعم، أقول هاتان النعمتان من أعظم النعم: الأمن في الأوطان والرغد في العيش والله تبارك وتعالى كرر هذا الامتنان في غيرما موضع من كتاب الله جلّ وعلا والذي يتأمل الآن في الواقع كيف الآن تُجبى هذه النعم إلى مكة، مكة ليست زرع ولا ضرع وإنما هي جبال حارة في شدة الحر ومع ذلك النعم تتقاطر عليها من كل مكان والناس يأمنون

د. الشهري: وهي أغلى منطقة في العالم بالمناسبة، المنطقة حول الحرم ومكة بصفة عامة المتر فيها بِكَم؟!

د. السريع: حريٌ أن تكون أغلى من هذا بكثير!

د. الشهري: لا يصيبها كساد أبداً

د. السريع: هل يمكن أن تقارن يا شيخ عبد الرحمن تحت منارة الحرم المكي بقلب طوكيو؟! لا يمكن! حتى من الناحية الدنيوية، لا يمكن، هذا في كل سنة يأتيه ملايين من البشر الذين يريدون أن يسكنوه.

د. الشهري: نكتفي بهذا وننتقل إلى سورة الماعون

سورة الماعون

د. الشهري: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) ما هو موضوع سورة الماعون؟ اسم السورة؟ دلالته؟

د. السريع: اسم السورة الماعون مأخوذ من الماعون الذي ورد فيها

د. الشهري: هذه مأخوذة من آخر كلمة في السورة، تعودنا أن نأخذ الاسم من أول السورة

د. السريع: وعندي والله أعلم موضوع هذه السورة هي أيضاً التكذيب وسمات المكذِّب لأن الموضوع المكي كله يدور حول هذه القضايا ولذلك الله تعالى يقول (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) الدين بالمناسبة في القرآن له معنيان كما في لغة العرب: الدين بمعنى المِلّة (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (19) آل عمران) أو الدين بمعنى الجزاء والحساب (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) الفاتحة). هنا (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) عند كثير من المفسرين أن المقصود به يكذّب بالجزاء والحساب لا يؤمن ولذلك كما قلنا في الحلقة السابقة أعظم واعظ ومحرِّك للإنسان يقينه باليوم الآخر

إذا ما خلوتَ بريبةٍ في ظُلمةٍ           والنفس داعيةٌ إلى الطغيانِ

فاستحي من نظر الإله وقل لها        إن الذي خلق الظلام يراني

حين يؤمن الإنسان بالله يؤمن بثواب الله وجزائه وإلا ما الذي يمنع الإنسان لو أغلق عليه خمسة عشر باباً في غرفته أن يفتح مقطعاً إباحياً؟! ما الذي يمنعه؟ ما أحد يمنعه إلا مراقبة الله جل وعلا وخوف الحساب يوم القيامة. فهذا يكذب بيوم الدين ولا يحض على طعام المسكين، لا يحضّ غيره عليه وإنما يمنعه (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾) يدفعه ولا يحنو عليه ولا يتصدق عليه فضلاً أن يرعاه وأن يكفله. (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾) تنوّعت عبارات المفسرين في هذا السهو والأقرب والله أعلم أنه يشمل كل نوع من أنواع السهو سواء بتأخيرها عن وقتها شغل المنافقين، أعظم درجة من درجات السهو هي عمل المنافقين فمن دونهم. وللإنسان نصيب من الوعيد بقدر سهوه عن صلاته وكلما كان الإنسان أتم صلاة كلما كان أبعد عن هذه الصفة. ولذلك جاء في الحديث أنه يقوم الإنسان يصلي لا يُكتب له من صلاته إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، حتى قال إلا عُشْرُها.

سورة الكوثر

د. الشهري: الله أكبر! ننتقل إلى السورة الأخيرة في هذه الحلقة وهي سورة الكوثر، هي قصيرة الآيات (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿١﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿٢﴾ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴿٣﴾) ماذا نقول عن هذه السورة؟

د. السريع: هذه السورة هي أقصر سورة في كتاب الله ودائماً العلماء إذا تحدثوا عن التحدي قالوا الله تحدّاهم بأقصر سورة وهي سورة الكوثر. والله تبارك وتعالى امتن على نبيه أنه أعطاه الكوثر. للعلماء في الكوثر قولان: القول الأول أنه الخير الكثير والقول الثاني أنه نهر الكوثر الذي في الجنة ولا مانع من أن يكون المراد به الخير الكثير ومن مفرداته وأمثلته النهر في الجنة وإلا فما أعطاه الله تبارك وتعالى أكثر من هذا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) الضحى)

د. الشهري: نقول موضوع سورة الكوثر هو الامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم وبيان مكانته؟

د. السريع: نعم، الامتنان بما أعطاه وبما دفع عنه، بما أعطاه (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) وبما دفع عنه (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) وفي الوسط بينهما أمره قال الله (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)

د. الشهري: جزاء لهذه النعمة العظيمة

د. السريع: ولذلك مما يؤخذ من السورة أن الله تبارك وتعالى إذا استحدث في حياتك نعمة فقابلها بالشكر لما ينزل في رصيدك شيء أخرج منه شيئاً لوجه الله، لما تنجح حاول أن تساعد غيرك، أيّ وجه من وجوه الخير التي يمتن الله تبارك وتعالى بها عليك فقابلها بالإحسان بالشكر بالحمد بالصلاة بالذكر، اذهب للعمر، طُف بالبيت، انطرح بين يدي الله، أكثر من اللَهَج (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) الضحى).

د. الشهري: في قوله (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) ما المقصود بها؟ ما معنى الأبتر هنا؟

د. السريع: الأبتر قال بعض صناديد قريش هو العاص أو غيره قالوا لا يشغلكم محمد محمد أبتر لا عقب له – المقصود بالأبتر الذي لا عقب له – غداً يموت ونتخلص منه ولا يعد له أثر، فالله تبارك وتعالى ردّ عليهم وقال (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) شانئك الشانئ هو المُبغِض، مُبغِضك هو الأبتر وصدق فإن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو لم يكن له ذرية من نسله وقد كان ولو لم يكن له صلى الله عليه وسلم فإنه رفع له ذكره ولذلك لم يطرق هذا الكون اسم أعظم من اسم محمد صلى الله عليه وسلم

د. الشهري: اللهم صل وسلم عليه. شكر الله لكم دكتور محمد، انتهى وقت هذه الحلقة وأسأل الله أن يتقبل منك أعطيتنا لمحة لكل سورة من هذه السور. أيها الإخوة المشاهدون الكرام انتهى وقت هذه الحلقة وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم ما سمعناه وأن يجعله عوناً لنا ولكم على فهم كتابه. باسمكم جميعاً أشكر ضيفي فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بن سريع السريع أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه “تبيان”. وإن يسّر الله سبحانه وتعالى لقيناكم غداً إن شاء الله وأكملنا بقية سور القرآن الكريم وإلا سوف نخصص لها حلقة خاصة فيما بعد إن شاء الله، نراكم على خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

د. السريع: السلام عليكم


islamiyyat