تم إضافته 20 مايو 2012 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

برنامج التفسير المباشر 1433هـ – من سورة الكافرون إلى سورة الناس

dumy
dumy

الحلقة 183

ضيف البرنامج في حلقته رقم (183) يوم السبت 30 رمضان 1433هـ هو فضيلة الشيخ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود .

وموضوع الحلقة هو :

علوم سورة الكافرون، والنصر، والمسد، والإخلاص، والفلق، والناس .

**************************

د. الشهري: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أيها الإخوة المشاهدون الكرام في كل مكان في برنامجكم التفسير المباشر الذي يأتيكم في حلقته اليوم وهي الحلقة الثالثة والثمانون بعد المئة من حلقات هذا البرنامج ولله الحمد وهذا هو الشهر الخامس الذي يأتيكم في هذا البرنامج ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتم علينا نعمته بقبوله طاعتنا وأن يغفر لنا ولكم وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن العاملين به والمتدبرين له وأن يجعل هذا القرآن حجة لنا يوم القيامة. سوف نتحدث في هذه الحلقة الأخيرة من هذا الشهر عن ست سور من سور القرآن الكريم وهي سورة الكافرون وسورة النصر وسورة المسد وسورة الاخلاص وسورة الفلق وسورة الناس. باسمكم جميعاً أيها الإخوة المشاهدون أرحب بضيفي العزيز فضيلة الشيخ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار، أستاذ الدراسات القرآنية المشارك بجامعة الملك سعود ورئيس المركز العلمي لمركز تفسير للدراسات القرآنية حياكم الله يا دكتور مساعد

د. مساعد: حياك الله

د. الشهري: أنت يا دكتور مساعد كنت أول ضيف في الحلقة رقم 1 واليوم أنت ضيفنا في هذه الحلقة وقد تكون هذه الحلقة الأخيرة من هذا البرنامج ربما نغيّر والله أعلم فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منك وأن يجزيك خير الجزاء

د. مساعد: وإياك

د. الشهري: معنا ست سور فلعلنا نخصص لكل سورة خمس دقائق حتى نأتي عليها جميعها ثم نختم الحلقة بتعليقات عامة.

سورة الكافرون

د. الشهري: نبدأ مع سورة الكافرون، قضية اسمها ومتى نزلت وموضوعها ندمجها مع بعضها

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. كما ذكرت ست سور فنختصر ونأخذ بعض الملامح في علوم السورة. سورة الكافرون هذا هو الاسم المشتهر لها وتسمى أيضاً سورة “قُل يا أيها الكافرون” بناء على بدايتها وأيضاً تسمى سورة البراءة لأن موضوعها البرآءة من الشرك وهي مع سورة الاخلاص أيضاً تسمى المقشقشة لأنها تقشقش الشرك هذا أيضاً من الأسماء التي ذُكرت مزدوجة لسورة الإخلاص مع سورة الكافرون لأن هناك بعض السور تكون لها اسم مثل الزهراوان البقرة وآل عمران وسيأتينا المعوذتان الفلق والناس. فالموضوع الرئيس لها هو موضوع البراءة من الشرك. وقيل في سبب النزول وإن كان فيه ضعف أن المشركين طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة وأن يعبدوا إلهه سنة بعد أن لم يستطيعوا أن يثنوه عن دعوته فنزلت هذه السورة للبراءة من الشرك ولهذا ابتدأ بها بقوله (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وسيأتينا في السور الأربع الأخيرة هذه مع السور الأخيرة كلها (قل) تلقين وقد ورد عن أبي بن كعب أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) سأله عنها فقال: قيل لي (قُل) فقلت. ولهذا نقول إن قوله (قل) هو من الوحي المنزل وسيأتينا إن شاء الله ترتيب فائدة على هذا لكن المقصود أن قوله سبحانه وتعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) المطلع يشير إلى مغزى السورة وهو الحديث عن الكافرين والبراءة من عبادتهم ولذا جاء قوله (لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿٤﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾) فاستغرقت جميع الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا هو الحال في الرسول صلى الله عليه وسلم لكن قد يقول قائل هذه السورة مكية وقد أسلم بعض المشركين بعد ذلك فهل يدخل في الخطاب؟ فالجواب نقول أن هذا الخطاب للكافر حال كونه كافراً فإذا اسلم انتقل من الكفر إلى الإيمان أما إن مات كافراً فإنه يشمله الخطاب وهذه قاعدة في كل خطابات القرآن التي خوطب بها الكفار أن نقول أن المخاطَب بها هم الكفار حال كفرهم لأن بعض المفسرين أورد هذا الاشكال فإن قيل من أسلم هل يشمله هذا الخطاب؟ كيف يقول له (لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) وقد أسلم؟ هو انفك عن حالة الكفر فلا يدخل في هذا الخطاب. المفسرون وقفوا كثيراً عند التكرار في قوله (لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) كما ذكرت قبل قليل أن المسألة فيها استغراق لجميع الأزمنة لا أعبد في الماضي ولا أنا عابد في الحاضر ولا في المستقبل، وكذلك أنتم ما دمتم على الكفر لا تعبدون ما أعبد في الحاضر ولكن في المستقبل قد يقع من بعضهم إيمان ولذا ختم بقوله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) التي هي آية المفاصلة فقوله سبحانه وتعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) هذه مفاصلة وفيها أن دين الاسلام واضح وأن دين الكفر واضح فليس هناك أي لبس أو التباس بين الإسلام وبين الكفر إطلاقاً وإنما قد يقع اللبس والشبهة في أذهان بعض الناس لكن من حيث هو وحقيقته فلا يقع في أذهان الناس لبس فإذن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أوقع المفاصلة والبراء بين الاسلام وبين الشرك. من باب الفائدة في قوله (وليَ دين) قراءة حفص بفتح الياء (وليَ) وكثيرون من الذين يقرأون القرآن لا ينتبهون لهذا وهذا خطأ وإنما الصواب (وليَ دين) وهذا أحياناً نطلب من الطلاب الذين يتقدمون إلى القسم قديماً أن يقرأ هذه السورة وسورة الصمد لأن فيها ملحوظة من نفس جنس هذه.

د. الشهري: البعض قد يفهم من قوله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) أن في هذا تسويغ لعبادتهم أو لدينهم أنكم أنتم لكم دينكم ابقوا عليه وأنا لي ديني الذي رضيته، هل هذه الآية تدل على هذا المعنى؟

د. مساعد: لا، هذه الآية المراد منها مفاصلة بالعبادة ليس لها علاقة بالدعوة والجهاد إنما هذه مفاصلة بالعبادة وتوضيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمر أن يعبد الله بهذا الشرع وأنتم وشأنكم بهذا الدين. ولهذا بعض المفسرين يذكر أن هذه الآية منسوخة وقصده في ذلك أن هذه الآية لا يُحكم بها على الفكرة التي ذكرتها لأن الله سبحانه وتعالى قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجهاد من خالف ونعلم أن الجهاد جهاد الكفار ليس المراد به القتال والإجبار على الإيمان وإنما يراد أصله الدعوة إلى الله فإذا وقف أحد ضد هذه الدعوة إلى الله فإنه يُقاتَل.

سورة النصر

د. الشهري: ننتقل يا دكتور إلى سورة النصر وهي السورة التي تلي سورة الكافرون في ترتيب المصحف وهي من السور القصيرة، ماذا عن اسمها وعن نزولها؟

د. مساعد: من الأسماء المشهورة فيها سورة النصر والاسم أيضاً “إذا جاء نصر الله” وقد ورد في بعض الآثار سورة “إذا جاء نصر الله” موضوع السورة مرتبط بأمرين بخاتمة النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقته بفتح مكة لأن فتح مكة هو نهاية أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم الكبيرة وكأنها مُشعرة بنهاية أجله صلى الله عليه وسلم.

د. الشهري: إذن هي سورة مدنية؟

د. مساعد: نعم هي سورة مدنية

د. الشهري: لكنها سورة قصيرة والناس في العادة تتصور أن السور القصيرة مكية

د. مساعد: هذا يغلب، نحن نعرف أن أغلب الأحكام أغلبية فهذه السورة لم تأتي على منوال السور المدنية في الطول وصارت مناسبة للسور المكية ولهذا جاءت بين السور المكية “قل يا أيها الكفرون” مكية و”تبّت يدا أبي لهب” مكية.

د. الشهري: سبب نزول هذه السورة، هل لها سبب نزول؟

د. مساعد: ليس لها سبب نزول محدد ولكن لها قصة في النزول وهي أن الله سبحانه وتعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة أن يعمل هذه الأعمال التي أمره بها

د. الشهري: بخلاف الفتح الذي في قوله (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) الفتح)

د. مساعد: ذاك في صلح الحديبية فالله سبحانه وتعالى يقول إذا جاء نصر الله والفتح أي فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ولهذا بعد فتح مكة دخل الناس أو كل العرب دخلوا في الإسلام ولهذا قال (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) الناس علم يراد به الخصوص لأن الذين رآهم الرسول صلى الله عليه وسلم يدخلون هم العرب، فإذن لفظة الناس المراد بها هنا العرب، عامٌ مراد به الخصوص. وقوله (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) أي جماعات تلو جماعات ولهذا الذين أسلموا في عام فتح مكة كثير جداً.

د. الشهري: والسبب؟

د. مساعد: السبب أنه تبين الأمر لأن بعض العرب كان متوقفاً وكان يرى حظه بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش فكان متوقفاً في هذا إما تخوفاً من قريش من جهة وإما تبيناً للدعوة فلما زال الأمر واتضح لهم دخلوا في دين الله أفواجاً إلا قلّة من العرب ومعروف هذا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. فالله سبحانه وتعالى يقول له إذا جاءك هذا النصر والفتح وقد جاءه فسبِّح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً أي لأنه كان تواباً. التسبيح في قوله (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) عائشة رضي الله عنها تقول: كان صلى الله عليه وسلم يكثر في سجوده أن يقول: “سبحانك اللهم وبحمدك، رب اغفر لي” يتأوّل القرآن. ومعنى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم فهِمَ من هذا النص أنه مأمور بهذا الظاهر وهو كثرة التسبيح والاستغفار فإذن هذا الفهم الأول، هذا الظاهر. ما هو الباطن؟ أو إلى ما يؤول هذا الأمر؟ يؤول إلى الإخبار بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الإخبار بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم قد علمه بعض الصحابة ولم ينتبه له بعض الصحابة فمن فسر القرآن على ظاهره فقد أصاب ومن انتبه إلى الباطن الذي فيه فقد أصاب. وهنا قاعدة ينتبه إليها السامع أن الباطن لا يتعارض مع الظاهر، قاعدة وضابط الباطن الصحيح أنه لا يعارض الظاهر فأيّ باطن يعارض الظاهر فإننا نأخذ بالظاهر لأننا نعلم أن هذا الباطن فيه خلل ولهذا نقول تفاسير الباطنية معارضة للظاهر فلا تُقبل.

د. الشهري: وبعيدة كل البعد

د. مساعد: بعيدة نعم ولكن من باب الفائدة ينتبه لهذا الضابط المهم جداً. هذه القصة أو هذه السورة لها قصة بين عمر بن الخطاب وابن عباس. فعمر بن الخطاب كان يُدخل عبد الله بن عباس مع الأشياخ وكان صغيراً، عمر عبد الله بن عباس في وقت عمر كان في الخامسة عشر سنة أو السابعة عشر سنة فلما تولى عمر كان عمره بهذا السنّ فلما كان يُدخله في الأشياخ وهي جلسة خاصة لكبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم وتنبيه على مزية أصحاب بدر فكانوا يجدون في أنفسهم، ولو كان عمر يحابي لأدخل ابنه عبد الله وعبد الله من سن عبد الله بن عباس لكنه كان يخص ابن عباس لأمور منها كونه من آل بيت النبي صلهم ومنها ما أوتيه من العلم وهذا أهم. فكان في ابن عباس مقومات تجعله يدخل مع هؤلاء الأشياخ وهذا من حكمة عمر رضي الله تعالى عنه. فأراد أن يبين -كأنهم وجدوا في أنفسهم – أراد أن يبين سبب ادخال ابن عباس وأنه لم يُدخله هكذا فسألهم عن هذه السورة فأجابوا كلهم إلى الظاهر وقد أصابوا في ذلك وهو الذي دلّ عليه امتثال النبي صلى الله عليه وسلم فعمر أراد أن ينبههم أن هنالك أمر آخر غير هذا وابن عباس يقول في نفسه أنه لما دعاني عمر كنت أراه قد دعاهم ليريهم مكاني فلما سأل عمر ابن عباس قال: هذا أجل الرسول صلى الله عليه وسلم نعي إليه فقال ما أرى فيها إلا ما ارى أو ما أعرف إلا ما تعرف. وليس قول عمر أن التفسير الظاهر ليس صواباً وإنما أراد أن يبين أن هذا مراد أيضاً في الآيات، وهذا يسمى أو يعتمد عليه في التفسير الإشاري.

د. الشهري: إذن هذا ما يتعلق بسورة النصر أن موضوعها هو قضية تبشير النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر على أعدائه وأيضاً منها الإشارة إلى قرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم

د. مساعد: في اللقاء السابق تكلمنا عن الشكر بالعمل وسورة النصر من أدلة الشكر بالعمل وأن الله سبحانه وتعالى لما فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الفتوحات العظيمة أمره بالعمل ونحن نقول للمسلم ونحن في خاتمة هذا الشهر الفضيل إذا أردت أن تشكر الله على ما قدمت من العمل في هذا الشهر الفضيل فعليك بالعمل

د. الشهري: وأضيف يا دكتور مساعد فائدة ذكرها ابن عباس في بعض الروايات أنه قيل له كيف عرفت أنه أجل النبي صلى الله عليه وسلم قد نُعيَ إليه؟ فكان مما ذكر قال إنني تأملت في الأعمال في القرآن الكريم فإذا بالله سبحانه وتعالى يأمر في نهاية الأعمال الصالحة بالاستغفار ففي نهاية الحج يأمر بالاستغفار وفي نهاية الصوم يأمر بالاستغفار

د. مساعد: وفي الصلاة أيضاً

د. الشهري: وفي الصلاة وفي هذا السورة قال إذا حدث هذا الفتح ورأيت دخول الناس (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) فلعله استنبط من هذا الأمر بالاستغفار أنه نهاية الرسالة أو قرب النهاية وهذا من ذكاء ابن عباس.

سورة المسد

د. الشهري: ننتقل إلى سورة المسد وتبدو من السور القديمة في نزولها.

د. مساعد: هذه من أوائل السور بعد الجهر بالدعوة. سورة المسد هذا هو اسمها المشهور وسبب نزولها أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أُمر بالجهر بالدعوة صعد الصفا ونادى في بطون قريش حتى إذا اجتمعوا – أي اجتمع مندوبوهم من كل قبيلة منهم مندوب أو من حضر – فأخبرهم الرسول فقال: لو أخبرتكم أن خيلاً ستغير عليكم من هذا الوادي أوكنتم مصدقيّ؟ قالوا نعم، ما جرّبنا عليك كذباً فلما أخذ منهم هذا الميثاق وهذا التوثيق منهم قال: فإني رسول الله إليكم. فقال أبو لهب عمه قال تبّاً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟! فسبحان الله هذه الكلمة أودت به ولم يفلح بعد ذلك فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه السورة ردّاً على أبي لهب وعلى أيضاً زوجه التي هي أيضاً ناصبت النبي صلى الله عليه وسلم العداء وهي أم جميل لزوجها.

د. الشهري: سبحان الله! يقال أن اسم أبو لهب يقال له ذلك لجماله وكان الرجل جميلاً ومُشْرباً بالحمرة ويبدو زوجته كانت ليست بعيدة عن هذا، أم جميل، الأسماء حلوة لكن الباطن خرب

د. مساعد: هنا ملحظ وهو أن الله سبحانه وتعالى في كتابه يعتني بكثير من التفاصيل وهذا الاعتناء بالتفاصيل يدل على تمام العناية والرعاية لمحمد صلى الله عليه وسلم ولشؤون هؤلاء الخلق وأن الله سبحانه وتعالى لم يترك هؤلاء الخلق سُدى وهو سبحانه وتعالى العليم الحكيم الذي قدّر هذه الأقدار أنزل لنا هذه السورة لتحكي هذا الحدث الذي لو لم يُذكر لكان أحد الأحداث التي نقرأها في السيرة، عادية، لكن لما ذكرها الله سبحانه وتعالى دل على أنه له شأن. ولهذا نقول أن من الشأن الذي تدل عليه هذه الآيات أن هذا القرآن حق من عند الله وصدق بلا ريب والدليل على ذلك أنه قد ثبت أنا أبا لهب قد مات على الكفر هو وزوجه وهذه الآية نزلت ولنفترض أنها نزلت في السنة الخامسة من البعثة وبقي بعدها أبو لهب وأم جميل فترة من الزمن ولم يستطع أبو لهب ولا أم جميل أن يكذبوا هذا الخبر بدخولهم في الاسلام. كان يكفي أن يقول أبو لهب: أرأيتم ما يقول محمد وإني إذا تبعته لم يكن كذلك فإني قد تبعته. لم يحدث هذا فهذا من الإخبار بالغيب الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونفذ في عهده صلى الله عليه وسلم لأن أنواع الإخبار بالغيب متعددة وهذا نوع من أنواعه في القرآن. ما أخبر به القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واقع فهذا مثال له. أيضاً الله سبحانه وتعالى لم يذكر اسم أبي لهب وإنما ذكر كنيته والكنية في العادة محببة وللتكريم ولكن في هذا المقام لما ذكرها ذكر مقابلاً لها يدلّ على أن هذا الذي كُرِّم بهذه الكنية سيُعذّب بمثيلها (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) فهذا التوافق مقصود. هذا الذي كني بأبي لهب وكما ذكرت قبل قليل إنما كُنيَ بها لجمال فيه فإن هذا الجمال الذي لم سيصلى في نار جهنم كما ذكرنا في قوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ التين) إلى النار. فهذا الذي لم يرعى هذه الخلقة الجميلة التي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياها باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم سيقابل بأنه سيصلى ناراً ذات لهب فهذا من التوافق في الآيات. أيضاً قوله (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)

د. الشهري: قبل ذلك يا دكتور في موضوع سبب عدم ذكر اسم أبي لهب بشكل صريح بعض المفسرين يقول كان اسمه عبد العُزّى وهذا من الأسماء الشركية فلم يكن من المناسب أن يذكر اسمه الصريح لأنه يُنسَب إلى العزّى الصنم، هذا توجيه ولكن توجيهك أجمل.

د. مساعد: هذا ذُكِر لكن قد يُذكر بعض ما يكون مخالفاً ولا يردّ عليه مثل قوله (وقالوا اتخذ الله ولداً) أشدّ من عبد العُزّى ورُدّ عليه، هو مليح لكن قد يكون الذي كره بعض المفسرين أوضح في المقام. كثير من الناس لا يعرف المراد بـ(كسب) (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) يتوقع أن ما كسب يعني من التجارة وغيره وهذا قد استوفي في قوله (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ) هذا يشمل جميع ماله، (وَمَا كَسَبَ) المراد به الولد

د. الشهري: باعتبار أن الإنسان كان يفخر بهذا وبهذا، بماله وبولده

د. مساعد: نعم بهذا وبهذا وإن أطيب كسب الرجل ولده

د. الشهري: وأيضاً كما قال عن الوليد بن المغيرة في سورة المدثر (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾) امتنّ عليه بالنعمتين.

د. مساعد: هو لا شك أن كثرة الأولاد مع كثرة المال هذه من تمام عز الإنسان وكانوا يفاخرون بها في الجاهلية ولذلك كانوا يكرهون البنات لأن البنات بالنسبة لهم ليست من باب العز لا يفتخر بها وإنما يفتخر بالولد لأنهم يكونون معه ويخدمونه ويكونون حوله ينتصر بهم ويتقوى بهم والمال أيضاً فإذا كان ذا مال وما عنده أولاد لم تكتمل له النعمة وإن كان ذا ولد وبدون مال أيضاً نقص من هذا العز فالمقصود أن الله سبحانه وتعالى لم يغني عنه ما كان نعمتاه في الدنيا (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ). ثم قال سبحانه وتعالى (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾ وَامْرَأَتُهُ) أي وامرأته ستصلى ناراً ذات لهب. فإذن أخبر الله سبحانه وتعالى عن حاله في الآخرة، لما أخبر عن حاله في الدنيا وأنه سيموت كافراً أخبر عن حاله في الآخرة. ثم ذكر حال هذه المرأة في قوله (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) والمراد بحمالة الحطب أقوال محتملة منهم من قال أنها تمشي بالنميمة والعرب يقولون فلان يحطب بين الناس إذا كان يمشي بالنميمة فكأنها تشعل الفتنة بين الناس كما يشعل النار بالحطب. وقال آخرون أنها كانت تلقي الشوك في طريق النبي صلى الله عليه وسلم لأذيته فانظر حقارة مثل هذا العمل! كانت تلقي لتؤذيه صلى الله عليه وسلم وسمي الشوك بأصله أو بجزئه الأكبر وهو الحطب لأنه عادة الشوك يكون مرتبطاً بالحطب كأنه عبّر عنه مثل الطلح والسدر وغيره إذا كان فيه شوك. فكأن الله سبحانه وتعالى ذكر حال الذي كانت تعمله في الدنيا إما أن يكون النميمة وإما أنها كانت تلقي الشوك لتؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وفي كلا الحالين هي تعمل عملاً منكراً استحقت به – خصوصاً إذا كان من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأقرب لأنه يتناسب مع فعل زوجها – استحقت به أن يكون في جيدها حبل من مسد. والجيد المراد به العنق والجيد عادة – وأنت شاعر واقرب لهذا- عادة يذكر الجيد في مقام الجمال والعنق يذكر عاماً سواء في الجمال أو غيره فلما ذكر الجيد في مقام الجمال نُبه على أن هذا المكان الذي يعتبر من مقام الجمال فيه حبل من مسد والمسد قيل ليف لكنه من نار وبعضهم قال سلسلة من نار في كل الأحوال لاهانتها أن هذا الجيد الذي كان يتجمل به يُجعل مكانة قلادة من مسد.

د. الشهري: نتوقف يا دكتور نأخذ فاصلاً ونشاهد سؤال الحلقة. أيها الإخوة المشاهدون فاصل ونعود إليكم إن شاء الله.

—————

فاصل – سؤال الحلقة

قوله تعالى (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5) المسد) ما هو تفسير كلمة (جِيدِهَا)؟

1.      يدها

2.      عنقها

3.      قدمها

——————-

د. الشهري: حياكم الله أيها الإخوة المشاهدون مرة أخرى وما زال حديثنا مع الدكتور مساعد بن سليمان الطيار متصلاً حول سورة المسد وقد انتهينا قبل الفاصل من الحديث عن المقصود في قوله (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) وأنا أرى أنه سؤال المسابقة وأسأل الله للجميع التوفيق وبالمناسبة سيكون إن شاء الله اختيار الفائز في سؤال اليوم غداً إن شاء الله وسوف يعلن غداً على موقع مركز تفسير للدراسات القرآنية وسيصل الفائز رسالة ونتواصل معه إن شاء الله.

سورة الإخلاص

د. الشهري: نعود يا دكتور إلى سورة الإخلاص، انتهينا من سورة المسد ننتقل إلى سورة الإخلاص نتحدث عن اسم السورة وموضوعها

د. مساعد: هذه السورة القصيرة ذكر لها أسماء كثيرة عند العلماء لكن نختصر بالأشهر، في السنة ورد “قل هو الله أحد” باسم أول آية فيها وورد سورة الإخلاص وورد سورة الصمد وورد سورة التوحيد، هذه من الأسماء التي سميت بها هذه السورة. قيل في سبب نزولها وسبب النزول وقع فيه الخلاف هل هي مكية أو مدنية، فبعضهم قال إن أربد أخو لبيد بن ربيعة وعمرو بن الطفيل لما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة قالوا له اِنسب لنا ربك فنزل قوله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وآخرون قالوا إن المشركين قالوا اِنسب لنا ربك فنزلت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾)

د. الشهري: في مكة، قديماً

د. مساعد: في مكة. بناء على هذين الأثرين وإن كان كلاهما فيه ضعف وقع خلاف هل هي مكية أو هي مدنية. لا يُبنى على كونها مكية أو مدنية حكم معين

د. الشهري: وإن كان يظهر من موضوعها أنها قديمة النزول باعتبار أنها من الأسئلة التي كانت تكرر على النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال: نعبُد من؟ التعريف بالله سبحانه وتعالى موجود كثيراً في القرآن المكي

د. مساعد: نعم وكونها خاصة بالتوحيد وخاصة في وقت الشرك، التنبيه الذي ذكرناه في قضية المفاصلة في (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) تلك مفاصلة من الشرك وهذه بيان لحقيقة الرب سبحانه وتعالى فهذا هو سبب نزول السورة على ما قلنا أن فيه ضعف. وقد ورد فيها فضائل من أهم الفضائل التي وردت فيها أنها تعدل ثلث القرآن. قال صلى الله عليه وسلم: أيعجز أحدكم أن يختم القرآن في ليلة؟ قالوا كيف؟ قال يقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات. وقال (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن. لم يتوقفوا عند قوله تعدل ثلث القرآن كيف يكون لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أطلق فالأولى الإطلاق ونجعل الناس المسلم يحرص على قرآءة هذه السورة ولهذا على المسلم ألا يمر عليه يوم ولا يقرأ هذه السورة فإن كان فضل الختم فالرسول صلى الله عليه وسلم قال تعدل ثلث القرآن ومن ذهب أنها تعدل ثلث القرآن بالموضوعات نقول هذا جزء من ما تعدل به ثلث القرآن لأنهم قالوا القرآن ثلاثة أقسام: توحيد، وقصص وأحكام. توحيد هذا الجزء الذي تمثله السورة فهذا ثلث الموضوعات، نقول هذا يدخل لكن لا يلزم أن يكون هو المراد دون غيره.

د. الشهري: وأيضاً هو نصٌ من النبي صلى الله عليه وسلم فيُكتفى به

د. مساعد: نعطي في مثل هذه النصوص مساحة للمسلمين أن يعملوا بهذا القرآن

د. الشهري: ماذا عن قصة الرجل الذي كان يصلي بها؟

د. مساعد: هذه تدل على فضائلها أنه خرج رجل بسريّة لم يُذكر اسمه وكان يصلي بأصحابه فيقرأ سورة الصمد في كل ركعة مع سورة أخرى يقرنها بسورة أخرى

د. الشهري: يعني يقرأ الفاتحة ويقرأ بعدها سورة قل هو الله أحد مع سورة أخرى

د. مساعد: مع سورة أخرى فلما رجعوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم واستنكروا هذا العمل فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم فاستدعى الرجل فسأله فقال إني أحبّها لأنها صفة الرحمن فذكر أن الله أحبه لمحبته لهذه السورة. وهنا ملحظ أحب أن ينتبه إليه الناس وهو قضية ارتياح الناس لسورة معينة. بعض الناس يقول لا يجوز التفضيل ونحن لا ندخل في قضية المفاضلة بين السور. المفاضلة بين السور على نوعين: مفاضلة أو تفضيل يترتب عليه أجر وهذا لا يؤخذ إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم،

د. الشهري: من قرأ سورة كذا

د. مساعد: نعم، لا يجوز من كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم بوضع فضائل للسور من هذا الجنس فإنه قد كذب على محمد صلى الله عليه وسلم فهذا النوع من التفضيل لا يجوز

د. الشهري: أن يرتّب أجر محدد من قرأ سورة كذا فله كذا

د. مساعد: النوع الثاني التفضيل بمعنى ارتياح النفس لسورة ما وتكرارها فهذا الحديث أصلٌ دالٌ على جوازه لأن هذا الصحابي فعل هذا الفعل دون نصّ فورد النص موافقاً له مجيزاً فعله. فما دام أجيز لهذا الصحابي رضي الله تعالى عنه وواقه النبي صلى الله عليه وسلم وأقرّه على ذلك يدل على أن الإنسان إذا ارتاح لسورة ما فلا حرج في ذلك لكن لا يترتب عليه شيء. لكن يبقى جزء ثالث في المسألة وهي مسألة التأثير. قلنا قبل قليل ترتيب الأجر، مسألة التأثير مرتبطة بأسلوب الدواء يعني تأثيرها على من تُقرأ عليه.

د. الشهري: عند الرقية مثلاً

د. مساعد: عند الرقية فقد يقول قائل أنا جرّبت هذه الآية فنفع الله بها لي

د. الشهري: في عُقُم مثلاً أو في مسّ

د. مساعد: في عقم، في مسّ، في فتح بركة إلى آخره نقول هذه دخلت في باب الدواء وباب الدواء له قاعدة فيه موجبات وله موانع فإذا وجدت الموجبات وانتفت الموانع فإنه يقع بإذن الله التأثير. فالمقصود أن التأثير ليس له علاقة بالفضائل وإنما له علاقة بالتجربة وقد دلّ الحديث على صحة التجربة. فحديث الرجل لما مروا على قوم وأبوا أن يضيفوهم فانتحوا عن القوم قليلاً فجاء إليهم رجل قال إن صاحب القوم لديغ فهل من راقٍ فقام صحابي فقال أنا، ما نعلم أنه يشتغل بالرقية فذهب وقرأ عليه سورة الفاتحة ومعروفة القصة لما أخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم قال اضربوا لي معكم بسهم فهذا الصحابي عمل بالتجربة

د. الشهري: بدليل أنه قال له: وما يدريك أنها رقية؟

د. مساعد: الصحابي لما فعل هذا لم يكن عنده خبر فدلّ أيضاً أصل الحديث على جواز الرقية بالقرآن مطلقاً وتجربة الآيات في بعض هذه الأدواء. فقول الرسول صلى الله عليه وسلم المطلق دالٌ على ذلك. المقصود من ذلك إذن أن هذا النوع من التأثير ليس له علاقة بالفضائل لكن ما ورد النص فيه بتأثير هذا لا شك أنه مقدّم مثل الفاتحة والمعوذات كما سيأتي.

د. الشهري: في قوله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾) ما معنى الصمد؟

د. مساعد: الصمد هو السيد كما قال ابن عباس هو السيد الذي كمُل في سؤدده وهو الذي يُصمد إليه في الحوائج يعني يُتوجه إليه وولهذا عبارات السلف في الصمد كثرت قرابة عشرة أقوال

د. الشهري: ولهذا بعضهم يظن أن هذا اختلاف

د. مساعد: لا ليس اختلافاً. بعضهم قال السيد الغني لو تأملنا السيد والغني والذي يصمد إليه في الحوائج معناها متقارب لأن لما كان سيداً فإنه غني ولما كان غنياً فإنه يصمد إليه في الحوائج. لكن من أغرب ما ورد عنهم من العبارات التي قد لا يفهمها الكثيرون الذي لا جوف له أو الذي لا حشو له وبعض الناس يستنكر هذا ويقول كيف يقال هذا لله؟! وهذا تشبيه! هذا أيضاً يرجع إلى معنى الغنى، لماذا؟ لأن قاعدة الخلق هو التجويف والله سبحانه وتعالى لما أراد أن ينفي ألوهية عيسى وأمه قال (كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ (75) المائدة) يعني هم فقراء بحاجة إلى الطعام، فيهم جوف والذي فيه جوف يحتاج إلى إخراج والله منزّه عن ذلك. فكأن من قال بهذه العبارة أراد أن ينبه إلى هذا المعنى لا يطعم وهذا كم كمال غناه سبحانه وتعالى فهذا المعنى الذي أراده من قال بهذا القول. ووردت روايات عن بعض الصحابة والتابعين فهذا مرادهم ولا يُفهم بغير هذا الوجه، وإنما كان مرادهم أن يعبروا عن كمال الله سبحانه وتعالى فهذا معنى الصمد. قال من تمام معانيه (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) قال هو أحد الأحد والواحد من اسماء الله سبحانه وتعالى ولكن يغلب في استخدام الأحد في القرآن أنه يأتي في مقام النفي (وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) أحداً) لكن هنا جاء في مقام الإثبات (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أحدٌ في أسمائه أحدٌ في صفاته أحدٌ لا شريك له ولذلك السورة كلها دالة على التوحيد. الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له لا مثيل له ليس متخلقاً كانها مفاصلة بين الخالق والمخلوق.

د. الشهري: الحقيقة أنها جواب رائع للسؤال: من هو الله؟ هذا هو الجواب

د. مساعد: ولهذا قال: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وعادة القرآن في صفات الله سبحانه وتعالى التفصيل في الإثبات والإيجاز في النفي إلا في هذه السورة، قد يكون هناك مواطن أخرى لكن هذه السورة من المواطن التي ورد فيها التفصيل في النفي خلاف العادة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (11) الشورى) هذا إجمال (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11) الشورى) تفصيل

د. الشهري: هنا قال (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾)

د. مساعد: ثلاث أمور نفاها، وهذا النفي المراد به كمال الضد ولأن المقام الآن مقام بيان كامل فجاء في الإثبات في قوله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾) ثم جاء بهذا التفصيل. فقوله (لَمْ يَلِدْ) أي ليس له ولد فنفى ما يقال أن عيسى ابن الله أو عزير ابن الله أو الملائكة بنات الله كل هذا داخل في قوله (لَمْ يَلِدْ) نفاهم كلهم. (وَلَمْ يُولَدْ) أي ليس له أصل ولهذا قال (الأول) الذي ليس قبله شيء فقوله (وَلَمْ يُولَدْ) يساوي (الأول). ثم قال (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) هكذا تُنطق (كُفُواً) ويخطئ كثيرون فيُسكّنون الفاء والصواب (كُفُوا) بالضمّ. فيها قرآءات (كُفُوا) و(كُفُؤاً) لكن نتكلم عن قرآءة حفص (كُفُوا). في قوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) الكفؤ هو المثيل ليس لله سبحانه وتعالى مثيل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (11) الشورى). قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) يوافق قوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) فجاءت أحد أيضاً في مقام النفي، في الإثبات والنفي (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وهنا قال (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)

سورة الفلق

د. الشهري: إذن نختم الحديث وننتقل إلى السورة التي تليها وهي سورة الفلق في قوله سبحانه وتعالى (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾) اسم السورة؟ الفلق؟ متى نزلت؟

د. مساعد: سورة الفلق أيضاً كما ذكرنا في الاخلاص وقع خلاف في المعوذتين عموماً عادة نتكلم عن المعوذتين مع بعضهما لأن في الغالب موضوعهم واحد وهذا الاسم المشترك دالٌ على الموضوع المراد بهما وهو الاستعاذة من بعض المذكورين في هذه السورة. فالفلق هو الاسم المشتهر وأيضاً تسمى على الغالب “قل أعوذ برب الفلق” وقوله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ذُكِر في الأحوال المرتبطة بها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ الحسن والحسين بما كان يعوّذ به ابراهيم ابنه اسماعيل واسحق “أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامّة” فلما نزلت قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس صار يعوذ الحسن والحسين بهاتين السورتين فهذا يشير إلى أن السورتين مدنيتان لأنها نزلت والحسن والحسن في المدينة.

د. الشهري: أستأذنك في فاصل أخير ثم نعود لإكمال حوارنا. فاصل قصير ايها الإخوة المشاهدون ثم نواصل حديثنا إن شاء الله.

———–

فاصل – تعريف بمركز تفسير للدرسات القرآنية – اللقاء الشهري لمركز تفسير للدراسات القرآنية

—————-

د. الشهري: مرحباً بكم أيها الإخوة المشاهدون مرة أخرى ما زلنا مع شيخنا الدكتور مساعد الطيار في الحديث عن سورتي الفلق وسورة الناس في هذه الحلقة. قبل أن نواصل حديثنا نشاهد الفائز في حلقة الأمس. وبالمناسبة نحن لا نحابي أحداً فالاختيار الكتروني ويقولون ليس هناك عدل!. أسأل الله لكم جميعاً الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة ونحن هدفنا من هذه المسابقة هو إثراء معلوماتكم فيما يتعلق بالقرآن الكريم لا أقل ولا أكثر ونتمنى أن نعطي الجميع جوائز ولكن الذي يأتي الاختيار عليه الكترونياً فهو صاحب الفوز.

الفائز في مسابقة الأمس: ليلى عبد العزيز صالح العبّاد من الدمام.

د. الشهري: نعود يا دكتور إلى المعوذتين كنا نتحدث عن موضوع سورة الفلق

د. مساعد: الموضوع هو التعويذ، الاستعاذة من شرور بعض الخلق الذين سيرد ذكرهم. والمراد بالفلق على المشهور أن المراد به الصبح، وهو مناسب للاستعاذة لأنه يسبقه الليل فكأن الفلق يفلق ظلمة الليل فتفلق هذه الاستعاذة برب الفلق ما في هذا الخلق من الشرور. قال (مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) وهذه عامة يعني من شر كل ما خلق. ثم ذكر بعد هذا العموم خصوصاً فقال (وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) والغاسق كما يوقل الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر لعائشة استعيذي من شر هذا الغاسق وأشار إلى القمر وبعض المفسرين قال الليل ولا خلاف لأن الليل مرتبط بالقمر. فإذن المراد به ومن شر غاسق إذا وقب الغاسق الليل، إذا وقب يعني إذا دخل. ثم قال (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) النفاثات اللواتي ينفثن السحر وقيل أن المراد الساحرات خصصن بذلك لأن أكثر السحرة من النساء وقيل قولاً آخر لأنهن أقوى فإن الشيطان يعقد لهنّ أقوى مما يعقد للساحر، هي أقوال وقيل المراد النفاثات جمع نفثة فتكون المراد بها سواء من الساحر أو من الساحرة. وعموماً المراد (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) أي من السحر ومعنى ذلك أنه لا يحسن السحر إلا العقد فإذا عقد الساحر ونفث بدأ يقع السحر ولذا ذكر العقد والنفث الذي يقع فيه تأثير السحر. والسحر على قول أهل السنة والجماعة يقع التأثير به وقد يقتل. ثم قال (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) وأيضاً قال إذا حسد تنبيه على وقت وقوع الحسد وإلا الحاسد لا يخلو أحد من حسد ولو وجد هناك إنسان حاسد عُرِف بالحسد فإنه ليس في كل الأحوال يؤثر إنما ذكر حالة تأثيره (إِذَا حَسَدَ) فإذن ذكر حال تأثير السحر وحال تأثير الحاسد

د. الشهري: وهذا من رحمة الله بالناس وإلا لو كان مؤثراً في كل الأوقات لأودى الناس في داهية! إذن نختم الحديث عن سورة الفلق وننتقل إلى سورة الناس

سورة الناس

د. مساعد: سورة الناس أيضاً نفس الفكرة في الاستعاذة، هنا قال (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) وأيضاً جاء باسم الربوبية في الاثنين للتنبيه على أنه مع تقديره لهذه الأمور إلا أنه رحيم بهم يفك لهم من التجأ إليه فكّه من هذه الشرور لأنه لا أحد يخلو من هذه الشرور ولا أحد يخلو من ابتلاءات الله وأقدار الله لا مسلم ولا كافر. فقال (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾) فذكر ثلاثة صفات: الرب والإله والملك هناك خلاف في الإله هل هو اسم أو وصف. فهذه الآن هي التي يرجع إليها كثير من معاني الصفات الأخرى وأيضاً لترتيبها حكم لكن نختصر للوقت. قال (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) والمراد بالوسواس أي الذي يوسوس الذي يصدر الصوت الخفي الذي لا يكاد يُسمع وهو الوسوسة والمراد به هنا الشيطان وهذان الوصفان له وسواس وخنّاس فهو وسواس حاجة غفلة العبد يوسوس للعبد، خنّاس إذا ذكر العبد ربه فهو بين وسوسة وخنوس هذا العبد. ثم قال تعالى (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) يعني هذا الوسواس الخناس (مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ) إن أعدنا الجنة والناس إلى الوسواس الخناس فنقول الوسواس الخناس يكون من الجنة والناس وإذا أعدنا الجنة والناس إلى الناس فصار أن الوسواس يوسوس في صدور الجنّة والناس فيكون الجنة يجوز إطلاق وصف الناس عليهم ولهذا قال ابن مسعود في صحيح البخاري “كان ناس من الجنّ” وأحد شُرّاح البخاري اعترض على ابن مسعود كيف يقول ناس من الجنّ، فهم هو أن الناس غير الجنّ فابن حجر جاء بعبارة لطيفة قال: يا ليت شعري على من يعترض؟ يعترض على ابن مسعود الذي تُحكى عنه اللغة! ولهذا يطلق على الجنّ ناس ولكنها قليلة

د. الشهري: وكما قال في القرآن (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ (6) الجن) سمى الجنّ رجالاً

د. مساعد: هذا باختصار ما يتعلق بسورة الناس وأن موضوعها الاستعاذة من العين ومن السحر ومن جميع الشرور

د. الشهري: والمشروع أنها تُقرأ أدبار الصلوات وقبل النوم ومن أذكار الصباح والمساء

د. مساعد: وأيضاً تُقرأ على المعيون والمحسود.

د. الشهري: بهذا نكون قد انتهينا الحديث باختصار عن سور القرآن الكريم ولله الحمد وكما قلت كنت أول ضيف لي في البرنامج جزاك الله خيراً ثم تناقشت وإياك في قضية كيف نتناول بقية حلقات البرنامج فكنا اتفقنا أن نأخذ في كل سورة سورة فالحمد لله اليوم نحن ختمنا في تسعين حلقة تحدثنا فيها عن مئة وأربعة عشر سورة اسم السورة، موضوعها ومحاورها وأبرز هداياتها، هل لك من كلمة في نهاية الحلقة قبل أن نختم؟

د. مساعد: الحقيقة أنا أحمد الله وأشكره الذي أنعم بانتهاء هذه الحلقات واسمح لي أن بودي أن أفيض من الشكر عليك ولكن لعله يكفي ما يشاهده الجمهور من صبرك على هذا البرنامج ومتابعتك لك حتى خرج بهذا وأنا أقول شيئاً أعرفه عن أخي ما يلاقيه أحياناً من ترتيب هذه الحلقات ومتابعة بعض الأشخاص وأحياناً بعضهم يتخلّف بسبب ظروف فيضطر أن يقوم بالحلقة لوحده وأحياناً يتأخر الضيوف، معاناة! وأحياناً بعض الضيوف الذين يكونون من الخارج وايضاً معاناة في ترتيب الأمور معهم. لكن أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقك الإخلاص وأن يأجرك على هذا البرنامج النافع والشكر أيضاً للإخوة في دليل الذين أتاحوا هذه الفرصة العظيمة للناس أن يستمعوا لتفسير كلام الله سبحانه وتعالى على أشكال متعددة وقد مرّ هذا البرنامج بأنواع متعددة من البرنامج كان تفسيراً جزء كل يوم ثم كان تفسيراً موضوعياً خلال سنة ثم انتقل إلى علوم السورة وموضوعات السورة من خلال السنوات الماضية.

د. الشهري: في ختام رمضان واليوم آخر يوم من رمضان يقيناً فهل من كلمة؟

د. مساعد: الحقيقة أنا أحب أن ألفت أولاً الاحظ في التويتر وفي بعض المواقع الاجتماعية ما يمكن أن نسميه بالمناحة على رمضان وأنا أقول أن هذا لم يكن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من منهج الصحابة رضوان الله عليهم ولا من منهج الإسلام المقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما الصواب هو الفرح بإتمام النعمة مع شيء من الخوف على عدم قبول العمل كما قال سبحانه وتعالى (والذين   وجلة) فالوجل في القلوب وليس هذا بالكلام والألسن وإنما هذا بينك وبين الله أن تدعو الله أن يتقبل منك هذا الشهر. والأمر الثاني وهو مهم جداً إن الله سبحانه وتعالى قد منّ علينا بعبادات فعلى العبد أن ينظر إلى العبادة التي يرتاح إليها ويداوم عليها ويكون على باب قول الرسول صلى الله عليه وسلم “أحبّ الأعمال إلى الله أدومه وإن قلّ” قليل من العمل مع المداومة عليه أولى ولا نخرج من رمضان ثم نعود بعد رمضان إلى ما كنا علينا ونغفل إنما نرتبط بعبادة من العبادات التي قمنا بها في رمضان وتستمر معنا إلى رمضان القادم سنجد أننا ننشط إلى العبادة بإذن الله تعالى.

د. الشهري: فتح الله عليك يا دكتور مساعد وشكر الله لك ما تفضلت به وأسأل الله أن يتقبل منك. باسمكم جميعاً ايها الإخوة المشاهدون أشكر ضيفي فضيلة الشيخ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار على ما تفضل به وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما قدّمه وما قدّمه الزملاء في هذا البرنامج في حلقاته السابقة في موازين حسناتهم وأن يتقبل منهم وأن يجعلها عوناً لنا جميعاً على العمل بكتاب الله تعالى ومعيناً على أنفسنا. في ختام هذه الحلقة وفي ختام هذا البرنامج وفي ختام هذا الشهر أسأل الله أن يتقبل منا جميعاً أيها الإخوة وأن يرزقنا الإخلاص والسداد في القول والعمل ولا تنسونا من دعواتكم. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


islamiyyat