تم إضافته 24 فبراير 2012 بواسطة islamiyyat في دكتورة رقية العلواني
 
 

صلاة الخاشعين – 2 – د. رقية العلواني


صلاة الخاشعين – 2

د. رقية العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لا أدري إن كنا فعلاً قد أنجزنا ما اتفقنا عليه في الأسبوع الماضي. الجمعة الماضية اتفقنا أن نبدأ سلسلة من اللقاءات والخطوات العملية نراجع فيها الصلاة التي نصليها بين يدي الله سبحانه. المرة السابقة اتفقنا أن نتحاور مع أنفسنا حول صلاتنا ونسأل أنفسنا أسئلة صريحة ومباشرة ويكون لدى كل واحد منا سجل صغير يتعلق بصلاته “حاسبوا أنفسكم” أحاسب نفسي على صلاتي يا ترى أنا راضي عن صلاتي؟ أم هناك مجال للتغيير والتحسين في صلاتي؟ ودائماً هناك مجال. أنهينا كلامنا المرة السابقة عند تجديد النيّة، عند الاستعانة بالله، عند الدعاء والتضرع لله سبحانه أن يصلح لنا في صلاتنا وأن يجعل صلاتنا بالفعل قرة أعين لنا في الدنيا وفي الآخرة.

اليوم نريد أن ننتقل إلى خطوة ثانية: الخطوة الثانية الآن أن ابدأ أنظر بناء على الخطوة السابقة، نحن نبني خطوة خطوة كل خطوة جديدة أو لاحقة تُبنى على الخطوة السابقة، اليوم الخطوة الثانية. الخطوة الثانية أن أبني على ما قد توصلت إليه في الخطوة السابقة حول صلاتي، أنا رأيت شيئاً من القصور في صلاتي وغالباً هذا القصور لا يكون في أعمال الصلاة الظاهرية من حيث الوضوء أو الطهارة، غالباً ما يتعلق بالقلب الأعمال القلبية بمعنى آخر حضور القلب أثناء الصلاة. نحن نريد أن نعالج هذا الموضوع وبعد أن نعالج الموضوع نبدأ بالصلاة التي نريد أن نرقى لها، خطوة بخطوة فلا نستعجل الخطوات.

اليوم أنا أريد أن أتساءل وأُسجل في سجلّ صلاتي يا ترى قلبي هل يحضر معي في الصلاة أم لا؟ يا ترى عندما أقف وأبدأ بتكبيرة الإحرام وأقول “الله أكبر” هل بالفعل قلبي يستحضر عظمة ربي سبحانه وتعالى؟ هل بالفعل قلبي يكبر ربه سبحانه وتعالى فيجعل الله عز وجل أكبر عنده من كل أحد؟ من كل شيء؟ من كل شاغل؟ على الأقل وأنا أصلي وأنا أقول “الله أكبر”. أنا أريد أن أبحث اليوم وأحاسب نفسي مدى صدقي وصدق قلبي ولسان حالي مع ما أقول؟ مدى التطابق بينهما بين ما أقول وبين ما أشعر وبين ما أطبقه حقاً وأنا أصلي. قلت الله أكبر، هل فعلاً الله أكبر في حياتي؟ إذا كان الله أكبر وأنا أصلي إذن لن يأتي أمام ناظريّ أمر آخر وأنا في الصلاة على الأقل، لن أُشغل بما سأفعل، لن أُشغل بأحد وأنا أصلي لله سبحانه، لن أفكر بما قاله فلان وبما حصل لي في العمل وبما قالت فلانة وبمن سأُحدّث، أبداً! لأني أنا لا تركيز عندي وأنا أصلي إلا فيما أخاطب وأناجي به خالقي سبحانه. نحن لا نقول هنا أني دائماً الخمس صلوات أصليها بهذا الاتقان وبهذا الحضور القلبي ولكن على الأقل جزء من هذا الحضور. نحن لا نتكلم عن مثاليات، نحن نتكلم عن خطوات عملية وأهداف أنا أريد أن أحققها في صلاتي وهي قابلة لأن تتحقق وقد حدث بالفعل وسنأتي على نماذج عديدة ليس فقط من حياة النبي عليه الصلاة والسلام وهي نموذج لنا نسير على هداه ولكن من حياة الصحابة، من حياة الصالحين، من حياة أناس حتى يعيشون بيننا اليوم في عصرنا ومشاغلنا وكل ما نحن فيه ولكنهم يصلّون صلاة حقيقية صلاة الخاشعين الصلاة التي وصفها ربي فقال (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) البقرة). هل أنا عندما أقف في صلاتي أمام ربي سبحانه – هذه كلها أسئلة تطرحها على نفسك في السجلّ، سؤال /جواب – لأننا لا زلنا في مرحلة التشخيص أنا أريد أن أشخص نفسي، أريد أن اشخص الحالة التي وصلت إليها في صلاتي. إذا لم أشخّص بشكل صحيح وعرفت مكمن الداء لن أتمكن من العلاج ولن أتمكن من أخذ الدواء حتى لو وُصِف لي الدواء قد لا أستطيع أن أطبقه أو قد أطبِّق لفترة معينة من الزمن ثم أتوقف لأني لم أتمكن من وضع يدي فعلاً على مكان المرض والداء الحقيقي الذي يحول بيني وبين حضور قلبي أثناء الصلاة.

أنا الآن وقفت أصلي بين يدي ربي سبحانه، هل أنا فعلاً أُدرك أني أناجيه؟! ما مدى إدراك قلبي أني أمام الله سبحانه وتعالى؟ ما مدى إدراك قلبي؟ كم تعطي قلبك في ناحية الإدراك؟ واحد، إثنان، ثلاثة من خمسة؟ دائماً سيكون المقياس من خمسة درجات كم تعطي نفسك؟ ما مدى استشعارك بأني أنا أقف بين يدي الله سبحانه؟ قد يسأل سائل: ما مدى أهمية هذا السؤال؟ إذا أنا – كما ذكرنا قبل قليل – لم أبدأ أحاول في مرحلة النبش في نفسي والنظر والمحاسبة في نفسي والبحث العميق في الداخل لن أجد الإجابة الكافية على هذه الأسئلة الوافية الشافية التي تخرج بي عن الإطار المعتاد في النظر إلى الصلاة. أحتاج أولاً أن أُشخّص المشكلة هل أنا فعلاً أستشعر وأنا أقف في الصلاة أني أمام الله سبحانه؟ فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وحتى نقارن مقارنة معقولة تقرّب الفكرة للأذهان أنا لما أقف أمام مسؤول، أمام أحد من الناس في الدنيا له أهمية، له مركز، له مكانة مهما كانت ألا أستشعر أني أقف أمام هذا الشخص على اعتبار أنيه ينظر إليّ وأنظر إليه وأتحادث معه ويردّ عليّ؟؟؟ ولله المثل الأعلى، أنا أقف بين يدي الله سبحانه، ملك الملك، السموات والأرض مطويات بيمينه، في قبضته، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ما من غائبة في السموات والأرض إلا يعلمها، ما من شجرة وما من حبة وما من قطرة ماء إلا وقد أحاط بها علماً. ما من خطر في قلبي ولا شيء في نفسي ولا شعور ولا إحساس ولا حضور قلب أو انصراف لهذا القلب إلا يعلمه سبحانه (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) غافر). يا ترى ما مدى استشعاري لهذه المعاني وأنا أقف بين يدي الله سبحانه؟ ما مدى إحساسي بأني أخاطب الله سبحانه وأناديه وأناجيه وأقول له الحمد لله ويردّ عليّ ويقول: حمدني عبدي، ما مدى هذا؟؟ ما مدى شعوري به؟ أنا أعلمه ولكن العلم شيء والممارسة لذاك العلم شيء آخر. ما مدى ممارستي لهذا؟ ما مدى استشعاري؟ ما مدى معايشتي لهذه الحقائق؟ أم أني أستشعرها حيناً وتغيب عني أحياناً أخرى على اعتبار أني أقف في الصلاة أريد أن أنهي الفرض، ورائي عمل، ورائي شغل، ورائي موعد، ورائي اتصال!!! ذاك الذي ورائي منعني عن أن أنظر من هو أمامي سبحانه! (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) الأنعام).

اِنصرف قلبي في كثير من الأحيان عنه سبحانه وأنا بين يديه واقف! وحتى أستشعر عظمة هذا الأمر، أن ينصرف قلبي عنه وأنا واقفة أمامه، تخيل لو أنك أمام أحد من هؤلاء ممن لهم مكانة وهو يحادثك وأنت تحادثه وانصرف وجهك عنه، كيف يكون الموقف؟! ولله المثل الأعلى. هل مع البشر لا أنت تقبل بها ولا هو يقبل بها ولله المثل الأعلى. ما بالنا نفعلها مع الله سبحانه؟! ويغيب عنا أن نظر الله سبحانه إلينا حاضر وأنه يرانا ويسمعنا ويُقبل علينا طالما نحن قد أقبلنا عليه. وأننا إذ نصرف قلوبنا وانشغالنا وخواطرنا عنه سبحانه ينصرف عنا وتبقى رحمته الواسعة ولطفه بنا محيط بنا من كل جانب، يغفر لنا الزلّات ويقيل لنا العثرات ويعفو عن الهفوات ويتجاوز عن السيئات ويمحو الخطيئات ويبارك في الحسنات ويقبل منا القليل ويتجاوز عن الكثير، ما بالنا نفعل ذلك مع الله؟! والسؤال الذي ينبغي أن أضعه في سجلي سجلّ الصلاة الصغير: ما مدى ممارستي لهذا الأمر؟ ما مدى إحساسي بالندم والألم والتوبة عن هذا الفعل؟

الواجب الذي نقوم به اليوم أن أجلس مع نفسي وأضع رأسي بين يدي وسِجِلّ صلاتي أمامي وأحاول أن أستجمع قواي وذاكرتي لأتذكر كم مرة في حياتي، في صلاتي، في يومي، في عامي، في زماني، في عمري الذي مضى وقفت بين يديه ولكن قلبي منصرف عنه؟؟! كم مرة توجهت إليه ووقفت جوارحي وتحركت بين يديه وقلبي لاهٍ وساهٍ وغافل هنا وهناك؟؟! كم مرة؟! كم مرة أقبل عليّ وقلت يا رب وإذا بي أنسى وأنشغل عما أريد أن أقوله له لأني قد صُرِف فكري لشيء آخر أو لأحد من البشر، كم مرة؟! كم مرة لا زلت أكررها في حياتي؟! ومتى سأتوقف عن ذلك؟!

هذه الأسئلة محاسبة النفس نريد من خلالها أن نستعظم ما نقوم به، نستعظم الكسر الموجود في صلاتنا، نستعظم الخدوش التي نُحدِثها في مرآة قلوبنا ونحن نصلي هذا النوع من الصلاة. فإذا شعرنا بهذا وإذا استجلبنا القلوب والعقول والخواطر لأجل أن تستشعر هذا الشعور علينا أن نبكي، نبكي بكاء الثُكالى، نبكي بكاء الثَكلى التي فقدت ولدها العزيز عليها، نبكي بحرقة، لأن ما فقدناه ما كان ينبغي أن نفقده، أنا حين أفقد أحد عزيز أو يؤخذ مني شيء بإرادة الله وكل شيء بقضائه سبحانه لا حيلة لي في ذلك، لا اختيار لي في ذلك، قضاء وقدر، أمر الله سبحانه وتعالى على العين والرأس. ولكن لما بيدي أنا أفقد قلبي، صلاتي وتواصلي مع الله سبحانه هذا أمر أنا مسؤول عنه ولذلك سأُساءل عنه، هذا أمر أنا فقدته بيدي وعليّ أنا أن أصحح هذا الخطأ وأن أستحضر وأنا أبكي ذاك البكاء المرير عوامل التوبة والندم على ما فرّطت في جنب الله، على ما فرطت في صلاتي. يا رب اغفر لي قصوري في صلاتي، يا رب اغفر لي ما فرّطت في جنبك، يا رب اغفر لي عدد المرات التي وقفت فيها أصلي لك ولكني لم أصلي، يا رب اغفر لي عدد ما ركعت وسجدت وأنا غافلة عن ذكرك وأنا غافلة عن تعظيمك، وأنا غافلة عن إحضار قلبي بين يديك، يا رب اغفر لي بعدد الركعات التي ركعت بين يديك، يا رب اغفر لي بعدد الهفوات التي شُغل فيها خاطري وأنا أقف بين يديك، يا رب اغفر لي، يا رب اغفر لي، يا رب اغفر لي اغفر لي ما مضى وأعني على ما بقي من عمري وأعني على الوقوف بين يديك كما تحب وترضى واجعل صلاتي معراجاً يعرج بروحي إلى رضاك ومغفرتك يا أرحم الراحمين. السلام عليكم ورحمة الله.

http://www.youtube.com/watch?v=Y0AEfK4sV6E&feature=plcp


islamiyyat