تم إضافته 16 أكتوبر 2009 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

الأخلاق في سورة الحجرات

dumy
dumy
من حلقات برنامج التفسير المباشر التي تعرضه قناة دليل الفضائية مساء الجمعة بعد صلاة المغرب بتوقيت مكة المكرمة
الأخلاق في سورة الحجرات

•المقدم : الدكتور/ عبد الرحمن الشهري
•الضيف : الشيخ الدكتور/ عبد الحي يوسف

المقدم : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين.

مرحباً بكم أيها الإخوة المشاهدون والمشاهدات في كل مكان في برنامجكم الأسبوعي التفسير المباشر، الذي يأتيكم على الهواء مباشرة من استوديوهات قناة دليل الفضائية بمدينة الرياض. في هذا اليوم المبارك سوف يكون حدثينا بإذن الله – تعالى – عن موضوع من موضوعات سور القرآن الكريم ، هذا الكتاب العظيم الذي تزداد قناعة المسلم يوماً بعد يوم أنه شفاء من كل داء ، وأن فيه الهدى وفيه الهداية والدليل إلى كل خير ، موضوعنا أيها الإخوة المشاهدون في هذه الحلقة هو عن الأخلاق في سورة الحجرات، وهو موضوع من خلال سورة من سور القرآن الكريم كما سبق أن تحدثنا في حلقات ماضية عن بعض الموضوعات القرآنية، ويسرني في بداية هذا اللقاء أيها الإخوة المشاهدون أن أرحب باسمكم جميعاً بضيفنا في هذه الحلقة فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الحي يوسف «نائب رئيس هيئة علماء السودان والأستاذ المشارك بجامعة الخرطوم» وحياكم الله يا دكتور ..

الدكتور : أكرمكم الله، أهلاً وسهلاً ومرحباً.
المقدم : شكر الله لك تلبيتك لهذه الدعوة.
الدكتور : أكرمكم الله.

المقدم : لمشاهدينا الراغبين في التواصل معنا ومع الدكتور عبد الحي في هذا اللقاء من داخل السعودية يمكنهم التواصل معنا على الأرقام التي تظهر تباعاً على الشاشة، ويمكن التواصل أيضاً عبر الرسائل النصية القصيرة. كما يمكن التواصل عبر البريد الإلكتروني للبرنامج.
المقدم : الأخلاق في سورة الحجرات ، هذه السورة العظيمة المدنية يا دكتور عبد الحي مليئة بالآداب والأخلاق ، وأرجو أن نوفق في هذه الحلقة لإلقاء الضوء على أبرز هذه الأخلاق ؛ لأني أخشى أن يدركنا الوقت كما هي عادة البرامج كما تعلم، فليتك تحدثنا – كمدخل للحديث لهذه الحلقة- عن هذه السورة وموضوعها ونزولها ثم ندخل بعد ذلك في الأخلاق واحدة واحدة .

الدكتور : جزاك الله خيراً، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والسراج المنير وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فكما تفضلتم هذه السورة من السور المدنية ومعلوم بأن السور المدنية معنية ببيان الأحكام وتقوية الأخلاق ، مع تأكيد ما مضى من السور المكية من الحديث عن العقائد واليوم الآخر والجنة والنار وما إلى ذلك، أول ما يسترعي الانتباه في هذه السورة المباركة على قصر آياتها : أن النداء بوصف الإيمان قد تكرر فيها خمس مرات ، وكما قال ابن مسعود  – رضي الله عنه – : إذا سمعت الله        – عز وجل – في القرآن يقول:” يا أيها الذين آمنوا ” فأرعها سمعك، فإنه خير يؤمر به أو شر ينهى عنه . ومعلوم بأن هذا النداء له ما بعده، فما بعد هذا النداء الالتزام به داخل في حيز الإيمان ، كما أن الإخلال به دليل على نقص الإيمان؛ ولذلك هذه السورة المباركة ورد فيها النداء بوصف الإيمان 5 مرات ، وكل نداء منها يمكن أن نقول أنه يخص خلقاً من الأخلاق فـ (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) الأخلاق الواجبة على المسلم أن يلتزمها في التعامل مع ربه، وخالقه – جل جلاله – ، بعدها (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الخلق مع الرسول  – صلى الله عليه وسلم – ثم (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الخلق الذي ينبغي التزامه مع من هو موسم بالفسق حال مجيئه بخبر، ثم الأخلاق التي يجب التعامل بها مع المؤمن الحاضر (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم) ثم النداء الأخير الخلق الواجب مع المسلم الغائب (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً) وتسميتها بسورة الحجرات، نقول : الحجرات جمع حجرة، وهي مأخوذة من الاحتجار، البقعة التي تُحتجر وتُخصص ، ومقصود بذلك حجرات النبي  – صلى الله عليه وسلم – كان لكل زوجة حجرة، وننبه إخواننا وأخواتنا إلى أن هذه الحجرات يعني كان بناؤها من الطين ، وكانت متواضعة دالة على زهده  – صلى الله عليه وسلم – كما قال الحسن البصري: دخلتها وأنا غلام فتي ، فكنت إذا رفعت يدي نلت سقفها ، وإذا مددت رجلي نلت جدارها ، ولو اتكأت عليها لسقطت. يعني كان بناءًا متواضعاً لكل زوجة من زوجاته  – صلى الله عليه وسلم – ومعلوم كان فيها من أثاث يسير ومتاع قليل وهذا هو الجدير به – صلوات ربي وسلامه عليه – بعدما رأى ما أعد الله له في جنة المأوى.
المقدم : الله أكبر، فتح الله عليك في هذه المقدمة الرائعة جداً. في الحقيقة يعني كما تفضلت كل بناء فيها مشتمل لو شئنا أن نفرد حلقة له لما كان كبيراً. في قوله – تعالى – : (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) وكما تفضلت أنه الأدب مع الله تعالى ومع النبي  – صلى الله عليه وسلم – ما معنى التقديم بين يدي الله ورسوله ؟ وما تفصيل هذا الأدب ؟ حتى الأخ المشاهد أو المشاهدة يفهم المقصود بالتقديم بين يدي الله أو التقدم بين يدي الله ورسوله.
الدكتور : نعم، هذا اللفظ (لا تقدموا) فيها قراءتان متواترتان (لا تُقَدِّموا) هي قراءة الجمهور وقرأ يعقوب الحضرمي وهو أحد الثلاث المكملين للعشرة (لا تَـقَـدَّموا) قال أهل العلم إما أن يكون من قَدَّم اللازم، بمعنى ما هو معروف عند الناس من المقدمة أو التقدُّم ومنه يقال: مقدمة الجيش وساقته أو مؤخرته، أو أن تكون من قدَّم المتعدي ، ويكون هنا المفعول محذوفاً وتقدير الكلام لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قولاً ولا فعلاً.

المقدم : جميل .

الدكتور : ولذلك المعنى: نهي عباد الله المؤمنين أن يقولوا، قبل أن يقول الله ورسوله  – صلى الله عليه وسلم – وأن يفعلوا قبل أن يأمر الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – . وقد قيل بأن هذه الآية نزلت لأن بعض المؤمنين كان يقترح فيقول : لو نزل في كذا، لو قيل كذا في كذا، يعني بفطرتهم، بفطرة الإنسانية التي تقترح، فالله  – عز وجل – أدبهم بأن يكونوا وقافين عند حدودهم ، وأن لا يتعدوا وهذا النهي الإلهي تؤكده آيات أخرى كقول الله  – عز وجل – : (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) وكقول الله  – عز وجل – : (ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً) وفي قراءة ابن عامر : (ولا تُشرك في حكمه أحداً) وهذا المعنى قد التزم به المؤمنون غاية الالتزام، حتى كان الصحابة يُسألون من رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – أسئلة بديهية، أي شهر هذا؟ أي يوم هذا؟ أي بلد هذا؟ فما كانوا يزيدون على أن يقولوا: الله ورسوله أعلم، ولما بعث  – صلى الله عليه وسلم – معاذاً إلى اليمن قال: بمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسوله  – صلى الله عليه وسلم – قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو؟ فضرب رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – في صدره وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – لما يرضي الله ورسوله . وهذا المعنى دكتور عبد الرحمن جدير بنا أن نركز عليه في خطابنا للمؤمنين والمؤمنات، بأن بينك وبين الله عقداً وعهداً، أنه سيدك ومولاك وخالقك وربك وأنك ينبغي أن تكون عابداً له، مطيعاً، منقاداً، ليس لك مع قول الله – عز وجل – قول ولا مع حكمه – جل جلاله – حكم، وكذلك مع رسوله  – صلى الله عليه وسلم – الواحد منا ينبغي أن يكون معه بمنزلة الأعمى مع البصير، ويوقفنا حيث أمر الله  – عز وجل – وهذا المعنى نجده في قول ربنا – – سبحانه – : (إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) وفي قول الله  – عز وجل – : (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) إلى غير ذلك من النصوص المعروفة.
المقدم : قد يسأل سائل يا دكتور عبد الحي في هذا المعنى وهو النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله أو الاقتراح كما تفضلت، لو قال : لو نزل الله كذا، أو لو أنزل الله كذا، خاصة في وقت الوحي عن قوله – تعالى- في هذا الشأن :(يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين يُنزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها) فهل هذا النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله والاقتراح مختص بوقت نزول الوحي؟ بمعنى أنه بعد انقضاء الوحي فليس هناك إمكان لتحقيق مثل هذا المقترح؟ أما أنه ينسحب على يعني خلق المسلم دائماً أنه لا ينبغي عليه أن يعني يتقدم باقتراح ليس في الشرع، يقول لو أن الله أنزل كذا؟ أو لو أن الرسول أمر بكذا؟
الدكتور : نعم، يعني لو تأملتم في واقع الناس اليوم تجدون أن هذا الأدب ألزم ما يكون الأخ به في عصرنا هذا، الذي كثر فيه ـ نسأل الله العافية ـ التقدم بين يدي الله ورسوله، فكثير من الناس ـ نسأل الله العافية ـ لربما ترد عليه الآية ويروى له الحديث، ثم بعد ذلك يطلب أن يقتنع، يقول: أنا أريد أن تقنعني.

المقدم : بالرغم من صحة الحديث؟

الدكتور : نعم، بل بالرغم من الآية أحياناً، ودلالتها ظاهرة، وتنقل له ما قاله أئمة التفسير وأهل الشأن، لكنه يقول: لا، أنا أريد شيئاً يدخل عقلي، أنا أريد شيئاً كذا ، أمثال هؤلاء، تُتلى عليهم هذه الآيات : (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) مطلوب منك أيها المسلم، إذا قال الله ما عليك إلا أن تسمع وتطيع، إذا قال رسوله  – صلى الله عليه وسلم – ما عليك إلا أن تسمع وتطيع، وليس هذا معناه إلغاء العقل، لكن العقل يُستعمل في فهم النص ، لا أن يُنصب العقل نداً في مقابل النص ؛ من أجل أن يُقال أن هذا النص يتعارض مع العقل أو كذا وكما قال علي  – رضي الله عنه – : أيها الناس اتهموا عقولكم على دينكم. وكما قال سهل بن حنيف  – رضي الله عنه – : ولو رأيتني يوم أبي جندل، لو استطعت أن أرد أمر رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – لفعلت.

المقدم : عندما جاء مهاجراً؟

الدكتور : نعم عندما جاء يرسف في أغلاله – رضي الله عنه – ، فقام أبوه فضربه على وجهه بكلتا يديه وقال: هذا أول من أقاضيك عليه يا محمد. والنبي  – صلى الله عليه وسلم – أمره بأن يرجع، بدأ يصرخ بالمسلمين أَأُرد إلى المشركين ليفتنوني في ديني؟ وأحاط الناس غم ما يعلمه إلا الله ، لكن الله  – عز وجل – عصمهم بدينهم ووقاهم فما ردوا على رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – أمراً.
الدكتور : وفي مثل هذه المواقف يتبين الإيمان الحقيقي فعلاً، ولعله من أسباب النداء بوصف الإيمان (يا أيها الذين آمنوا) فإن مثل هذه المواطن هي التي تبرز صحة الإيمان من عدمه.
المقدم : أيضاً مما يظهر لي يا دكتور عبد الحي في قوله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) موضوع قد يرد على ذهن المشاهد وهو في قوله – تعالى – : (وشاورهم في الأمر) هل من يشير على النبي  – صلى الله عليه وسلم – عندما يطلبه يدخل في أنه من المتقدمين بين يدي الله ورسوله؟ أم أنه يختلف عن هذا.
الدكتور : يختلف تماماً ، وقد كانت الشورى منهجاً لنبينا  – صلى الله عليه وسلم – كما قال أبو هريرة  – رضي الله عنه – : (ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ) وبلغ من تواضعه – عليه الصلاة والسلام – وحسن تربيته لأصحابه أن يقول لأبي بكر وعمر- رضي الله عنهما – : لو اجتمعتما على أمر خالفتكما، لو اتفق أبو بكر وعمر على أمر، النبي  – صلى الله عليه وسلم – يخالفهما، وهذا تأكيد لهذا المبدأ ؛ ولذلك قال المفسرون: الله  – عز وجل – أمره بالمشاورة مع غناه عنها ؛ لأنه مؤيد بالوحي ؛ لأن الوحي يأتيه بكرة وعشية ، ومع ذلك الله  – عز وجل – يأمره بالمشورة.
المقدم : هذا إذاً هو الأدب الأول من الآداب في هذه السورة؟ وهو النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله. ثم تأتي الآية التي بعدها (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) يعني ما سبب هذا النهي؟ هل له سبب نزول؟ ثم هل هذا الأدب مستمر حتى اليوم؟ وكيف يكون يعني؟
الدكتور : نعم، أما سبب النزول فقد روى الإمام البخاري في الصحيح من حديث أنس  – رضي الله عنه – أن أبا بكر – رضي الله عنه -أشار على النبي  – صلى الله عليه وسلم – بغير طلب منه، لما قدم وفد بني تميم قال له: يا رسول الله، أمر الأقرع بن حابس، وقال له عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت هذه الآية. – رضي الله عنهما – ، هذه الآية أثرت في أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، فما كان عمر- كما قال عبد الله بن الزبير- ما كان عمر يُسمِع رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – حتى يستفهمه ، وكذلك أبو بكر قال: والله لا أكلمك بعدها إلا كأخ السرار، يعني كمن يناجي في السر، ما يرفع صوته على النبي  – صلى الله عليه وسلم – قط ، بل أكثر من ذلك جلس ثابت بن قيس بن شماس في بيته يبكي، وفي بعض الروايات أنه أمر زوجته بأن تجعل على الباب مسماراً وتعكفه يعني تحميه.

المقدم : لماذا ؟

الدكتور : افتقده النبي  – صلى الله عليه وسلم – فأرسل إليه وجاء به، فقال له: يا رسول الله أنا رجل جهوري الصوت صوتي عالٍ أو جهير الصوت، وكنت أرفع عليك صوتي وأخشى أن يكون قد حبط عملي فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – : بل أنت من أهل الجنة. وفي بعض الروايات قال له: بل تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة. فعاش  – رضي الله عنه – إلى أن كان يوم اليمامة في قتال مسيلمة ، فانكشف الناس فقال : ما هكذا كنا نصنع مع رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء ، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء ثم تحنط  – رضي الله عنه – وثبت في مكانه حتى قُتل.
الدكتور : فهذه الآية المباركة فيها تأديب للمسلمين في التعامل مع النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أنه ليس كسائر الناس. ولذلك في معناها قول الله  – عز وجل – (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) وكذلك قول الله  – عز وجل – (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) توقير النبي  – صلى الله عليه وسلم – غاية شرعية ومطلب إيماني ولذلك نقول حكمها بعد وفاته  – صلى الله عليه وسلم – كحكمها في حياته، فمن ذلك أنه يُكره رفع الصوت عند قبره  – صلى الله عليه وسلم – لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، الإنسان إذا أكرمه الله بزيارة قبره الشريف – عليه الصلاة والسلام – يقف أمامه متأدباً متخشعاً، يسلم عليه بصوت خفيض، ما يكون بصوت جهير، كما يصنع بعض الناس. وكذلك إذا ذكرت سنته  – صلى الله عليه وسلم – ما ينبغي لقائل أن يقول: لكنني أرى كذا وكذا. أو لكن رأيي كذا وكذا، كان بعض أهل العلم ينكر ومنهم عبد الرحمن بن مهدي – رحمة الله عليه – وكان يتلو هذه الآية (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)  – صلى الله عليه وسلم – يعني لو أنه الآن ذكرت سنته في مسألة ما فكأنه  – صلى الله عليه وسلم – بيننا نتذكر قول ربنا جل جلاله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) نسمع لنداء بوصف الإيمان. نعم (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) وهذه الآية لو أن الإنسان استصحبها فإنه ينال كل خير في الدنيا والآخرة. إذا تأدب مع الله  – عز وجل – وتأدب مع رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – ووقف عند حده ولزم غرزه – عليه الصلاة والسلام – ، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه أبو بكر لما جاء عمر يعترض يوم الحديبية قال: الزم غرزه فإنه رسول الله، يعني من غير تعليل. يكفي هذا التعليل أنه رسول الله – عليه الصلاة والسلام – ؛ ولذلك جاءت الآية التي بعدها يعني كما قال الإمام مالك – رحمه الله – لما ناظر أبا جعفر ، فأبو جعفر رفع صوته، فقال له : يا أمير المؤمنين  لا ترفع صوتك؛ فإن الله  – عز وجل – ذم أقواماً فقال : (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) ومدح أقواماً فقال : (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) لأن المناظرة كانت في المسجد، المسجد النبوي.
الدكتور : وكذلك عمر  – رضي الله عنه – لما سمع رجلين عند القبر الشريف قد رفعا أصواتهما قال: عليّ بهما، من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: أما لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا، وتلا هذه الآية.
المقدم : فتح الله عليك يا دكتور عبد الحي، ائذن لي أن آخذ اتصالا من الأخ عبد القادر من الجزائر تفضل يا أخ عبد القادر. يبدو أنا فقدنا الاتصال مع الأخ عبد القادر، وأنت تتحدث يا دكتور عبد الحي عن يعني استجابة أبي بكر الصديق وعمر – رضي الله عنهما – عندما قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) نحن الآن وكل كتب التفسير كلها تقول: يعني أنه التأدب مع النبي  – صلى الله عليه وسلم – وليس معناه الحديث بصوت لا يكاد يُسمع، كما فهم عمر، كما فهم أبو بكر، أليس هنا مسألة علمية يا دكتور عبد الحي، نغفل عنها كثيراً ونحن نتحدث في التفسير حتى في التفسير اللغوي للقرآن الكريم؟
الدكتور : أبو بكر وعمر وهما أعلم الناس بالقرآن وبلغة النبي  – صلى الله عليه وسلم – وكان استجابتهما تنفيذهما لهذا الأمر الإلهي هو هذا الصنيع، يعني كان لا يكلمه إلا كأخ السرار، وثابت بن قيس بن شماس وهو خطيب النبي  – صلى الله عليه وسلم – يعني ليس يشكو من عي ولا من سوء فهم في اللغة، فهو يملك زمام اللغة، أيضاً فهمها فهماً على ظاهرها وأغلق عليه بابه
المقدم :  ما أدري لماذا نحن الآن نتفلسف فنأتي، يعني نفهما فهماً غير فهم هؤلاء ونطبقها تطبيقاً غير تطبيق هؤلاء. ما أدري ما تعليقك على هذا؟
الدكتور : يعني هم – رضوان الله عليهم – ، كانت لُحمتهم وسداهم الورع بل المبالغة في الورع ، وهذا تجده هو الرائج كثيراً، أبو بكر  – رضي الله عنه -يُؤتى بطعام ، فحين يعلم بأن هذا الطعام مصدره حرام، وما أكل منه إلا لقمة. لما قال الغلام: كنت تكهنت في الجاهلية، فجعلوا لي جعلاً وما أعطوني إلا اليوم، فأبو بكر  – رضي الله عنه – قال: لا إله إلا الله كدت تهلكني مع أنه أكله وهو لا يعلم، معذور، لكنه بدأ يشرب الماء ويتقيأ، يشرب ويتقيأ ، ولما قيل له إنها لقمة؟ قال: والهر لو لم تخرج إلا من نفسي لأخرجتها. فهذه مبالغة في الورع .
فهم   – رضوان الله عليهم – ، وحسن فهمهم لكلام الله – عز وجل – ، ولمراد الله  – عز وجل –  مثلما أنه لما كانوا يقولون: الله ورسوله أعلم، الله ورسوله أعلم، ما كانوا يجهلون، بأنه البلد الحرام و الشهر الحرام.
المقدم : فتح الله عليك يا دكتور عبد الحي وجزاك الله خيراً أستأذنك في أخذ اتصال من أخينا محمد من موريتانيا: تفضل يا شيخ محمد.

محمد : السلام عليكم ..
المقدم : عليك السلام ، تفضل:
محمد : عندي سؤال يا شيخ ، تفضل , لم يتضح سؤالك يا أخ محمد. لو ترفع صوتك لو تكرمت.

المقدم : أولاً يبدو لي أن سؤال الأخ محمد في حكم فقهي يبدو لي، أولى به برنامج فتوى، بعد قليل، بعد صلاة العشاء، يحال إليه، ونعود نحن إلى ما كنا بصدد الحديث عنه في قوله – سبحانه وتعالى – يا دكتور عبد الحي (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم) وهذه الآية، أنا أراها مكتوبة عند قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى تُذكِّر الذين يزورون قبره، بهذا الخلق، في قوله (يغضون) ما معنى يغضون؟
الدكتور : الغض هو الخفض من باب : ردّ،  يردّ، غض: يغض، يقال: غض من بصره ويقال : غض من صوته، يعني إذا خفض، وهذه الآية المباركة بين فيها ربنا – جل جلاله – أن من خصال المتقين أنهم يتأدبون حال خطاب النبي الأمين – عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم – ، فيغضون أصواتهم. وها هنا لابد أن ننبه إلى أن بعض الأعراب كانوا يرفعون أصواتهم لا إساءة للأدب مع الرسول  – صلى الله عليه وسلم – وإنما خُلقُ جُبلوا عليه، الواحد منهم جهير الصوت كابن ثعلبة – رضي الله عنه –  لما قيل له: ويلك، اخفض صوتك، إنك تخاطب رسول الله ، قال: والله لا أخفض، ولذلك النبي  – صلى الله عليه وسلم – أجابه بنحو صوته ، قال: يا محمد . قال : هاؤم. من أجل أن يدخل السرور عليه بنفس لهجته وبنفس صوته وكذا ؛ ولذلك من حكمة الله  – عز وجل – أنه قال: (أكثرهم لا يعقلون) ما قال : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات لا يعقلون ، وإنما قال: (أكثرهم لا يعقلون). وهذا يعلمنا أدبا نحن بحاجة للإنصات إليه ، وهذا تجده في القرآن متطوراً حتى في الحديث عن الكفار . الله  – عز وجل – يقول : (ليسوا سواءً)  ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما) وهذا يحتاج إليه كثير من الناس والله حتى من الدعاة، ….

المقدم : معنا الأخت دانية من الأردن، تفضلي يا أخت دانية.
دانية :  السلام عليكم …
المقدم : وعليكم السلام ورحمة الله .
دانية :  اسمح لي بالمشاركة .
المقدم :  تفضلي ….
دانية : في سورة العلق: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق)، …. غير مفهوم.
المقدم : نعم والسؤال بالضبط يا أخت دانية، لو ترفعين صوتك ؛ لأنا لا نسمع
دانية : نعم  السؤال بالضبط في سورة العلق ، علق العلم بخلق الإنسان.
المقدم : نعم يعني هذا هو السؤال.
دانية : نعم، ما السر في الموضوع؟
المقدم : معنا الأخ أبو لوط من السعودية: تفضل حياك الله.

أبو لوط :  الله يحييكم إن شاء الله. (والله خير ما مشايخي الله يحفظك يعني رفع الصوت جزاكم الله خيرا يعني أقوى منه مثلاً) ، رأيي الشخصي على الرسول والحديث ، وهناك من يقول : لا هكذا، أنا أريد أن أضرب مثلين أو ثلاثة أمثال  للشيخ وأريد منه تعقيبا جزاه الله خير، مثلاً: في الله  – عز وجل – نزه الرسول تحدث عنه كوزير خارجية قال عنه: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين) …. ما تجده من شدة الحر ومن شدة البرد مثل جهنم، أنا وقفت مع أخ فاضل في الشمس في الظهر، قلت له : من أين تأتيك الحرارة؟ قال : من الشمس. قلت له هذه هي جهنم إذاً ؟ قال: لا. ألا يقول الرسول أن شدة الحر و شدة البرد من فيح جهنم الشمس هذه هي جهنم. قال لي: لا، أنا أعتقد أنها جزء منها. مع أن الله  – عز وجل – يقول : (أما من خفت موازينه فأمه هاوية) والرسول يقول : –  عليه الصلاة والسلام – أن الشمس تكون على الرؤوس يوم القيامة، فللأسف هناك رفع رأي على حديث الرسول، هذا ما أظنه فأريدكم أن تفيدوني جزاكم الله خيرا. فأنا جزاكم الله خيرا اكتشفت الآن أن هذه الأرض الآن عليها الجنة البرزخية وهناك أدلة من الأحاديث والقرآن ولكني أتخوف ؛ لأني حين أتيت بأدلة من القرآن والسنة على أن الشمس هي جهنم هناك من كذبني ولم يأت بدليل. والسلام عليكم ورحمة الله.
المقدم : حياك الله الأخ أبو لوط، أولاً أنا أشكرك وأعتذر منك في الحلقة الماضية، لم نتمكن من الإجابة عن سؤالكم ومداخلتكم ، وأما بالنسبة لسؤالك فسوف يتحدث الدكتور عبد الحي عنه.

المقدم : معنا اتصال من الأخ الكريم تفضل: الأخ نايف حياك الله يا أخ نايف.
السلام عليكم ..
نايف : وعليكم السلام ورحمة الله، تحية طيبة لك دكتور:

السؤال الأول : هل هناك علاقة وطيدة بين مقصود السورة واسم السورة، بأن هذه السورة لم تعرف إلا باسم الحجرات، هل لهذا الاسم علاقة بمكارم الأخلاق، هل هناك علاقة؟
هل هناك مصنفات خاصة سواء قديمة تراثية أو قديمة حديثة في الدراسة الموضوعية لهذه السورة، سواء مصنفة دكتور ناصر بن عمر، ولي تأمل حقيقة : أن الأخلاق في هذه السورة أغلبها أو كلها لها علاقة باللسان، هذه السورة تصلح في إصلاح أدب اللسان؟ شكراً جزيلاً لك.

المقدم : حياكم الله يا شيخ عبد الحي.
الدكتور : أكرمكم الله.

المقدم : الأخ محمد من موريتانيا أحلناه إلى برنامج الإفتاء، والأخت دانية سالت سؤالاً وهو : عن علاقة الخلق بالعلم في قوله سبحانه وتعالى (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الكرم الذي علم بالقلم) تسأل عن علاقة العلم بالخلق.
الدكتور : نعم هو معلوم بأن هذه الآيات الخمس الأول من سورة العلق، هي أول ما نزل من القرآن بقول جمهور المفسرين، والذي يظهر – والعلم عند الله تعالى – في الربط بين الأمر بالقراءة وخلق الإنسان، بأن الإنسان مطلوب منه أن يتأمل قدرة الله  – عز وجل – وآياته الباهرة في خلقه أولاً، هذا الذي أشار إليه ربنا حين قال : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وكذلك في الآية الأخرى : (وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) وآيات كثيرة , الله  – عز وجل – حين يأمر بعبادته – جل جلاله – يربط ذلك بالخلق ؛ ولذلك أول نداء في القرآن: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) علل ذلك – سبحانه – (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء) (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ما ذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك في السموات) فالمقصود بأن الربط بين قضية العلم وقضية الخلق ، هذه مرتبطة في القرآن وأول ما يرد في ذلك خلق الإنسان، لو أن الواحد منا تأمل في إحكام صنعته ، يعني كما يقول الرازي – رحمه الله – : (سبحان من أبصر بشحم ونطق بلحم وسمع بعظم) يعني هذا اللسان ليس إلا لحماً، وهذه العين في داخلها شحم والأذن داخلها عظم، فالله جل جلاله في خلق الإنسان أرانا آياته.

جزاك الله خيرا يا دكتور.
المقدم : أعتذر للأخت دانية ؛ لأن الصوت كان متدنياً، فلم نسمع سؤالها من أول مرة.

الأخ أبو لوط يشير إلى مسألة متعلقة بما ذكرتم في أول السورة وهي التقدم بين يدي الله ورسوله ، وإن كان أشار إلى رأي غريب وهو رأيته متداولا مؤخراً في قوله تعالى (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) هو يرى أن هذا، أن النبي  – صلى الله عليه وسلم – لو تقدم بشيء بين يدي الله كما قال (لأخذنا منه باليمين) أيضاً قضية كما يرى أبو لوط وغيره أن الشمس هي جهنم ، بل رأيت يا دكتور عبد الحي أن أحد الإخوة الباحثين وهو يشير إلى معنى قوله تعالى (إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر) فجاء بصورة مبكرة للشمس وهي تلتهب من أطرافها ويقول : إن الشرارة التي تنبعث من هذه الشمس تشبه الجمل في شكلها، فما تعليقك على هذا؟
الدكتور : هو من الآية الأولى (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) معاذ الله أن يتقول رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – على الله، بل هو أعظم الخلق علماً بالله  – عز وجل – وقوفاً عند حدوده وخشية لله كما قال  – صلى الله عليه وسلم – «والله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له» الآية ، هذه كما قال المفسرون قد يُضرب المثل بما لا يقع في الوجود أصلاً، كما في قول الله  – عز وجل – : (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) ومعاذ الله أن يكون للرحمن ولد، فأما قوله بأن الشمس هي جهنم فليس كذلك ولذلك النبي  – صلى الله عليه وسلم – قال : فإن شدة الحر من فيح جهنم، من فيح جهنم هذه تبعيضية وكذلك قوله  – صلى الله عليه وسلم – «اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، وهو أشد ما تجدون من الزمهرير ، وأشد ما تجدون من الحر» لو كان هذا الكلام كما قال أخونا أبو لوط، سيكون القائل أيضاً بأن البرد الجليدي الذي يكون في شمال أوروبا ويكون في بعض جمهوريات الإسلام ، وكذا سيقول أيضاً أن هذا من جهنم، فلذلك نقول: لا، جهنم أعظم من ذلك بكثير، أعاذنا الله وإياكم من حرها، فالنبي  – صلى الله عليه وسلم – بين بأن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، حتى قال الصحابة : والله إن كانت لكافية يا رسول الله ، يعني لو عُذب العاصي بهذه النار لكانت كافية ، وكذلك جهنم كما جاءت الأحاديث بأن فيها حيات وثعابين تلسع إحداهن اللسعة يجد حرها سبعين خريفاً ، وكما أخبر القرآن الكريم بأن فيها طعاماً وشراباً ولباساً وكلاماً، وأن طعامهم الزقوم والغسلين والضريع  (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه) وأن الواحد منهم إذا طلب ماءً (يُسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يُسيغه ويأتيه الموت من كل مكان) فلذلك أقول لأخينا : ما يجزم بمثل هذا ويجمع النصوص بعضها إلى بعض من أجل أن يخرج بفهم سليم إن شاء الله.
المقدم : نفع الله بكم يا دكتور عبد الحي: الأخ نايف وهو أخونا وزميلنا الأخ نايف سال سؤالين وهما : علاقة اسم السورة بموضوعها، يعني السورة الآن تتحدث عن الإيمان وكل ما ذكر في الأخلاق فهي تأتي لتدعيم هذا الأصل الذي تتحدث عنه السورة (يا أيها الذين آمنوا، يا أيها الذين آمنوا) كما تفضلتم بأنه تكرر هذا النداء 5 مرات. فما صلته برأيك يا دكتور عبد الحي في علاقة اسم الحجرات كما يذهب بعضهم فيربط بين اسم السورة وبين موضوعها.
الدكتور : وهو الذي يظهر والعلم عند الله – تعالى – أن أسماء السور مستقاة من بعض موضوعاتها ولذلك مثلاً سورة البقرة، قصة البقرة فيها ما استغرقت سوى آيات معدودات ، كذلك في سورة آل عمران، خبر آل عمران ما استغرق سوى آيات معدودات ، وإلا في سورة البقرة تجد حديثاً عن الإيمان وحديثاً عن الجنة والنار وحديثاً عن الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة والقتال وما يتعلق بالأسرة وما يتعلق بالبيوع والربا والمداينة وما إلى ذلك من موضوعات شتى تناولتها السورة، لكن بعض السور يكون اسمها هو مقصودها الأعظم، يعني مثلاً (زي) سورة النساء، أغلب الأحكام التي فيها تتناول النساء واليتامى لذلك بعضهم يقول هي سورة الضيفين، النساء واليتامى، لكن بعدها سورة المائدة مثلاً ما جاء خبر المائدة إلا في آخرها ربما في آيتين أو ثلاث فلذلك نقول: الذي يظهر والعلم عند الله تعالى بأنه لا تلازم بين اسم السورة وموضوعها أو مضمونها.
المقدم : ولعل الأخ نايف يشير- وإن لم أقرأ أفكاره – أنه يعني مثلاً سورة البقرة عندما تفضلتم في ذكرها فهذه القصة وهي قصة البقرة فيها رمزية لتسمية السورة بها وهي أن بني إسرائيل قد أُمروا بأمر فتلكؤوا فيه. وأنتم هذه أوامر موجهة إليكم، فلا يكن حالكم كحالهم. فأصبحت قصة رمزية فهنا في الحجرات، أقصد أنه يقصد ربما الحجرات كما يبدو لي، يعني من بادئ الرأي في حديثكم دكتور عبد الحي، ومن الفوائد التي ذكرتها يعني الحجرات فيها معنى التحديد وعدم الخروج وأنها حجرات لا تخرج عن حدودها التي حُجرت فيها، وكذلك هذه النداءات والتوجيهات فهي توجيه للمؤمن أن لا يخرج عن هذه المسارات والتوجيهات.

الدكتور : الله أعلم، الله أعلم.

المقدم : هم يريدون، بعض الناس يريدون بعض هذه اللفتات التي يأتي بها الرازي وأمثاله ويسأل الأخ نايف عن مصنفات عن سورة الحجرات؟
الدكتور : والله أنا ما أعرف سوى كتاب الدكتور ناصر (اللي) هو الآداب الاجتماعية في سورة الحجرات دراسة تحليلية وموضوعية. هذا الذي يحضرني الآن لكن كمؤلف أو مصنف مخصوص قد يكون بعض الرسائل.
المقدم : هناك الحقيقة أنا أذكر الشيخ الصواف رحمه الله وهو من ابتدأ تأملات في سورة الحجرات ، وهناك عدة كتب بهذا الاسم لعدد من الباحثين والمؤلفين ننتقل يا دكتور للأدب الذي يليه وهو من الآداب المهمة جداً الذي بدأتم به وهو (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة) وأنتم ذكرتم يعني ما أكثر من يتقدم الآن بين يدي الله ورسوله في وسائل الإعلام المختلفة، أيضاً ما أكثر من يأتي بالأخبار يا دكتور عبد الحي من الأخبار التي تسبب فتناً وينشرها على الملأ سواء في وسائل الإعلام أو شبكة الإنترنت يا دكتور عبد الحي أصبحت الآن هي أسرع الوسائل للنشر وأسهلها، فليتنا نتوقف مع هذه الآية بشيء؟
الدكتور : جزاك الله خيرا، هذا الأدب حقيقة كلنا بحاجة إليه، لأن الغالب في حديث الناس في زماننا هذا عدم الورع ، ومن أناس ما يتورعون فيما يقولون، ولا يتورعون فيما ينقلون ، ونحن نعلم بأنه ليس للإنسان مندوحة بأن ينقل كل ما سمع (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) (وبئس مطية القوم دعيهم) فبعض الناس يعتقد أن نشراً ما في جريدة ما، أو خبرا ما في إذاعة أو قناة فضائية خلاص هذا مسوغ لأن ينقل . والله  – عز وجل – لما أدب الصحابة قال: (إذ تلقونه بألسنتكم) يعني ما تلقيتم الخبر بأسماعكم وإنما مباشرة كان الواحد على لسانه يبدأ يتكلم (وتحسبونه هيناً وهو عند الله) (تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم) هذه الآية تأمرنا بالتبين والتثبت ولذلك قراءة الجمهور (فتبينوا) وقراءة حمزة (فتثبتوا) فالتبين والتثبت كلاهما أمر للمؤمنين بألا يسارعوا إلى نقل الأخبار خاصة إذا جاءت من إنسان مشكوك في أمره، أو مطعون في عدالته ، ينبغي للناس أن يتريثوا خاصة في زماننا، لكم أن تتأملوا إخواني وأخواتي.
المقدم : يعني يا دكتور عبد الرحمن انظر كم من الضرر الذي عاد على رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكر وأمنا عائشة وصفوان وأم رومان ابنة عامر في حديث الإفك، والذي كان خبر فاسق، هو وعبد الله بن أبي لما قال زوجة نبيكم تبيت مع رجل غريب ، والله ما نجت منه ولا نجا منها . وكذلك في يوم أحد انظر الضرر الذي عاد على المسلمين لما أشاع ابن القمئة، أقمعه الله بأنه قتل محمداً  – صلى الله عليه وسلم – حتى إن البعض ألقى سلاحه وألقى ما بيديه وبعضهم ما ردتهم إلا حيطان المدينة ولى مدبراً، الله  – عز وجل – قال: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) وقل مثل ذلك في مقتل عثمان، حقيقة الأمر إشاعات أطلقها بعض الفساق وبعض المطعون في ديانته : بأن عثمان ولى أقاربه ، وأن عثمان حرق المصاحف ، وأن عثمان حمى الحمى ، وأن عثمان رد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة بعدما نفاه النبي  – صلى الله عليه وسلم –  ، وأن عثمان ولى الوليد بن عقبة وقد سماه الله فاسقاً، وأن عثمان ضرب عماراً حتى فتق أمعاءه ، ونفى أبا ذر إلى الربلة ، وأن عثمان فعل وفعل وفعل، أغلبها أكاذيب وأباطيل وبعضها صحيح ولكن ليس على هذا الوجه الذي أشيع.
الدكتور : ولذلك أوجه النداء لإخوتي وأخواتي بما قاله الله  – عز وجل – : (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق) أي خارج عن طاعة الله  – عز وجل – (بنبأ) أي بخبر يترتب عليه شيء عظيم (فتثبتوا) (فتبينوا) كراهة (أن تصيبوا قوماً بجهالة) ثم بعد إصابتهم ما ينفع الندم.

المقدم : أيضاً إن فيها إشارة أن من صفات المؤمن الصادق الإيمان أنه يندم على مثل هذا التصرف وعلى هذا التسرع.
الدكتور : صحيح.

المقدم : بعضهم يا دكتور عبد الحي يرسل الإشاعة العظيمة ولا يبالي، فهو مع تعجله ونقله للخبر. لا يشعر بحرج، ولا أدنى حرج، ولذلك مثلاً قضية الندم يعني حسان  – رضي الله عنه وأكرمه الله – كان ممن تورطوا في حديث الإفك، انظر كيف قصر، يعني لما بدأ يمدح أمنا رضي الله عنها :

حصان رزان ما تُزنّ بريبة
وتصبح غرضا للحوم الفوافل

حليلة خير الناس ديناً ومنصباً
نبي الهدى والمكرمات الفواضل

إلى أن يقول:
فإن كان ما بُلغت أني قلته
فلا رفعت صوتي إليّ أناملي

فكيف ودي ما حييت ونصرتي
لآل رسول الله ذي المحافل

الدكتور : رضي الله تعالى عنه، كأنه يكفر.
المقدم : نعم عما قال هذه الكلمات.
الدكتور : وهذه القصيدة من أجمل ما مدحت به رضي الله عنها وأرضاها،

المقدم : جزاك الله خيراً الوقت يداهمنا، بقيت معنا الحقيقة عدد من الآداب والأخلاق ؛ ولذلك ائذن لي أن أتجاوز طائفتين من المؤمنين ونأتي إلى قوله تعالى يا دكتور لكثرة حاجة الناس إليه (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم) هذه الآية نحتاج كثيراً فيها.
الدكتور : كلمة القوم ننبه إلى أنها عند أكثر أهل العلم خاصة بالرجال، وهي جمع قائم كما يقال في جمع صائم، صوم، وقيل : لأن الرجل هو قائم يعني على المرأة وقوام يعني بأمرها وبعضهم قال: لما قالوا هذا استدلوا بقول القائل:

وما أدري وسوف أخال أدري            أقـوم آل حـسن أم نـساء

لكن القوم تدخل فيها النساء، لدليل قول الله  – عز وجل – : ” إنها كانت من قوم كافرين ” ، في شأن بلقيس، قالها الله في زمرة القوم. لكن خص الله النساء بالذكر في هذه الآية ؛ لأن هذا الخلق فيهن أغلب، السخرية. وكما يقول سيد قطب – رحمه الله – : قد تسخر الجميلة من الشوهاء ، وذات الأولاد من العقيمة ، وتسخر الغنية من الفقيرة ، وهذا كثير في النساء، ذكروا في سبب النزول يعني أموراً قد تدخل في هذه الآية ؛ ولذلك فإن الله  – عز وجل – وجه النداء (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) يعني موازين البشر غير موازين الله – جل جلاله – ، وقبيح بالدنيء الأرذل أن يسخر من الكريم الأفضل، هذا الذي تسخر منه إما لعيب في خلقته أو لدناءة في مثله أو فقر في ذاته، قد يكون عند الله  – عز وجل – بمكان عظيم ولنا أن نضرب مثلاً ببعض من سخروا من خيار المؤمنين كعمار وبلال وصهيب – رضوان الله عليهم – ، أين هم عند الله  – عز وجل – وأين هؤلاء الذين سخروا منهم وهزئوا بهم ؟ ولذلك الله  – عز وجل – نهانا عن هذا الخلق، كما هو معلوم قد تكون السخرية بالقول وقد تكون السخرية بالفعل ولذلك الله  – عز وجل – أتبع ذلك بقوله (ولا تلمزوا أنفسكم) قالوا (اللمز) هو الذي يكون بالقول والهمز يكون بالفعل، كالإشارة بالعين أو بالفم وما أشبه ذلك . وفي القرآن نقرأ (ويل لكل همزة لمزة) ولذلك الصحابة انفعلوا بهذه الآية حتى قال ابن مسعود لو سخرت من كلب لخشيت أن يمسخني الله كلباً، لأن الجزاء من جنس العمل. والنبي  – صلى الله عليه وسلم – قالت أمنا عائشة قلت له يا رسول الله: حسبك من صفية، أشرت بيدي، قال : ” لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته” وحكيت له إنساناً، قال : ” ما يسرني أني حكيت إنساناً ولو أن لي كذا وكذا” فقضية المحاكاة، يحاكي إنساناً في مشيته أو في طريقة كلامه أو نحو ذلك مما يتساهل فيه الناس ، هذا داخل في هذا النهي دخولاً أولياً، خاصة في زماننا مع كثرة التمثيل ، نعم مما يتساهل فيه الناس.

المقدم : صدقت وما أكثر البرامج الإعلامية التي هي مبنية على هذه السخرية والاستهزاء.
أدركنا الوقت يا شيخ عبد الحي.
الدكتور : إلى الله المشتكى.

المقدم : كنا نظن أننا سنأتي علي آداب اللسان التي في هذه السورة، لو خصصنا هذه الحلقة بآداب اللسان، لكانت أيضاً أقل من أن نعطيها حقها، شكر الله لكم يا شيخ عبد الحي ونفع الله بكم.
وفي ختام هذا اللقاء أيها الإخوة المشاهدون الكرام أشكر الله سبحانه وتعالى، كما أشكركم على متابعة هذه الحلقة ، وأشكر ضيفنا العزيز الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف «نائب هيئة علماء السودان والأستاذ المشارك بجامعة الخرطوم» على تفضله بهذه المعلومات وهذا البيان الرائع حول الآداب والأخلاق في سورة الحجرات.
حلقتنا القادمة سوف تكون في آيات آل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم الهدايات والدلالات وسوف يكون ضيفي فيها بإذن الله تعالى هو فضيلة الشيخ منصور العيدي وهو باحث في هذا الباب ألقاكم بإذن الله تعالى الأسبوع القادم وأنتم على خير بإذن الله تعالى.

أستودعكم الله .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
أذيعت هذه الحلقة بتاريخ : 26/12/2008م


islamiyyat