تم إضافته 27 سبتمبر 2013 بواسطة islamiyyat في دكتورة رقية العلواني
 
 

إلى كل مبتلى – د. رقية العلواني


إلى كل مبتلى

د. رقية العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خاطرتي اليوم إلى كل مبتلى، ومن منا لم يبتلى ولن يبتلى؟! والابتلاء سُنّة الله في خلقه، انظر إلى قوله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة). الابتلاء في حياة الإنسان إنما هو نوع من التصديق لما يحمل من إيمان ورضا بقضاء الله وقدره. ولنا وقفة مع هذا النوع من الابتلاء من أمراض ومن مشاكل تخصّ الفرد، كل واحد منا كفرد على المستوى الشخصي، ذلك في قوله تعالى (إنا لله وإنا إليه راجعون) إنا لله، أنا عبد وهو رب وطالما أني قدر رضيت بهذه العبودية بقولي “رضيت بالله رباً” موقناً بأن الله ربي فهو الذي يحكم وهو الذي يختار وما يحكم به ويختار بإيماني إنما يسير قدَره عليّ في الضرّاء وفي السرّاء، في الرخاء وفي الشدة، وأنا كمؤمن مصداق إيماني في هذا كله استقبالي برضى وطمأنينة نفس كل ما يقضي به ربي عز وجل عليّ موقناً بأن الله مسبب الأسباب وأنه قادر على رفع هذا البلاء عني مهما كان نوع البلاء وأنه يقول للشيء كن فيكون وأن هذا النوع من الابتلاء إنما هو لرفع الدرجات وأن هذه الدنيا ما هي إلا امتحان قصير وأنها متاع الغرور وأن ما يصيبني من وخز ولا ألم ولا حتى الشوكة أشاكها وأحتسب أجرها عند الله عز وجل إلا رفع لي بها درجة ومحي عني خطيئات. هذا النوع من التعامل والاستقبال لهذا النوع من الابتلاء يجعل المؤمن يستقبل المصائب ويستقبل المحن والمصائب بشكل رحب لا يسأل الله المحن ولا الشدائد ولكن يسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية ولكن إن جاءت المحن والشدائد استقبلها بصبر وشدة وعزم ويقين بأن الله سبحانه وتعالى مفرّج الهموم والغموم، كاشف الكروب والابتلاءات مثبتاً لربه وهو به أعلم أن إيمانه الذي يحمله في قلبه إنما يصدقه بعمله ويصدقه بقوله كذلك.

هذا النوع الأول من الابتلاء أما النوع الآخر من أنواع الابتلاء فهو الذي يكون للإنسان فيه كسب بمعنى ما يقوله الله عز وجل (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) الروم) إذن من صنع أنفسنا. تلك المحن والشدائد والصعوبات التي تموج والفتن التي تأتي في عالمنا وفي مجتمعاتنا اليوم ليل نهار نصحو وننام على وقع أصواتها. هذا النوع من المحن لنا فيه كسب، هذا النوع من المحن إنما هو رسائل من رب العزة سبحانه وتعالى يريد بها منا أن نعود إليه عودة صادقة، انظر إلى قول الله عز وجل في سورة الأنعام (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)). إذن (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ) ربي سبحانه وتعالى يريد منا في هذا وهو الغنيّ عنا أن نعود إليه عودة صادقة، أن نستفيق من لحظات الغفلة التي امتدت بنا طويلاً، أن نتضرع إليه والتضرع والتوبة لا يُكتفى فيها بالندم على ما فات ولا يُكتفى فيها بالشعور بالتفريط في جنب الله عزة منفصلاً عن التغيير في واقع الحياة، لا، الندم والتوبة لا بد أن يصاحبه عمل صالح خيّر نافع يعود بالإنسان إلى تغيير موقفه إزاء الأحداث وإظاء ما يجري في واقعه. نحتاج ونحن نتوب إلى الله عز وجل ونتصرع إليه أن نأتي إلى واقعنا أن نأتي إلى قلوبنا ومشاعرنا فنحادث أنفسنا ونعود بالفعل إلى تغيير مواقعنا ومواقفنا إزاء ما نقوم به ولذا ما جاء الإيمان منفصلاً عن العمل الصالح بل مقترناً به في كل آيات القرآن (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات). العمل الصالح الذي يمتد إلى كل نواحي الحياة الفردية والجماعية، الزرع والبناء، البذل والعطاء، المنع والأخذ، كل ذلك عمل صالح، أنا أحتاج أن أغيّر من هذا الواقع. المحن والكروب والخطوب لا تزول إلا بتغيير الأفراد لواقعهم، لما في حياتهم، لما في قلوبهم لما أُسَرِهم، لما في مجتمعاتهم، لما في علاقاتهم ولا نرمي بواقع الأحداث على جهة دون أخرى فكلنا مسؤولون مسؤولية مباشرة عما يحدث في واقعنا، كلنا مُساءلون ومسؤولون عن تلك المحن والكروب التي بدأنا نكتوي بنيرانها ليل نهار مسؤولون من حيث أننا بحاجة إلى أن نغيّر واقعنا بحاجة أن يصدق فعلنا إيماننا وقولنا بالله عز وجل، بحاجة إلى الانسلاخ من ثوب النفاق الذي بتنا فعلاً نعيش فيه دون أن ننتبه إليه في ساعات الغفلة لكثرة ما غفلنا وابتعدنا عن الله عز وجل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا توبة صادقة سابقة منه إلينا يردّنا بها إليه ردّاً جميلاً غير مُخزٍ ولا فاضح وأن يغيّر حالنا في أنفسنا وفي مجتمعاتنا إلى أحسن حال إنه سميع مجيب الدعاء والسلام عليكم.

http://www.youtube.com/watch?v=9Tc0yXR1y04


islamiyyat