تم إضافته 13 أغسطس 2013 بواسطة islamiyyat في دكتورة رقية العلواني
 
 

صلاة الخاشعين – قرة العين – د. رقية العلواني


صلاة الخاشعين

قرة العين

د. رقية العلواني

تفريغ موقع إسلاميات حصرياً

http://www.youtube.com/watch?v=pChuOQfnmiI

 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نريد أن نتخيل اليوم أننا في صحراء قاحلة ليس فيها سوى الشمس وشدة الحر وفي تلك الصحراء القاحلة إذا بماء بارد زلال أمام عيني وبين يدي يحيط بي من كل ناحية ولكن ثمة أشياء تحول بيني وبين ذاك الماء العذب الذي أنا أشد ما أكون بحاجة إليه، شيء يمسك بي يحول بيني وبين الوصول إليه يقيدني يحبسني عنه. وتخيل لثوان أنك جالس بمكان وإذا بأحد من الناس يطرق الباب عليك يريد أن يسلّم إليك هدية من أحد الملوك، هدية كريمة من أحد ملوك الدنيا ولكنك تأبى أن تصل إلى الباب لتأخذ الهدية ممن قد أتاك بها. في كلتا الحالتين ماذا تسمي هذا الأمر؟ ماذا تسمي هذا النوع من الحالة التي قد يُقدم عليها الإنسان؟ حديثنا اليوم عن شحص يقع في إحدى هاتين الحالتين. حديثنا اليوم عن الصلاة، نعم الصلاة. الصلاة هدية من رب كريم، من ملك ليس كملوك الدنيا على الإطلاق بل هو ملك السموات والأرض ولك أن تتخيل وتقف عند هذه النقطة، ملك السموات والأرض، ملك الدنيا والآخرة، كل شيء بيديه، كل ما تطلبه وتسعى إليه سعياً حثيثاً من مطالب مادية أو معنوية من مطالب تتعلق بأشخاص أو بأشياء، كلها بينيديه سبحانه، ملك يقول للشيء كن فيكون، ملك لا يخرج شيء في الدنيا عن ملكه ولا قيد أُنملة، ملك يصرّف الأمور كيف يشاء، ملك يقلّب الليل والنهار، ملك بيده أنت وبيده كل ما تملك وبيده كل ما لا تملك، أرسل إليك هدية وهذه الهدية التي أرسل تقف على باب بيتك وأنت لسبب أو لآخر، تهاون، تكاسل، تباطؤ، استخفاف، لا تسعى خطوات لتحصل على هذه الهدية! ماذا تسمي هذا الأمر؟! وكيف تقيّمه وكيف تحكم عليه وماذا تقول عن نفسك إزاء هذا التصرف إزاء هذه الهدية من ملك الملوك سبحانه. ثم الحالة التي ذكرناها أولاً حالة إنسان في صحراء قاحلة، الصحراء القاحلة هي الدنيا بكل ما فيها متاعب، مشاغل، هموم، أحزان، قيود، مطالب لا تنتهي، صحراء قاحلة أنا فيها أحوج ما أكون للماء العذب الزلال لأشرب، لأرتوي، لأبدد عني حرارة الشمس وحرارة الماء وصعوبة المكان القاحل الذي أعيش فيه. والماء بين يدي ولا يحول بيني وبين الوصول إلى ذاك الماء شيء سوى أن يدي لا تمتد لكي آخذ قدحاً من هذا الماء البارد العذب الذي أنا أحوج ما أكون إليه. ماذا نسمي هذا كله؟! ماذا نسمي هذا النوع من التعامل حين أضيّع الصلاة؟! الصلاة ذلك الماء العذب والجدب والصحراء القاحلة هي الدنيا بكل ما فيها حين تكون بمنأى وبمعزل عن ذكر الله عز وجل، وأكبر ما في الصلاة ذكر الله عز وجل. الصلاة كالغيث، الصلاة كالرحمة التي تنزل على صحراء القلب فيهتز وتربو فيه ثمار الخير والعطاء، ثمار الرحمة، ثمار الخشوع، ثمار التقرّب من الله عز وجل، هذه الصلاة التي نضيّع. والناس في تضييعهم للصلاة على نوعين:

النوع الأول قطع الصلة بينه وبين الله عز وجل، لا صلاة، يستمع إلى الأذان ويستمع إلى الهدية وإلى الطرق على الباب يستمع إلى مولاه، يستمع إلى من أراد أن يهديه هدية وهو ملك غني عنه وهو الفقير إليه ولكنه يأبى أن يستمع إلى ذاك النداء، لا يفتح الباب. النوع الأول الذي يستمع إلى ناء الصلاة فلا يلبيه أبداً ولا بشكل من الأشكال، ضيّع الصلاة، قطع الصلة بينه وبين الله عز وجل وبالله عليكم ماذا ربح من قطع الصلة بمولاه وخالقه؟! ماذا ربح وماذاضيّع من قطع تلك الوصلة بينه وبين خالقه عز وجل؟ ماذا ربح وماذا خسر؟ ماذا ربح حتى وإن حيزت له الدنيا بأطرافها من كل النواحي، ماذا ربح وقد قطع الصلة بخالقه الذي منّ عليه وأعطاه؟!

والنوع الثاني من الناس إنسان فعلاً يستمع إلى الصلاة ويقوم إليها ويستعد لها بما يستطيع ولكنه حال وقوفه بين يدي ربه عز وجل إذا بالدنيا ومشاغلها تقطع عليه صلاته فإذا قطعت عليه الصلاة انقطع عنه ذلك الوصل بينه وبين خالقه. فالصلاة ما سميت صلاة إلا لأنها تصل بين العبد وربه، سميت صلاة لأنها فرصة عظيمة هدية من رب كريم يتودد إلينا، يحنو علينا، يتحبّب إلى عباده بفرض الصلاة عليهم وهو غنيٌ عنها وهم فقراء إليها، يتودد إلينا بها ونحن نقطع! الصلاة صلة بيننا وبين الله عز وجل هي التي تصل بيني وبينه، هي فرصة لهذا العبد ليناجي خالقه ليحضر بين يديه ليقف بين يديه. هذه هي الصلاة بقطع النظر عن كل الحجج الواهية التي يمكن أن أتعذر بها في سبيل تهاوني أو تبرير تكاسلي وتباطؤي عن الصلاة، أنا ضيعت الكثير حين أستمع إلى النداء ولا أقوم ولا أعطي هذه الأعضاء التي منّ ربي عز وجل عليّ حظها من العبودية والخشوع والخضوع والوقوف بين يدي خالقي عز وجل خسرت الكثير إذا ضيّعت الصلاة. سواء أكان ذلك التضييع الأول بكلّيتها أو ذاك التضييع الثاني الذي ضيّع لبّ الصلاة وروح الصلاة المتمثل في الخشوع، في كلتا الحالتين أنا الخاسر الأكبر فيهما.

الصلاة هدية والدليل على أنها هدية اُنظر وتأمل إلى ذاك النداء الذي ينساب خمس مرات في اليوم والليلة، الأذان. اُنظر إلى دعوة الله عز وجل إليك وهو يدعوك في الأذان: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح. تأمل في ذاك النداء وهو يدعوك، نداء الصلاة ما هو إلا دعوة من الله عز وجل بكل المعاني، خمس مرات في اليوم والليلة توجَّه إليك الدعوة وأنت لا تلبيها، ماذا تقول عن هذا؟! خمس مرات يدعوك الرب عز وجل الذي بيده مقاليد كل شيء وأنا لا ألبّي النداء وأتقاعس وأتكاسل عن تليبة النداء. ثم إن الصلاة هدية من رب ملك كريم يملك كل شيء فبالله عليكم من ذا الذي يردّ الكريم وهدية الكريم؟! وفي القلب قحطٌ وجدبٌ وتعطّش كما يقول ابن القيم، القحط ناجم عن الغفلة، ناجم عن السعي وراء المطالب الدنيوية المادية التي لا تنتهي يسعى فيها الإنسان أحياناً كسعي الوحوش في الفلاة وغيثُه الصلاة فإذا نزلت الصلاة على القلب اهتزّ وربا وأنبت من ثمار الإيمان وزهور الإيمان الكثيرة. في الصلاة استعمال لكل ما وهب الله عز وجل وإلا بالله عليك قل لي من ذا الذي أعطاك ما أعطاك؟ من ذا الذي أوقفك على قدميك ورجليك؟ من الذي أعطاك اليدين؟ من الذي وهب؟ اُنظر وتأمل في نفسك، أي شيء مما قد وهبك الله إياه قد جاءك من سواه سبحانه؟ هذه الأعضاء المختلفة والجوارح لها عليك حق العبودية وأن تُخضعها لله عز وجل فإذا حرمتها من ذلك الحق أصبحت في جدب، أصبحت في تعطّش، أصبحت في شوق لخالقها التي خلقها سبحانه. الجوارح، القلب، العقل، الزمن الذي يقطع فينا بمروره بدقائقه بساعاته. ثم إن سر الصلاة أن يتصل قلبك بخالقه عز وجل ويُقبل عليه فإذا اتصل القلب بالله وجد عنده كل شيء وإذا انشغل وانقطع عن الله فاته كل شيء! الحياة التي نعيش فيها ونتعرض فيها للغفلة والقسوة والزلات والعثرات والبعد والمصاعب ثمرة ذلك كله إن لم يكن فيها صلاة ضيق الصدر، غموم وهموم وأحزان ومتاعب تثقل كاهلنا بالليل كما بالنهار ننام بها بالليل ونحن نحملها على أكتافنا ونصحو بها بالنهار. الصلاة بأوقاتها التي تتخلل المتفرقة تنتشل العبد من ذلك كله، تذهب بالعبد إلى واحة خضراء ينعم فيها بالأمن والأمان، بالراحة، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بصدق: جُعلت قُرّة عيني في الصلاة. قرة العين، يكتمل بها الهدوء والاستقرار. تلك الدعوة التي جاءتك من رب كريم خمس مرات في اليوم والليلة، دعوة الأذان، الدعوة التي يتحبب ويدعو فيها الخالق عز وجل عباده أجمعين دون تفرقة بين أحد منهم دون تفرقة بين عاصٍ أو مطيع، دون تفرقة بين عبد ابتعدت به المعاصي والذنوب والغفلة عن ربه عز وجل وبين عبد تقرّب ليه بالطاعة، الدعوة مفتوحة. ملوك الدنيا في عادتهم أنهم عندما يدعون الناس يدعون أشخاصاً بأعينهم يحددون الأسماء وهذا شيء طبيعي وهذا كا تعارف عليه الناس في الدنيا. ولله المثل الأعلى ملك الملوك سبحانه دعوته مفتوحة للجميع، للعاصي والمطيع، للقريب والبعيد للغافل ولمن لا يغفل عن ذكره ساعة من نهار، الدعوة مفتوحة. إذا كانت الدعوة مفتوحة والباب قد فتح على مصراعيه فما الذي يحول بينك وبين تلبية النداء؟! ما الذي يحول بينك وبين تلبية الدعوة؟ ما الذي يحول؟ ما الذي أقعدك وشلّ الجوارح لديك عن أن تقوم وتخضع بين يدي الله عز وجل؟ ما الذي يمنعك؟ ما الذي يحول بينك وبين ذلك؟ تأمل في حال نفسك، اُنظر في أعماق قلبك،ابحث عن السبب وابكِ بكاء مريراً على أن الدعوة توجّه إليك وأنت لا تستطيع أن تلبيها ليس لأن شيئاً ما قد اقعدك ولكن لأن ثمة أمور لا يعلمها إلا الله ثم أنت قد حالت بينك وبين تلبية الدعوة! قُم وأسرع بالقيام فأنت لا تدري ما الذي سيحول بينك وبين الصلاة بعد قليل، ربما انقطاع أنفاس الحياة، ربما انتهاء المهلة التي أمهلك الله عز وجل فإياك والتكاسل! إياك والخضوع لمزيد من التكاسل والتقاعس والبعد عن تلبية نداء الصلاة.

ثم تأمل وأنت تستمع إلى تلك الدعوة العظيمة من الله عز وجل التي تبدأ بقول (الله أكبر) إذن هنا مكمَن المرض، هنا مكمَن الداء وهنا سرّ الشفا، الله أكبر. حين أجعل أشياء متعددة حياتي أكبر من الله عز وجل في قلبي حتى وإن كنت أنا مؤمناً بالله عز وجل حتى وإن كنت أشهد أن لا إله إلا الله، لكن هذه الشهادة أصبحت شهادة بسيطة، شهادة قد فُرّغت من محتواها، ما عاد الله هو أكبر من أيّ أحد في حياتي. هموم الدنيا مشاغلها مطالبها مناصبها زخرفتها بهرجتها حالت بيني وبين أن أعظّم الله وأجعل الله سبحانه أكبر عندي من كل أحد ومن كل شيء. آن الأوان وأنت تستمع إلى الدعوة وإلى النداء أن تجعل الله هو أكبر من أيّ أحد في حياتك. عظّم الله سبحانه، ولا يمكن أن يحصل لك هذا التعظيم في القلب إلا حين تتعرّف على خالقك سبحانه وتعالى. تعرّف على الله، اِعرف من هو الله عز وجل؟ اِعرف من هو خالقك؟ اِعرف من هو هذا الرب الذي يدعوك؟ تعرّف عليه، تعرّف على رحمته سبحانه، تعرف على كرمه، تعرّف على حنانه، تعرّف على عدله، تعرّف على سعة ملكه. ربما قد حال بينك وبين تلبية الدعوة تعظيمك لأحد الناس لمنصب، لجاهٍ، لوظيفة، لرزق، لأي شيء. الآن آن الأوان أن تضع الأمور في نصابها، قلب هذا الشخص الذي تعظِّم وتسعى إليه سعياً متواصلاً حثيثاً بيد الله سبحانه وتعالى إن شاء سلّطه عليك وهذا يحدث في واقعنا ونراه ليل نهار أمام أعيننا. إذن لا تسعى إلى ذاك الشخص واسعَ إلى من يمتلك قلب ذلك الشخص، اِسعَ إليه واطلبه منه. إن كان ربي سبحانه وتعالى قد وضع لك حاجة في أيدي أحد من الناس كن واثقاً ومتيقناً إذا كنت تريد أن تتعرف على خالقك أن تلك الحوائج إنما هي بيد الله على وجه الحقيقة وأن الناس كل الناس إنما يسيرون بأمر من الله وينفذون إرادته فيك أنت لا إرادتهم هم ولا إرادة أحد من الآخرين، الأمر كله لله الأمر كله بيده سبحانه فتعرّف عليه وأقبِل عليه. تعرّف على ملكه سبحانه، تعرّف على رأفته وتمام عدله، تعرّف على عزّته وحكمته، تعرّف على غناه فهو يمتلك كل شيء، تعرّف على مدى وكمال رحمته ورأفته وحنانه بك أنت وأنت الفقير إليه وهو الغنيّ عنك. إذا حصل لك شيء من هذه المعرفة أصبحت عملية تلبية الدعوة في غاية اليسر والسهولة وهي يسيرة على من يسّرها الله عليه، اُطلبها وإن كنت إلى حد الآن وأنت تستمع إلى قوله الله أكبر لا تجد ذلك التكبير والتعظيم حاول أن تبكي وأن تنكب على وجهك بين يدي خالقك عز وجل، اُطلب منه، مرِّغ أنفك في التراب واطلب منه طلباً شديداً أن يهبك القلب الحيّ أن يحيي قلبك بالإقبال عليه أن يجعل في قلبك شيئاً من الحياة ليستطيع من خلال تلك الحياة أن يلبي النداء وأن يكون الله هو أعظم ما في قلبك من كل أحد.

ثم تلك الشهادة العظيمة الشهادة التي تدخل بها على خير الدنيا والآخرة (أشهد أن لا إله إلا الله) أنت تشهد أن لا إله إلا الله عليك أن تدرك ما معنى هذه الشهادة؟ ما معنى تلفظك بهذه الشهادة؟ أشهد أن لا إله إلا الله. أنت أخرجت بلسانك ومن قلبك أن تكون عبداً لأحد سوى الله عز وجل فكُن على قدر هذه الشهادة على مستو الشهادة. ثم إنك مرة بعد مرة تشهد بهذه الشهادة والشهادة يُسأل عنها الإنسان في الدنيا كما في الآخرة والسؤال عنها في الآخرة أشد وأعظم فكُن على مستوى الشهادة.

ثم إنك تشهد بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، الرسول الذي أرسله الله إليك رحمة وهداية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) اِستحضر شدة خوفه صلى الله عليه وسلم واستحضر محبته صلى الله عليه وسلم حين كان آخر ما أوصى به أمّته الصلاة، آخر منظر كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص عليه قبل وفاته بدقائق منظر الصلاة، منظر المسلمين وقد اصطفوا جميعاً في صف واحد يلبّون نداء الصلاة. ثم أنه أوصاهم الوصية بكلمات (الصلاة، الصلاة) أوصانا بها فيا ترى هل أنا وأنت حفظنا الوصية أم أننا قد ضيعناها؟!!. ثم تذكر وأن تستمع إلى تلك الدعوة الكريمة من الله عز وجل أن أول ما تُسأل عنه الصلاة وأن أول ما تُحاسَب عليه الصلاة وأن الصلاة إن صحت صح العمل وإن لا سمح الله حصل فيها أي شيء من الخلل يكون الخلل في بقية الأعمال كما كان في الصلاة، الصلاة تلبية النداء.

ثم تأمل وأنت تستمع دعوته الكريمة (حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح) الفوز، الصلاة فوز هي الربح الحقيقي في الدنيا والآخرة. إن ربحت الصلاة ربحت كل شيء، إن ربحت الصلاة لا عليك ما فاتك من الدنيا ولا من متاعها ولا من عروضها الزائلة الفانية حتى وإن بقت. الصلاة صلة بينك وبين الله عز وجل أنت مدعو للفوز والربح وتأمل معي نحن في الحياة الدنيا في الأربع والعشرين ساعة قد نفقد أشياء ونخسر أشياء ونكسب أشياء ولكن الربح الحقيقي هو الربح في الصلاة (حيّ على الفلاح). الصلاة فيها معاني لربح لماذا؟ الصلاة تُغدق على الإنسان بنوع من الراحة والسلام النفسي الداخلي الذي لا يمكن أن يباع ويشترى في أسواق الدنيا، غير موجود، أنا مهما حزت من أموال الدنيا لا أستطيع أن أمتلك ذاك السلام إلا من خلال الصلاة، لماذا؟ أنا لا أصلي الصلاة فقط بجوارحي أنا أصليها بقلبي وعقلي والقلب فيه نوع من أنواع التشتت والبُعد والغربة لا يمكن أن يعالجها إلا روح الصلاة، الخشوع. لا يمكن أن تعالج إلا حين يسكن ذاك القلب ويخضع ويسجد بين يدي خالقه عز وجل. وأنا وأنت حين نبتعد عن المعنى العظيم في الصلاة ولا نؤديها حق أدائها ولا نقيمها حق القيام بها نحرم ذاك القلب من الخضوع والإنكسار بين يدي الله عز وجل. الصلاة فيها استقرار، الصلاة فيها سكينة، الصلاة فيها روح، الصلاة فيها خشوع، الصلاة فيها أمن وأمان، وتأمل في حال العالم على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي والأممي كيف حُرمت الأمم والمجتمعات من نعمة الأمن والأمان. الصلاة فيها أمان من الفقر والمخاوف الإقتصادية والجوع والهلع على المستقبل وعلى الأولاد وعلى المشاكل وعلى تأمين المستقبل وعلى كل شيء، الصلاة فيها أمان من الوحشة والغربة، الصلاة فيها أمان من كل المخاوف التي تخالجنا كبشر، الصلاة هدية وأعظم هدية.

ثم أنت بعد أن استمعت إلى النداء وقررت بحسم وعزم تلبية الدعوة. جرت العادة في الدنيا أن الناس إذا أرادوا زيارة وتلبية دعوة أحد الكُبراء من كبار الدنيا وشخصياتها الكبيرة وزراء، سفراء، أمراء، ملوك، أن يلبسوا أحسن ما عندهم، أن يتطهروا، أن يتزينوا، أن يأخذوا عنهم كل أدران وأوساخ الدنيا التي يعرفها الناس، فما بالك وأنت تقف بين يدي ملك الملوك سبحانه له المثل الأعلى؟!.

بعد الأذان وبعد اتخاذ القرار بتلبية النداء والدعوة عليك أن تتطهر فكان الوضوء. تأمل في معنى الوضوء والطهارة وأنت تستعد للوضوء. الوضوء له ظاهر وله باطن ظاهره طهارة البدن وأعضاء العبادة وباطنه وسرّه طهارة القلب من أدران الذنوب والمعاصي بالتوبة والاستغفار. ولذا وأنت تقوم بالوضوء تنبّه في كل عضو من الأعضاء العين الوجه اليدين إلى ما ارتكبت من أخطاء قبيل الوضوء، تذكرها مررها أمام عينيك وأنت تتوضأ كن على يقين أن الله سبحانه سيغفر لك كل خطيئة إذا ما عزمت على عدم العودة إليها، وتدبر في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء حين يقول (إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب نقياً من الأخطاء والمعاصي) ولذلك ربي سبحانه في قوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) البقرة) جمع ما بين التوبة والتطهّر، الصلة واضحة بين طهارة البدن وأعضاء الوضوء وبين طهارة القلب من الأخطاء والذنوب والآثام. أنت الآن تستعد لمقابلة ملك الملوك، أنت الآن أكرمك ربي سبحانه وتعالى بالوقوف بين يديه، بالخضوع والانكسار والتذلل بين يديه، لا يمكن أن تقف وأنت في قلبك أحقاد أو غلّ على الآخرين. لا يمكن أن تقف بين يدي ملك الملوك وأن تملك كل هذه الأدران التي ستحول بينك وبين مناجاته وبين الشعور بلذة الوقوف بين يديه. تطهّر منها تخلّص منها والله سبحانه وتعالى بالوضوء قد شرع لك الأمرين، شرع لك طهارة الأعضاء الحسّية وشرع لك التوبة فلا تفوت عليك في فرصة الوضوء التوبة والاستغفار والعزم على عدم العودة إلى تلك الآثام والأخطاء التي تحول بينك وبين الله عز وجل وبذلك تكتمل مراتب العبودية في الوضوء باطناً وظاهراً.

الشهادة يتطهر الإنسان فيها من الشرك، الدعوة حين يدعو ويقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وتذكر أن تغسل القلب بماء اليقين تخلّص من خبائث القلوب لأنها أدران الحسد النظر إلى ما في أيدي الناس، العُجب، الرياء، التكبر، سائر الأحقاد وكن مستحضراً أن الله لا يقبل من الناس إلا من يأتيه بقلب سليم معافى من كل هذه الأوساخ ومن كل هذه الأدران وتذكر قول النبي صى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يُسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) أنت دخلت أنت لم تقف بعد بين يدي الله خالقك عز وجل ولكن بمجرد الوضوء والانتهاء من الوضوء بهذه المعاني التي ذكرنا فتحت لك أبواب الجنة واستحضر وأعطِ لنفسك الفرصة أن تستشعر معنى أن تُفتح لك أبواب الجنة، تخيل أن أبواب الجنة قد فُتحت لك وتذكر أن الوضوء التام بهذه المعاني هو مفتاح الصلاة. اِستشعر أنك الآن قد أصبحت صفحة بيضاء ناصعة البياض نقية طاهرة من أدران المعاصي والذنوب والأخطاء، تذكر ذلك تماماً. أنت لم تشرع في الدخول بعد في الصلاة ولكنك نُقّيت ولكنك طُهِّرت استشعر معنى الطهارة القلبية عش معنى اللحظة التي أنت فيها، مهما عظمت ذنوبك لا تستعظم ذنوبك وأنت قد توضأت بهذه النفسية. إن كانت ذنوبك قد عظُمت في عينيك فاجعل المغفرة واستحضار أن الله قادر على أن يغفر الذنوب جميعاً أعظم من ذنوبك وتأكد من ذلك وتذكر دائماً أن الدعاء ما بين الأذان والإقامة لا يردّ فادعُ الله عز وجل وأنت موقن بأنه سيستجب لدعائك. ادعُ الله بالمغفرة، ادعُ الله بأن يرزقك القلب الحيّ الذي ستتصل بهذا القلب من خلاله بخالقك سبحانه وتعالى وأنت تقف بين يديه، اُدعُ الله واسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنحك الخشوع أن يعطيك أعظم ما في الصلاة روح الصلاة، الخشوع وأنت موقن بالإجابة.

أما الآن فأنت تتوجه إلى القِبلة وبدأت الآن في الشروع في أعمال الصلاة. أما وقد بدأت فتذكر تماماً وأنت تتوجه بجسدك إلى القبلة أن يتوجه القلب إلى الله عز وجل بكلّيته لا بجزئه ولا ببعضه. تذكر وأنت تستقبل القبلة أن تستقبل الله عز وجل بقلبك لينسلخ كما يقول ابن القيم ما في القلب من تولٍ وإعراض عن الله عز وجل، إقبال، وهذا لبُّ الصلاة وهذا أعظم معاني الصلاة ولذا الصلاة تُفتتح بالتكبير (أنت تقول الله أكبر). اِجعل لقلبك حظاً من ذلك التكبير، كبِّر الله سبحانه وتعالى في حياتك، وتذكر المعادلة الدائمة الصحيحة كلما كبُر الله عز وجل في نفسك وعقلك وعظُم وفي قلبك كلما صغر ما سواه. كلما كبّرت الله عز وجل في قلبك وفي حياتك كلما صغُر وتقزّم ما سواه من الأشخاص ومن الأشياء. والله أكبر مستحقٌ للتكبير مستحقٌ للتعظيم مستحقٌ للتبجيل سبحانه وتعالى. أقبل بكليَّتك على الله كبّره تعظيماً وإجلالاً واجعل القلب يواطئ اللسان في التكبير واجعل صدق هذا التكبير في حياتك وفي واقعك فلا يصبحنّ شيء في نفسك أكبر من الله عز وجل. وكن متأكداً أن كل ما قد يكون له أثر في حياتك إنما هو بيده سبحانه فإذا ما جعلت الله أكبر في حياتك منه ساقه الله إليك إن كان فيه خير لك في دينك أو دنياك أو آخرتك. الله أكبر، التكبير عبودية وعلينا أن نقيم هذه العبودية حقها وأن نعطيها الحق الذي ينبغي أن يكون لها.

ثم تأتي بعد ذلك عبودية الاستفتاح. شُرِع دعاء الاستفتاح وأنت تقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وأنت تثني على الله سبحانه وتعالى بما هو أهل له لتخرج بذلك عن الغفلة وأهل الغفلة. الغفلة حجاب يحول بين الإنسان وبين الله عز وجل. أما وقد أثنيت على الله عز وجل بما هو أهل له لا تنسَ أبداً الاستعاذة والاستجارة بجواره سبحانه من أي شيء من غارات الشياطين. الشيطان الآن اِستنفر كل جنوده، الشيطان الآن يريد أن يُغير على قلبك بكل ما أوتي من قوة وكيده ضعيف، لماذا يا ترى؟ لأنه حُرِم من النعمة التي بين يديك، لأنه حُرِم من الوقوف والخضوع والسجود بين يدي ربه عز وجل بعصيانه وبُعده عن الله سبحانه وتعالى. أما أنت فأنت الآن مؤهل أنت الآن تقف بين يدي الله عز وجل، عِش هذه اللحظة اِستمتع بها، اِستمتع بنعمة أن يُسمح لك أن تقف بين يديه عز وجل واستعذ بالله من الشيطان الرجيم استعذ بالله ولُذ بجواره وحماه من أن تأتي عليك وساوس الشياطين من كل ناحية وهذا ما يحدث حين أقف بين يدي الله عز وجل في كثير من الأحيان وبمجرد أن أقول “الله أكبر” تبدأ الأفكار والخواطر والوساوس والمشاغل وما فعلت وما سأفعل بكل ما أوتي الشيطان من قوة تُغير على قلبي لتُخضعه له، ليصبح القلب بعيداً ومنشغلاً عن الله عز وجل وتصبح كلمات الصلاة العظيمة مجرد تمتمة باللسان لا يواطئها القلب أبداً لأن القلب قد نُزِع. وتذكر أن الصلاة الأصل فيها أن يتصل القلب بكليته لله عز وجل يتصل بخالقه فإذا ما راح وانقطع عن ذاك الإتصال أصبح مجرد كلمات، أصبحت حركات الصلاة مجرد حركات بدنية ليس لها تأثير! ولذلك الكثير منا اليوم يشكو من الصلاة يقول أنا أصلي الصلاة وأصليها في وقتها كما أمرت ولكنها صلاة خالية من المعنى، خالية من الخشوع، خالية من الثمار! الصلاة لها ثمار، الصلاة لها أثر إيجابي في حياتي، الصلاة لها طعم لها لذة لها راحة الصلاة قرّة العين إذا أصبحت الصلاة ليست بقُرّة عين لي وإنما مجرد عبء ثقيل أريد أن أتخلص منه لأنه فريضة قد فرضت عليّ إذاً هناك خلل هذا مؤشر أن هناك خلل وأن عليّ أن أصلح هذا الخلل. عليّ أن أغيّر هذا الواقع الموجود في صلاتي، عليّ أن أنتبه، عليّ أن أستنفر كل وسائل الإدراك في قلبي وعقلي لكي تجد وتبحث ما هي العلة في هذه الصلاة؟ وما هي أسباب العلة والمرض من غياب الوعي وأنا أصلي بين يدي الله عز وجل؟ الاستعاذة ليست مجرد كلمات تقال، هي مجاهدة للقلب للجوء إلى الله واللوذ بحماه للتخلص من وساوس الشيطان. اِقطع الرجاء اقطع الأمل عن كل ما سوى الله عز وجل وأنت تدخل عليه بقولك (بسم الله الرحمن الرحيم) اِستشعر الطمأنينة، اِستشعر معاني هذا الاسم العظيم لفظ الجلالة (بسم الله) أنت لا تدخل الصلاة باسم أيّ أحد، أنت تدخل الصلاة بسم الله ومن هو الله؟ هو الرحمن الرحيم الذي سيُجيرك، الذي لا يردّ من دعاه وأقبل عليه، الربّ الذي لا يخيّب من سأله، الربّ الذي لا يحرم من سأله ولاذ بحماه، استشعر، اَعطِ لنفسك ولقلبك الفرصة أن تستشعر هذه المعاني وأنت تردد الكلمات بلسانك، اِعطِ الكلمات حقها وأنت ترددها (بسم الله الرحمن الرحيم). اِستحضر معنى الرحمة المطلقة لله سبحانه وتعالى التي لا نحيط بها ولكننا نرى أثاراً من آثارها في حياتها، في الكون الذي نعيش، في كل صغيرة وكبيرة، تذكر واستشعر وادخل على الله وأنت مستيقن بأن الله سبحانه وتعالى سيعطيك جزءاً من هذه الرحمة، وتذكر أن وقوفك بين يديه إنما هو من قبيل رحمته سبحانه وتعالى. اِقطع أمَلَك عن كل ما سوى الله وادخُل على الله باسمه واستشعر معاني هذا الاسم العظيم وقدِّم بين يديه البسملة واستفتح بسم الله.

ثم تأمل في معاني الكلمات العظيمة التي شرّفك الرب عز وجل بأن تتلوها آيات الفاتحة. الفاتحة التي جاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فُتح من السماء ما فتح قطّ فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشِر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ منه حرفاً إلا أُعطيته” الفاتحة التي إسمها مشتق من الفتح إزالة حاجز عن مكان معين مقصود، فاتحة تفتح لك أبواب الخير تفتح لك أبواب الأرض والسماء. الفاتحة السبع المثاني، الفاتحة التي جاء أيضاً في الحديث الصحيح عن أبي سعيد قال: “كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت، فأتيت إليه وقال لي: ما منعك أن تأتيني؟ قلت: يا رسول الله كنت أصلي، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم يقل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) الأنفال)؟ قال: لأعلّمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت يا رسول الله قلت لأعلّمنك أعظم سورة في القرآن، قال: نعم (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم أعظم سورة في القرآن. أنت الآن شُرِّفت بكلمات أعظم سورة في القرآن. هذه السورة العظيمة التي نزل فيها أيضاً ويقول فيها الله عز وجل في الحديث القدسي: “قسمت الصلاة بين وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي، عندما يقول العبد مالك يوم الدين يقول الله: مجّدني عبدي، يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ولا الضالين يقول الله: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل”

هذه الكلمات العظيمة ليست كغيرها من الكلمات ليست ككل الكلمات التي يعرفها البشر حتى تقال مجرد كلمات باللسان تجري على اللسان وليس للقلب منها حظ ولا نصيب. وتأمل هنا في كل كلمة وأنت تقول وإياك في لحظة من اللحظات أن تقول الكلمات مجرد ترداد لأنك لا تتخيل مدى الأجر ومدى الربح الذي أكون قد حرمت نفسي منه حين أرددها ككلمات فارغة جوفاء. فإذا قلت (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) اِستشعر واستمع وانصت بقلبك لله عز وجل وهو يردّ عليك ويقول (حمدني عبدي) ولكن لكي تقوم بعبودية الحمد على حق وجهها وأكمله عليك أن تقول قلباً ولساناً الحمد لله رب العالمين. الحمد لله ملء القلب، الحمد لله المحمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، توجه بالحمد على كل شيء لله عز وجل على النعمة التي أنت فيها وأعظم نعمة أن أذن لك أن تقف بين يديه فوالله الذي لا إله إلا هو لو ما أذن لك ربي أن تقف بين يديه لما وقفت. وتأمل في حال عشرات، آلآف، ملايين البشر الذين حرموا من الوقوف بين يدي الله عز وجل وانظر إلى حالك واملأ قلبك حمداً لمن أوقفك بين يديه. مرّر النعم ظاهرة وباطنة ولن تحصي ثناءً عليه سبحانه ولكن حاول أن تعيش لذة أن تستحضر نعم الله عز وجل، أعطِ لنفسك الفرصة أن تتلذذ بالنعم التي أغدق الله بها عليك أعطاك وأعطاك نعماً ظاهرة وباطنة. عِش لذة النعم التي بين يديك وإياك والنظر إلى ما ليس في يديك فيتنغصّ عليك العيش. كثير من الناس اليوم في مجتمعاتنا لا ينظر إلى ما في يديه وعينه معلقة إلى ما ليس في يديه، لا ينظر إلى ما يمتلك ولكنه ينظر إلى ما لا يمتلك والنتيجة تكون الشقاء، التعاسة، البؤس، الشعور بالفقر وإن كان أغنى الأغنياء، الشعور بأنه لا يمتلك شيئاً مع أنه يمتلك كل شيء لماذا؟ لأنه ليس عنده قناعة، خلا القلب من استشعار النعم التي من الله بها عليك.

أما حين تقول الحمد لله رب العالمين وتسمح لقلبك أن يستشعر نعمة الحمد فتأتي الكلمات على اللسان مقترنة بما في القلب من حمد لله سبحانه وتعالى، حينها فقط تستطيع أن تنصت بقلبك وجوارحك لقوله وهو يرد عليك سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث الصحيح (حمدني عبدي). ونعم العبد الذي إذا شرب الماء قطرة الماء أو أكل لقمة بسيطة أثنى على الله وتوجه بالحمد لمن أعطاه ومنحه. العبد الذي يعيش النعم يستشعر معاني النعم وتأتي الدراسات الحديثة اليوم لتقول أنه على الإنسان على الأقل أن يفرغ نفسه خمس دقائق في اليوم على الأقل ليبدأ اليوم باستشعار النعم التي يمتلكها، هذا النوع من الوقفات تحدث أثراً في النفس تجعل الإنسان إيجابياً متفائلاً يستشعر بما يمتلك يشعر بالسعادة الحقيقية. السعادة ليست أموالاً تُجمع، السعادة ليست كنوزاً السعادة، ليست قصوراً السعادة، ليست سيارات فارهة السعادة محلها في القلب فإذا خلا القلب من السعادة ما عاد لكل ما تمتلك اليد معنى ولا قيمة! سورة الفاتحة بأول كلمة اُنظر الآن إلى الصلاة وإلى فوائد الصلاة وثمرات الصلاة في حياتك وكيف تصبح الصلاة قرة عين، غيّرتني، حولتني بكلمة واحدة فقط بآية واحدة فقط ولكن آية أحدثت الفرق في حياتي أن جعلتني من إنسان غير مستشعر لنعم الله التي يمتلك إلى إنسان يستشعر كل نعمة منحها الله له.

بعد أن قلت (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) تأمل وقف عند كلمة رب. الرب الذي يربي سبحانه، ربي الذي يربيني تأمل في حياتنا اليومية أمي أبي أسرتي يقومون بعمليات التربية لكن من هو المربي الحقيقي؟ الرب الذي ربى، الرب الذي رباني وأنا جنين لا أملك لنفسي حول ولا قوة في بطن أمي، الرب الذي رباني بالغذاء، الرب الذي رباني بالعطاء، الرب الذي رباني بالإيمان، الرب الذي يربيني بالصلاة، الرب الذي يربيني بالقرآن وبكلماته فيشفيني، الرب الذي يربيني بالعطاء كما يربيني بالمنع، الرب الذي يربيني بالعافية والصحة كما يربيني أحياناً بالمرض والسقم، الرب الذي يربيني بكل شيء، الرب الذي له في كل نفحة وفي كل لحظة وفي كل نفس من أنفاس حياتي حكمة يربيني بها. اِسمح لله أن يربيك وتمتع بهذه التربية، تمتع بأن تُصنع وأن تُربى على عين الله عز وجل ووفق أوامره وتعاليمه وتشريعاته. اِسمح لله أن يربيك فهو رب العالمين (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). المؤمن في هذه الكلمة حين يستحضر معنى كلمة رب ويستشعرها فعلاً في قلبه وفي حياته إنما يغير الكثير من مواقفه تجاه الإبتلاءات تجاه الصعود والنزول الذي يحدث أحياناً في حياتنا كبشر من مواقف كن متأكداً حين تسلم قياد نفسك وروحك وحياتك لله أن الله يربيك في كل شيء. وقد لا تصلح التربية أحياناً إلا بالمنع فلا تبتئس ولا تغلق أبواب الحياة أمام عينيك حين يمنع لله عز وجل عنك شيئاً تحبه فربما كان ذاك المنع لأجلك، لأجل تربيتك لأجل أن تصنع على عين الله عز وجل فثق به سبحانه اِطمئن إلى إرادته خُذ بالأسباب وعليك أن تأخذ واطلب ولكن أجمِل في الطلب، كن متيقناً وواثقاً بأن الرب الذي يربيك إنما هو يحبك ويعتني بك، كن متأكداً من ذلك واجعل هذه الحقيقة شيئاً مُعاشاً في واقعك وتلمس آثار ذلك الواقع وعش به وتنعّم به.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ثم تأمل في الكلمة المناسبة التي جاءت بعدها (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقِفْ عند تلك الكلمة قف عندها طويلاً وتأمل أنها ذكرت الآن في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وذكرت في قوله (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). الرب الذي يربيك رحمن رحيم، الرب الذي يربيك أفعاله وأوصافه سبحانه محمودة في كل شيء منعه محمود وعطاؤه محمود ما يقضي به عليك من أمور يروق لك بعض منها وربما تتضايق من البعض الآخر لا تخرج هذه الأفعال عن رحمته بك سبحانه وتعالى. اِستشعر هذه المعاني استشعر معنى قول الله عز وجل (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقف عند رده سبحانه (أثنى علي عبدي) عش معنى الرحمة وتأمل في رحمة الله عز وجل في كل شيء وشمول هذه الرحمة لكل خلقه وتذكر أن هذه الرحمة وهذا الشعور برحمة الله عز وجل وأن أهّلك الله لتستشعر معاني الرحمة إنما هو من قبيل رحمته بك. وتذكر أن الصلاة التي أنت الآن تصليها وتقف بين يديه إنما هو من قبيل رحمته بك سبحانه، فتخيل كيف هي رحمته عز وجل. ولن تحصي ثناءً عليه ولن نستطيع كبشر أن تتخيل ولكن استشعار هذه المعاني في الرحمة تولّد في القلب رحمة وهذه الرحمة التي تتولد في الصلاة وفي ترداد هذه الكلمات وهذه المعاني العظيمة تولّد رحمة أخرى تنعكس على حياة الإنسان تجعل الإنسان رحيماً بالآخرين، تنعكس عليها فتظهر الآثار رحمة بغيرك، رحمة بالصغير، رحمة بالكبير، رحمة بالفقير، رحمة بالغني، رحمة بالمخطئ، رحمة بكل من حولك الرحمة التي تربيها معاني سورة الفاتحة في الصلاة رحمة عظيمة ليست برحمة فردية تنتقل بك من الرحمة الخاصة إلى رحمة عامة تجعلك إنساناً رحيماً بالآخرين والرحمة من أجمل وأعظم الصفات وربي سبحانه وتعالى اختص بها عباده المؤمنين كلما ازددت رحمة بالآخرين كلما زادك رحمة وترحم إليك وأنزل عليك من رحماته. تذكر هذه المعاني وتذكر أن الطاعة التي أنت فيها من قبيل رحمة الله سبحانه وعندها فقط تنتقل وتأمل إلى الرابط الذي يأتي بعد الكلمات (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)) من رحمة الله بعباده عز وجل أن جعل لهم يوم الدين، أن جعل لنا يوماً اليوم الآخر أن جعل يوماً للجزاء ليس هنا في الدنيا هنا دار عمل ،يوم الجزاء هو ذاك اليوم يوم الدين، هذا من قبيل رحمته بنا عز وجل. الإنسان في الدنيا قد لا يحصل على الجزاء الحقيقي فأنا قد أعمل خيراً ولا أجازى به قد أعمل المعروف ولا أجد له ثمرة في الدنيا فمن رحمته بعباده أن كان هو سبحانه مالك يوم الدين هو الذي يمتلك يوم القيامة حيث العدل المطلق الإلهي الذي لا تعرفه محاكم الدنيا مهما بلغ بها الإنصاف والعدل. الدنيا فيها ظلم الدنيا ممكن أن يحدث فيها تجاوز للحقوق، الدنيا مكن أن تؤكل فيها الحقوق وتنتهك الحرمات، أما الآخرة فالذي يمتلكها هو العدل سبحانه وتعالى. هذه المعاني العظيمة حين أقول وأردد (مالك يوم الدين) ويرد الله عز وجل عليّ ويقول (مجّدني عبدي) المجد للرب الذي يعلّمنا بعدله أن نكون فعلاً عادلين في الدنيا مع الآخرين، منصفين، أن نعطي الحقوق ونرد الحقوق لأصحابها. (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) تعلمني أن آخذ الحق من نفسي للآخرين، (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) تعلمني أن أجعل من ضميري محكمة داخلية ذاتية تأخذ حقوق الآخرين من نفس وتنصف الآخرين من نفسي، (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) إذا عشت هذه الكلمة حقاً قلباً ولساناً تحررني من ظلم الآخرين، تبين لي أني سأُحاسب بين يدي الله عز وجل، تذكرني بمعنى الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى. قارن بين وقوفك في الصلاة وبين وقوفك يوم العرض عليه ولذلك ندعو ونقول (ولا تخزنا يوم العرض عليك) أحسِن الوقوف بين يدي الله. تذكر وتأمل وأنت واقف بين يديه منكسراً ذليلاً خاضعاً لعظمته ولجبروته ولكبريائه أني في يوم من الأيام سأقف ذلك الموقف بين يديه فلا أجعل حقوق الناس أعباء ثقيلة تثقل كاهلي يوم العرض عليه، تخلص من حقوق الآخرين، رُد الحقوق إلى أصحابها. الصلاة تحي في خظوة تحيي في العزيمة تجدد فيّ الأمل أن أعود من جديد لأصلح الواقع الذي أعيش فيه ولذلك الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر تنهى عن الظلم تنهى عن سلب حقوق الآخرين تنهى عن مصادرة حقوق الآخرين تنهى عن محاولة أن أقع في دائرة الظلم لأحد من البشر مهما كان ذلك الأحد ضعيفاً أو لا يملك له حولاً ولا قوة فالله أقوى. استشعار بأن (مالك يوم الدين) بأني سوف أقف بين يدي الله عز وجل تجعل مني إنساناً إيجابياً إنساناً يبادر بردّ الحقوق إلى أصحابها، تفعل فيّ الأثر الذي ينبغي أن يكون.

وتأمل بعد قول (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وتذكُّري أني مجرد عابر سبيل في هذه الدنيا وأن مردّي سيكون إلى الله وأني سلّمت الأمر كله لله سبحانه وتعالى تأمل ماذا يأتي بعدها؟ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الآن وبعد أن بدأ قلبي بالفعل يستشعر هذه الأعمال القلبية من الإيمان العظيم أُذِن لي أن أقول (إياك نعبد) وتأمل هذه المعاني العظيمة في قول (إياك) حصراً وقصراً أنا لا أعبد إلا إياك والعبادة معنى واسع يشمل كل شيء، يشمل القلب كما يشمل الجوارح، يشمل الحياة بكل معانيها، يشمل الاقتصاد والاجتماع والأسرة ويشمل الصلاة ويشمل الصيام ويشمل الرجاء ويشمل الدعاء ويشمل الاستغاثة، العبادة، ولذلك قال سبحانه وتعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) أنا بمقدوري كبشر بمشيئة الله وقدرته وإعانته أن يكون لي في كل نَفَس من أنفاس الحياة عبادة وعبودية أقدّمها لله عز وجل. القلب له حظ من العبادة، الجوارح كل الجوارح لها حظوظ من العبادة، كل شيء في حياتي كل دقيقة من عمري يمكن أن يكون لها حظ من العبادة لكن بشرط أن تكون تلك العبادة موجهة للواحد الأحد دون سواه إياك نعبد حصراً وقصراً. خلِّص العبادة لله عز وجل لا تعبد سواه. وقد يقول قائل أنا لا أعبد سوى الله عز وجل، هنا تأتي خوالج النفس وهوى النفس والدنيا ومتاع الدنيا الذي يأخذ كل ذرة فيه جزء من نفسي جزء من قلبي، جزء من مشاغلي اهتمامي، توجّه بكُلّك لله وحده لا شريك له، نزّه التوحيد، حين تعبد الله عز وجل إياك أن تعبد الله بجزء فقط منك! إياك على سبيل المثال أن تعبد في الصلاة، كل أعمال الصلاة وكل الأعضاء والجوارح لها حظ من الصلاة، إياك أن تعبد الله ظاهراً ولا تعبه باطناً، إياك أن تركع له في الظاهر ولا يركع قلبك له سبحانه وتعالى، إياك أن تسجد جبهتك لله وتسجد على الأرض ولا يسجد قلبك لله وحده لا شريك له. الجوارح، أنت حين تتوجه بالعبادة مطلوب منك في قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أن تتوجه بكُلّك ظاهراً وباطناً لله وحده لا شريك له (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) الإخلاص. الإخلاص الذي هو سرٌ بين العبد وربه، الإخلاص الذي لا يطلع عليه أحد سوى الله سبحانه وتعالى، الإخلاص الذي به تكبر الأمال الصغيرة حتى لو كانت ابتسامة في وجه فقير أو محتاج إليها، الإخلاص الذي يجعل العمل البسيط كبيراً تثقل به الموازين يوم القيامة، الإخلاص الذي يجعل رضى الله عن العبد في كلمة يقولها (الحمد لله)، الإخلاص هو غاية العبادة، هو جوهر العبادة، هو أصل العبادة، لا تصح العبادة إلا به. إذا كان العمل كبيراً في الجوارح وخلا من الإخلاص أصبح العمل هباء منثوراً. الإخلاص هو الذي ينبغي أن تجاهد نفسك لأجل الحصول عليه ولذلك جاء (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لتعالج ناحية الإخلاص في القلب، لا تتوجه بالعبادة إلا لله وحده سبحانه وتعالى، لا تعبد هوى النفس ولذلك ربي سبحانه يقول في القرآن (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (23) الجاثية) الهوى يُعبد ولا ينبغي أن يُعبد إلا الله عز وجل، لا تعبد إلا إياه. ولكن لكي أصل إلى هذه المرحلة من إخلاص العبادة لله أنا محتاج لعون الله سبحانه وتأمل التناسب بين قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لن تعبد الله إلا بمعونته، لن تصل إلى الإخلاص إلا بإذنه ومعونته، لن تقف بين يديه خاضعاً خاشعاً إلا بمعونته سبحانه، اطلب العون منه، اِجعل معتمدك على الله سبحانه. الاستعانة من الأعمال القلبية العظيمة في القلب التي ينبغي للمؤمن ألا يجعلها إلا لله وحده لا شريك له. اِستحضر فقرك وحاجتك إلى الله سبحانه وأنت تقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ولذا جاء في الدعاء المأثور “رب أعني على طاعتك، على حسن عبادتك”، لأن الطاعة والعبادة لا يمكن أن تكون إلا بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). اِجمع القلب وأخلص الدعاء بصدق وأنت تقول هذه الكلمة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

والآن توجه بطلبك الغاية المقصودة لك في الدنيا والآخرة، الغاية التي إن نلتها نلت الخير كله وإن فقدتها لا قدّر الله فقدت كل شيء (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) الهداية الخاصة، الهداية للعبد الذي لا يستعين إلا بالله، الهداية للعبد المُخلِص الذي توجه بكله لله وحده. الهداية على نوعين: هداية عامة وهداية خاصة. الهداية العامة لكل البشر (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) البلد) بيّنها الله سبحانه لخلقه أجمعين أما الهداية الخاصة التي يختص بها عباده المؤمنين الذين أقبلوا عليه بقلوبهم في هذه الصلاة العظيمة، هذه الهداية الخاصة هي هداية المعونة والتوفيق للوصول إلى رضاه سبحانه وتعالى هداية من نوع خاص، هداية يفتح الله بها عليك كل ما أُغلق دونك من أبواب، يفتح بها عليك الصراط المستقيم ولذا جاءت (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) طريق الحق، طريق من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين طريق الأولياء والأنبياء والشهداء، الطريق الذي سار عليه الأنبياء عليهم السلام من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم طريق معبّد، طريق ممهّد، طريق لا يمكن أن يسير عليه الإنسان إلا بتوفيقه وهدايته، الهداية.

(اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) وهل هناك نعمة أعظم من نعمة الهداية؟ هب أنك قد أنعم الله عليك بنعم الدنيا التي تفنى في النهاية وتزول ولكن ربي لم يختص هذا الإنسان بنعمة الهداية، كيف ستكون النتيجة؟ ما أنعم عليه من تلك النعم المادية وبالاً عليه في دنياه وفي آخرته فكم أشقى المال نفوساً ما سعدت بلقاء ربها، وكم أشقى الأولاد والبنون نفوس الآباء والأمهات وكم وكم؟! من الذي يمنع من كل هذه المصاعب والمصائب؟ من سوى الله سبحانه وتعالى؟ الهداية. (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) وتأمل في الأدب حسن الأدب مع الله، من الذي يُنعم سواه سبحانه؟ أنا أعترف بالنعمة لصاحبها سبحانه، أنت الذي أنعمت عليهم.

(غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ) الذين يرون الهدى ولكنهم يبتغون غير الهدى. (وَلاَ الضَّالِّينَ) ولا من رأى الهدى ولكنه ضلّ وتحيّر واختار شيئاً آخر. النعمة التي ينعم الله تعالى بها على الإنسان بالهداية نعمة لا تعوّض وهذه من أعظم ثمرات الصلاة أن تُدخل ضمن المنعَم عليهم ولذلك جاء بعدها قول المصلي (آمين) عبودية التأمين التي كانت تغيظ الشيطان. الذي يؤمِّن فيقول آمين لهذا الدعاء العظيم. تأمل هذه المعاني حين تستشعرها جميعاً وأنت الآن في أول مرحلة من مراحل الصلاة أنت واقف في الصلاة أنت قلت فقط الفاتحة، لم تقل شيئاً آخر، لم تركع، لم تسجد، ولكن كل الجوارح والمشاعر والعواطف والقلب والعقل انسجم في منظومة التوحيد التي أرادت الصلاة أن تحققه في نفسك. أنا أتساءل أبعد كل ذلك الاستحضار لهذه المعاني العظيمة في الصلاة وأنت واقف بين يدي ربك هل تعتقد أن القلب يمكن أن يغفل عن معاني هذه الصلاة وهذه الفاتحة؟ هل يمكن أن تتسلل الخواطر والمشاعر وماذا سأفعل بعد الصلاة وماذا فعلت إلى قلب قد مُلئ بهذه المعاني العظيمة؟ بالتأكيد لا، نعم قد يحدث منا سهو في بعض الأحيان ولكن قطعاً لا يصبح السهو هو العادة الدائمة لنا. هذه المعاني إذا وجدت طريقها إلى القلب بعون الله ومشيئته انفسح القلب، انشرح القلب، أصبحت الصلاة بحق قرة عين المحبين، قرة عين المصلين، أصبحت الصلاة بحق راحة ولذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: أرِحنا بها يا بلال. هذا النوع من الصلاة التي تريح القلب من عناء الدنيا، من مكابدة مصائبها ومصاعبها ومشاغلها وهمومها وأحزانها. الصلاة التي تعيد للتوحيد رونقه، الصلاة التي تعيد للقلب نوره، الصلاة التي تضيء جنبات القلب فتصبح نوراً ليس فقط في الدنيا أنا بحاجة إليه ولكن نور في القبر، نور على الصراط، نور في أثناء العرض على الله عز وجل هذا النوع من الصلاة التي إن ضاعت ضاع كل شيء والتي إن حصّلها المؤمن بمشيئة الله ومعونته فما عليه ما فاته من الدنيا، هذا النوع من الصلاة التي نريد أن نصلّيها بحق لله سبحانه وتعالى.

سورة الفاتحة حين تُقرأ بهذه المعاني القلبية المستحضرة تُخلّص الإنسان من مرض خطير مرض الشُحّ والأنانية فأنا لما أقول وأكرر بالقول بصيغة الجمع (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) أنا أحب الخير لكل الناس أنا أتمنى الهداية لكل من كان معي ومن لم يكن لمن أعرف ومن لا أعرف وأنا أدعو للآخرين بأحب وأغلى ما يمكن أن يُدعا به الهداية للصراط المستقيم ومشاركة الآخرين بهذا الخير العميم. الصلاة بهذه المعاني تُخلِّص المؤمن من هذا المرض الخطير.

ثم تأملوا ونحن ننتقل بين حركات الصلاة من موقف إلى آخر. نحن نعلم أن التلبية هي شعار عبادة الحج أما في الصلاة فهناك شعار التكبير لأن سرّ الصلاة هو تعظيم الله عز وجل وتكبير الله سبحانه وتعالى بتوجيه العبادة قلباً وقالباً له وحده لا شريك له. فبعد التكبير والانتقال إلى ركن جديد ركن الركوع تأتي مرحلة الخضوع لله عز وجل، الركوع. الركوع هو انحناء الظهر بين يدي الله سبحانه وتعالى ولكن هو ليس مجرد حركة ظهر خالية من المعاني القلبية. الركوع والانحناء حين أنحني أمام الله عز وجل ركوعاً إنما أخضع لعظمته سبحانه وتعالى أستكين لهيبته أتذلل لعزته، خضوع القلب، خضوع الجوارح، خضوع القول في أتم الأحوال في هذا الركن ليُظهر المؤمن ذله وانكساره بين يدي الله عز وجل فيتصاغر الإنسان ويتضاءل أمام عظمة الله سبحانه وتعالى. ولكن عليه أن يتذكر وهو ينحني في الركوع أمام الله عز وجل أن لا ينحني في حياته كلها إلا لله سبحانه حركة وعملاً قلباً وقالباً ظاهراً وباطناً. وعليه أن يتذكر وهو يركع لله وحده دون سواه أنه كلما استولى على قلبه تعظيم الرب سبحانه وتعالى كلما قوي لديه الدافع لأن يخرج من قلبه تعظيم الخلق وتعظيم البشر ويزداد تصاغراً هو عند نفسه في الركوع قلباً وقالباً.

ثم شُرع له بعد ذلك أن يرفع رأسه وتأمل الربط: خضوع وانحناء ثم رفع للرأس أذن لك الله سبحانه وتعالى أن ترفع رأسك بعد أن أظهرت الذل والخضوع والانكسار بين يديه، بعد أن استشعرت مدى صغر حجمك وتضاؤل نفسك أمام خالقك وكبرائه وعظمته سبحانه. اِرفع رأسك وأنت واثق أن الله سامعٌ لكلامك، ناظر إليك وقل بالقلب قبل اللسان (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) انظر إلى عبودية الحمد التي هي مدار الصلاة، عبودية الحمد التي تتكرر في كل موقف من مواقف الصلاة (سمع الله لمن حمده) وتذكر وأنت تقول هذه الكلمة أنك عاجز عن الوفاء بحمده سبحانه وتعالى وتذكر أنك بمقدار استشعارك بعجزك لحمد الله بمقدار ما يعظم الله لك سبحانه وتعالى الأجر والثواب. الشعور بالعجز عن حمد الله من أعظم نعم العبودية. من أعظم مراتب العبودية أن تشعر أنك عاجز عن حمده سبحانه والوفاء بحقه. وقل بالقلب (حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه ملء السموات وملء الأرض) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل عبادة القيام من الركوع كما يطيل عبادة الركوع والسجود ويُكثر فيها من الثناء والحمد والتمجيد وكان في قيام الليل يكثر من قوله (لربي الحمد) ويكرّرها، عبودية الحمد لله عز وجل.

ثم وأنت تنحني بعد ذلك وتنتقل من القيام إلى السجود، وصلنا إلى لبّ الصلاة وهو السجود هذه المرحلة التي أقرب ما يكون العبد كما ورد في الحديث الصحيح لربّه وهو ساجد، يخر بين يديه ويعطي في سجوده لكل عضو من الأعضاء حظّه من العبودية ويضع أشرف وأعلى ما فيه وهي الناصية على الأرض بين يدي ربه سبحانه وتعالى ويُرغم أنفه لله ويخضع قلبه لله ويضع أعلى ما فيه وهو الوجه على الأرض. وعليه أن يستحضر بين يدي تلك الأعضاء والحركات أن يضع قلبه ساجداً خاضعاً بين يدي الله عز وجل. راغماً أنفه له سبحانه وتعالى، متذللاً لعظمة ربه سبحانه وتعالى خاضعاً لعزّته، منيباً إليه، مستكيناً خاضعاً منكسراً بين يدي الله عز وجل. ولذا قيل لبعض السلف: هل يسجد القلب؟ قيل إي والله سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقى الله عز وجل. أيّ سجود للقلب؟ إخبات القلب تذلل القلب خضوع القلب وتواضع القلب وإنابة القلب وحضوره لله عز وجل ومراقبة الله سبحانه وتعالى. وتذكر وأنت تسجد له سبحانه تذكر وأنت تضع ناصيته بين يدي الله عز وجل أنك الآن قد أُذن لك أن تكون في أقرب منزلة لله سبحانه وتعالى قرباً يليق بجلاله. تذكر عظمة الرب سبحانه وتعالى، تذكر أنك ستعود إلى الأرض وإلى التراب. قل بكل ذل وتذلل وخضوع له سبحانه وتعالى (سبحان ربي الأعلى وبحمده، سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره) وأطل السجود بين يدي الله، سجود الأعضاء سجود الجوارح والناصية وسجود القلب بين يديه سبحانه. السجود من أشرف مراتب العبودية لله سبحانه وتعالى ولذلك جاء في الحديث أعني على نفسك بكثرة السجود الصلاة سميت سجوداً (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) العلق) (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) الحجر) السجود أشرف مراتب العبودية لله عز وجل وأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد. كيف يحوز العبد على هذه المنزلة العظيمة إذا لم يسجد القلب لله عز وجل؟ كيف يمكن أن أستشعر معاني القرب والدنو والشرف بهذه المنزلة دون أن أُسجد قلبي لله سبحانه وتعالى؟ عليّ أن أستحضر هذه المعاني وأنا أرددها في السجود علي أن أكثر من الدعاء والتذلل والخضوع بين يدي الله عز وجل وأنا ساجد، عليّ أن أستشعر هذه المعاني (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) عليّ أن أستحضر معنى أن الله ينظر إلى قلبي وأنا ساجد، فيا ترى أين قلبي وأنا أسجد بين يدي الله عز وجل؟! أعظم البؤس والشقاء أن أسجد بجبهتي وناصيتي على الأرض لله ولكن قلبي لم يسجد له، قلبي تاه مني في وسط الصلاة، قلبي تاه مع المشاغل والوساوس والخواطر والأفكار، قلبي ضاع وضيع معنى أن يكون الله سبحانه وتعالى أكبر من كل أحد حال قيامي في الصلاة ونحن قلناأن شعار الصلاة الله أكبر والتكبير يكرر في أكثر من موضع بين الانتقال من ركن إلى آخر لأن مدار الصلاة أن يكون الله أكبر في حياتي من كل أحد ومن كل شيء. فلا تحولنّ الخواطر وسفاسف الأمور بيني وبين سجود قلبي لله عز وجل. وإياك أن ينظر الله إلى قلبك وأنت ساجد فلا يجد قلبك قد سجد له وإنما ذهب منك في مكان آخر. ما الذي سأحصل عليه إن غاب قلبي حال السجود لله سبحانه؟! ماذا سأربح؟ ماذا سأكسب؟ عليّ أن أعود قلبي أن يسجد مع سجودي وخضوعي لله سبحانه وأن يتخذ القرار بأن لا يسجد إلا لله سبحانه. ومن هنا كان للصلاة من هذا النوع أعظم أنواع الأثر في الحياة وفي الواقع أن لا ينحني ولا يسجد القلب إلا لمن خلقه سبحانه، الخضوع، التذلل، الانكسار. أنا في حياتي قد أتخذ قرارات لارضاء أحد أو خشية أن يغضب علي أحد من الناس لسبب أو لآخر، الصلاة بهذه المعاني العظيمة تعلمني أن لا أخضع إلا لله وحده تعلمني أن يكون دائماً تطلّعي إرضاء الله سبحانه وحده دون سواه، تعلمني أن يكون المقصود الأول والأخير لي في حياتي هو رضى الله سبحانه وتعالى زإذا كان رضاه غايتي فماعليّ أبداً من غضب ومن لم يغضب من البشر ومن الناس. تكبير الله سبحانه وتعالى، تعظيم قدر الله سبحانه وتعالى في قلبي وفي نفسي.

ثم تأمل وقد شُرع لك أن ترفع رأسك وتعتدل جالساً بين يدي الله سبحانه وتعالى تأمل الاعتدال المحفوف بسجودين سجود قبله وسجود بعده، أن تعتدل من السجود إليه ثم من الجلسة والاعتدال إلى السجود الآخر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الجلوس بين السجدتين بقدر السجود يتضرع إلى ربه يدعوه يستغفره يسأله من رحمته وهدايته ورزقه وعافيته، لماذا؟ لأني أعتذر إلى الله مما جنيت، أرغب إليه أن يغفر لي ويرحمني، أرغب إلى الله سبحانه ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الاستغفار في الجلوس بين السجدتين فيقول “رب اغفر لي “ويكثر من الرغبة فيه إلى الله عز وجل. يستخرج ما عليه من الحق، يتخلص من مطالبة الله سبحانه وتعالى من الحقوق عليه، والقلب شريك النفس في الخير وفي الشر في الثواب وفي العقاب فأراد بهذا الاستغفار أن يستخرج ذلك كله من القلب، القلب الذي إن قوي الاستغفار فيه خضع وسجد لله سبحانه وإن غاب عن معاني الاستغفار غاب كل شيء وأصبحت الصلاة مجرد حركات لا تخضع القلب له سبحانه وتعالى ولا تغير ولا تعدّل ولا تبدّل. القلب ملك الجوارح والأعضاء إن خضع خضعت الجوارح وإن لم يخضع لم تخضع الجوارح حتى وإن ركعت وسجدت وقامت ورفعت. وتأمل معاني الدعاء بين السجدتين: رب اغفر لي رب ارحمني رب اهدني رب ارزقني، الرزق يحلب للإنسان مصالح الدنيا والآخرة ولكن هذا الرزق لا يأتي بمعصية الله سبحانه لا يأتيك رزقك إلا بالتذلل والخضوع والاستغفار والانكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى ولذلك هذه وصية الأنبياء، وصية القرآن (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) نوح) وتأملوا حال العالم اليوم، العالم يعيش في فقر وهو غني، غني بموارده الطبيعية غني بغبادعاته وانجازاته التقنية غني بعلومه ومعارفه لكنه فقير يشكو الفقر فنسب الفقر والبطالة في كل مكان تجاوزت الحدود. لنا أن نتساءل اليوم من أين جاء الفقر؟ ولمَ أصبح شبح الفقر في العالم يحاصر الناس؟ لِمَ؟ البعد عن الله عز وجل، البعد عن الله سبحانه وتعالى، الغنى لا يأتي إلا بالتذلل والانكسار والخضوع لأمر الله سبحانه وتعالى. والأمر المقصود به هنا ليس فقط أمر الإيمان أو الصلاة أو العبادة وهو الجزء الأهم ولكن الأمر بالخضوع في الصلاة الذي يعلم الخضوع لتعاليم الله في الواقع بعد الصلاة. القلب الذي تربيه الصلاة على الخضوع والانكسار بين يدي الله لا يمكن إلا أن يخضع في واقع الحياة لأوامر الله وتعاليمه، النهي عن الظلم، النهي عن الاستبداد، النهي عن تبديد الثروات فيما حرّم الله عز وجل هذه الأنواع لا يمكن أن تحدث إلا بخضوع القلب قلباً وقالباً لله ولأوامره ولتعاليمه.

ثم شرع للعبد بعد ذلك أن يعود للسجود كما كان ولم يكتفي بسجدة واحدة في الركعة بل جعل لشرف السجود سجدتين ليزداد العبد تقرباً من خالقه عز وجل ليكون ذلك أظهر لمعاني العبودية، ليعطيني فرصة حتى أخضع لله عز وجل إن ضاع مني شيء في السجدة الأولى أحاول أن أستكمل ما فاتني من نقص في السجدة الثانية. شيء عجيب، هذا السجود الذي ينتقل بي في مراتب العبودية ويجعلني أكثر خضوعاً وأكثر تقرباً لله سبحانه وتعالى. اِقطع عن النفس الموانع الداخلية بأكملها وأنت تسجد بين يدي الله عز وجل تأمل في صلاتك وحاسب قلبك يا ترى ما الذي يحول بيني بين السجود بين يدي الله سبحانه وتعالى؟ تأمل في تلك المعاني، اِقطع الموانع، اِقطع الشواغل التي تحول بينك وبين السجود لخالقك عز وجل ثم تأمل في معنى أن تكرر هذه الأعمال.

وما قمت به في الركعة الأولى تقوم به في الركعة الثانية وربما ثلاث كما في صلاة المغرب أو أربع كما في الظهر والعصر والعشاء، لماذا. لتلازم تلك المعاني التي ذكرنا وتتحقق في القلب، تلازم القلب، تحدث الأثر الحقيقي، التكرار لإحداث الفرق، التكرار إنما جعل للتأكيد ولتأكيد هذه المعاني في القلب، لإحداث الفرق والعلاج الحقيقي والشفاء الذي تكون به الصلاة، سر الصلاة الإقبال على الله عز وجل. فما فات منك في مرحلة معينة لا سمح الله يمكن أن يستدرك في المرحلة التي تليها. هذا السر في الصلاة الذي هو يشكل روح الصلاة أن يُقبل العبد على الله بكلّيته فيها ولا يصرف وجهه عن القبلة، من شروط الصلاة استقبال القبلة فكما لا ينبغي لك أن يُصرف وجهك عن استقبال القبلة في الصلاة لا ينبغي أن يصرف قلبك عن الله عز وجل ولا لثانية واحدة. إقبال القلب على الله سبحانه وتعالى فإذا ‘رض القلب عن الله سبحانه وتعالى أعرض الله عنك، كما تدين تدان، لا يلتفت قلبك في الصلاة عن الله سبحانه وتعالى وأنت تناجيه، تقول له إياك نعبد وأنت قد عبدت الهوى، تقول إياك نعبد وأنت قد عبدت المال بكثرة انشغالك به فيه حتى وأنت في الصلاة وحال قيامك في الصلاة. بالتأكيد الأمر يحتاج إلى مجاهدة نفس، الأمر يحتاج إلى نوع من أنواع الصراع مع النفس الأمارة بالسوء ومع الشيطان ولكن تذكر دائماً أنه على قدر مجاهدتك لنفسك واستعانتك بالله سبحانه على ذلك على قدر ما يوفقك الله سبحانه وتذكر دائماً وأنت تقول (إياك نعبد وإياك نستعين) عبادة الله يحتاج العبد فيها إلى معونة وهذه المعونة لا يمكن أن تحصّل إلا من الله سبحانه وتعالى، اِستعن على عبادة الله بطاعته، استعن على عبادة الله بدعائه، اِستعن على حضور قلبك في الصلاة بكثرة الطلب والدعاء من الله عز وجل أن يرزقك الخشوع، أن يرزقك الاخلاص، أن يرزقك حضور القلب في الصلاة. أقبِل على الله حتى يُقبل الله عز وجل عليك.

ثم إن الإقبال في الصلاة على منازل: إقبال العبد على قلبه ليحفظه ويصلحه من أمراض الشهوات والوساوس والخطرات التي تبطل ثواب الصلاة وتنقص من أجر الصلاة وإقبال من العبد على الله بأن يراقب الله سبحانه في صلاته في كل حركاتها حتى يعبد الله كأنه يراه وإقبال من العبد على معاني الكلمات التي يتلفظ بها وعلى معاني حركات الصلاة ن ركوع وسجود وقيام فإذا استكمل هذه المراتب كما يقول ابن القيم فيكون بذلك قد أقام الصلاة حق الإقامة (يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) وتأمل لم تذكر الصلاة في كتاب الله عز وجل إلا بمعنى الاقامة (أَقِمِ الصَّلاَةَ) (يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) إقامة الصلاة بهذه المعاني، إقامة الصلاة بأدائها بوقتها، إقامة الصلاة بتلبية النداء بالتسلسل الذي ذكرنا وعلى قدر ما يقبل ويقيم العبد صلاته لله على قدر ما يكون حظ العبد في إقبال الله سبحانه وتعالى عليه. ولك أن تتخيل إذا أقبل الله عليك كيف ستكون حياة الإنسان؟ كيف ستتبدل الأوضاع التي أنت فيها.

ثم بعد الانتقال من كل تلك المراحل يأذن الله سبحانه وتعالى لك أن تحييه وأن تقول (التحيات لله) الله سبحانه وتعالى أذن لك أن تحييه بما أمرك به سبحانه وتعالى، أذن لك، تأمل في هذه المعاني العظيمة وأنت تردد كلمات التحيات الطيبات تذكر الشهادة التي تدخل بها على الله سبحانه وتعالى (أشهد أن لا إله إلا الله ) تذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تصلي وتسلم عليه، تذكر عباد الله الصالحين الذين أُذن لك أن تسلم عليهم، تذكر الرفقة الطيبة التي أنعم الله بها عليك، تذكر كل هذه المعاني وأنت تتلو التحيات، تذكر وأنك بخروجك وإنهائك للصلاة التي إن وقعت على هذا الشكل التي ذكرنا لا يحب العبد أن تنقضي أبداً ولذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح كانوا يتلذذون بالصلاة، كانوا يطيلون الصلاة كانوا لا يستشعرون الوقت الذي يقضونه بالصلاة لأن الصلاة بهذه المعاني قرة عين المؤمن لذة الحياة، أطيب ما في الدنيا. كان البعض منهم حين يُسأل عن آخر ما يتمناه في الدنيا كان يقول أريد فقط ركعتين أركعهما لله عز وجل، لماذا؟ الصلاة لذّة، الصلاة بهذا المعاني العظيمة تحقق الهدوء تحقق السكون، تحقق الخشوع تحقق الأمان والاستقرار والسعادة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بهذا النوع من الصلاة. الصلاة التي تجمع القلب من أودية الدنيا المختلفة لتجعله خاضعاً منكسراً بين يدي الله عز وجل الصلاة التي تجمع قلب المؤمن على ربه سبحانه وتعالى الصلاة التي تطفئ نار الحسرات والشقاء والفقر لغير الله سبحانه وتعالى الصلاة التي تجعل المؤمن غنياً بإقبال الله سبحانه وتعالى عليه، الصلاة التي تجعل المؤمن وتخرّجه بعد الانتهاء منها، صلاة تجعل الإنسان يتخرّج بدرجة عبد لله سبحانه وحده دون سواه. الصلاة التي تحقق معاني الاخلاص والرجاء لما عند الله سبحانه وتعالى الصلاة التي تهون على المؤمن مصائب الدنيا ولذلك ربي سبحانه وتعالى يأمر عباده يقول (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) البقرة). هذا النوع من الصلاة هو الذي يهوّن على الممن مصائب الدنيا وكروب الدنيا ومضائق الدنيا وابتلاءاتها التي لا تنتهي والتي للمؤمن منها حظ كما للكافر ولكن الفارق بين المؤمن والكافر شاسع، المؤمن يحتسب كل ما يحدث له في الدنيا عند ربه عز وجل فرحٌ بما عند الله، متيقن بأن جزاء الصبر أعظم من الصبر وأعظم مما فاته من حظوظ الدنيا متيقن أن حتى الهم يصيبه وحتى وجع الرأس الذي يصيبه وحتى وخزة الإبرة التي تصيبه قد جعل الله له فيها قدراً من الصبر قدراً من الجزاء الأوفى عنده قدراً من الطمأنينة سكن إلى ربه عز وجل رضي بما قضى الله سبحانه وتعالى في الدنيا، هذا النوع من الصلاة هو الذي يُحدث التأثير.

فإذا انصرفت من الصلاة ولم أجد كل الثمار التي تحدثنا عنها هذا يعني أن ثمة خلل في صلاتي علي أن أتبين موضع هذا الخلل. هذا يعني أن معاني الصلاة التي ذكرنا التي تستدعي حضور القلب لم تكن موجودة في أثناء الصلاة، علي أن أحاسب نفسي عليها فإذا ما وجدت أن هذه المعاني قد فقدت في صلاتي علي أن أستحضر معاني الحزن والبكاء على ما فاتني في الصلاة فلا يكتب لي من الصلاة إلا على قدر ما يحضر قلبي فعلاً، الصلاة ممكن أن تكون تامة وممكن أن تكون ناقصة النقص يحدث من انشغال القلب وبعده وإعراضه عن الله عز وجل، أحتاج أن أحاسب نفسي على حضور قلبي أو عدم حضور القلب في الصلاة. أحتاج أن أحدث في حياتي تغييراً، هذا التغيير بسبب الصلاة، الصلاة إذا انكسر فيها شيء علي أن أسارع إلى جبره بزيادة النوافل إلى الله سبحانه وتعالى، بالحفاظ على الأذكار وكثرة الاستغفار بعد الصلاةهذا النوع من الاستغفار  يجدد في قلبي الحياة يجدد في قلبي الخضوع والخشوع لله سبحانه وتعالى والعزم على عدم الغفلة أثناء الصلاة. يجدد في قلبي أنواع الفرح حين أسمع نداء الصلاة، المؤمن يفرح حين يسمع نداء الصلاة لأنها دعوة من الله سبحانه وتعالى وهو يفرح حين يلبي ذاك النداء وتلك الدعوة. هذا النوع من الصلاة هو الذي نحتاج إليه في حياتنا المعاصرة لا الصلاة التي ننقرها نقراً، لا الصلاة التي لا تحدث فرقاً في حياتنا، هذا النوع من الصلاة هو أحوج ما نكون إليه لكي نعالج ما نعانيه من هموم وأحزان هذا النوع من الصلاة نحتاج إليه لنعالج ما نمر به من مشاكل اجتماعية وأسرية واقتصادية وسياسية نحن بحاجة إلى هذا النوع من الصلاة. نحن بحاجة إلى أن نقيم الصلاة في حياتنا من جديد هذا النوع من الصلاة هو الذي نلقى به الله سبحانه وتعالى يوم القيامة فالرب الذي ساتعبد إليه بعد انتهائي من الصلاة هو الرب الذي ركعت وسجدت له وسجد له قلبي وعلي أن أراقبه، الرب الذي راقبته في صلاتي وأذِن لي بأن أناجيه وأناديه وأقف وأخضع بين يديه هو الرب الذي ينبغي أن تحكم أوامره حياتي هو الرب الذي ينبغي أن أخضع له وفي معاملاتي وفي اقتصادي وفي تعاملاتي مع الآخرين سواء على نطاق الأسرة أو نطاق العمل أو أي نطاق في مناحي الحياة المختلفة. الرب الذي ركعت له في الصلاة هو الذي ينبغي أن أركع وأنحني لأوامره خارج الصلاة. الصلاة تلغي التناقض الذي يحدث أحياناً بين ما نراه في واقعنا بين من يحافظ على الصلاة في ظاهرها ولا يخافظ على أوامر الله ولا يراعيها في واقع المجتمع الذي يعيش فيه. هذه الصلاة تلغي هذا النوع من التناقض، صلاة الخاشعين تلغي التناقض المحموم الحاصل في حياة بعض المصلين هم في الصلاة شيء خارج الصلاة شيء آخر، الصلاة لا يمكن إلا أن تكون وجهان لعملة واحدة. الصلاة تربيني الصلاة تحسن أخلاقي الصلاة تغير سلوكي وتعاملي مع جيراني وأهلي وعائلتي وأسرتي. هذا النوع من الصلاة هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر بحق. هذا النوع من الصلاة هو الذي ينبغي أن نشيعه في أسرنا وبين أطفالنا. نحن نحرص كثير من الآباء والمربين والأمهات على تعليم الأولاد على الصلاة منذ الصغر وهذا شيء في غاية الأهمية والضرورة ولكن ينبغي أن نعلم أولادنا الصلاة بشكلها الصحيح ينبغي علينا أن نخرج بالصلاة من مجرد حركات ظاهرية إلى معاني إلى قيم إلى مُثل ينبغي أن نربي أولادنا على الصلاة الصحيحة على إقامة الصلاة ولذلك جاء في الدعاء في القرآن (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي (40) ابراهيم) إقامة الصلاة. عليّ أنا كمربي أن أنقل هذه المعاني إلى الصغار بأسلوب يقرب لهم جزاء الصلاة التامة الكاملة بأسلوب يجعل الصلاة بالفعل مناجاة بين العبد وربه. يقرّب لهم المعاني، يحقق لهم معاني الخشوع والخضوع يلغي قضية التناقض المحموم الموهوم الحاصل بين الإنسان حال الصلاة وبعد الصلاة. الصلاة التي تحدث الفرق في حياة الطفل هي التي يتربى على قيمها منذ نعومة أظفاره. فإذا تأكد المربي أن الطفل يقوم بغسل أعضاء الوضوء على سبيل المثال يؤكد له معاني الطهارة القلبية التي ينبغي أن تكون. إذا علمه كيف يغسل يديه يعلمه كذلك كيف يغسل قلبه بماء اليقين، يعلمه كيف يتجاوز الأخطاء التي ارتكبها قبل الصلاة، يعلمه أن الصلاة كالنهر الجاري بباب أحدنا يتوضأ ويغتسل منه في اليوم والليلة خمس مرات يعلمه أن الصلاة ماحية للذنوب من قبلها يعلمه أن الصلاة صفحة جديدة عليه أن يتعلم ماذا يكتب في تلك الصفحة الجديدة يعلمه أن الرب الذي يسجد له في الصلاة هو الرب الذي ينبغي أن يسجد له في سائر أموره وحياته ومعاشه، يعلمه على الانسجام والتوافق بين الصلاة وما قبلها وما بعدها، يعلمه أن لا تناقض في حياتنا، يعلمه أن الرب الذي ينبغي أن أراقبه في صلاتي هو الرب الذي ينبغي أن أراقبه في كلماتي وفي سكناتي فلا كذب ولا غش ولا خيانة ولا قول زور ولا سخرية ولا استهزاء بالآخرين. هذا النوع من الصلاة هو التهذيب الحقيقي هو الذي جاء عنه كل هذا الكم المهول من الآيات والأحاديث في فضله وفي الحث عليه والحض على القيام به، هذا النوع من الصلاة هو الذي بحق الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر.

نسأل الله العظيم أن يحيي قلوبنا بهذا النوع من الصلاة وأن يجعل الصلاة لنا نور وبرهان وصدق في حياتنا وأن يجدد عهدنا معه في الصلاة وبالصلاة. نسأل الله أن يتقبل منا سائر أعمالنا وصلاتنا وخضوعنا وخشوعنا له سبحانه وتعالى نسأل الله أن يرزقنا الخضوع والخشوع بين يديه وأن يرزقنا إقامة الصلاة على الوجه الذي يرضاه ويتقبله منا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


islamiyyat