تم إضافته 6 مايو 2013 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

التعريف بسور المصحف الشريف – سورة الأعراف – الشيخ محمد نصيف


سورة الأعراف

 

سورة الأعراف وهي أولى الطوليين، أطول سورتين في السور التي نزلت قبل الهجرة هي الأعراف والأنعام فتسميان الطوليين وطولاهما سورة الأعراف فهي أطول من سورة الأنعام. وبعض أهل التفسير رأى أن هذه السورة شرح لآيتين من سورة البقرة. وبين سورة البقرة وهاتين الآيتين اللتين في سورة البقرة وبين سورة الأعراف ارتباط وثيق من جهة أن هاتين الآيتين ذكرتا في قصة آدم في سورة البقرة وسورة الأعراف بدأت بذكر آدم عليه السلام وختمت بذكر شيء له علاقة ببني آدم وذكرت فيها نداءات كثيرة لم تذكر في سور أخرى في القرآن جاء النداء بـ(يا أيها الناس) (يا أيها الذين آمنوا) (يا أهل الكتاب)، هذه السورة اختصت بأربع نداءات (يا بني آدم) مما يُشعر أن آدم محور أساسي وموضوع أساسي في هذه السورة.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة بعد أن أُهبط أبونا وأمنا من الجنة بعد أن أكلا من الشجرة (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾) هاتان الآيتان في آخر قصة آدم تفصيلهما جاء في هذه السورة الطويلة سورة الأعراف.

هذه السورة من السور المكية بكل آياتها. ومن طولها استنبط بعض العلماء أنها نزلت في آخر العهد المكي لأننا لو نظرنا إلى السور التي نزلت في بداية العهد المكي نجدها قصيرة مثلاً سورة العلق، سورة الضحى، سورة المسد، وسورة الأعراف طويلة وسورة الأنعام طويلة، سورة الإسراء طويلة فرأى بعض أهل العلم أن هذا يدل على وقت نزولها تقريباً لأننا ولله المثل الأعلى في المنهج الدراسية تبدأ مناهج المرحلة الابتدائية مختصرة خفيفة ثم تزيد المناهج في المرحلة الثانوية ثم في الجامعة فهذا تدرج في التعليم. السور المدنية غالبها طويل والسور المكية فيها القصير والمتوسط والطويل لكن الطويل قليل وهذا منهج تربوي أن الإنسان يبدأ بالتدرج شيئاً فشيئاً وهذا من رحمة الله عز وجل بخلقه فلو أنزل القرآن على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة وقال لا بد للبشر أن يعملوا بكل هذا القرآن لكان ذلك أمره سبحانه وتعالى لكن الله حكيم ولطيف ورؤوف بالعباد سبحانه وتعالى فيتدرج ويرفق بالعباد شيئاً فشيئاً والحمد لله على نعمة الإسلام ونعمة القرآن.

هذه السورة اسمها الأعراف مأخوذ من موقف مذكور في السورة لأن الأعراف هو السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار على خلاف طويل لكن المشهور فيه أنه سور هو المذكور في سورة الحديد قال الله تعالى (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) إلى أن يقول (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)) انظرونا يعني انتظرونا، هذا كلام المنافقين للمؤمنين. هذا السور هو سور الأعراف والأعراف منها عرف الديك وهو شيء مرتفع بارز فالأعراف فيها نوع من الارتفاع قالوا إذن هو السور الذي في سورة الحديد لكن من هم أصحاب الأعراف المذكورون في هذه السورة (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ)؟ هؤلاء على أشهر الأقوال قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فظلوا في هذا المكان فترة من الزمن على خلاف طويل بين السلف في تحديد حالهم، فهذا سبب التسمية ورود ذكر الأعراف فيها. والسورة من السبع الطوال التي من أخذها فهو حِبر.

وقد عدّ بعض أهل العلم من فضائلها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بها كاملة في صلاة المغرب رغم طولها وعادة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب أنه لا يقرأ الطوال لكنه قرأ بهذه السورة العظيمة التي تذكر بالآخرة تذكيراً منقطع النظير.

موضوع السورة رأى بعض العلماء أنه شرح للآيتين في سورة البقرة (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) الهدى يأتيك الوحي، الرسول ومعه الهدى (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) مشى وراء النبي صلى الله عليه وسلم مشى وراء آيات القرآن: اترُك، اِفعل، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة، وإذا قلتم فاعدلوا، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) مما يستقبلهم بعد الموت، هكذا يحمله عامة المفسرين في أكثر الآيات (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾) على ما فاتهم من الدنيا. قال (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾) وهذا يُشعر بشيء خطير الناس فريقان: من يتبع الهدى والمقابل الكافر لكن المسلم قد يتّبع بنسبة معينة فيظل مسلماً ويكون عنده شيء من التقصير فيكون له حظ من (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) كلما زاد اتباعنا للهدى الذي أتانا من ربنا كلما زدنا دخولاً في سلك هؤلاء (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) جعلنا الله منهم.

أقسام السورة

لو نظرنا لهذه السورة فقد قسمت عند بعض أهل العلم إلى ثلاثة أقسام تفهمها من خلالها:

القسم الأول يبدأ بقوله سبحانه وتعالى (المص ﴿١﴾) بعد هذه الحروف التي مر معنا شيء من تفسيرها أول كلمة يقول الله سبحانه وتعالى (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وهو القرآن (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) وآخر آيات السورة لنعرف علاقة آيات السورة بعضها ببعض، أولها ذكر الكتاب وأنك لا بد أن تتمسك به (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾) وفي آخر السورة (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾) فكل السورة تدور حول التعامل مع القرآن والدعوة بالقرآن والدعوة إلى القرآن وهذا هو ما ذُكر في سورة البقرة (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) بنو إسرائيل جاء الهدى، موسى والتوراة ثم طائفة منهم جاءهم هدى عيسى والإنجيل ونحن جاءنا خير البرية صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم فهدانا خير هدى مع فضل موسى وعيسى إلا أن الله أكرمنا ولا بد أن نشعر بكرامة الله لنتمسك بها فكرامتنا أعظم كرامة: كرامة كوننا من أمة النبي صلى الله عليه وسلم وهو أوتي خير هدى القرآن أفضل من التوراة والإنجيل مع فضل الجميع ومهيمناً عليه، القرآن مهيمن على الكتب السابقة يحكم عليها ولا تحكم عليه، يصححها ولا تصححه، ينسخها ولا نشخه فنحن في منّة عظيمة أن هذا الهدى جاءنا (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾) في هذا المطلع دعا الله إلى التمسك بالقرآن وبيّن أن قيمة كل عبد تكون هناك قال (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾) ثم ذكر قصة آدم وذكرت قصة آدم في هذه السورة بطريقة لم تُذكر في السور الأخرى. ولو قرأنا سورة الأعراف نلاحظ فيها -قلنا أن هدف سورة الأعراف أن الإنسان إذا جاءه الهدى من الله فسينقسم إلى أحد حالين إما أن يتبع الهدى فينجو وإما أن يُعرض عنه فيهلك – ما سبب الهلاك وما سبب النجاة؟ لو لاحظنا أكثر لفظين مذكورين في السورة بلفظهما أو بمعناهما أمران: الكِبر والنُصح. الكِبر يكثر كثيراً في السورة، معصية إبليس الكبرى الكِبر، القوم الذين كذبوا وذُكروا في السورة عدة أقوام كلهم فيهم الكبر بدرجات متفاوتة، ذكر الكبر كثيراً في السورة لأنه أكثر ما يصرف الإنسان عن هدى الله هو الكبر قال الله سبحانه وتعالى في هذه السورة في آية مخيفة وقوله الحق يقول الله ويُسند الفعل إلى نفسه (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ) يصرف الله سبحانه وتعالى أناساً عن آياته فلا يستوعبوها ولا يشعروا بها ولا يخافوا منها ولا ينتفعوا بها (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) يرون طريق الخير لكن مشكلتهم الكِبر (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) يرى الطريق الخطأ ويعرف أنه خطأ ويتخذه سبيلاً والعياذ بالله! (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴿١٤٦﴾) إذن الكبر أعظم ما يصرف الإنسان عن الوحي وبعض السلف يقول فيما يروى عنه (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال أمنعهم من فهم كلامي. تخيل إنساناً لا يفهم كلام الله الذي خلقه وكلّمه كي ينجو، يُمنع عن فهم هذا الكلام فكيف ينجو؟! لا يمكن أن ينجو. فالكبر معنى متكرر كثيراً في هذه السورة.

المعنى الثاني “النُصح” وأن عدم قبول النصيحة سبب لهلاك وأن النصح هو سبيل الرسل. ومن أعجب العجب أن الله ذكر أن إبليس عندما وسوس لآدم لما أُدخل آدم وحواء الجنة قال الله (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴿٢٠﴾ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢١﴾) النصح جاء على لسان إبليس وهذا يعني أنك لا تقبل أي نصيحة مع أن رفض النصيحة خطأ لكن إذا جاءك النصح من إبليس ويقول لك عش حياتك كسائر الناس، أتصلي كل صلاة في وقتها؟ اسهر قليلاً ثم نم ثم تفرج على البرامج فيؤخره ويؤجله وينصحه! لكنها نصيحة فاسدة (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ).

بعد قصة آدم جاءت نداءات متكررة أربع نداءات لم تتكرر في سورة من القرآن. قال:

1.      (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٢٦﴾) الستر نعمة من الله، ستر العورة نعمة من الله، آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة أول ما وقع لهما أن انكشفت عورتهما (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا) بعض الناس يدّعي الآن أن التطور هو في كشف العورات لكن آدم أول شيء بدت لهما سوءاتهما فتصرفا مباشرة (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) ليسترا عوراتهما، ثم جاء الامتنان من الله سبحانه وتعالى (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٢٦﴾) اللباس هذا نعمة من الله ولباس التقوى ذلك خير.

2.      ثم قال الله سبحانه وتعالى (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) قصة آدم ليست تاريخاً فقط وإنما هي حتى نحذر من الطريق (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٧﴾)

3.      ثم قال الله سبحانه وتعالى (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿٣١﴾)

4.      ثم قال الله سبحانه وتعالى (يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٥﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٦﴾)

ثم ذكر الله عاقبة الفريقين في الآخرة في وصف عجيب وفي نداء من أهل الجنة لأهل النار (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾)

ثم ذكر نداء أهل النار لأهل الجنة وذكر بينهما حديث أهل الأعراف

ثم ذكر الله سبحانه وتعالى قصصاً قصة نبي الله نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ثم ذكر موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. كل هذه القصص تمثل نماذج لأناس جاءهم هدى فانتفعوا به أو أعرضوا عنه. وكثر فيها مسألة الكبر ومسألة النصح فتجد نوحاً عليه السلام يقول (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٢﴾) ويقول هود (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴿٦٨﴾) وعندما أهلك الله قوم صالح قال (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٧٨﴾) تولى صالح عن قومه بعد أن أهلكهم الله وقال (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴿٧٩﴾) عندهم مرض، لا يحبون النصح والذي لا يحب النصح يهلك والعياذ بالله. وقال شعيب (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴿٩٣﴾) هؤلاء الذين لم يقبلوا النصحية والإيمان بالله سبحانه وتعالى كانوا من الكافرين فكيف يأسى عليهم؟! وكيف يحزن عليهم؟!

ثم ذكر الله قصة موسى وكانت قصة موسى طويلة جداً في السورة ذكر حال موسى مع فرعون ثم ذكر حال موسى مع قومه بعد فرعون ثم ذكر حال قوم موسى بعد موت موسى وذكر في ذلك من العبر ما ذكر وإذا تأملت تلك الآيات تجد أن النصح والكبر متكرر فيها جداً ومنها قصة أصحاب السبت (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) كانت تأتيهم الحيتان يوم السبت وغير يوم السبت الذي يسمح لهم بالصيد لا تأتيهم (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾) فكان هناك من ينصحهم وكان هناك من ينصح الناصحين ويقولون لهم لم تنصحوهم؟! اتركوهم في حالهم (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾) إلى أن مُسِخ أولئك قردة وخنازير والعياذ بالله!

وفي ختام السورة تذكير بالعهد الأول الذي أُخذ على البشر آدم لما أُهبط قيل له (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى (38) البقرة) لكن هنا يصف الله حالة أخرى قال (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) وهذا أمر غيبي نؤمن به (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴿١٧٢﴾) ثم ذكرت نماذج في السورة تبين حال بعض من لم يوفي بالعهد ومن لم يستجب للوحي منها قوله سبحانه وتعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا) ومن رحمة الله سبحانه وتعالى في القرآن أنه عندما يذكر حالة شخص سيء أو حالة مهلكة يذكر بعض صفات أولئك حتى لا تصل إلى ما وصلوا إليه قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا) هذا شخص أعطاه الله من آياته إذن هذا شخص عنده علم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) هذا هو الشاهد وهذه الصفة التي وصفه الله بها لتعرف سبب هلاكه قال (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) إذن اتباع الهوى مع أن الإنسان عنده آيات من آيات الله بلغته لكن اتباع الهوى يهلكه (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) نسأل الله السلامة.

وفي آخر السورة قال الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾) وهذه وصية عظيمة من الله سبحانه وتعالى فالقرآن لا يكفي أن نقرؤه ولا أن نسمعه إنما لا بد أن ننصت ونحاول أن نعي علنا نكون من المرحومين. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩﴿٢٠٦﴾) فمن لم يستجب لوحي الله ومن لم يستجب لهدى الله فالله غني عنه فعنده الملائكة وعنده من خلقه من يسجد له ويسبحه فمن سجد معهم نجا وربح ومن سجد معهم تنحى الشيطان يبكي جانباً كما في الحديث ومن أعرض هلك والعياذ بالله مع الهالكين أسأل الله أن يجعلنا من المقبولين.

http://www.youtube.com/watch?v=njj5r8dzWUE


islamiyyat