تم إضافته 7 مايو 2013 بواسطة islamiyyat في القرآن الكريم وعلومه
 
 

التعريف بسور المصحف الشريف – سورة الأنفال والتوبة – الشيخ محمد نصيف


سورة الأنفال والتوبة

 

هاتان السورتان متصلتان جداً وبينهما تشابه كبير ولذلك سنعرضهما على شكل مقارنة ألا وهما سورتا الأنفال والتوبة وهما سورتان متتاليتان في المصحف وليس بينهما بسملة حتى عدّ بعض العلماء أنهما بمثابة السورة الواحدة وموضوعهما متقارب جداً إذ هما تتحدثان عن أمر واحد أساسي في الدين لا يتم الدين إلا به ولا يقام الدين على ما يرضي الله إلا به ألا وهو الجهاد في سبيل الله. فسورة الأنفال وسورة التوبة مترابطتان جداً بينهما كثير من الأمور المشتركة وبينهما عدد من الأمور المختلفة جداً والتي ينبغي التنبه لها.

النبي صلى الله عليه وسلم قسّم القرآن إلى السبع الطوال والمئين والمثاني والمفصّل، قال صلى الله عليه وسلم أوتيت السبع الطوال مكان التوراة وأوتيت المئين مكان الزبور (المئين جمع مئة) وأوتيت المثاني مكان الإنجيل (معناه أن الزبور والتوراة والإنجيل في مكان هذه السور) وفُضّلت (وهو أفضل الأنبياء صلى الله عليه وسلم مع فضلهم جميعاً) وفُضلت بالمفصّل. السبع الطوال هي ست سور متفق عليها والسابعة على الأصح هي سورة يونس، الست هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، هذه ست متفق عليها والسابعة مختلف فيها والأصح أنها سورة يونس كما رجّح بعضهم. بقي التفريق بين المئين، ما هي المئين؟ وما هي المثاني؟ المفصّل من سورة ق إلى سورة الناس. ما ليس من السبع الطوال وما ليس من المفصّل إما أن يكون من المئين وإما أن يكون من المثاني، إن كان مئة آية أو أكثر فهذا يكون من المئين وإن كان أقل يكون من المثاني.

عندنا سورة الأنفال وعندنا سورة التوبة، سورة الأنفال 75 آية على العدّ الكوفي (ومصاحفنا التي نقرأ بها برواية حفص عن عاصم على العدّ الكوفي لأن هناك عدة طرق للعد عن السلف أخذوها عن النبي صلى الله عليه وسلم فهماً وهذا لا يشكك في القرآن، القرآن كامل بحروفه لكن أين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف؟ لأن السنة كما هو مقرر عند أهل التجويد الوقوف على رؤوس الآيات، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقف أحياناً في موطن فيعتبره بعض الصحابة أنه رأس آية وأحياناً لا يقف فيختلفون في ذلك وهناك أسباب أخرى في علم خلص هو علم عدّ الآي) في العد الكوفي الذي نقرأ به في المصحف الذي بين أيدينا برواية حفص عن عاصم سورة الأنفال 75 آية إذن هي من المثاني وسورة التوبة 129 آية إذن هي من المئين فهما من قسمين مختلفين: الأنفال من المثاني مكان الإنجيل والتوبة من المئين مكان الزبور وهذا كله شرف لهذه الأمة أنها أعطيت ما أعطي السابقون مع فضل وهو المفصّل.

هاتان السورتان نزلتا في المدينة وهذا تشابه بينهما لكن هناك فرق كبير بينهما لأن سورة الأنفال نزلت بعد غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة وسورة التوبة نزلت متأخرة جداً وفي صحيح البخاري أنها آخر سورة نزلت ولذلك أحكام القتال اختلفت واختلف عرضها بين الأنفال وبين التوبة ولا ينبغي أن تعتبر آية في الأنفال ناسخة لآية في التوبة لأنها بعدها لا يمكن أن تنسخها فسورة التوبة فيها أحكام القتال تختلف عن أحكام سورة الأنفال وهذا لا يتنبه له الكثيرون. وكثير من أحداث سورة التوبة مرتبط بغزوة تبوك وهي متأخرة جداً وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم حجّ حجة الوداع ولم يحج في السنة التي قبلها لأنه كان المشركون يطوفون عراة فأرسل أبا بكر الصديق رضي الله عنه يحج بالناس وأرسل معه منادياً يؤذّن أن لا يطوف بالبيت مشرك إلى آخر ما في الحديث وأمر علياً بن أبي طالب أن يقرأ سورة التوبة على الناس مما يدل على أنها في تلك الحقبة في فترة متأخرة ولذلك الكلام في السورتين يختلف. القتال أعمّ وذكرت فيه الجزية في سورة التوبة وسورة الأنفال ليست في هذه المسائل.

سورة الأنفال ليس لها اسم ثاني وهذا اسمها المشهور وإن كان ذكر بعضهم أنها تسمى سورة الجهاد ذكره الإمام الطبري في تاريخه وذكر أنها كانت تُقرأ في المعارك، يقرأون سورة الأنفال استحثاثاً للقلوب على التقرب إلى الله بالجهاد. أما كلمة الأنفال فمعناها الغنائم، هذا أقرب معنى له وإلا فإن هناك خلافاً بين العلماء في التدقيق في الفرق بين الأنفال والغنائم.

مطلع السورة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1)) الأنفال الغنائم على خلاف يسير في تفصيل المراد بمعنى الغنائم.

أما سورة التوبة فأسماؤها كثيرة وقد مر معنا أن سورة الفاتحة هي أكثر السور أسماءً أوصلها السيوطي إلى أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين اسماً. سورة التوبة لها اسماء كثيرة وكثرة الأسماء تدل على خصوصيات في السورة. سورة التوبة نعرفها بهذا الاسم ومن أسمائها المشهورة براءة لأنها تتبرأ من المشركين والتوبة لأنها تدعو إلى التوبة والرجوع عن النفاق لأنه ذُكر فيها النفاق كثيراً وذكرت فيها التوبة عموماً مع المنافقين وغيرهم وتسمى الفاضحة لأنها فضحت أحوال المنافقين إلى غير ذلك من أسمائها.

السورتان تدوران حول الجهاد لكن لما اختلف التاريخ والوقت التي نزلت فيه كل سورة اختلف المقصود في الكلام عن القتال، فسورة الأنفال نزلت بعد غزوة بدر وغزوة بدر غزوة نصر للمسلمين بعد ضعف (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ (123) آل عمران) فكانوا في حالة ضعف ثم جاءهم النصر فجاءتهم أوامر وتعليمات من الله سبحانه وتعالى وجاءتهم التربية وكان من أظهر ما يظهر في سورة الأنفال وهو عجيب – ولله المثل الأعلى طالِب نجح في اختبار صعب فغالباً ما تمدحه وتشجعه – لكن هذه السورة سارت بطريقة أخرى تماماً فكان الحديث في كثير من آياتها في أن هذا النصر كان من الله سبحانه وتعالى وأنكم لم تكونوا تملكون شيئاً وأن الذي ألّف بين قلوبكم وجعلكم لُحمة فنصركم هو الله سبحانه وتعالى قال (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)) وقال قبلها في أول السورة مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم ومخاطبًا الصحابة رضي الله عنهم (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) من الذي قتل في المعركة؟ العين تقول الصحابة والله سبحانه وتعالى يقول (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)) وقد رمى النبي صلى الله عليه وسلم الحصباء في وجوه المشركين (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً (17)) إلى غير ذلك مما ذكر في السورة حتى أن الله سبحانه وتعالى ذكر في السورة أنه صرّف أبصار المؤمنين والكافرين فرأوا الأشياء على غير حقيقتها نصرًا للمؤمنين وخذلانًا للكافرين (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً (44)) الكفار كانوا كُثُر، كانوا ألفًا وكان المؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر فالفرق كبير ثلاثة أضعاف يقول الله (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ) ترون الكفار (إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) إذن عينهم لم تر الشيء على حقيقته وإنما رأته على غير حقيقته بما يخدم مصلحة المسلمين لأنه لو رأوا هذ الأضعاف المضاعفة لخافوا قال (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) مدد الله للمؤمنين بأن يتحكم في الأبصار، المؤمنون أصلاً قلة فقللهم أكثر حتى لا يكترثوا بهم أصلاً ولذلك جاء عن أبي جهل أنه قال قبل المعركة: إنما محمد وأصحابه أكلة جزور (يعني ذبيحة نأكلها) ولو التقينا فالتقوا فمكّن الله المؤمنين من رقاب الكافرين، فالسورة دارت على أن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى وجاء في السورة (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)) حتى لا يكون في قلوب المؤمنين أن هذا النصر كان من قدرتهم لأنه إن حصل هذا جاءهم الخذلان لأن الذي يعتمد على نفسه يهلك والذي يعتمد على الله (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)) فجاءت هذه السورة تربي الصحابة على هذا الأمر. وجاءت فيها أوامر كثيرة تعين على القتال واللافت فيها أن معظم هذه الأوامر لا تلتفت إليها جيوش العالم عندما تتقاتل. الجيش عندما يريد أن يتقاتل يقال له جهّز سلاحك، امسك المكان الفلاني، ادخل من الجبهة الفلانية، لكن الله سبحانه وتعالى يأتينا بأوامر بعيدة عن كل هذا فيقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (20)) ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)) وسط آيات القتال ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27)) ويقول (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً (29)) فرقانًا أي نصرًا على الكفار مثل يوم الفرقان الذي هو يوم غزوة بدر (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً) تقوى الله ليست في حسابات الجيوش البشرية التي لا تأخذ الوحي من الله سبحانه وتعالى ولا تأخذ دين الله، هذا أمر ليس بالحسبان بل قد يسكرون قبل المعركة، هذا واقع! أما الله سبحانه وتعالى فيأتينا بالأوامر التي يحتاجها الجيش المسلم ولذلك بدأت السورة بصفات المؤمنين قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾) وهؤلاء هم الذين ينصرهم الله سبحانه وتعالى. والسورة دارت حول الحثّ على القتال مع مثل هذه الوصايا وجاء فيها (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60)) الأسباب المادية مطلوبة لكن التركيز كان أكثر على الإيمان والتقوى وطاعة الله سبحانه وتعالى. جاء الحثّ على القتال وجاء ما يغيظ المؤمنين ويزيد من بغضهم للكافرين فجاءت الصفات التي في الكفار التي تدعو إلى قتالهم فأنت لا تقاتلهم لأنهم أخذوا أرضك وإنما تقاتلهم لأنهم عصوا ربك وأشركوا به سبحانه وتعالى (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ (29) التوبة) جاءت آيات كثيرة تبين أن القتال للكفار لأنهم كفار هذه علة لقتالهم وهم يستحقون لهذا أن يقاتَلوا لأنهم يعصون الله في أرضه وتحت سمائه سبحانه وتعالى.

أما القسم الأخير في السورة فقد جاءت فيها تقسيمات ربانية للبشر لأنه بعد غزوة بدر كان الناس أصنافاً: المهاجرون الذين تركوا ديارهم لأجل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء مؤمنون وهناك الأنصار وهم مؤمنون واستقبلوا المؤمنين في المدينة وصارت هناك دولة تستطيع أن تقاتل الكفار وقبل ذلك لم يكن هناك قتال. وطائفة ثالثة من المؤمنين لم تهاجر من مكة وبعضهم شارك في بدر وربما قُتل بعضهم في بدر خطأ لم يُعرف أنهم مؤمنون ويذكر هذا عن العباس أُسر في بدر وكان يخفي إيمانه على ما في بعض الروايات، هذه الطائفة الثالثة لم تهاجر فلها حق ولكنه ليس كحق من هاجر ونصر والطائفة الرابعة وهي طائفة الكفار، ذُكرت هذه الأقسام في آخر السورة.

موضوع سورة التوبة تتكلم عن الجهاد لكن بعد تقوية الدولة الإسلامية وبعد الفتح وبعد النصر فجاء فيها (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) لم يُذكروا في سورة الأنفال وكان التركيز أكثر على المشركين وقتال المشركين لكن هنا أهل الكتاب هم اليهود والنصارى وأكثرهم خارج الجزيرة العربية وليسوا العدو الأول مثل مشركي أهل مكة، العدو الأول انتهى لكن الآن القتال أعم ليس للمشركين وإنما لأهل الكتاب قال (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)) وهذا الشاهد على أن القتال ليس لأنهم قاتلونا. جاءت سورة أخرى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (190) البقرة) هذا حكم سابق لكن هنا (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) هذه عل”تهم وهي علّة خطيرة (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) ليسوا مشركين (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ثم بيّن الله سبحانه وتعالى بعض صفاتهم التي تدعو المؤمن لبغضهم قال (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)) إلى آخر ما ذكر عنهم.

هذه السورة سورة التوبة ترسي قواعد الدولة الإسلامية وقد استقرت خلافاً لسورة الأنفال. فبدأت السورة وهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام

جاء القسم الأول يأمر بالبراءة من المشركين (بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1)) وجاء فيها تحريم الولاء لهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)) هذه سورة التوبة وليست سورة الأنفال ففيها مفاصلة سديدة وفيها بيع النفس لله وجاء في آخرها (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ (111))

في القسم الثاني من السورة بعد التبروء من المشركين والأمر بقتالهم جاء القسم الثاني مبتدءاً بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38)) فأمر بالنفير العام وأطال الكلام عن المنافقين الذين يتهربون من هذا النفير والذين يرجفون بين صفوف المؤمنين ويبين حال المؤمنين الكُمّل. وجاء في هذا القسم أن النفير العام لا يقتضي أن ينفر كل أحد لأنه لو نفر كل الناس يحصل اختلال في الصف (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)) لو حصل قتال للمسلمين في أي مكان لا ينبغي أن ينفر كل المسلمين لأن هذا يكشف المسلمين في مكان آخر وفي ثغر آخر وإنما كل مسلم في المكان الذي يكون فيه أو يصل إليه يخدم دين الله فيما يستطيع في ذلك المكان الذي هو فيه.

وفي آخر السورة جاءت آيات عظيمة مناسبة لما جاء في السورة لأن هذه السورة فيها آيات صعبة على النفس وهي بيع النفس لله سبحانه وتعالى وفيها القتال مع الكفار فجاءت آخر السورة تذكّر بحقيقة النصطفى صلى الله عليه وسلم وأن هذه الأوامر لا تتعارض مع هذه الحقيقة قال الله سبحانه وتعالى (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) الشيء الذي يشق على المؤمنين يشق على النبي صلى الله عليه وسلم (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) ومع كل هذه الصفات التي اتصف بها النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه قاتل وأمر بالقتال مما يدل على أن القتال في عاقبته رحمة بالمؤمنين لأن المؤمنين إذا كفّوا عن القتال تسلّط عليهم الأعداء كما هو معلوم وذبحوهم ذبح النِعاج ولذلك كان لا بد من إقامة هذه الشعيرة وهي جزء من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الحريص على المؤمنين وهو بهم صلى الله عليه وسلم رؤوف رحيم. قال (فَإِن تَوَلَّوْاْ) إذا رفض الناس (فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ) يكفيني الله سبحانه وتعالى (فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).

http://www.youtube.com/watch?v=Paqnyc4zX_A


islamiyyat