تم إضافته 1 يناير 2012 بواسطة islamiyyat في دكتورة رقية العلواني
 
 

صلاة الخاشعين – 3 – د. رقية العلواني


صلاة الخاشعين – 3
د. رقية العلواني
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ها نحن نلتقي مجدداً في رحلتنا في داخل أنفسنا لتحسين صلاتنا، لنصل بصلاتنا إلى صلاة الخاشعين فعلاً. نحن اتفقنا منذ البداية على أن الأحاديث التي نتحدث فيها سوية في كل جمعة هي ليست مجرد أقوال أو نقل لأحاديث ونصوص، لا، هي يمكن أن نطلق عليه -إن صح التعبير يطلق عليه بعض التربويين والمختصين “بحث إجرائي” بمعنى أني أختار قضية معينة في حياتي، موضوع يستحق مني توجيه الاهتمام وأقرّر فيه التغيير، تغيير الحال التي أنا فيها سواء كان في مجال عمل، في مجال تربية، في مجال تدريس، في مجال أي مهنة وما يقال عن المهن يقال عن حياتنا يقال عن عباداتنا يقال عن أخلاقياتنا وسلوكياتنا ويقال عن صلاتنا التي هي أعظم ما يمكن أن يحرص المرء عليه في الدنيا وفي الآخرة. إذن نحن نحتاج أن نقوم بخطوة خطوة، نتّبع الخطوات لكي نصل إلى هذه الصلاة، خطوات عملية إجرائية. المرات السابقة اتفقنا فيها أن نجلس مع أنفسنا جلسة وعي بالنفس، محاسبة النفس. أنا لا يمكن أن أحسّن من صلاتي ولا يمكن أن أشتغل أو أعمل على أي قضية متعلقة بحياتي وسلوكي وأخلاقي وعباداتي كما ذكرنا إلا ذا أحطت علماً بأصل المشكلة، بأصل ما أعاني منه. أنا اليوم لديّ – آخر ما توقفنا عنده – لديّ إشكالية في صلاتي، أنا أعاني على مختلف الدرجات بطبيعة الحال من إشكال في حضور قلبي في الصلاة أنا أصلي بين يدي الله عز وجل وأحاول قدر المستطاع أن آتي بالواجبات وبالأركان الظاهرة المعروفة ولكن ثمة ركن مهم وهو الخشوع، حضور القلب بين يدي الله سبحانه. هذا الأمر يصعب عليّ تحصيله وهو أمر كما ذكرنا واتفقنا يختلف من واحد فينا للآخر، نحن نختلف ولكن كل واحد منا له حظ من غياب الخشوع وحضور القلب في أثناء الصلاة، إذن هذه هي المشكلة، أنا الآن حددت المشكلة في السجلّ الذي اتفقنا على التدوين والكتابة فيه، سجلّ صلاتي. بعدما توصلت إلى قناعة أني أعاني من إشكالية في حضور القلب، شخّصت المرض، أحتاج إلى التعرف على هذا المرض وأسباب المرض بشكل أكبر. بمعنى آخر ما الذي يجعل قلبي يغيب أثناء الصلاة؟ ما الذي يجعل قضية الخشوع بالنسبة لي غير حاضرة على الأقل على الدوام في صلاتي؟. قلبي حين يسهو ويغفل عن أني أخاطب ربي سبحانه وأنا أصلي وأناجيه، أين يذهب هذا القلب؟! طبعاً بطبيعة الحال لما أجلس مع نفسي اليوم سأجد أن الأسباب تختلف من كل واحد فينا إلى الآخر ونحن نريد وأنا أتمنى عليكم أن يكون هناك نوع من التفاعل بيننا لأجل أن نحاول أن نحصر جميع الأسباب ونحن كنا قد طرحنا تساؤلاً في السابق: قلنا ما هي أسباب غياب خشوعي في الصلاة؟ كان هذا هو التساؤل ونحن اليوم في سجلّ صلاة الخاشعين نتساءل: أنا قلبي حين يسهو عن ذكر الله وأنا أصلي أردد الآيات وأركع وأقوم وأسجد أين يذهب؟! الاحتمالات متعددة، واحدة من هذه الاحتمالات: الهموم، الكروب، الأحزان، المواقف الصعبة والشدائد التي تمر بكل واحد منا وهذا شيء طبيعي في الحياة. دعونا نحاول أن نقف عند كل واحدة من أهمّ ما يُشغلنا واحدة بواحدة، إذا عرفت وشخّصت الداء بشكل دقيق وصولي إلى تشخيص العلاج سيكون أسهل، والتزامي بهذا العلاج سيكون له فوائد أنجع وأكثر نجاحاً وقدرة على تغيير الوضع الذي أنا فيه في الصلاة. دعونا نقف أولاً عند الهموم والكروب والأحزان.
لا شك أن الحزن حين نحاول أن نفصِّل إن صح التعبير ما يمكن أن يعرف بفلسفة الحزن سنجد أن الحزن في القرآن قد جاء منهياً عنه دائماً (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (40) التوبة) (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) آل عمران) منهي عنه. ولنا أن نتساءل لمن الحزن منهي عنه وقد أصبح في حياة كل واحد منا جزء من تركيبة البشر، لا يمكن أن أجد بشراً في الدنيا اليوم وإن حاز أسباب الدنيا وأسباب السعادة المادية والمعنوية كذلك من أولها لآخرها لا يمكن أن يخلو من الأحزان وكأن الحزن أصبح شيئاً من الجِبِلّة الإنسانية، شيء قد فُطِر عليه الإنسان، جزء من تركيبته البشرية. إذن لماذا ينهى عنه القرآن؟! وهنا نتوقف ونبدأ نفهم معنى كلام ربي سبحانه حين يحدثني في القرآن ويرسل لي رسائل وهذا هو القرآن. الحزن كإحساس أو كشعور إنساني نمر به نتيجة لفقد شيء عزيز، شخص عزيز، تفويت فرصة عظيمة بالنسبة لنا، ذهاب شيء كبير بالنسبة لنا، هذا الإحساس أو الشعور الإنساني طبيعي جداً وبالتالي لا ينهى ربي سبحانه عنه لأنه شيء طبيعي كما أحتاج أن آكل، أشرب، أتكلم، أتحدّث، أنام أحتاج أن أشعر بهذا الشعور حين يمر بي ظرف صعب، شيء طبيعي. ولذا النبي صلوات ربي وسلامه عليه حين فقد ابنه العزيز ابراهيم قال: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولكن في النهاية لا نقول إلا ما يُرضي مَنْ؟ ربي سبحانه وتعالى “إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”. إذن أنا هنا أحتاج أن أتوقف وأن أفرق بين الألم الذي يصاحب المواقف المختلفة التي نمر بها كبشر وهي تختلف من كل واحد فينا للآخر وبين ما يترتب عليه وبين المدة التي أحتاجها للتعبير عن هذا الألم وهذا الشعور وهذا الحزن. الحزن شيء طبيعي اتفقنا عليه، بقي أن أحدد كيفية تعاملي مع هذا الحزن ومع هذا الإحساس ومع هذا الشعور والمدة التي ينبغي كبشر أن أعطيها لنفسي حتى أستطيع أن أتجاوز مرحلة الحزن والموقف الصعب الذي قد مررت به. هذه الأمور تحتاج مني إلى نقاط:
النقطة الأولى أن أضع في حسباني دائماً أن الحياة التي أعيشها على هذه الأرض ليست حياة خالية من الكدر وليست حياة خالية من المتاعب وليست حياة خالية من الهموم والأحزان والمشاكل ووقوع ما أكره وذهاب ما أحبّ أو فقدانه، لمَ؟ لأن هذه هي الطبيعة التي وُجدت فيها وأوجدها الله سبحانه وتعالى لهذه الحياة ولذلك ربي سبحانه قال عن ذلك (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4) البلد) هناك معاناة، هناك متاعب، هناك مصاعب، هناك أشياء تحدث على غير ما أتمنى وأتوقع، هناك أكدار، هناك هموم، هناك كروب، ولكن السؤال الذي يبقى مطروحاً في ذهني وينبغي أن لا يغيب عني: هذه الأكدار والهموم التي تحدث لي في الحياة، كيفية نظرتي إليها، هل سأبقى مُكبَّلاً فترة طويلة من الزمن تستنزف قدراتي وطاقاتي الإدراكية والأحساسيس وكل شيء؟ وتلهيني في بعض الأحيان وتوقعني فيما يعرف بالـ stress أو الـ depression أو القلق أو الاكتئاب وما نعرف من أمراض العصر هل ستوقعني؟ هل سأستسلم لها؟ هل سأبقى مكبلاً بهذه الأحاسيس والمشاعر؟ وكيف أتخلص منها؟ أحتاج ابتداء أن أُدرك بأنه ما من مصيبة تحدث في الأرض ولا في السماء ولا في أنفسكم ولا في أنفسنا نحن إلا في كتاب من قبل أن نبرأها وأحتاج أن أفهم وأن أوازن بين الشعور بالمسؤولية حين يقع الأمر على غير ما أريد وغير ما أخطط وغير ما أتمنى وغير ما أتصور أنه الخير لي وبين إحساسي بالمسؤولية عن الخطأ أو التقصير. نحن كبشر يقع منا تقصير وعلينا أن نحاسب أنفسنا عليه وأن نتعلم الدروس من المواقف التي نمر بها. اِفرض أني اتخذتُ قراراً وتبين أنه خطأ ونتيجة القرار أوقعتني في أحزان، أوقعتني في مصائب، أوقعتني في هموم ماذا أفعل؟ أبقى أندم أو أبقى أولول أو أدخل في حالة الاكتئاب أو ماذا أفعل؟ أنا كإنسان يُدرك معنى كلام الله عز وجل في كتابه سبحانه وكيف يعلمني ويربيني؟ أحتاج أن أتحمل المسؤولية أولاً وأكون على قدر الشجاعة لأن أتحمل مسوؤلية ما يصدر مني من سلوك وأخطاء وأعترف بها وأمتلك من الشجاعة ما يكفي لأن أعترف بالأخطاء وأواجه الأخطاء. وفي نفس الوقت في قرارة نفسي أكون متأكدة أن ما يحدث لله سبحانه وتعالى في كل أمر حكمة وغاية وتصريف وإرادة ومشيئة وأن مشيئتي كإنسان لا يمكن أن تخرج بحال عن مشيئته وإرادته سبحانه ومن ثمّ لا حجة لدي بين يديه لأعتذر، أنا معترف بتقصيري ولكن أطلب منه سبحانه السماح والعفو والمغفرة عن إساءة التدير، عن عدم تقدير الأمور بالشكل الصحيح عن التفريط الذي يقع مني كبشر كإنسان زلّات، أخطاء، هفوات، عثرات، ثم أطلب منه المعونة وأستعين به سبحانه على أن يأخذ ببصري وبصيرتي ويدي وعيني وقلبي وناصيتي للصواب، للحق، للخير.
ثم أبدأ بمرحلة الدخول بمرحلة يمكن أن نسميها أو يطلق عليها البعض التصالح مع النفس، تصالح مع نفسك، صالح نفسك، خفِّف عنها، لا تبقى في مرحلة اللوم المستمر للنفس وتوجيه النقد اللاذع الشديد وجلد الذات، أنا ليس مطلوباً مني جلد الذات، مطلوب مني محاسبة النفس ومواجهة الأخطاء ولكن ليست عملية جلد الذات. مطلوب مني تدارك الأخطاء، مطلوب مني تصحيح العثرات، ولكن ليس مطلوباً مني الدوران في فلك جلد الذات السلبي وهذا يوصلنا إلى المرحلة التي نفهم فيها معنى النهي عن الحزن في القرآن الحزن السلبي الحزن الذي لا تترتب عليه عملية إيجابية، الحزن الذي لا تترتب عليه خطوات تصحيحة للأخطاء التي تقع منا، هذا منهي عنه. الحزن الذي يقعد بالإنسان عن مزاولة نشاطه وعمله ويشغله حتى عن صلاته. الحزن الذي يحول بيني وبين حضور قلبي بين يدي الله عز وجل وأنا أناجيه وأخاطبه في صلاتي وأقول يا رب، هذا المنهي عنه (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (40) التوبة) (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) آل عمران) إيماني بالله سبحانه يُرجعني من جديد إلى جادة الصواب.
إذن دعونا في هذا اليوم يوم الجمعة نفكر في همومنا، نفكر في أحزاننا ونعطيها المساحة التي تستحق ولا نعطيها مساحة أكبر مما تستحق. بمعنى آخر وهذا واجب علينا أن نقوم به على نفس الدفتر، دفتر صلاة الخاشعين خصص لك صفحة ضع في الصفحة اِجعل لها عنواناً واكتب في العنوان “همومي” أنا أتمنى – وهناك كثير من الأخوة والأخوات في غاية الحيوية والنشاط – أنا أتمنى على هؤلاء جميعاً أن نحاول أن نُصمم هذا الدفتر الذي نقول ونقوم بنشره على صفحات الفايسبوك، على التويتر، على صفحات مواقعكم لتم الفائدة، نجعل لنا دفتر دفتر صلاة الخاشعين لأن هذا الدفتر دفتر خطوات عملية، نحن نقوم بخطوات عملية نحن نتفق على خطوات إجرائية فاليوم الخطوة الإجرائية هي أن تخصص صفحة عنوان الصفحة “همومي” ثم تضع نقطة وتأتي بقلم أسود مثلاً وتضع ما أكبر همّ الآن اليوم يشغلك؟ اليوم أنا عندي خمس صلوات، ما أكبر همّ يشغلني ويمنعني عن حضور قلبي في صلاتي؟ وضع له دائرة وهذه الدائرة السوداء أو النقطة السوداء ضع لها الحجم الذي أنت تعتقد أنها تستحقه. بمعنى آخر المشكلة التي أنت تعاني منها اليوم، يوماً بيوم دعونا نعيش همومنا يوماً بيوم نحن لا نريد أن نعيش هموم التي هي موجودة الآن ولكنها موجودة في ذهني بعد سنة، لا، عش همومك يوماً بيوم لا تعش همّ السنة القادمة لأني ربما لا أكون من أهل السنة القادمة، لا تعش همّ الغد لأني قد لا أكون من أهل الغد، عش همّ اليوم حتى تتقن صلاتك لليوم، الخمس فروض، أو الأربع فروض نحن صلينا الفجر الحمد لله وبقيت الأربع فروض، لا تعش همّ الغد ولا همّ الأمس، عش همّ اليوم، ما هو همُّك؟ وضع له دائرة هذه الدائرة حدّد الحجم الذي ينبغي أن تعطيه له. عملية التحويل المادي والرسم مهمة جداً لماذا؟ لأنني حينما أعيش الهمّ ولا أحدد حجمه بشكل واضح محسوس أحياناً كثيرة أعطي مساحة أكبر بكثير لأنه هو في مخيلتي مسيطر عليّ فأصبح يحتل العالم بأسره كأن الهمّ الذي عندي اليوم اصبحت فيه هو العالم بأسره. أعطه حجماً محدداً معيناً وضع له صورة دقيقة وحدد له مساحة هو يستحقها ولا تعطه مساحة أكبر مما يستحق لأن هذا خطأ كبير شنيع نرتكبه في حق أنفسنا يؤثر على صلاتنا ويؤثر على حضور قلوبنا في الصلاة. حدّد همّك، وهذا هو الواجب الذي نتفق عليه. وكما اتفقنا في مرات سابقة نحن لا نكثر في الخطوات بمعنى كل أسبوع لنا خطوة. واجبنا لهذا الأسبوع بأكمله الذي شنعيشه ونتفق عليه عنوانه “حدِّد همّك وعِش همّك يوماً بيوم”.
بانتظار التطبيق وبانتظار تصميم ما اتفقنا عليه أترككم في رعاية الله وحفظه بعيداً عن كل همّ وغمّ. أسعد الله أوقاتكم بذكره وبالاستغفار وبالصلاة والسلام على سيد الأنبياء والأبرار سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الأطهار. ألقاكم في الأسبوع القادم بإذن الله، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله.
(تفريغ: صفحة إسلاميات)
https://www.youtube.com/watch?v=7ofH1-In_Zk

 


islamiyyat