تم إضافته 8 يناير 2012 بواسطة islamiyyat في دكتورة رقية العلواني
 
 

صلاة الخاشعين – 4 – د. رقية العلواني


صلاة الخاشعين – 4

د. رقية العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسعد الله جمعتكم بكل خير.

وصلنا في حديثنا عن صلاة الخاشعين أننا سنحدد الهموم التي تحول بيننا وبين حضور قلوبنا بين يدي الله في الصلاة. من جملة ما اتفقنا عليه أن نعيش هموم اليوم الذي نعيش فيه ولا نتجاوز ذلك ولا نعطي لهمومنا مساحات أكبر مما تستحق. فإذا كان الهمّ الذي أعيش لا يستحق أن أعطيه كل الاهتمام وكل حيّز التفكير لا يحتاج مني أبداً أن أعيش الهمّ الليل مع النهار بل إلى الحد الذي حين أقف أصلي بين يدي الله يقف هذا الهمّ حاجزاً بيني وبين حضور القلب والخشوع.

اليوم نريد أن ننتقل إلى مرحلة تالية في تحضير وإعداد قلوبنا لصلاة الخاشعين، ذلك هو “تعظيم الله عز وجل وتقدير الله سبحانه وتعالى حق قدره” وإحساس الإنسان منا حين يتوجه ويقف بين يدي الله سبحانه في الصلاة أني أنا مُقبل على مَنْ؟ أنا سأناجي مَنْ الساعة؟ أنا سأقف بين يدي من؟ أنا أقابل من؟ ولنا أن نتصور ونتخيل ونستحضر لو أنني قُدِّر لي أن يكون لي موعد مع شخص من كبار الدنيا من الناس الكبراء أو الذين لهم منصب كبير في الدنيا ولدي قضية معينة سأطرحها عليه أو سأناقشه وهو ليس ذي وقت كما نعلم وهذا ما يحدث في أحوالنا في الدنيا وحاول أن تتخيل ولو للحظات يا ترى كم سيأخذ استعدادك لهذا اللقاء من اهتمامي من تخيلاتي من كل تفكيري في ذلك اليوم الذي أعدّ فيه لذلك اللقاء بل ربما حتى اليوم الذي قبله وربما اليوم الذي بعد إن لم يكن أكثر ولله المثل الأعلى. أنا خمس مرات مفتوح لي المجال في الفروض فقط أن أقف بين يدي الله سبحانه مالك الملك الذي السموات والأرض مطويات بيمينه الذي ما من مصلحة لي ولا وظيفة ولا رزق ولا شيء كبر أم صغر إلا وهو عنده سبحانه. يا ترى استعدادي للقاء كيف يكون؟ يا ترى كم هو الحيز الذي يُشغَل فيه هذا اللقاء المساحة التي يفترض أن يشغلها؟ يا ترى ما هو اهتمامي؟ ما مدى اهتمامي؟ ما مدى استعدادي؟ وهذا ما يفسر لنا تحديداً لم كان الكثير من السلف يتغير لون وجهه حين يقف بين يدي الله في الصلاة استعداداً للقاء. زين العابدين حين سُئل لم يتغير وجهك حين تستعد للصلاة؟ قال أتدرون على من أُقبل؟ رب العالمين سبحانه. هذه الحيثيات أنا لأني قد ألفتها في حياتي واعتدت عليها ما عادت اليوم تعني الكثير عندي ولذا أنا أصلي صلاة ليست صلاة الخاشعين وإنما صلاة من يريد أن يؤدي الفريضة وينتهي منها أنا أصليها لأنها فرض، أنا أصليها لأني أريد فقط أن أؤدي الفرض الذي عليّ وفي بعض الأحيان ربما حتى أصل إلى مراحل أني أشعر بثقل هذه الفريضة عليّ بوطأة الفريضة عليّ أريد أن أنهيها! هذا النوع من الصلاة  ثماره محدودة إن كانت له ثمار حقيقية في واقعي وفي حياتي، لذته تكاد محدودة لا تكاد تُحسّ ولا يشعر بها الإنسان! هذا النوع من الصلاة لا يوجد لها تأثير حقيقي في تغيير سلوكياتي وتعاملي مع الآخرين، ربما لن تنهاني عن فحشاء وعن منكر، ربما لن تأمرني بمعروف، ربما لن تسير بي نحو خير، لن تزيد في رقيي وترقي أخلاقي لتصبح أخلاق المصلين الخاشعين فعلاً لن تقربني إلى الله سبحانه وهذه مشكلة.

أحتاج لكي أصل إلى هذه المرحلة ونحن اتفقنا أن الطريقة ستكون عملية نحن في كل أسبوع نتفق على عمل واجب ونقوم بتطبيقه، هذا المفروض. اليوم أنا أحتاج أن أحدد اهتماماتي وأهدافي ومطالبي التي أسعى إليها في هذه الدنيا ودعونا نتفق من الآن فصاعداً وإن كنا ربما اتفقنا على ذلك سابقاً. يوم الجمعة، في كل يوم جمعة على الأقل اجلس مع نفسك نصف ساعة من الزمن جلسة محاسبة. اليوم سؤال الجمعة اليوم إسأل نفسك ما هي أهدافي؟ أنا ماذا أفعل في حياتي؟ سواء عمري عشرة عشرين أكثر أقل، ما هي أهدافي؟ أصبح في الصباح أمسي في المساء أقوم أغير ملابسي أستعد للعمل أذهب لهنا أذهب هناك، لماذا؟ هذا السؤال مهم لأنه يحدد الهدف الذي أنا لأجله أعيش هل أنا فقط أعيش واقوم وأذهب للعمل وأتسوق لتحقيق مطالب معيشية فقط التي اعتدنا عليها جميعاً أم أن هناك هدفاً آخر في حياتي؟ أم أن هناك شيء يستحق فعلاً أن أعد له العدة؟ هذه مهمة جداً لأنه على قدر اهتمامي وأهدافي ستكبر الصلاة في نظري سيصبح للصلاة قدر ومعنى وهذا ما نريد أن نتوصل إليه. كثيراً من الأحيان حين نقف أمام الله في الصلاة ننشغل أول شيء يأتي ما الذي سأفعله بعد الصلاة؟ والعجيب أني لما أقف في الصلاة كأن كل شيء سيحدث بعد الصلاة أصبح لا بد أن يحدث الآن وكأن الصلاة التي لا تأخذ من وقتي سوى دقائق معدودة هي التي تحول بيني وبين إحداث كل التغيرات التي سأقوم بها، الأعمال الجليلة التي سأقوم بها بعد الصلاة: سأحدّث فلان وسأفعل كذا وسأذهب وكل شيء بعد الصلاة. وما يمنعني من أن أعمل وأقوم بهذه الأعمال الصلاة التي أنا أقف فيها الآن. هذه كارثة أحتاج أن أنتبه إليها. أحتاج أن أعطي المساحة الحقيقية لاهتماماتي، ماذا لو أن عندي أي موعد بعد الصلاة مثلاً، عندي أي عمل بعد الصلاة معين، هل يا ترى هل هو أهم من صلاتي؟! أنا أعمل موازنة، أعمالي ومشاغلي اليومية وعشرات الأشياء التي تقفز إلى رأسي حين أقف أصلي بين يدي الله ما أهميتها؟ ما مدى تقديري لها؟ وبالمقابل أقارن ما بين تقديري لهذه القضايا وتقديري للصلاة التي هي لقاء بيني وبين الله سبحانه.

حدِّد الأهمية، الواجب الذي نتفق عليه اليوم: حدِّد بدقة على الورقة على الدفتر الذي اتفقنا عليه ما هي الاهتمامات التي تقفز إلى رأسي حين أقف أصلي بين يدي الله سبحانه؟ وأعطِ لكل واحدة منها درجة معينة وحين تقارن بين تلك الدرجات وبين الصلاة التي هي لقائي مع الله عز وجل حاول أن تضع الأمرين أمام عينيك لتصبح القضية مجسّدة واضحة: كم درجة للصلاة التي هي لقائي مع الله؟ وكم درجة لموعدي مع فلان وفلان؟ وكم درجة للطعام الذي سآكله؟ وكم؟ وكم؟ الأشياء التي تقفز أمام بالنا وخواطرنا حين نقف في الصلاة.

نلقاكم في الأسبوع القادم بإذن الله مع خطوة جديدة نحو صلاة الخاشعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

http://www.youtube.com/watch?v=TchxUN5DTH0&feature=g-user-u


islamiyyat