تم إضافته 15 يناير 2012 بواسطة islamiyyat في دكتورة رقية العلواني
 
 

صلاة الخاشعين – 5 – د. رقية العلواني


صلاة الخاشعين – 5

د. رقية العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسعد الله جمعتكم بكل خير. لا زلنا في صلاة الخاشعين، لا زلنا في تعلّم صلاة الخاشعين وكنا قد اتفقنا على بعض الخطوات العملية من أهمّها أن نجعل حقيقة وكلمة “الله أكبر” في الصلاة التي نصليها، “الله أكبر” في حياتنا من كل أحد، “الله أكبر” من كل هم ومن كل حزن ومن كل شاغل يحول بيننا وبين حضور قلوبنا ونحن نقف بين يدي الله عز وجل، أقبِل على الله بروحك وجوارحك وأحساسيك وكل ما أشغلك من الدنيا وكل ما ينبغي أن يشغلك في الآخرة، أقبِل بها كلها وضعها بين يدي الله عز وجل متوكلاً عليه مفوضاً الأمر إليه محتسباً كل شيء عنده مقبلاً عليه بيقين أن الله سبحانه سيكفيك. هذا القلب الذي يحضر بهذه الروح وبذاك الشعور والاحساس بين يدي الله عز وجل في الصلاة لا يمكن له إلا أن يخشع، لا يمكن له إلا أن يخضع، وإذا خضع القلب خضعت الجوارح وخضع كل شيء فالقلب ملك الأعضاء كلها بلا استثناء. إن خضع واستكان بين يدي الله عز وجل كل الجوارح سكنت وكل الجوارح خضعت وتحقق المعنى العظيم في الخشوع في الصلاة.

اليوم نريد أن نبدأ بشيء آخر، نريد أن نبدأ بالمحور التي تقوم عليه الصلاة حين أبدأ بتكبيرة الإحرام وللعلماء كلام جميل في تكبيرة الإحرام قالوا سميت تكبيرة الإحرام لأنها تذكّرني بالإحرام. أنا حين أدخل في الإحرام بحج أو بعمرة هناك أشياء تحرم علي القيام بها قص شعر، قص أظافر، وما شابه من محظورات الإحرام المعروفة وحين أدخل في الصلاة هناك أمور محرّم علي أن أقوم بها كالأكل والشرب وما شابه وكذلك التفات القلب لغير الله حال الصلاة، علي أن أستحضر هذا المعنى العظيم وأجعله محظوراً عليّ فعلاً في أثناء الصلاة.

الآن بدأت في الصلاة، لو نأتي إلى الأساس الذي نقوم به أو الشيء الذي يتكرر القيام به في الصلاة في كل ركعة لوجدنا أنها أم الكتاب “الفاتحة” التي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أعظم سورة في القرآن وأن من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له وأن الصلاة ناقصة حين تكون بدون أم الكتاب. وما سميت أم الكتاب إلا لأن كل معاني القرآن ومقاصد القرآن تعود إلى الفاتحة: التوحيد، الخلافة على الأرض، مهمة الإنسان على هذه الأرض، الإيمان بالله سبحانه وتعالى وباليوم الآخر، الإيمان بكل معانيه وأركانه وارد في سورة الفاتحة. ولكن اليوم دعونا نبدأ بمعنى عظيم استوقفني وأنا أكرر سورة الفاتحة التي كلنا يكررها في كل يوم مرات ومرات. استوقفني الحمد، “الحمد لله” استوقفني كثيراً. الحمد الذي يبدأ به الإنسان أول مناجاة وأول خطاب بينه وبين ربه عز وجل، الحمد لله. عبادة الحمد التي هي أعظم عبادة ولا تكون أعظم عبادة حين يصبح الحمد مجرد كلمة قول (الحمد لله) وأحياناً ربما لا يلتفت البعض منا أننا نقولها بشيء من التذمر في بعض الأحيان حين يكون قد حدث ما يسوؤنا أو لم يحدث ما يسرنا أو ما لم نطمح إليه، لم تتحقق آمالنا في شيء معين.

“الحمد لله” الحمد في سورة الحمد وفي سورة الفاتحة وهي تسمى بسورة الحمد حمد يبدأ من النفس، يبدأ من القلب، مجدداً كل التركيز على القلب، حالة نفسية، شعور بشيء من الاستكانة لله سبحانه الذي أغدق عليّ نعمه ظاهرة وباطنة، وجودي في الكون من نعمه سبحانه، أنفاس الحياة التي تدخل وتخرج من نعمه سبحانه، وقوفي بين يديه من نعمه سبحانه، أنا في الحقيقة أتقلّب بين نعمه الليل والنهار، نعمه لا تفارقني حتى حين أسكن وأنام نعمه تبقى متواصلة لا تنقطع ولا ثانية من ثواني الزمان، كيف؟ القلب الذي ينبض بالحياة، الدم الذي يتدفق في العروق رواحاً ومجيئاً، الرئة التي تتنفس الهواء، كل شيء فيّ هو نعم متجددة متواصلة على مدار الثانية، كل شيء فيّ من نعم الله سبحانه. ولكن أحياناً عدم الشعور وعدم استحضار النعم هو ذاك الذي يدفع بي نحو السخط والتذمّر وعدم الإحساس بها. وإذا أردنا أن نستشعر نعمة واحدة فقط نعمة النفس أنفاس الحياة إذا أردت أن أستشعر عظمة هذه النعمة لا أحتاج سوى أن أمرر أو أمر على إحدى المستشفيات وأنا أرى قناني الأكسجين المعبأة لمن لا يستطيعون أن يتنفسوا بتللك السهولة وبذلك اليسر الذي ننتفس به، نسأل الله الشفاء والعافية لجميع المسلمين. هذه نعمة إن فقدت الشعور والإحساس بقيمتها لا يمكن أن أتلذذ بها. وهكذا ما يقال عن الأنفاس يقال عن كل نعم الحياة التي أصبحنا نتعامل معها وكأنها تحصيل حاصل وهي ليست كذلك. شعورنا بأننا قد ركنا أننا في كل يوم بنعمة وفضل من الله عز وجل أستيقظ وأنام وأنا لدي كل ما أتمتع به من نعم الحياة المشي، الأنفاس، النبض، كل شيء أصبح الأمر من المسلّمات عندي لم أعد أفكر فيه، فقدت لذة الشعور والاحساس به وبالتالي ما استطعت أن أستشعر معنى الحمد حين أقول من أعماق قلبي “الحمد لله”. هذا الإحساس العظيم هو الذي ينبغي أن أجدده في نفسي وأنا أبدأ بأول كلمة مناجاة مع الله عز وجل ولذا هو يقول سبحانه في الخبر الصحيح في الحديث القدسي “قسمت الصلاة بيني وبين عبد نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله قال الربّ عز وجل حمدني عبدي” هذا الحمد الذي نريد أن نصل إليه، حمد يبدأ من القلب يجعل القلب يستيقظ على النعم التي أصبح لا يستشعر بها. وفاقد النعمة أقل تعاسة ممن يمتلك النعمة ولكنه فقد الإحساس بهذه النعمة، هذا أكثر تعاسة أكثر بؤساً وشقاء لأنه يمتلك الشيء لكنه فقد إحساس تملّكه لهذا الشيء.

الأمر الآخر الذي استوقفني في قضية الحمد مسألة ثانية، الحمد لا يكفي فيه أن أستشعره وأقوله بلساني “الحمد لله” وانتيهنا، لا، الحمد يحتاج مني أن أجدّد هذه العبادة وأجعلها عبادة ينطلق بها اللسان والقلب وتنعكس على الجوراح بمعنى ربي سبحانه أعطاني قوة وصحة في بدن أفيض بها على من لا يمتلك تلك القوة والصحة، القوي يفيض بنعمة القوة التي أنعم بها ربي عليه على الضعيف الذي لا يمتلكها يفيض مساعدة ومحبة وتعاوناً ولذا كان من يحمل شخصاً لا ركوب له له من الأجر والثواب ما لا يعلم به إلا الله سبحانه. أفِض بنعم الله على غيرك لا تجعل النعم تتوقف عندك لأن هذا ليس بحمد وإن قلت مجرد “الحمد لله”. تمام الحمد أن تفيض بالنعم التي أغدقها ربي عليك على الآخرين من حولك، على من هم أقل امتلاكاً للنعمة التي ملّكك الرب سبحانه إياها. من كان ذا فضل في مال أفاض على من هو أقل منه، من كان ذا فضل في عمل أو تقنية معينة أو معلومة معينة في تخصص معين، في الكمبيوتر، في تصميم، في رسم، في لغة عربية، في القرآن علّمه لمن هو لا يمتلك ذلك العلم، هذا من تمام الحمد للنعمة، هذا من تمام الحفاظ والشكر للنعمة، هذا من تمام جعل نعمة الحمد نعمة مفعلة في واقعي في حياتي وتصرفاتي أن أجعل الحمد ليس مجرد كلمة ولكن عبادة تنبض بها الجوراح التي ملّكني ربي سبحانه إياها.

ولذا أنا أقترح وخاصة أننا في يوم الجمعة ذلك اليوم المبارك الذي نسال الله سبحانه أن يفيض علينا جميعاً من نعمه وبركاته وفضله في هذه الساعة المباركة. اليوم جمعة لِمَ لا تفتح مع أولادك أو مع الصغار في البيت أو مع أي أحد المشاركة، هذه نعمة أخرى متجددة مع نعمة الحمد، افتح الدولاب وأخرج بعض الثياب الزائدة عن حاجتك وغلّفها تغليفاً حسناً ونحن في فصل الشتاء والجو بارد غلّفها تغليفاً حسناً كأنك تقدمها هدية ثم ادعُ الله عز وجل أن ييسر لك ويفتح لك باب خير لتوصيل هذه النعمة لمن هو بحاجة إليها، اِركب السيارة وامش في الطريق وابحث عمن يحتاج إلى هذه الهدية وقدمها بين يديه كما تقدم هدية لا كما تقدم صدقة فتكسر شعور ذاك المحتاج إليها. من كان منا عنده فضل طعام، طعام طيب لذيذ صنعه اليوم يضعه في صحن ويعطيه لمن هو في حاجة. من كان عنده فضل في أي شيء صغيراً كان أو كبيراً قدمه لمن هو أكثر حاجة، لمن هو بحاجة إليه، بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة تستخرج عبادة الحمد ذاك الشحّ الموجود في نفوسنا استذكاراً واستحضاراً وتأملاً وتدبراً في قوله تعالى (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) التغابن) جعلنا الله جميعاً منهم. دعونا نستخرج شح نفوسنا باخراج كل ما نمتلك من نعم وتقديمها للآخرين بمنتهى الحب بمنتهى العطف بمنتهى السعادة والاستشعار بأني فعلاً أمتلك شيئاً ملّكني ربي إياه ليس لأجل أن أحصره عندي وإنما لأجل أن أغدق على الآخرين من فيضه.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا جميعاً من المفلحين الفائزين، من الحامدين العابدين الشاكرين القائمين لله سبحانه بالحمد والتسبيح قولاً وفعلاً. ألقاكم في لقاء قادم بإذن الله، أترككم في حفظ الله ورعايته، السلام عليكم.

(تفريغ: صفحة إسلاميات)

 

http://www.youtube.com/watch?v=UNQNLd4HLOY


islamiyyat