رحلة القرآن العظيم
رحلة القرآن العظيم - الحلقة 6 طباعة البريد الإلكترونى
تقييم المستعملين: / 1
فقيرأفضل 
كتب محررة الموقع   
الجمعة, 03 يوليوز 2009 10:29
رحلة القرآن العظيم (6)

المعلق:

منذ أن جمع القرآن العظيم في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكتبت صحائفه بمقاس واحد على الرق، رأينا كيف أن أبا بكر أراد أن يلتمس له اسماً، فقال بعض الصحابة: نسميه السفر، وقال آخرون: غير ذلك، إلا أن معقل بن سالم مولى حزيفة بن اليمان وهو من بلاد الأحباش أطلق على كتاب الله عز وجل اسم المصحف.

وقال للصحابة رضوان الله عليهم إننا نطلق في بلادنا على مجموعة الصحف والصحائف المجموعة بين دفتين اسم المصحف، وراقت الفكرة للخليفة أبي بكر وللصحابة فسموا كتاب الله -عز وجل- بالمصحف الشريف.

وقد وردت كلمة صحف وصحائف في القرآن العظيم ثمان مرات في سور: طه، والنجم، وعبس، والتكوير، والأعلى، والمدثر، والبينة التي يقول فيها الله عز وجل:

? رَسُولٌ مِّنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً ? [سورة البينة، الآية 2].

لقد ربط زيد بن ثابت مجموعة الصحف المكتوبة على الرق بخيط ثم أودعها بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان هذا بدء صناعة التجليد التي ستزدهر ازدهاراً كبيراً في رحاب المصحف الشريف.

ولما جمع المصحف الجمع الثاني بأمر من الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وكتبت النسخ الأربعة التي أرسلت للأمصار كما قال الداني، أكثر العلماء على أن عثمان بن عفان لما كتب المصحف جعله على أربعة نسخ وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدة منهم، فوجه إلى الكوفة إحداهن وإلى البصرة أخرى وإلى الشام الثالثة وأمسك عنده واحدة.

كان لا بد من وضعها في حافظ يحفظها من الضياع حتى لا تختلط السور والآيات ببعضها إذ لم يكن وضع الأعداد على الصفحات أو أسلوب التعقيب قد استخدم.

اهتدى المسلمون إلى ربط الرقوق ببعضها بخيوط متينة ووضعوا لها غلاف من الخشب أول المصحف وآخره فأصبح مجموعاً بين دفتين من خشب وغلفوا الخشب بالحرير، وكان المسلمون قد تعلموا هذه الطريقة من الأحباش والأقباط اللذين كانوا السباقين والأوائل في استعمال الجلد والكتان والحرير في تجليد الكتب، ثم انتشرت أساليب هذه الصناعة بين المسلمين وارتقت وتطورت في ظلال المصحف الشريف وانتقلت إلى سائر بلاد ما وراء النهر حتى حدود الصين وإفريقية وبلاد الاندلس.

لقد كان الجمع الأول للمصحف زمن أبي بكر والجمع الثاني زمن عثمان رضي الله عنهما، والفرق بين الجمعين أن الجمع الأول البكري كان جمع آيات الله في مصحف واحد مخافة تفرقها وذهابها بذهاب حفظتها، أما الجمع الثاني العثماني فهو جمع الناس على قراءة واحدة وحرف واحد والاختلاف في القراءة والذهاب بها مذاهب شتَّى يوشك أن يصل إلى صميم الآيات نفسها، وكان ذلك من أكبر مناقب الخلفاء؛ ارتضاه الصحابة وتقبله عامة المسلمين.


وانتصف القرن الهجري الثاني، ولم يكن للعرب والمسلمين كتاب يمكن أن يجلد غير المصحف الشريف، لقد كان أغلفة المصاحف أول الأمر تصنع من خشب وتغلف بالقماش والحرير خالية من أية مسحة فنية أو زخرف.

كما استعملت أوراق البردي القديمة التي استنفذت أغراضها في الكتابة بلصق بعضها إلى بعض بحيث تصبح سميكة أشبه بالورق المقوى وتقطع إلى ألواح وتستخدم في التجليد بعد تغليفها بالقماش.

إلا أن الخطاط المسلم الذي حمل أمانة نسخ المصحف الشريف جعله يبحث أن أثمن ما يملك لظهر المصحف بالمظهر النفيس احتراماً وإجلالاً فامتدت يده إلى مساحة لوح الخشب أو البردي يطعمه بالعاج والعظم ثم بالأحجار الكريمة في خيال هندسي مبهر.

ولم يلبث أن كفته بالذهب والفضة، لقد ولدت صناعة التجليد العربية في أحضان المصحف الشريف ويذكر ابن النديم أسماء لسبعة من المجلدين المشهورين وعلى رأسهم ابن أبي الحريش الذي كان يجلد في خزانة الحكمة للمأمون، وكان المقدسي صاحب كتاب أحسن التقاسيم مجلداً ماهراً فقد أرسل له الخليفة الأمين مصحفاً شريفاً ليجلده ودفع إليه بدينارين.

ويحدثنا أنه حين رحل إلى اليمن في القرن الرابع وجد الناس هناك يلزقون المصاحف ويبطنونها بالنشا، أما هو فكان قد تعلم الصنعة على يد أهل الشام الذين كانوا يستعملون الأشراس بدلاً النشا.

والذين كانت صنعتهم أدق وأرقى، كما تفنن أهل الشام في تجليد المصحف واخترعوا صنع اللسان وهو امتداد في الجلدة اليسرى، وهكذا وجدت صناعة التجليد في أفياء المصحف الشريف نمواً وازدهاراً، فازدهرت بلاد الشام ومصر واليمن بالجلود، وامتازت دمشق وزبيد وصعدة بالأدم وعدن بجلود النمور، وإذا كان الزمن لم يبقي لنا من تجليدات القرون الأولى شيئاً ذا بال، فإنه قد من علينا ببعض النماذج التي تدل على مدى تطور فن التجليد في المصاحف، وهكذا لم يبلغ القرن الرابع الهجري مداه حتى كان تجليد المصاحف قد بلغ مبلغاً كبيراً من الجمال فازدان بألوان من الزخرفة لا تقل عن الزخارف الداخلية روعة وجمالاً، لقد اتبع مجلدو المصاحف في عملهم أسساً تدل على عمق وفهم.

فقسموا سطح الغلاف إلى متن وحاشية، والمتن هو الصرة الكبيرة المتمركزة فيه وتملأ عادة بالزخارف الهندسية النجمية الشكل وبالزخارف النباتية وقوامها الفروع المتشابكة.

والحاشية شريط زخرفي يسير بموازاة الخط الرئيسي للغلاف، وهذا التقسيم في الغلاف ما هو إلا استمرار للتقسيم القديم الذي كان شائعاً في زخرفة غلافات المصاحف، وتحتل زوايا المتن من الداخل زخرفة مستمدة من زخرفة الصرة الوسطى.

ظهرت شرائح الجلد محل صفائح الذهب والفضة ولتستعمل في كسوة الألواح المصنوعة من البردي في القرن الثالث الهجري ومن أجمل النماذج القديمة لهذه الغلافات غلاف معروض في متحف المتروبوليتان بمدينة نيويورك، تتمثل فيه طريقة التغليف القديمة بالخشب وتحليته بالأحجار الكريمة كما يحتفظ معرض الفنون الإسلامية في مدينة بيرلين بألمانيا بغلاف مصحف من خشب الأرز مطعم بالصدف على هيئة نجوم متراكبة متداخلة.

ويحتفظ متحف الفنون الإسلامية بالقاهرة بعدد من المصاحف المجلدة بغلافات من الخشب المزين برسومات بسيطة.

تطور فن التجليد وازدهر في المناطق الشرقية من بلاد فارس وكانت تيمور لانك الذي اجتاح المنطقة ووصل إلى دمشق سنة ثلاث وثمانمائة هجرية قد أخذ معه مجموعة من خيرة الصناع والمجلدين الدمشقيين فعلموا الإيرانيين هذه الحرفة.

وظهرت مجلدات فاخرة منها مصحف شريف لفرخشاه سنة تسع وثلاثين وثمانمائة هجرية، وكان صانعه قد قضى فيه عامين كاملين حتى انتهى من زخرفته وخلال حكم المغول تم تكفيت الغلاف وصنعت له القوالب المعدنية حتى غدت الزخرفة نافرة على الجلد.

وكانت مدرسة مدينة هارات أيام باي سنقر قد اشتهرت بنقاوة الألوان وتناسق التركيبات الهندسية وفي متحف دوسندورف بألمانيا مجموعة من الأغلفة الجميلة تعود إلى هذه الحقبة والفترة.


فن اللاكيه

أدخل المسلمون في مرة في بلاد ما وراء النهر لأول مرة استعمال مادة الك، واللك مادة مشتقة من الصمغ تطلى بها الزخارف والرسومات الملونة المرسومة بعناية ودقة حتى تعطي لمعاناً وبريقاً بعد أن تجف وهذه المادة تستحضر من الصين وكلمة اللك صينية.

ومن أجمل النماذج وأترفها غلاف مورد مزهر يعود لسنة إحدى وستين وتسعمائة يحتفظ به المتحف الوطني بدمشق، كما أن أغلفة المصاحف التي تحتفظ بها مكتبة رئاسة الجمهورية في طهران تعد من أجمل وأقدم الأغلفة بحيث تعود إلى القرن الرابع الهجري وتمثل قمة الإبداع والفن في غلاف المصحف الشريف، وتحتظ خزائن المخطوطات في جامعة طهران أغلفة مصاحف نادرة موشاة بالألوان النباتية ومطلية بمادة اللك، وتعود إلى قرون مخلتفة من القرن الرابع الهجري وحتى القرن الحادي عشر، إن تأثير مدرسة هارات واضح المعالم في عمل الأتراك العثمانيين اللذين تتلمذوا على أيدي الفرس واقتبسوا منهم جل رسوماتهم وطرق التجليد التي برعوا بها فيما بعد.

وكانت ظروف الحياة قد اضطرت بعض الفنان المجلدين المهرة إلى الرحيل من بلادهم فاستوطنوا في تركيا وجهدوا في إخراج المصحف بهذه الحلة البهية، أما أغلفة المصاحف التي صنعت للخلفاء والطبقة العليا من وجهاء القوم فقد دخلت فيها رقائق الذهب والفضة وصيغت صياغة تقنية عالية وطعمت بالأحجار الكريمة كما نشاهد في هذا النموذج الذي يحتفظ به متحف الأمانات المقدسة والذي يعود للسلطان سليمان القانوني.

لم يكن المصحف الشريف خلال القرون الهجرية الثلاثة الأولى إلا جسماً لحرف مكتوب على الرق دون أن تكون فيه أية مسحة زخرفية وكان الصحابة والتابعون يتحرجون من أن يجددوا شيئاً في المصحف، أو أن يضيفوا إليه ما ليس منه؛ فلم تكن هناك فواصل بين الآيات أو علامات تخميس أوتعشير ولم تكن الفواصل بين الصفح إلا مساحات بيضاء لا إشارة فيها ولا تعريف.

وشيئاً فشيئاً تسللت الزخارف إلى المصاحف وحلت في الصفحات الأولى والأخيرة ووجدت في فواصل السور وفي نهايات الآيات ومواضع التخميس والتعشير والأجزاء والأحزاب، ثم لم تلبث أن تجاوزت في القرن الخامس الهجري واتخذت شكل إطارات أو جداول زخرفية تحيط بالمساحة المكتوبة من الصفحة.

ولم يكن المصحف يسمح للفنانين بالحرية المطلقة في ممارسة ألوان فنونهم، فاقتصرت جهودهم على الزخرفة الجمالية والتذهيب، ولقد كان نطاق الزخرفة في المصاحف أضيق من نطاق التذهيب؛ لأن التذهيب يوجد حيث توجد الزخارف، ويوجد في مصاحف العالم مصاحف ترجع إلى القرن الثالث وأخرى للقرن الثاني نجد فيها ألوان شتى من الحلي الفنية بزخارفها المذهبة، وطراز الزخرفة وأسلوب التذهيب ينبيء عن أنها مملوكية الزمن والعهد، فهل نشك في قيمتها التاريخية؟

إن نظرة بسيطة في عمق التاريخ تطلعنا إلى أن الزخارف لا تعود إلى قدم الكتابة نفسها، وإنما أضيفت إليها إضافة بعد قرن أو قرنين وما نشاهده من حليات ومشكاوات مرسومة على مصاحف القرن الهجري الأول والثاني تدل دلالة لا شك فيها على أن يداً قد تناولتها بعد حين من الدهر وأدخلت عليها التحسينات إدخالاً، ولم تكن النية الإساءة للعمل الأثري وإنما تجليلاً وتعظيماً لمكانتها وشأنها وقدسيتها وهذا ما حدث في مصاحف سيدنا علي وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين رضي الله عنهم، وجعفر الصادق رحمه الله.

إن الحليات والزخارف التي تفصل بين السور لا تخرج عن كونها مستطيلات مذهبة وملونة استخدم فيها الفنان المسلم اللون الذهبي والأزرق اللازوردي والأخضر والأسمر، وكانت الرسوم تحدد أولاً باللون الأسود وباستخدام اللون الأخضر الداكن والقرمزي والزنجفري بشرائط ذهبية تجنح نحو التعقيد والدقة وتعطينا الدليل على ما لهذا الفن من جذور وأصول ومعرفة بالالوان وتركيبها وصناعتها، وقد يمتد المستطيل المتد في راس السورة إلى الهامش ويأخذ شكلاً جمالياً يوظفه لكتابة السورة مكية كانت أو مدنية.


وتنتشر الزخارف الدقيقة بأشكالها الهندسية الملونة والمذهبة داخل الأشكال المرسومة وقد تمتزج بالكتابة أحياناً ولم تكن الشرائط الزخرفية التي تفصل السور عن بعضها في المصاحف الأولى تحمل بداخلها أسماء سور كما هو الحال في المصاف المتأخرة وأنما كانت مجردة خالية من أية نوع من الكتابة اللهم إلا من الزخرفة البسيطة التي تطمئن القارئ والدارس على نهاية سورة والبدء بسورة جديدة.

لقد امتدت المستطيلات الزخرفية التي تفصل بين السور إلى الهامش الخارجي في شكل حلية جانبية مستديرة أو على شكل أوراق شجر تنتشر بداخلها زخارف نباتية وهندسية ملونة ومذهبة، وحتى المصاحف التي لم تكن السور فيها تفصل عن بعضها بشريط زخفي نجدها وقد وشحت جوانب الصفحات واحتلت الهوامش الخارجية، ولو تركنا فواصل السور وتأملنا فواصل الآيات لرأينا بوضوح أنها لا تخرج عن كونها حليات صغيرة مستديرة وهي في باديء الأمر اتخذت شكل المثلث الهرمي ضمن دوائر.

ثم استلهم الفنان أشكالاً وأشكالاً وضع داخلها العدد الأبجدي، لقد وجد التذهيب أول ما وجد في المصاحف وفي مواضع الزخرفة على وجه الخصوص ثم ذهبوا به إلى تذهيب الخط والكتابة، وارتباط التذهيب بالمصاحف ظل قائما طوال القرون الأولى للإسلام، ويروي لنا المقريزي أن خزانة كتب العزيز بالله أخرج منها ايام الشدة المستنصرية ألفان وأربعمائة ختمة في ربعات بخطوط منسوبة زائدة الحسن محلاة بذهب وفضة وغيرهما.

استعمل الخطاط الذهب لكتابة المصحف كما استعمل الفضة، وحظي المصحف باهتمام وإبداع لا نظير له في أي فن من فنون الكتاب ونلاحظ في الصحفات الأولى والأخيرة من المصحف الشريف أسلوب التعقيد والإعجاز في الفكرة التي توحي التوازن الانسجام ويحتفظ المصحف الوطني في دمشق بمجموعة من المصاحف المذهبة تتوزع فيما بين العصر المملوكي والعثماني، وهي ذات قيمة كبيرة تنبيء عن مدى تطور فن التذهيب وقدرة الفنان على رسوخ فكره في الإبداع والتميز والصفاء.

ما إن بزغت شمس القرن الرابع الهجري حتى بدأ الخط الكوفي اليابس الرصين في أفول وأضاء قمر جديد صفحات وأوراق المصحف الشريف، وكنا قد لاحظنا من خلال النماذج التي وصلتنا وعرضناها من قبل رصانة خط الكوفة المتزن البديع وجلاله في رسوم حروف القرآن العظيم إلا أن امتداد الدولة الإسلامية الواسعة واستخدام الخطوط الواسعة في كتابة الدواوين وبخاصة في العصر الأموي ومن ثم العصر العباسي جعلته أكثر استحساناً وأبهى منظراً من أخيه بعد أن نضج واستقام عوده.

وأقدمت على استخدامه الشعوب التي أقدمت على الإسلام في أقاصي الأرض وأكسبته هوية ومنحته الجنسية الإسلامية.

إن ما حدث من تطورات واصطلاحات طرأت على الرسم المصحفي أيام الدولة الأموية كان السبب في ارتفاع الذوق والحس إلى ذروة الجمال، وكان ظهور قطبة المحرر المتوفى سنة أربعة وخمسين بعد المئة تحولاً كبيراً في تاريخ كتابة المصحف بعد أن طور واستولد من الخطوط اللينة خطوط جديدة كان لها الشأن الكبير والعظيم فيما بعد.

واستمرت سنة التطور فجاء في أواخر الدولة الأموية الضحاك بن عجلان الكاتب، وإسحاق بن حماد ليضيفا إلى الخط اللين بعض الهندسة في الحروف وليتبوأ الخط اللين في دمشق عرش الحضارة وينشر ظلاله على أقطار العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه.

يقول بن النديم: "لم يزل الناس يكتبون على مثال الخطوط القديمة إلى أول الدولة العباسية، فحين ظهر الهاشميون أختصت المصاحف بهذه الخطوط".

كما يذكر صاحب الفهرست من خطوط المصاحف الأولى المكي والمدني بأنواعه التئن والمثلث والمدور والكوفي والبصري والمشق والتجاويد والسلواطي والمصنوع والمائل والراصف والأصفهاني والجلي والقيرموز كما أسلفنا الذكر في الحلقات الأولى من هذا البرنامج.

لقد ظل الناس يكتبون المصاحف بالخط القديم حتى أول الدولة العباسية وعندئذ اخترعت الأقلام، وعرفت من خطوط المصاحف هذه الأنواع التي يذكرها ابن النديم، ولقد خط مصحف عثمان رضي الله عنه بالخط المكي، وكان مصحف ابن مسعود وأبي موسى بن قيس بالخط الكوفي، وأولهما كان بالكوفة قاضياً وأميناً لبيت المال وثانيهما كان حاكماً للبصرة ثم للكوفة بعد عام سبعة عشر هجرية.

وتمر الأيام وينتقل ثقل الدولة إلى بغداد ويتحول الخط على يد الوزير أبا علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة إلى قوة في الأداء ورصانة في الحروف؛ فيضع له النسب والقواعد متخذاً النقطة مبدأ له كنقط المصاحف، ويخطو نحو كتابة المصحف الشريف خطوة جريئة مخلفاً وراءه خط الكوفة، مشرعاً ذلك الخط اللين المنسوب الذي سيتخذ سبيله إلى كلمات القرآن الكريم يحنو على شكل ورسوم الخليل يزين بها حروفه، مبتدعاً أشكالاً ورموزاً جديدة تحكي قصة ذلك العناء الطويل.


لقد كتب الوزير محمد بن مقلة المصحف العظيم مرتين لكن التاريخ لم يكشف لنا بعد عنهما ولا نعرف شيئاً عن مصيرهما، وقد وزر بن مقلة لثلاثة خلفاء عباسيين أولهم المقتدر اللذي تولى الخلافة ببغداد سنة خمسة وتسعين ومائتين هجرية ثم وزر للخيفة الثاهرة الذي نصب سنة عشرين وثلاثمائة هجرية ورغم أن عهده قد شهد نبوغ كثير من العلماء الأشداء إلا أن الفتن قد ظهرت في ذلك العهد وقد تجرأ الولاة على خلفائهم وكان بن مقلة ممن سعوا لخلع هذا الخليفة.

ثم وزر بن مقلة آخر الأمر للراضي الذي تولى الخلافة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ولكنه صرف عن الوزارة لما أثار عليه الجند.

لم يمض قرن من الزمان على قيام الدولة العباسية حتى تردت الأحوال وغدت لا تسر نتيجة التفكك والانحلال ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها والحكم فيها لابن رائق، وخوزستان في يدي البريدي وفارس في يدي عماد الدولة بن بويه الموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يدي بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغش الأخشيد، والمغرب وإفريقية عبد الرحمن الملقب بالناصر الأموي، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد الثماني وطبرستان و جرجان في يد الديلم، والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القرمطي، ورغم هذه التقسيمات فقد كانت المنافسة في الفن والعلم شديدة بين هذه البلاد وكان كل حاكم يود أن يصنع في العلم شيئاً يبقي ذكره بعده.

والخط المصحفي في تطور وتقدم ينحو في كل بلد نحو التهذيب والتشذيب، وبصناعة الورق واختفاء الرقوق تحول خط المصحف العظيم رويداً رويداً إلى الليونة مخلفاً وراءه خط الكوفة اللذي بقي أربعمائة سنة في عيون القراء، لقد أصبح صلاح الدين الأيوبي بعد وفاة العاضد أخر الخلفاء الفاطميين صاحب النفوذ المطلق في مصر منذ سنة أربع وستين وخمسمائة هجرية، وقد شاع في عصره الخط اللين وحل محل الخط الكوفي اليابس وغدت دمشق في عصره منارة للخط اللين بالرغم من وجود بعض المصاحف التي تعود لزمنه وقد كتبت بخط يابس ثقيل جميل.

وكانت المدارس قد انتشرت في عهده في الشريط المتد على جبل قاسيون بعد أن أنشئت الصالحية وغدت فيها المدرسة العمرية جامعة للقرآن العظيم يأمها طلبة العلم والحفاظ من كل أنحاء العالم.

وكان السلاجقة الترك يشجعون الفن وكتابة القرآن العظيم وأصحبت الكتابات القرآنية تتحلى بالرشاقة والجمال في عهدهم وتخط على أرضية زخرفية مع رؤوس السور والفواصل، وفي القرن السادس الهجري بدأ ظهور المغول بظهور الفاتح جنكيز خان من الجهات الشمالية من بلاد الصين.

وغزوا بخارى وسمرقند التي كان يحكمها خوارزم شاه علاء الدين وعاثوا فيها فساداً وأحرقوا بها المصاحف وهدموا المساجد والمدارس، وفي سنة ست وخمسين وستمائة هجرية استولى هولاكو حفيد جنكيز خان على بغداد، وقتل المغول آخر خلفاء بني العباس المستعصم بالله وهدموا المساجد وأتلفوا المصاحف الرائعة الجميلة وقضوا على أجمل ما في الحضارة العربية.

أقام هولاكو في إيران مالكة خاصة به أصبح هو خانها دامت قرناً من الزمان، وقد احتفظت بغداد رغم ذلك بتفوقها في فن كتابة القرآن العظيم حتى أواخر القرن الثامن الهجري وسوف تتحفنا هذه الفترة بمصحفين خطهما ياخوت المستعصمي.

ثم انتقلت بعد ذلك زعامة كتابة المصاحف إلى تبريز وهارات وسمرقند وزادت الزخارف ثراء وجمالاً، وكان السمرقند عاصمة تيمور لانك بعد أن استقدم إليها الفنانين من جميع ولاياته وبث فيها روحاً جديداً وكان أن ازدهرت ظهر فيها عباقرة أمثال البهزاد من هارات.

ونهض في هذا الزمن فن التجليد نهضة رائعة وانتقل فن الرسم التصغيري من الصين لإيران مع الحفاظ على المواضيع الإسلامية وأسس باي سنقر أحد الأمراء التيموريين أكاديمية خاصة بفن الكتاب وشاع الخط التعليقي الذي ابتكره مير علي ويحتفظ المتحف الإسلامي باسنطبول بمصحف من هذه الفترة وقد خطته حفيدة تيمور لانك وكتبت أسماء السور فيه بالذهب المسور بالحبر وخطه ثلث جميل وقد كتب في آخره "تشربت بكتابة هذا المصحف المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل حكيم حميد الأمة المذنبة المعترفة بفنون التقصير السائلة من الله الكريم المنان شاذ ملك بنت محمد سلطان جهانكير ابن أمير تيمور كوركان" أصلح الله شأنها وصانها عما شانها ورحم أسلافها.

وكان ذلك في شهور سنة إحدى وسبعين وثمانمائة الهجرية، ونقرأ في هذا المصحف من سورة النور..

? سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ? [سورة النور، الآية 1].

إلى نهاية الصفحة، لقد امتاز هذا المصحف بخطه الرشيق الجميل الذي يفصح عن تمكن في قواعد حرف الثلث المحقق الذي نقطه يد سيدة تفوقت بعملها وشغفها حبها لكلمات الله عز وجل، ولإن دل ذلك على شيء إنما يدل على تمكن المرأة في تعلمها وكتابتها في ذاك الزمن الذي قل فيه من يعطي المرأة مكانتها وقد احتلت بعملها هذا مكانة رفيعة بين الخطاطين اللذين خطوا كتاب الله وآياته بحرف بديع.

وزخرفوا صفحاته ببدائع الزهور ورقموا أخماسه وأعشاره وأجزائه وأحزابه بترر ومشكاوات بديعة الشكل بهية المنظر.

 
اقرأ أيضا

أضف تعقيبك

BoldItalicUnderlineStrikethroughSubscriptSuperscriptEmailImageHyperlinkOrdered listUnordered listQuoteCodeHyperlink to the Article by its id
Very HappySmileWinkSadSurprisedShockedConfusedCoolLaughingMadRazzEmbarrassedCrying or Very SadEvil or Very MadTwisted EvilRolling EyesExclamationQuestionIdeaArrowNeutralMr. GreenGeekUber Geek
اسمك:
بريد الكتروني:
العنوان:
تعليق: