المعلق:
قراءة القرآن العظيم عبادة يثاب عليها الإنسان وينال الأجر من الله -عز وجل- وهذه الخصوصية ليست لغيره من الكتب السابقة، قال تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ? [فاطر: 29]، فقد كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعلمون القرآن عشر آيات منه فلا يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل.
وروى عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا هذا القرآن فإنكم تؤجرون فيه بكل حرف عشر حسنات، أما إني أقول لكن "آلم" حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة"، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في صلاته بالستين آية أو أكثر.
فقد صح عن عائشة -رضي الله عنها- في كيفية قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: كان يصلي النافلة جالساً حين أسن فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام وقرأ نحو من ثلاثين أو أربعين آية ثم يركع.
وعن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه".
عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسير فنزل ونزلت إلى جانبه فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ألا أخبرك بأفضل سورة في القرآن" قلت: بلى، فتلا: ?الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ? [ الفاتحة: 2]، وقال عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد : " الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " قال الله حمدني عبدي، فإذا قال: " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " قال: مجدني عبدي، وإذا قال: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ" قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
إنها سورة فاتحة الكتاب مكية ومدنية لأنها نزلت مرتين في رأي بعض العلماء، الأولى بمكة حين فرضت الصلاة والثانية بالمدينة حين حولت القبلة، وهي سبع آيات وهي أم القرآن، والسبع المثاني، لقوله تعالى: ?وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ? [الحجر: 87]، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب".
سورة البقرة مدنية إلا آية 281 فنزلت في حجة الوداع بمكة، وعدد آياتها 287 وهي أول سورة نزلت بالمدينة وأطولهن في القرآن العظيم، قال صلى الله عليه وسلم: "أعطيت مكان التوراة السبع الطوال" يعني البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، "وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وفضلت بالمفصل"، وأما آل عمران فمدنية وعدد آياتها 200، قال عليه الصلاة والسلام: لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن" وقال عليه السلام: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" آمن الرسول إلى آخر السورة.
عن عبيد بن عمير أنه قال لعائشة -رضي الله عنها- أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فسكتت، ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: يا عائشة ذريني الليلة أتعبد لربي. قالت: والله إني أحب قربك وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلما يزل يبكي حتى بل حجره قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي -صلى الله عليه وسلم- حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بل الأرض فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال -عليه الصلاة والسلام-: أفلا أكون عبداً شكورا، لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ? إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ ? [آل عمران: 190] الآية كلها حتى قوله: ?إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ? [آل عمران: 194].
وجاء في فضل سورة الكهف وعدد آياتها 110 وهي من السور المكية إلا آية 38 ومن آية 83 إلى الآية الواحدة بعد المائة جاء في فضلها، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين".
وفي سورة تبارك قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي ? تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ? [تبارك: 1]، من قرأ ? تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ? كل ليلة منعه الله -عز وجل- بها من عذاب القبر"، وكنا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نسميها المانعة.
فضل قراءة سورة التكوير والانفطار والانشقاق، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من سره أن ينظر إلي يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ "إذا الشمس كورت"، "وإذا السماء انفطرت" "وإذا السماء انشقت".
فضل سورة الزلزلة
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا زلزلت" تعدل نصف القرآن، "وقل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن، و"قل يا أيها الكافرون" تعدل ربع القرآن".
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن، قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن، قال: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن".
وفي رواية قال: "إن الله -عز وجل- جزأ القرآن بثلاثة أجزاء فجعل "قل هو الله أحد" جزءًا من أجزاء القرآن".
وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ"قل هو الله أحد" فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك، فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبروه أن الله يحبه.
فضل المعوذتين
عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن، قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس" وفي رواية لأبي داود قال: بينما أسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس، ويقول: "يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما". قال: وسمعته يأمنا بهما في الصلاة.
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ يا جابر فقلت وما أقرأ بأبي أنت وأمي قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، فقرأتهما فقال: اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلهما".
وعن عائشة -رضي الله عنها- كان إذا اشتكى -صلى الله عليه وسلم- يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وامسح بيده رجاء بركتها.
وعنها أيضاً كان -صلى الله عليه وسلم- إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: أتى رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أقرئني يا رسول الله فقال: اقرأ ثلاثاً من ذوات "آلر" فقال: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني، فقال: فاقرأ ثلاثًا من ذوات "حم"، فقال مثل مقالته، قال: اقرأ ثلاثًا من المسبحات، فقال مثل مقالته، فقال الرجل: يا رسول الله أقرئني سورة جامعة، فأقرأه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إذا زلزلت الأرض زلزالها" حتى فرغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدًا، ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أفلح الرويجل، مرتين.
وسأل أحد الصالحين الإمام الشافعي -رحمه الله- شاكيًا علته فقال له الإمام: عليك بكتاب الله وآياته الشافيات الست قال السائل: وما هي؟ قال الإمام: اقرأ قوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ ? [يونس: 58]، ? وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ? [الإسراء: 82]، و? وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ? [الشعراء: 80]، و ? قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ?14? وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ?15?? [التوبة: 14، 15]، و? ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ? [النحل: 69]، و ? قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ? [فصلت: 44]، ثم قل: اللهم اشفني بشفائك وداوني بدوائك، واغنني بفضل عمن سواك فإنه لا يعينني على الحق إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، ثلاث مرات يذهب الله عنك ما ألم بك من داء.
? نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ? [يوسف: 3]، تناول القرآن العظيم في بيانه مجموعة من أخبار الأمم السابقة وعرض طائفة من أنبائهم وصور أحوالهم وأفاض حينًا في تصوير مجتمعاتهم وعقائدهم وأوجز في مكان آخر.
ولقد امتاز عرض القرآن العظيم للقصة بسمو الغاية وشرف المقصد، كي يذهب النفس وينشد الحكمة وما ذاك إلا للعبرة في وعيد وتهديد وتخويف وإنذار وبشارة وجائزة، كما تناول القرآن العظيم في قصصه أنباء الرسل مع شعوبهم وفي بيئتهم ومع حكامهم فشرح أخبارهم وصور العاقبة بلفظ رائع وأسلوب حكيم.
قال تعالى: ? تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ? [الأعراف: 101]، وقال أيضًا: ? وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ ? [غافر: 78]، وقال جل شأنه: ? وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ? [هود: 120].
لقد تناول القرآن العظيم في محكم آياته قصة الخلق خلق الأرض والجبال والسماوات والشمس والقمر وآدم وزوجه وأولادهما ونبأ ارتكاب أول جريمة على الأرض، وسرد القرآن العظيم قصة نوح وقومه الوثنيين الذين يعبدون الأصنام ودعوته ليلاً ونهاراً وسراً وإعلانا لعبادة الله الواحد، وأمرهم بالنظر إلى سر الوجود، وإبداع الكائنات، فاعرض من أعرض وآمنت فئة قليلة ونفذ صبر نوح فدعا ربه ? وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ?26? إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا ?27?? [نوح، 26، 27].
وكان الطوفان الذي أغرق الشر والشرك وطهر الأرض ليستعمرها قلة من المؤمنين.
? رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ? [هود: 47]، وقص القرآن العظيم نبأ هود وقومه من عاد بالأحقاف من أرض ما بين عمان واليمن، وصور النعمة التي عاشوا بها ولم يحفظوها أو يقدروها وعتوا فسادًا وإفسادًا وظلمًا وبغيًا ولم يلتفتوا إلى هود وعظاته فأخذهم الله بريح فيها عذاب أليم، وهلكت عاد بذنوبها، فأورث الله ثمود أرضهم وديارهم فاستعمروا الأرض وفجروا العيون وغرسوا البساتين والحدائق وكانت سيرتهم كسيرة عاد، فأرسل الله -سبحانه وتعالى- إليهم صالحًا وهو من أشرفهم نسبًا وأرجحهم عقلاً فدعاهم لعبادة الله والعبد عن الظلم والبغي وحضهم على فعل الخير فصمت آذانهم وعميت أبصارهم، وغلقت آذانهم، وطلبوا آية يتثبتوا من صدق ما يقول، وكانت الآية ناقة ضخمة وقال لهم: ? هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ? [الشعراء: 155]، ? فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ ? [الأعراف: 73]، ولكن نوازي الشر دفعتهم لعقر الناقة وخططوا لقتل صالح وأهله ففاجأتهم الصاعقة التي أذهبت نسلهم وحرثهم وقال صالح ? يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ? [الأعراف: 79].
ويقص القرآن العظيم سيرة إبراهيم مع أهل بابل ونمرودها وعبادة الأصنام ويصور إيمان إبراهيم العميق والشك الذي يداخله أحيانًا فيطلب من ربه أن يريه إحياء الموتى فيأمره بأخذ أربعة من الطير كي يزهق روحها ويمزق أجسادها ويجعل على كل جبل شلوًا ثم يدعوها فتأتيه ساعيةً قد دبت فيها الروح.
ويحطم إبراهيم الأصنام ويعاقب بالإحراق، فيلقى في النار فإذا هي برد وسلام ويستمر الصراع بينه وبين النمرود في حوار فكري سلس رائع فيقول إبراهيم قال تعالى: ?أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ? [البقرة: 258]، حاول إبراهيم عن طريق الحوار أن يقنع قومه بالرجوع إلى الله فلم يستجيبوا فضاقت نفسه ذرعًا وقرر الرحيل تاركاً وطنه وأهله وقومه.
ويعرض القرآن العظيم جوانب من حياة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم الخليل وما يتعرض له من محن في مصر وفلسطين فيتوجه إلى أرض الحجاز ليستقر به المقام في وادي غير ذي زرع مع ابنه إسماعيل.
ويبني البيت العتيق، قال تعالى: ? وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?127? رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ?128?? [البقرة: 127، 128].
لما رحل إبراهيم عن أرض مصر كان بصحبته لوط قريبه، فافترقا كل في مكان وعاش لوط بين قوم لا يعرفون الخير، ويأتون الفاحشة في كل سبيل ومنها اقترافهم فاحشة لم يسبق إلى اجترامها، قال تعالى: ?وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ ?28? أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ?29? قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ?30?? [العنكبوت: 28: 30]، وضاقت بلوط السبل وسدت أمامه أبواب الأمل حين حاول قومه الاعتداء على أضيافه الذين لم يكونوا إلا من الملائكة الكرام.
قال تعالى: ? وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ?33? إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ?34? [العنكبوت: 33، 34].
لقد أفرد القرآن العظيم في جملة أخباره وقصصه سورة كاملة قص فيها ما جرى ليوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ولعل الصلات التجارية التي كانت قائمة بين مصر وفلسطين كانت السبب في حبك وذيوع أحداث القصة التي ضمت في جوانبها الصورة والنوازع الإنسانية من حسد وغيرة وشر وخير وعشق وحب ومكر ومؤامرات وخداع ووفاء ولقاء.
وهي كما قال عنها -سبحانه وتعالى- في قرآنه العظيم: ? نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ? [يوسف: 3]، وتبدأ الحكاية بحلم رآه يوسف ويخبر أباه به، فينصحه يعقوب بكتمانه إلا أن الضغينة والحسد بين أبناء الضرائر يسوقهم إلى إلقاء يوسف في جب فتلتقطه قافلة تجارية أثناء رحلتها إلى أرض مصر، ويعود الأولاد بعد فعلتهم النكراء إلى أبيهم ليخبروه بأن الذئب قد أكل يوسف الصغير، قال تعالى: ? فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ?15? وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ?16? قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ?17? وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ?18? [يوسف: 15: 18].
وتستقر به الأحوال في مصر بعد أن اشتراه عزيزها ويشب يوسف عن الطوق إنسان كاملاً جميلاً بهيج الطلعة يأسر الألباب بحديثه وتهيم النساء بجماله وتقع في هواه امرأة العزيز وتراوده عن نفسه ولكن الصلاح والتقوى والوفاء تعترض ما بينهما قال تعالى: ? وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ?23? وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ?24? [يوسف: 23، 24]، ويظهر سيد الدار العزيز ليرى ما يجري في داره ويسقط المكر والخداع وتشيع القصة بين نساء الطبقة الحاكمة فيلمن سيدتهن على عشقها فتبرر تباريحها بإخراجه لهن ليرين من هذا الذي هامت به حبًّا وعشقًا.
قال تعالى: ? وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ?30? فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ?31? [يوسف: 30، 31]، وتتصعد جذوة +++
يوسف لربه ليصرف عنه السوء والفحشاء ? رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ? [يوسف: 33]، لما استيئست امرأة العزيز من فتاها آثرت أن تنتقم منه فحاكت له وزجته في السجن ردًّا على إعراضها عنها وفي السجن التقى بمظلومين وضعفاء ومجرمين وأشقياء وكان ممن التقى بهم ساقي الملك وخازن طعامه ورأى كل واحد منهما حلماً مفزعا فأسرعا إلى يوسف بعد أن عرف في السجن بصلاحه وتقواه ودعواه إلى فعل الخير ففسر الحلمين ورأى أن واحدًا سيعود لعمله والآخر سيصلب وتأكل الطير من رأسه، قال تعالى: ? وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ? [يوسف: 36]، فأولها لهما يوسف عليه السلام.
قال تعالى: ? يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ? [يوسف: 41]، وتصدق النبوءة ويرى الملك حلمًا ? وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ? [يوسف: 43]، ويطلب تفسيره، فيذكر ساقيه يوسف في السجن، ويذهب إليه فيفسر له الحلم بزرع سبع سنين يعقبهن قحط، ويعجب الملك بتفسيره وتنكشف قصة النسوة اللاتي قطعن أيديهن وقصة الظلم الذي حاق به من امرأة العزيز وحصص الحق ليصبح يوسف وزيرًا للمالية، وتدور الأيام والأفلاك على المنطقة ويرسل يعقوب أولاده إلى مصر يتسقطون الغذاء.
ويلتقي يوسف بأخوته دون أن يعرفوه فيكرم وفادتهم ويحسن إليهم ويتعرف على أحوالهم ويطلب منهم أن يأتوه بأخيهم الذي يرعى والدهم، ولكن يعقوب أوجس خيفة إلا أن الحاجة اضطرتهم للذهاب والعودة، وتعرف يوسف على أخيه ومكر بأخوته حين دس الصواع في رحل أخيه اتهمهم بالسرقة واحتجز أخاه عنده وعاد الركب إلى أبيهم ليخبروه بما حدث وإذا العزيز ابنه يوسف وتتحرك نوازع الأبوة في فؤاده بعد أن ابيضت عيناه وشاخ إلا أن إحساسه كان صادقًا فقال، قال تعالى: ? وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ ? [يوسف: 94]، وقال أيضاً: ? وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ? [يوسف: 100].