المعلق:
بلغ الخط العربي في أحضان المصحف الشريف من النفاسة والكمال والإتقان غاية كبيرة ولم يعد وسيلة لتسجيل الفكر وإنما غدا فنًّا من الفنون الجميلة والجليلة هذبته ألفاظ القرآن العظيم وشذبته فنال المكانة العالية الرفيعة.
ونظرة سريعة إلى التحولات التي طرأت على جسد الحرف لنرى سرعة التطور التي شبَّ بها وأصبح ذا قيمة فنية سامية.
والحق أن كتابة القرآن العظيم بخط عربي وتلاوته في المصاحف والتعبد بذلك قد أدى إلى إعزاز شأن الخط العربي وإجلاله، ذلك أنه صار يرتبط في أذهان المسلمين بالقراءة والتلاوة والتعبد ومن ثم لم يقف إعجاب المسلمين بالخط عند حد ما فيه من قيمة جمالية، بل صار يتصل أيضاً بالعاطفة الدينية، وهكذا صار المسلمون ينظرون إلى الخط من خلال المصحف نظرة إكبار وتقدير ويتذوقونه بمتعة روحية.
إن الخط في المصاحف الأولى التي جاءتنا من القرن الهجري الأول وفي وقت مبكر كان ينقصها التنسيق، ولكن الخط فيها ما لبث أن اتخذ أسلوبًا منسقًا في مدى فترة وجيزة نسبيًا، ويتضح هذا من استعراضنا لمجموعة من المصاحف لنشاهد فيها ما قلناه.
نشاهد الضغط فيما بين الأسطر وعدم العناية في كتابة الأحرف والانتقال من سطر لسطر مع تجزئة الكلمة الواحدة، ونقرأ في الأسطر الثلاثة الأولى من سورة يونس ? الْمُجْرِمُونَ ?17?وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ?18?? [يونس: 17: 18]، ونلاحظ أن حرف النون جاء في بداية السطر الذي يليه وليس في ذلك غرابة زمنَ كتابة المصحف، إلا أن الإخراج والضبط تطور بعد سنوات في خط الكوفة المحقق، وأصبح تنسيق السطر والبعد بين الكلمات والأسطر موزونًا كما ي أوراق المصحف الذي يحتفظ بتسع وثلاثين ورقة منه متحف "طوبقابيبسراي" ونرى فيه رصانة الخط الكوفي وتنسيق العبارات والجمل والتباعد فيما بينها والتباعد بين الأسطر، وتحتوي الصفحة أواخر سورة التوبة، وفي أول الصفحة كلمة ( رحيم )، وهي من آخر الآية التي قبلها ثم نقرأ قوله تعالى: ? فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ?129?? [التوبة: 129]، وداخل الدائرة التي جردت من أشكال زهرة الزيتون عدد الآيات وهي كما جاءت هنا مائة وثلاثون، وسورة التوبة برواية حفص عن عاصم هي مائة وتسع وعشرون آية، وفي وسط الصفحة يوجد اسم السورة وقد كتب بالذهب " يونس مائة وتسع آيات" ونلاحظ في الداخل أشكالاً مجردة من عناقيد العنب ثم نشاهد تحت اسم السورة البسملة، ومن الغرابة أن كلمة الرحمن كُتبت بألف طويلة وهذا ما لا نراه في جميع مصاحف القرون الماضية ونقرأ بعدها: ? الر تِلْكَ آيَاتُ ? كتب هذا المصحف على الرق تبعًا لقواعد أبي الأسود الدؤلي فيه حركات الفتحة والخفضة والضمة بلون أحمر وفوق وتحت وبين يدي الحرف.
وننتقل إلى القرنين الخامس والسادس الهجريين لنشاهد تطور رسم الخط المصحفي وتطور الإخراج والتنسيق في مصحف يحتفظ به متحف "طبقا" بسراي أيضاً.
ونقرأ فيه من سورة مريم ? عَلِيًّا ?50?وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا ?51? وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ? [مريم: 49 : 50]، لقد استطاع الخطاط أن يطور في رسم الحرف الكوفي البديع والذي أطلق عليه علماء الخط المستشرقون اسم الخط الكوفي المشرقي، وجنح إلى التزويق في الوصل فيما بين الحروف وجمل في حرف النون واللام ألف وحرف الدال والهاء وأخذ من سعف النخل أشكالاً لرسم دائرة يضع فيها الرقم على طريقة حساب الجمل.
فوضع في الدائرة العليا حرف نون دلالة على الرقم خمسين ووضع في الدائرة السفلى حرفين "نا" النون والألف دلالة على الرقم واحد وخمسين، وسور الكلام وجدوله ضمن أشكال منظمة مقتبسة مجردة من ورق التين، بالإضافة إلى استخدامه شكلاً واحداً من ثمر الرمان.
وفي هذا المصحف أيضاً تطور الرموز في الشكل بالرغم من استخدامها رموز الخليل بن أحمد الفراهيدي فقد وضع علامة الميزان فوق الراء والسين كما استعمل الألوان الحمراء للشكل والزرقاء للتزيين، وقد أطلق بعض الباحثين على هذا الشكل من الخط اسم الكوفي القرمطي، نسبة إلى القرامطة الذين ظهروا في القرن الرابع الهجري، وهذا منافٍ لبعض الاصطلاحات في الرسم والخط، إذ إن الرمطة تعني الدقة في تقارب الحروف ولذلك قال: علماء الخط السابقون" قرمط بين الحروف، إلا أن هذا النوع من الكتابة يعود إلى التحسين والتجميل في الخط الكوفي البديع ولا علاقة للقرامطة ولا القرمطة بين الحروف به.
ويوضح ذلك تأملنا في الحروف التي سنراها على جانب آخر من الغلظة في أسلوب آخر يحتفظ به مركز دراسات الحضارة والفنون الإسلامية بقصر رقادة بقيروان بتونس، ونقرأ فيه الآية الثانية عشرة بعد المائتين من سورة البقرة: ? وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ ? [البقرة: 212]، وكتب هذا المصحف علي بن أحمد الوراق على خمسة أسطر على الرق لحاضنة المعز بن باديس الصنهاجي سنة عشر بعد الأربعمائة الهجرية، ثم حبسته الحاضنة على الجامع الأعظم بالقيروان.
إن مقارنة بسيطة في أسلوب الكتابة بين المصحفين تقودنا إلى أن استخدام الألوان في التشكيل كأنما كانت قاعدة في هذه المرحلة الزمنية من التاريخ، فاستخدام اللون الأحمر والأزرق يدلنا على أن رمز الألوان كان ناضجًا متطورًا في هذه الفترة المبكرة من الفن، وفي المصحف الذي تحتفظ به مكتبة طوبقابيبسراي بخط أبي بكر ابن أحمد بن عبد الله الغزنوي في المحرم من سنة ثلاث وسبعين وخمسائة هجرية نشاهد تطورًا بسيطًا في الكوفي البديع الذي رأيناه في المصاحف التي سبقته وخاصة حرف الصاد، كما نرى فيه تطورًا آخر في رموز الوقف أثناء القراءة.
وهذه الشارات التي تدل على ذلك هي إشارات وضعها أبو الفضل محمد بن طيفور السجاوندي المتوفى سنة ستين وخمسمائة هجرية وعرفت باصطلاحات أو إشارات سجاوند في تلاوة القرآن العظيم.
وفي المصحف ما يخالف القواعد المتبعة في خطوط رؤوس الآيات، فلم يستخدم الخطاط في هذا المصحف الخط الكوفي المورق لرؤوس السور وإنما استبدله بخط لين من قلم التوقيع.
وذَهَّبّ الأسماءَ واستعمل الزخرفة المجردة من زهرة الرمان وأكسبها ألوانًا جديدة.
إن هذه العناية في كتاب الله -عز وجل- لاقت من المجتمع تقديرًا واحترامًا واندفع أصحاب الشأن ليكلفوا الخطاطين بكتابة المصاحف الشريفة، وكانت مصاحف الحكام والأمراء والسادة والتجار على جانب كبير من الذوق في التذهيب لقد ظل الخط الكوفي في المصاحف حتى القرن الخامس والسادس الهجريين يتناوب ما بين محقق وبديع مع العناية التامة بالتذهيب والزخرفة.
وكانت مصاحف الأندلس تميل نحو اللين في كتابتها اليابسة الكوفية مما أحدث طرازًا ونمطًا جديدًا في الخط العربي أطلق عليه اسم الخط الأندلسي، لقد كان للمسلمين فضل كبير في الأندلس في تطوير الكتابة، بالرغم من أن التاريخ يثبت أسبقية المغرب والقيروان للإسلام والعروبة، والفتوحات كانت من المغرب والمغاربة مع الفاتحين حملوا كتابتهم الأولى للأندلس، والتطورات التي حدثت في القيروان تأثر بها الأندلسيون من خلال روابط العلاقات الثقافية الوطيدة فيما بينهم، وكانت القيروان مركز عبور نحو الشرق ومنه، كما كان يقصدها من الأندلس طلاب وعلماء للبحث والدراسة، إلا أن الحضارة التي عرفت باستقرار المسلمين في الأندلس جعلت التبعية في تطور الكتابة فيها لا للقيروان.
ونما الخط في الأندلس وتطور وقد وصلتنا نماذج تؤكد وتدل على ذلك، وتاريخها يعود للقرن الرابع الهجري ونحن نعلم أيضاً أن العلوم القرآنية في القرن الخامس قد بلغت مبلغًا عظيمًا من التقدم، فقد ترك أبو عمرو الداني - المتوفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة هجرية - كتبًا قيمة عن نقط المصاحف وقراءاتها، يقول ابن خلدون: وأما أهل الاندلس فافترقوا في الأمصار عند تلاشي حكم العرب ومن خلفهم من البربر وتغلبت عليهم أمم نصرانية فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية من لدن الدولة اللمتونية إلى هذا العهد، وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع وتعلقوا بأذيال الدولة فغلب خطهم على الخط الإفريقي وعفا عليه ونسي خط القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما، وصارت خطوط إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها؛ لتوفر أهل الأندلس بها عند الجالية من شرق الأندلس.
ويقول أيضاً: وتميز مُلكُ الأندلس بالأمويين، فتميزوا بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط، فتميز صنف خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد، لقد مال الخط الكوفي البديع القيرواني إلى الليونة في الأندلس وأصبح خط الأندلس هو القدوة للمغرب.
وفي مصحف ابن غطوس نشاهد التطورات التي جرت في أحضان المصحف في بلاد الأندلس فمن اليبوسة إلى الليونة، ومن القيرواني البديع إلى الأندلسي البهي الجميل، وابن غطوس من بلانسيا بالأندلس وخطاطها الشهير، كان وحيد عصره في كتابة المصاحف في الأندلس، فقد روي أنه كتب ألف مصحف وتعلم هذا الفن عن والده وأخيه الأكبر وعاهد الله ونفسه على ألا يكتب غير المصاحف، وكان يختلي في غرفته ولا يسمح لأحد بالدخول عليه، وقيل: إن مصحفه كان يباع بما يزيد على مائتي دينار، وقيل: إن رجلا جاءه من مكان قصي فاشترى منه مصحفًا فلما عاد إلى بلاده أدرك أن به بعض الأخطاء في الحركات فعاد إلى تلك المدينة البعيدة وطلب منه تصحيحها ولتكون بخطه.
وقد توفي ابن غطوس هذا سنة عشر وستمائة هجرية، وفي مصحفه المحفوظ بمكتبة جامعة استانبول قسم يالديز نشاهد سورة الفيل وسورة قريش إلى سورة الناس، وقد كتب بمداد بني فاتح على الرق، ووضعت إشارات الشد والجزم باللازاود وإشارات التشكيل الأخرى باللون الأحمر، وخصص اللون البرتقالي للهمزة وقام بتذهيبه وزخرفته وعلى الهامش علامات التخميس والتعشير.
كما نشاهد مصحفًا آخر في مكتبة سراي طوبقابي ونقرأ فيه من سورة مريم قوله تعالى: ? أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ?94?وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ?95?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ?96?فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا ?97? وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ?98?? [مريم: 94: 98]
لقد كتب هذا المصحف بالذهب المسور بالمداد الأسود وجاءت بعد كل آية دائرة محلاة كتبت داخلها كلمة آية، وجاءت علامة التخميس على شكل طرة وعلامات التأشير المستديرة وضعت بين الآيات في المكان المناسب، وفي الصفحات التي تضم تسعة أسطر جاءت علامات رؤوس السور والأجزاء والأحزاب في هامش المتن على شكل مرصعات محلاة.
وقد وضعت حروف ألف باللون الأحمر إشارة إلى المد خلافاً للرسم العثماني للمصفح ونشاهدها في السطور الخمسة الأولى وكتبت رؤوس السور باللون الأحمر، ثم سورت أطراف الحروف بالذهب، وأشير إلى الهمزات بنقط مستديرة خضراء فوق الحرف وحمراء تحته، أما الشدة وإشارة الجزم فهي باللون الأزرق بينما وضعت الحركات الأخرى باللون الأحمر.
ويوجد من هذا المصحف أوراق متفرقة وفي متاحف العالم بعض أوراق متفرقة منه. إن الأندلس بما طورته من كتابتها الأموية سبقت المشرق بقرون في استخدام الخط اللين بدل اليابس على صفحات القرآن العظيم.
انبثق نور الإسلام من الجزيرة العربية فكان ثورة على الواقع الفاسد، رفع الظلم والاستغلال عن كاهل الإنسان وحث على طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة، وانتشر دين الله وبسرعة في مناطق واسعة من العالم، ومصرت الأمصار وصارت المساجد الجامعة دورًا لحفظ القرآن العظيم، واختصت بعدها دور خاصة بذلك وازدادت العناية بخطوط ورسوم المصحف الشريف وتزيينه ولاحظنا من خلال الحلقات السابقة، مسيرة التطور واختراع الخطوط اليابسة واللينة وكان لاحتكاك العرب بغيرهم من الشعوب ودخول أمم جديدة في الدين الجديد أثر كبير على جمالية وقواعد الخط العربي ومن ذلك مصحف بالخط الكوفي البديع ومن القرن الخامس الهجري وهو بخط عثمان بن حسين الوارق الغزنوي والجديد في هذا المصحف أن تفسيرًا باللغة الفارسية وشرحًا للآيات جاء منتظمًا في سطور تحت الآية وبخط أصغر من الكلام الحق العزيز، ونقرأ في هذا المصحف من سورة مريم : ? أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ?83?فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ?84?يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ?85?? [مريم: 83 : 85]، لقد كتبت الآيات بأحرف كبيرة وشكل مختلف ووضعت الحركات باللون الأحمر ووضعت الشدات والهمزات بالمداد الأخضر ووضعت النقاط مستديرة بقلم الذهب المسور باللون الأسود، ونرى كذلك بعض الحروف المهملة، وعلامة الميزان التي سبق وأشرنا إليها بأنها توضع فوق الرأي وفوق حرف السين نراها هنا وقد وضعت فوق حرف الدال أيضاً في نعد وعدًا ووفدًا.
ونذكر أن هذه العلامة كانت توضع فوق حرف الصاد أيضاً في القرن الرابع الهجري، كما نرى الأعداد وقد كتبت لغة داخل دوائر محلاة على الطريقة العشرية، وهذا نموذج فريد من المصاحف التي جاءتنا من هذه الفترة، كما نلاحظ الدوائر المرصعة التي تدل على التخميس والتعشير وقد وضعت على حاشية المصحف.
واستخدم الخطاط في هذا المصحف فواصل في نص التفسير بين الفقرات مستخدمًا نجمة محورة على شكل زهرة وهذا مما ليس موجودًا في مدونات القرن الخامس، لم ينقضِ القرن الخامس ولم تأفل شمسه بعد حتى كان الخط اللين قد حل بشرف مكان الحرف اليابس الكوفي، ولقد وصلتنا مصاحف جميلة الخط بهية الزخرفة من هذا الزمن، تدل على الذوق الرفيع الذي تحلى به الخطاط في عمله بالمصحف الشريف وكان ابن مقلة وابن البواب من قبل قرن من الزمان قد خطا بالنسخ القرآن العظيم.
وصلتنا من القرن السابع الهجري نسخة من المصحف بالخط الريحاني لياقوت المستعصمي، ويحتفظ بها متحف الآثار الإسلامية التركية وتمثل هذه النسخة الفريدة نموذجًا هاما للتطورات التي طرأت على توزيع وتنسيق الكتابة والخط في المصحف، فقد كتب بالخط الريحاني وعلى خمسة عشر سطرا لكل صحيفة وهذا من حسن التوزيع، إذ أصبح قاعدة لمن جاء من بعد لكتابة المصحف للحفاظ على نهج المستعصمين وتعد هذه النسخة تحفة فنية نادرة لما فيها من رونق التذهيب وجمال التجريد، وقد كتبت رؤوس السور بخط التوقيع الدقيق بمداد أبيض على أرضية مذهبة وشُعِّرتْ أطراف الكتابة بالمداد الأسود كما نرى علامات التخميس قد وضعت بعيدًا عن حيز الكتابة بدوائر وردية محلاة، ونقرأ في هذا المصحف في الصفحة الأولى سورة الفاتحة وثلاث آيات من سورة البقرة، وفي الصفحة الثانية وهي الأخيرة سورة الناس، ونشاهد حرف السين الذي سها عن كتابته ثم وضعه بعد التأطير في داخل الإطار وفي النهاية نقرأ ، " وكتب ياقوت المستعصمي في سنة خمس وثمانين وستمائة بمدينة السلمي ببغداد حامدًا الله تعالى على نعمه ومصليًا على نبيه محمد وآله الطيبين الطاهرين ومسلماً ومن ذنوبه مستغفرًا".
ويعد ياقوت من الخطاطين المجودين الذين تركوا بصمتهم على تطور خط النسخ وقد توفي سنة ثمان وتسعين وستمائة هجرية، وتقول الروايات: إن ياقوت جمال الدين كان عبدًا مملوكًا للخليفة العباسي الأخير المستعصم بالله، نشأ في بلاطه وعرف بانتسابه له، وأتقن العربية والأدب وقرض الشعر، وقد عاش حياة فيها الرفاهية والرغد في ظل انتسابه للخليفة، واستطاع أن يستعيد منزلته بعد غزو المغول لبغداد سنة ست وخمسين وستمائة هجرية، وفي رواية: إن ياقوت لجأ إلى إحدى المآذن واختبأ بها عندما دخل هولاكو بغداد وأنه حتى في تلك الأيام الرهيبة لم ينقطع عن الكتابة.
وكانت الأقلام الستة قد بلغت شأوًا كبيراً من التطور قبله فجودها وحسنها ووصل بها إلى الوضع الأخير الذي كانت عليه قبل ظهور المدرسة العثمانية، واتخذ الخط المائل للقلم بدلاً من الخط المستوي فأضفى على خطوطه جمالاً آخر وقد أمضى حياته في بغداد حتى تحولت بفضل أعماله إلى مركز لفن الخط.
ومن المصاحف الجميلة التي وصلتنا من القرن الثامن مصحف تحتفظ به مكتبة سراي طوبقابي بخط أحمد بن السهروردي بقلم جلي المحقق، ومقاسه خمسون بخمس وثلاثون وقد كتبه للسلطان غازان محمود الخان سنة سبعين وستمائة هجرية ثم قام محمد بن أيبك بن عبد الله بتذهيب وزخرفة أجزائه جميعاً بأناقة حملت خصائص عصره، استخدم نبات زهر الرمان المحور ومراوح النخل وعسيبه وشكل الضفائر وخط رءوس السور بالخط الكوفي البديع المورق على أرضية زرقاء كامدة.
وسور آيات القرآن بتغييم زخرفي، وجعل في كل صفحة ثلاثة أسطر، ونقرأ فيه ? سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ?142?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ? [البقرة: 142 : 143]، إن أغلب الأجزاء من هذا المصحف وللأسف فقدت مع مرور الزمن والأجزاء المتبقية محفوظة منها ثلاثة في مكتبة سراي طبقابي وأربعة أخرى موزعة على إيران متحف بستان، وإيرلاندا مكتبة شيستر بيتي، وأميركا متحف المتروبوليتان وقد دام العمل في هذا المصحف سبع سنوات متواصلة حتى تم إنجازه، وأحمد بن يحيى السهروردي ولد في بغداد وكان يعرف بلقب ابن الشيخ وقد كتب في حياته ثلاثة وثلاثين مصحفًا وعددًا من خطوط الجلي على بعض عمائر بغداد لم يصل منها شيء، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة هجرية وكان هذا المصحف الذي شاهدناه آخر أعماله الفنية.
ومن المصاحف الجميلة التي كتبت بالخط الريحاني وصلنا من القرن الثامن الهجري مصحف بخط علي بن أبي سالم وقد أهدي لمكتبة الملك الناصر محمد الأول سنة أربع عشرة وسبعمائة هجرية، وكتب بمداد السناج، وكتبت رؤوس السور بخط التوقيع بمداد الذهب المسور بالمداد الأسود، وطريقة الكتابة فيه مخالفة لقواعد الكتابة التي عرفت زمن المماليك وهي طريقة ياقوت في كتابة المصحف على شكل جداول وأما التنسيق في تباعد الأسطر فقد أغفل تماماً ونلاحظ تقارب وتراصَّ الأسطر عكس ما هو معروف كما نرى على هوامش الصحيفة طررًا لعلامات التخميس ودوائر محلاة لعلامات التعشير وفصل فيما بين الآيات بدوائر وردية منتظمة متناسقة تشبه بعضها بعضُا، وقد ورد اسم المجلد والمزخرف وهو عبد الله الصفوي الحلبي وهذا المصحف نموذج هام نادر من المصاحف التي خطت وزخرفت في دمشق الشام، و نقرأ فيها من رأس الصفحة من آخر سورة المدثر: ? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ?38?إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ ?39?فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ?40?عَنِ الْمُجْرِمِينَ ?41?مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ?42?قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ?43?وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ?44?وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ?45?وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ?46?حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ?47?فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ?48?فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ?49?كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ?50?فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ?51?بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً ?52? كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الآَخِرَةَ ?53?كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ?54?فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ?55?وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ?56? ? [المدثر: 38: 56]، إن ما نراه في هذا المصحف مخالف لكل ما جاء من المصاحف التي كانت تكتب بالخط الكوفي وبالرسم العثماني، فقد خالف رسمه رسم المصحف بالرغم من أنه كُتبَ في القرن الثامن ولابد أن تعترضنا هنا مسألة هامة وهي أن مصحف ابن البواب جاء كذلك برسم مخالف ولكأن رسوم الخطوط اللينة لا توافق ما جاء في مصحف الإمام الذي كتب برسم إملائي وبخط يابس، لقد جاءت كلمة أصحاب في هذا المصحف بألف طويلة في السطر الأول بينما في مصحف الإمام لا وجود للألف وكذلك في الكلمات " جنات وأتانا وشفاعة والشافعين" ونلاحظ أيضاً الخلاف في الآيات ففي قوله تعالى: ? إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ ?39? فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ?40?عَنِ الْمُجْرِمِينَ ?41?? [المدثر: 39: 41]، ثلاث آيات في مصحف الإمام ونراها هنا وقد دمجت في آية واحدة، إن الخلاف في الرسم الإملائي لم يكن له ضابط في العصر العباسي وما بعده ولم تكن رسوم المصحف في مشرق الأرض ومغربه لتلتزم بقواعد مصحف الإمام وهذا ما دعا الداني في محكمه لينوه عن ضرورة الالتزام برسم مصحف الإمام، وبقيت بلاد الأندلس والمغرب على تمسكها برسم الإمام حتى عصرنا الحاضر، بينما سعى أهل المشرق في منتصف القرن الماضي ليهذبوا مصاحفهم ويعيدوها إلى الكتبة الأولى، كتابة رسم زمن الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- .
ومن المصاحف الجميلة التي خطت في دمشق الشام مصحف تحتفظ به مكتبة جامعة استانبول، ويعود للقرن الثامن الهجري الموافق للرابع عشر الميلادي خطه وزخرفه عبد الله الأنصاري الذي يقول بأن نسبه يعود لأبي أيوب الأنصاري، ونرى من تنظيم الصحيفة أنه كتب سطرًا بخط المحقق بمداد أسود مسور بالذهب، ثم ثلاثة عشر سطرًا بالنسخ بمداد الذهب المسور بالحبر الأسود ثم سطرًا أخيرًا بالمحقق كما السطر الأول، أما علامات التشكيل فقد رسمت بالحبر الأحمر ولم يعتنِ جيدًا بتسوير الحروف ووضع في نهاية الحروف أشكالاً محلاة تشبه بعضها بعضًا.
أما علامات التخميس والتعشير فقد وضعها على هامش النص على شكل طرر ورصائع محلاة، وفي هاتين الصفحتين آيات من سورة الشعراء.
ومن المصاحف المملوكية الجميلة التي حفظ لنا الدهر بعضًا منها مصحف بخط علي بن محمد بن محمد بن زيد من أهل الموصل، وقد خُطَّ هذا المصحف بالذهب المسور بالمداد الأسود، ويحتفظ متحف الآثار التركية الإسلامية باستانبول بثمانية أجزاء منه، ويوجد أربعة أجزاء منه أيضاً في أماكن مختلفة من تركيا كما توجد بعض أوراق من الجزء السادس منه في إيرلاندا، والجزء الخامس والعشرون في انجلترا والثامن والعشرون في إيران والأجزاء الباقية مفقودة وقد شرع عليٌّ بكتابته بسرعة فائقة رغم العناء الذي كابده وهو يكتبه على خمسة أسطر فأتم الأجزاء الخمسة عشر الأولى في سنة واحدة، ثم توقف أربع سنوات وأعاد الكرة ليتم القرآن العظيم في سنة واحدة، وقد كُتبَ هذا المصحف لأمر السلطان الإلفاني أوليجاتو سنة ثمانين وستمائة هجرية ونلاحظ في جداول رؤوس السور أنها كتبت بخط التوقيع بمداد أبيض اللون، ثم سورت الكتابة مرتين بالذهب والمداد الأسود، ويوجد إلى جوار كل جدول رصيعة محلاة تدل على بداية السورة، أما الآية فقد فصلت بينها دوائر زخرفية بديعة كتبت في داخلها كلمة آية بينما تُركتْ أطراف الصحيفة بغير جدول ونلاحظ رموز علامة الميزان على حرف الراء، وإن نظرة إلى ما قام به من زخرفة على أرضية كتابة اسم السورة سنلاحظ العناية التامة في رسم الزخرفة المقتبسة المحورة من آيات القرآن العظيم، وإن التوريقات التي أخذت من نخيل وأعناب وزيتون ورمان لتدل دلالة واضحة بينة على خصب خيال الخطاط المسلم الذي اتخذ من القرآن وآياته إبداعًا جَمَّلَ به صفحات القرآن العظيم، واستخدامه على الإطار شكلاً مجرداً من نوى ثمرات النخيل وإعطاؤها لونًا أحمر يميل إلى اللون البني مما يوضح اتصال الخطاط المسلم بالألوان والأصباغ واستخدامها رموزًا تحدد هيكل ما يريد وما يبوح به، إنها سورة الرعد ? المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ? [الرعد: 1].