المعلق:
تطور الخط العربي في أحضان القرآن العظيم تطوراً مذهلاً سريعاً، وعني المسلمون به عناية فائقة، حتى أصبح تحفة فنية ثمينة.
وإذا ما أتيح للإنسان النظر والتأمل في مخطوط من مخطوطات المصحف، فإنه سيقف مجدوهاً لا يدري بأي شيء يعجب، ألجمال الخط ورشاقته، أم للدقة في رسم الزخارف المذهبة وروعتها، أم لتناسق الألوان واتساقها ونضارتها، أم لنقوش الغلاف الجلدي الذي حمل أساليب شتى من ضروب الفن!!
لقد كانت المصاحف الشريفة ميداناً لفن تجويد الخط وتنوعه، فقد كتبت المصاحف الأولى بالكوفي، بألوانه وأشكاله وتعدد أنماطه، حتى آذن فجر القرن الخامس الهجري بالمغيب، وتقدمت الخطوط اللينة، لتأخذ مكانها على صفحات المصحف من محقق وريحان، وتوقيع، ونسخ.
وبين أيدينا صفحة بخط نسخ بديع "ليحيى الصوفي" تعود لسنة 739 هجرية، يحتفظ بها متحف الآثار الإسلامية بتركيا، وهي إحدى صحيفتي الصدر في المصحف والتي اصطلح على تسميتها بـ"سار لوحة".
وداخل المصحف بدون تغييبه كتب على الطريقة ياقوت المستعصمي فجعل سطراً بالمحقق وأحد عشر سطراً ثم سطراً أخيراً بالمحقق، أما رؤوس السور فقد كتبت بخط التوقيع بمداد الذهب، كما كتبت أسماء السور وعدد آياتها بالخط الكوفي.
ومن المصاحف الجميلة التي وصلتنا من مدينة "هراه" مصحف بخط شمس الدين باسنقري، المتوفى سنة 850 ويحتفظ به متحف الآثار التركية الإسلامية، وفيه سورة الفاتحة وأول البقرة، وقد كتب المصحف بخط النسخ محاكاةً لياقوت المستعصمي، والمصحف هذا تحفة فنية رائعة نادرة في خطه وزخرفته على السواء.
وفرغ من كتابته في نفس العام الذي توفي به باسنقرى، ونلاحظ في صحيفتي صدر المصحف هاتين أنه كتب أسماء السور وعدد آياتها بالخط الكوفي، وزخرف نهاية الآيات بأشكال زخرفية رقيقة، بينما ملأ ما بين السطور بأشكال تشبه الغيوم، وبوحدات زخرفية نباتية.
وللمصحف ظهرية بديعة، والظهرية صحيفة أو أكثر تلي صحيفتي الصدر في المصاحف.
كما جاءتنا أوراق من مصحف جميل للغاية بخط المحقق والنسخ والثلث، وقد خطها على أسلوب ياقوت محمد بن سلطان شاه الهروي، سنة 890 في هراة، وتحتفظ به مكتبة سراي تبقابي ونقرأ فيه من أواخر سورة "يس" في رأس الصفحة :
? فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ?76? أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ?77? وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ?78? قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ?79? الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِّنْهُ تُوقِدُونَ ?80? أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ?81? إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ?82? فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?83?? [يس: 75: 83].
إن جمال التنسيق والعناية البالغة في هذا المصحف جعلته من النوادر، بالإضافة إلى التنويع في أنماط الخط.
لقد ارتأى الخطاط الفنان أن يكتب السطر الأول بخط المحقق، ثم يكتب ستة أسطر بالنسخ، ثم سطراً بالثلث، ثم ستة أسطر بالنسخ، ثم سطراً بالمحقق، وآثر أن يكتب النسخ بالمداد الأسود، والمحقق والثلث بالذهب المسور بالأسود، ويدل هذا على ذوق رفيع وأناقة في توازن اللون على صفحات المصحف.
ثم انتقى اللون الأزرق والأسود ولون الزهر والأبيض للمرصعات والحليات والمسكاوات، التي حملت رموز التخميس والتعشير.
إن دقة التصوير للآيات التي كتبت بالذهب وتشغيرها يعطي الإنسان فكرة عن مقدار الصبر الذي تحلى به الخطاط بالإضافة إلى متانة اليد في رسم الخطوط، وملء الفراغات في الحروف باللون الأسود.
ونلاحظ أيضاً أنه ترك أربع مسافات على جوانب سطور النسخ مما أضفى على المصحف جمالاً وجاذبية.
ويتمم هذا الجمال والجاذبية ما نراه من زخارف لرءوس السور وعلامات التخميس والتعشير على جوانب المصحف، ونرى دوائر محلاة في نهاية الآيات يشبه بعضها بعضاً، وآثر أن يبتكرها من أسلوب الضفائر، ويمثل هذا المصحف طراز مدرسة هارات، الذي حافظ على بريقه في عصر حسين بيقرا سنة 875.
ولنفس الخطاط والمذهب مصحف آخر في مكتبة "جيستر بيتي" بدابلن بإيرلاندا.
ومن النماذج الجميلة والفريدة التي تعبر عن مدى تعلق الخط.. وأناقة إخراج المصحف الشريف ما صنعه حمزة الشرفي في القرن السابع الهجري حين ترك لنا أثراً فنياً مبهراً في كتابته للخط الكوفي.
ففي مكتبة سراي "طوبقابي" عشر ورقات من مصحف شريف لنموذج بديع للخط الكوفي المزخرف.
ونلاحظ فيه امتداد الأحرف والتزيينات لوحدات زخرفية هي من أهم العناصر في أسلوب التذهيب الإسلامي.
ونرى أيضاً التشغير بمداد السناج الأسود بالذهب، وكتابة علامات التشكيل باللون الأحمر مما أعطى الكتابة شكلاً جذاباً، ولقد حاكى فيه الخطاط أساليب المماليك في الكتابة الكوفية، كما حفظ جلد المصحف باللاك على أسلوب بلاد ما وراء النهر.
ومما يبهر في هذه الأوراق باللاك، دون أن يمس سطح الورقة بعد تشعيره بالذهب.
ويعني هذا أن الخطاط حمزة الشرفي قام بكتابة الخطوط أكثر من مرة، ويعد هذا نادرة من النوادر.
وغطى جلد المصحف أيضاً بفتات الصدف، وتعد هذه الأوراق تحفة رائعة في فن الخط والزخرفة، وفي ختام الصفحات كتب الخطاط منوهاً إلى أن هذه الصفحات مقدمة إلى السلطان قنصوا القوري، ونقرأ في هذه الصفحة :
? ...?10? سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ?11? ? [الفتح: 10: 12].
خط المصحف الشريف كما لاحظنا بالخط الكوفي في القرون الخوالي، ثم تشرف الخط اللين ليحتل المكانة الرفيعة في كتابة المصحف، وكان السبق لخط النسخ والمحقق، ثم كان للثلث والريحان مجال، إلا أن خط التعليق الذي تطور في بلاد فارس وأصبح له الشأن الأكبر لم تكتب به المصاحف ولم يتقدم خطاطو الفرس بنماذج من المصاحف بخط التعليق أو كما يسمى في بلاد ما وراء النهر بالنستعليق.
وفي مكتبة سراي طبقابي باسطنبول مصحف بالتعليق للشاة محمود نيسابوري من تبريز.
ونقرأ سورة الشرح وسورة التين، وسورة العلق، وفيها:
? اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ?1? خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ?2? اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ?3? الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ?4? عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ?5? كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى ?6? أَن رَّآَهُ اسْتَغْنَى ?7? إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرّجْعَى ?8? أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ?9? عَبْدًا إِذَا صَلَّى ?10? أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى ?11? أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ?12? أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ?13? أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى ?14?? [العلق: 1: 14].
يعتبر هذا المصحف من أجمل المصاحف التي كتبت بخط التعليق، ومن المعروف أن هذا النمط من الخط لا يقبل التشكيل ولا العلامات؛ لأن أي إضافة عليه تفسد جماله وتناغمه، وبالرغم من ذلك فإن الخطاط هنا آثر أن يستعمل الرموز والشكل فجاءت الكتابة بهية الرونق جميلة الشكل رائعة المظهر، لقد كتب الشاه محمود هذا المصحف بطلب من شاه محمود بهادر خان، والذي قدمه بالتالي هدية للسلطان العثماني مراد الثالث.
وقد وقع الفراغ من كتابته في يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر المحرم، سنة 945 هجرية، والتي توافق سنة 1538 ميلادية.
وقام على تذهيبه أشهر المذهبين والنقاشين في ذلك العصر، وعلى رأسهم، المذهب والنقاش الشهير حسن البغدادي.
ويمثل جلد المصحف هذا نموذجاً بديعاً من التجليد في القرن العاشر الهجري.
لقد عرف شاه محمود بلقب زري القلم، أي صاحب القلم الذهبي، ولد في نيسابور، وتعلم قلم التعليق، وأخذه عن خاله عبدي نيسابوري، ثم عن الخطاط الشهير سلطان علي المشهدي، ويقال إن الشاه إسماعيل الصفوي كان يحبه ويجله، فلما وقعت الحرب بين العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول وبين الصفويين بقيادة الشاه إسماعيل وخشي الشاه أن يفر محمود إلى جانب العثمانيين نظراً لأنه كان سنياً أخفاه مع الرسام بهزاد في إحدى المغارات.
وكان الشاه محمود يعمل خطاطاً في خزانة الكتب طه ماسيبر ابن الشاه إسماعيل.
ثم قضى بعد ذلك عشرين عاماً من حياته في مشد، عمل خلالها بالتدريس وقدم وهو في الثامنة والثمانين من عمره أعمالاً جميلةً لا تنسى، وقرض الشعر، وكان نابغةً عبقريةً قلّ نظيرها.
ومن النماذج الفريدة التي وصلتنا من خط المحقق، نسخة قرآن كريم تحتفظ بها مكتبة جامعة إسطنبول، وهي من أجمل النماذج في إتقان خط المحقق، وقد شرع في إنجازه عبد الله القرمي نسبة إلى بلاد القرم، ولكن العمر لم يسعفه فتولى تلميذه عمل ما تبقى.
عرف عبد الله بلقب التتري أو القرمي، نسبة إلى بلاد القرم التي نوح منها، وقد أخذ الأقلام الستة عن أستاذه درويش محمد بن مصطفى ددا.
فأتقنها وأجادها، وأصبح واحداً من الخطاطين البارزين، ونقرأ في هذه الوثيقة من أول سورة الأنعام:
? الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ?1? هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ?2?? [الأنعام: 1: 3].
إن ما نلاحظه في هذه الوثيقة هو العناية الفائقة بخط المحقق وترك توزيع الآيات وتنسيقها فلم يفصل بين الآيات، وإنما جاءت ملتفة مع بعضها دون توقف، وهذه من طبيعة نمط الخط الذي يكتب به.
ومن الغرائب أن هذا الخطاط شعر بدنو أجله فأعد قبره بنفسه، وكتب شاهدة قبره بخطه وأرخ سنة الوفاة فوضع على الشاهدة رقمي 9 متجاورين، وترك مكاناً فارغاً بينهما وقال: إن تلميذاً هو الذي سيضع التسعة الأخيرة.
وبالفعل كانت سنة وفاته سنة 999 هجرية، ولا تزال شاهدة قبره محفوظة في متحف الآثار الإسلامية التركية باسطنبول.
وفي مكتبة سراي طبغابي مصحف خط بالثلث والنسخ، ولم يبقى منه سوى تسع وسبعين ورقة وقد خطه أحمد قره حصاري المتوفى سنة 963 هجرية، والتي توافق سنة 1556 ميلادية.
ونشاهد في هذه الصفحة والوثيقة جمال خط الثلث المكتوب بالذهب المصور بالمداد الأسود، وفي الحروف تطور عما كنا نراه من قبل في الثلث والنسخ، بالإضافة إلى التفاف الكلمات وتوازنها والكتابة على طريقة التركيب.
وآثر الخطاط أن يفتتح الصفحة بالثلث لا بالكوفي، ولا المحقق، ثم أرسل قلمه إلى النسخ الواضح على طريقة ياقوت، وتجاوز عما كان عليه السلف في الكتابة والتوزيع، فقد كانوا من قبل يخشون أن تختلط أسماء السور بالكتابة، ويلجئون إلى تغيير نمط الخط حتى في المصاحف التي كتبت بالخطوط اللينة، فقد يأتي اسم السورة بالكوفي أو بالتوقية أو بأي نوع مخالف للنص.
ولكن القرة حصاري هنا كتب بذات الأسلوب الذي خطت فيه الآيات، فكلمة "سورة الفاتحة" وهي سبع آيات، وسورة الأنعام 165 آية هي من ذات السطر الأخير في الصفحة.
كما استخدم رموز التشكيل طريقة الخليل ولم يلتزم بإملاء وإشارات ورموز مصحف الإمام.
وفي المتحف الوطني بدمشق مصحف آخر لأحمد قرة حصاري كتب على ذات الطريقة والأسلوب.
مرت على تدوين القرآن العظيم قرون، وكان أن خطت حروفه الأولى على سعف النخل، والعظام والحجارة، والأقتاب والرقع وورق البردي، وكان الورق الذي تعلم العرب صناعته العامل الأكبر في انتشار العلوم والفنون وتدوين القرآن، وتسابق الخطاطون ليطوروا ويحسنوا ويجملوا شئون الكتابة، والقرآن العظيم غايتهم وكلام الله -عز وجل- دافعهم إلى الرفعة وبلوغ المرام.
وتدرجت المصاحف عبر التاريخ في حلل شتى، وعني المسلمون بأنواع وأنماط الخطوط المختلفة من أجل قرآنهم العظيم عناية ما بعدها عناية، وكتبوه على صفائح الذهب والفضة، وعلى صفائح العاج، وطرزوا آيات القرآن العظيم بالذهب والفضة على الحرير والديباج، وزينوا بها محافلهم ومنازلهم ونقشوها على الجدران في المساجد والمكاتب والمجالس، ورسموه بكل الخطوط وأجملها على كل أصناف الرقوق والكواكد بالأدراج والكراريس والرقاع بأصناف المداد وألوانها.
وملئوا بين الآيات بالذهب، وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين يتبركون بكتابة المصحف بأيديهم، ويحفظونها في المساجد أو نحوها.
وهكذا تحول المصحف الشريف من دستور حياة ومنهج عمل إلى وسيلة تزين بها الأماكن، ويتفاخر الناس به، بكتابته بالذهب والفضة، ونحن نعلم أن القرآن لم ينزل لهذا الأمر، ولقد عرضنا في الحلقات الأولى تاريخ ورحلة القرآن العظيم منذ أن دون في عصر النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم في عصر الخلفاء الراشدين عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، ثم زمن الأمويين والعباسيين، وفي الدولة الحمدانية والفاطمية والزنكية والأيوبية والمملوكية، وفي الصين والهند والتركستان وإفريقية والمغرب وبلاد الشام وفارس، وفي أسيا الوسطى، واعتنت هذه الشعوب التي دخلت بوتقة الإسلام بكتابها العظيم، وكل يريد أن ينال السبق والشرف في تعلمه وتجويده، وتجميل صفحاته وخطوطه.
قال -عليه الصلاة والسلام-: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
وصل القرآن بهذه الصورة البهية إلى العصر المملوكي، واشتغل المماليك بخطه ونقشه وزخرفته فبلغوا درجات الجمال وارتقوا سلم الكمال.
ولم يكن الصفويون في بلاد فارس بأقل منهم درجة وما إن سيطر العثمانيون السلاجقة الأتراك على البلاد وأنشئوها خلافة إسلامية حتى كان سلاطينهم وخلفاؤهم من أوائل من تذوقوا ورعوا كتابة المصاحف حتى نبغ فيهم أفاضل الخطاطين في كتابة القرآن العظيم.
ونحن نعلم أن الدولة العثمانية تأسست سنة 699 هجرية والتي توافق سنة 1341 ميلادية، وكانت متصلة بدولة سلاحقة الروم، ومنها أخذوا استقلالهم وثقافتهم، وتعلموا الخط على أيديهم ثم عن الفرس والعرب.
ولما فتحوا المدن مثل بروسا وأدرنه تقدموا في الثقافة والفن، ثم فتحوا القسطنطينية في سنة 857 هجرية، والتي توافق سنة 1453.
ويعد هذا التاريخ بداية تقدم خطوطهم في المصاحف، وما إن فتحت بلاد الشام في سنة 922 هجرية والموافقة لسنة 1517 ميلادية أيام السلطان سليم ياووز ثم مصر وبغداد، حتى حمل السلطان كنوزاً رائعة من المصاحف إلى عاصمته إسطنبول لتصبح موئل الفن في كتابة القرآن العظيم.
وبظهور حنظلة بن الشيخ سنة 833 هجرية الموافق لسنة 1429 ميلادية يصبح خط النسخ في المصاحف المتفرد الوحيد، وليتحول على يديه إلى تسميته خط المصحف.
إن حنظلة هو ابن مصطفى دداه، أحد أتراك بخارى الذين هاجروا إلى بلدة أناسيا في آسيا الصغرى، فقد اضطلع حنظلة على خطوط المستعصمي والصيرفي وأصبح نابغة في النسخ.
وحين كان السلطان بايزيد بن محمد الفاتح والياً على أماسيا تعرف على حنظلة وأخذ الخط على يديه، ولما صار سلطاناً بعد وفات أبيه ضمه إلى بلاطه في اسطنبول.
وكان السلطان بايزيد يجله إجلالاً كبيراً، ويمسك له الدواة وهو يكتب، ويجلسه في صدر المجلس ويقول: إن يداً تخط القرآن الكريم لابد أن نجلها ونحترمها ونعظمها، وتحتفظ مكتبة جامعة اسطنبول قسم يلدز بنسخة من مصحف جميل بخط النسخ، خطه على طريقته الخاصة، وعلى أحد عشر سطراً وهو واحد من سبعة وأربعين مصحفاً حطها الشيخ.
ونرى في الصفحتين الأخيرتين من مصحفه هذا آخر سورة المسد والإخلاص والفلق والناس.
ثم قيد الفراغ من كتابته، وقد نقش المصحف وزخرف على الطريقة التقليدية الرومية، ويظهر الأسلوب العثماني التقليدي فيه، والذي بدأ منذ هذا العهد من كتابة حنظلة.
كما نلاحظ أسلوبه في كتابة القرآن العظيم عند ابنه مصطفى ددا، الذي تعلم على يديه أيضاً في نسخة تحتفظ بها مكتبة جامعة اسطنبول، وهذه النسخة فريدة كتبها على أحد عشر سطراً مقلداً أباه في التنسيق والتحسين، ونلاحظ ذلك في هاتين الصفحتين.
? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ?1? فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ ? [الطلاق: 1، 2].
لقد حالت وفاة الشيخ حنظلة سنة 926 بينه وبين تعلم طريقته في الكتابة، فآثر أن يذهب إلى مصر ودرس نماذج وأسلوب خط والده في القاهرة، وحج إلى مكة المكرمة، وعاد إلى أسكودار في الطرف الأسيوي من اسطنبول، وتوفي وهو في قمة عطائه الفني ولم يترك سوى هذه النسخة الفريدة من القرآن العظيم.
ومن المصاحف التي خطت بقلم نسخي بديع مصحف "لشكر الله خليفة"، سنة 899 هجرية، والغريب وغير المألوف في المصحف هذا أنه خط أسماء السور وعناوينها بقلم التوقيع، وخصص لها مساحة كبيرة لم تكن من قبل في المصاحف، ونشاهد سورة العلق والقدر والبينة.
ونقرأ سورة القدر خمس آيات:
? إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ?1? وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ?2? لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ?3? تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ?4? سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ?5?? [سورة القدر].
لقد تحدثت المصادر عن براعة شكر الله خليفة في أستاذيته لقلم نسخ المصاحف، وهاتان الصحيفتان من مصحفه النادر الذي وصلنا عنه.
وسبب إطلاق اسم خليفة عليه إنما جاء من أنه كان من أبرز رواد مدرسة الشيخ حنظلة وخليفته في هذا الفن، ونلاحظ أيضاً أن رؤوس السور قد خطت بخط التوقيع وبمداد الذهب المصور، وعلى أرضية وردية، وهو أحد النماذج الفريدة في فن الخط والزخرفة العثمانية.
ونلاحظ على جوانبه ووروداً محلاةً استخدمت كعلامات لمواضع الأجزاء والأحزاب والسجود، وقد تمت زخرفتها بأشكال مختلفة جميلة.
أما إشارات التخميس والتعشير فلا وجود لها في هذا المصحف الشريف، وشكر الله من أناسيا بلدة الشيخ حنظلة أجاد الأقلام الستة على يديه وكتب هذا النموذج الفريد من القرآن العظيم، وكان يقوم على خدمة أستاذه وشيخه وتزوج من ابنته، ونهج على منهجه في أسلوب الكتابة وأسس لمدرسة تقوم على أسلوب حنظلة سار عليها ابنه وحفيده.
وفي متحف سراي طورقابي مصحف لأحمد حفيد شكر الله خليفة.
ونشاهد في هاتين الصفحتين من خط النسخ سورة الضحى والإنشراح والتين والعلق.
قدمها على طريقة آبائه في النسخ ولم يطور فيها شيئًا، إلا أننا نلاحظ ونشاهد في هذه النسخة رقة الزخارف التي أحاطت برؤوس السور وعلامات التعشير المحلاة على جانبيه.
وهي من أجمل ما جاءنا من هذا الزمن المبكر في أسلوب الزخارف العثمانية.
ومن عباقرة فن كتابة المصاحف الذين أصلوا نسخه وشذبوا وهذبوا في حروفه الجميلة في الدولة العثمانية: الحافظ عثمان.
وتحتفظ مكتبة جامعة اسطنبول بنسخة فريدة رائعة بديعة، نشاهد فيها أسلوبه المتميز الذي تفرد به عن سائر من كتب القرآن العظيم.
لقد ورد الحافظ عثمان في اسطنبول وألف 1052 هجرية والتي توافق سنة 1642 ميلادية، وحفظ القرآن وهو طفل صغير، فأطلق عليه لقب الحافظ وتعلم الأقلام الستة على يدي درويش علي، ثم نهج على أسلوب حنظلة الأناسي على يدي سيغول جيزادا ونفى الزاده ونال الإجازة منهما، ولم يك ليتم الثامنة عشرة من عمره.
وابتداءً من سنة 1090 تخلى الحافظ عثمان على كل أساليب من سبقه، وشرع يكتب المصاحف بطريقته الخاصة، وترك لنا خمساً وعشرين مصحفاً متميزاً على طريقته، منها هذه النسخة التي يحتفظ بها متحف طبقابي باسطنبول.
إن المصاحف التي طبعت في القرن العشرين في الأمصار العربية وبخاصة في دمشق الشام ولبنان ومصر في القرن الماضي هي بخط الحافظ عثمان، كانت السبب في ذيوع شهرته في الأمصار هذه وأصبح الناس والحفاظ لا يقتنون إلا مصحف الحافظ عثمان؛ لجمال خطه وجلال أسلوبه في تنسيق القرآن العظيم.
وقد عاش الحافظ عثمان ألمع مراحله الفنية في الفترة الواقعة بين أعوام 1009 هجرية و1110 هجرية.
وفي هذه الفترة الزمنية خط لنا أكثر من أربعين مصحفاً.
توفي الحافظ عثمان سنة 1110 في اسطنبول.
ومن الذين أجادوا في نسخ المصاحف من الأتراك العثمانيين: الخطاط إسماعيل زهدي.
وتحتفظ مكتبة سراي طوبقابي بنسخة جميلة من مصحف بخط نسخي بهيج.
وهذه النسخة من القرآن العظيم نموذج رائع على تطور خط النسخ بعد الحافظ عثمان، وتعود لسنة 1218 هجرية.
وقد أعطى الزهري في كتابتها قلمه حقه كاملاً في الدقة والغلظة، وهذا ما يمكن أن ندركه في استرسال الحروف، كما نلاحظ في هذا المصحف أن الأجزاء والإشارة إليها قد كتبت في رأس الصفحة، وليس على الجوانب.
ونشاهد ونقرأ من الجزء الرابع من سورة آل عمران:
? لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ?92? كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?93? فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?94? ? [آل عمران: 92: 94]، وهكذا إلى نهاية الآيات.
إن آلاف المصاحف التي خطها خطاطو الدولة العثمانية بخط النسخ رسخت قواعد هذا الخط وجعلته مع العادة والمران خط القراءة السهل الذي يقبل شكل جميع الحركات، من فتحة وضمة وكسرة وتنوين وغير ذلك من شئون قواعد التجويد في الابتداء والوقف.
واكتمل النسخ على يد الحافظ عثمان وتطور على يد إسماعيل زهدي وأخيه راقم، ثم اتخذت قواعده في الكتب العادية ليكون الخط الأرفع الذي تكتب وتدار به شئون الدولة والعلم.
لقد ولد خط النسخ مع رسائل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتطور في أحضان القرآن العظيم منذ زمن بني العباس وأشرقت ألفاته على صفحاته القرآن العظيم زمن الأيوبيين في بلاد الشام ومصر، وتفرد وأصحب الآسر زمن العثمانيين ورافق كتابة المصحف العظيم.