المعلق:
استقلت ظاهرة الوحي عن ذات النبي -صلى الله عليه وسلم- استقلالاً مطلقاً، وتفردت عن عوامله النفسية تفرداً كاملاً، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يملك حتى حق استخدام ذاكرته في حفظ القرآن العظيم، بل الله يتكفل بتحفيظه إياه، ولقد بطل هنا قانون التذكر، وعفا تجاه إرادة الله -عز وجل- ومع أن أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحاديثه المتعلقة بالتشريع توقيفية تلقى من الوحي مضمونها، فقد جردها الكتبة بالرغم من صلتها الشديدة بالآيات التي تفسرها ؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- صاغها بأسلوبه وبينها بلفظه، وما كان لأسلوبه ولا لأسلوب أحد أن يختلط بأسلوب القرآن العظيم المعجز المبين، حتى الأحاديث القدسية رغم اعتراف العلماء بأن معناها لله، ومنزل من عند الله فقد فصلت عن القرآن العظيم وجردت.
وقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على عدم خلطها بكتاب الله بما كان يستهل به مطالعها من عبارات يشعر بها سامعيه أنه يصوغها بأسلوبه البشري.
وشتان بين أسلوب محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو من أفصح البشر، وأسلوب منزل القرآن العظيم.
لذا وجب على كل مستشهد بحديث قدسي أن يستهل العبارة بقوله: « قال رسول الله فيما يرويه عن ربه » أو: « قال الله -تعالى- فيما رواه عنه رسوله »، أو: « قال تعالى في الحديث القدسي » بهذا التقييد والتحديد.
إن التفرقة بين كلام الله -سبحانه وتعالى- وبين كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ملحوظة مدركة بينة، وقد أكد ذلك في أحاديث كثيرة، فقال:
(إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعةً من النار)
، ومن المعروف أن بني أبيرق عمدوا إلى التضليل في قضية من قضايا السرقة، على عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فدافعوا عن السارق حتى اقتنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببراءته، ولام قتادة بن النعمان على اتهامه الأبرياء، فقال:
(يا قتادة: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير تثبت وبينة)
، ثم لم يلبث أن نزل قوله تعالى:
? وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ?105? وَاسْتَغْفِرِ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ? [النساء: 105].
وعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن بني أبيرق خانوه ولجئو إلى التضليل، فاستغفر الله مما وجهه إلى قتادة من العتاب والتوبيخ.
لقد كان النبي –صلى الله عليه السلام- مقتنعاً بأن التنزيل القرآني ليست له فيه إرادة، وليس له اختيار في ما ينزل أو ينقطع، فقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يكثر عليه، وقد يفتر عنه في وقت أحوج ما يكون إليه.
إن الوحي ينزل على قلبه صلوات الله عليه وسلامه في أوقات مختلفة، إنه ليأوي إلى فراشه فما يكاد يغفوا إغفاءة حتى ينهض ويرفع رأسه مبتسماً، فقد أوحيت إليه سورة "الكوثر"، وإنه ليكون وادعاً في بيته وقد بقي من الليل ثلثه فتنزل عليه آية توبة في الثلاثة الذين خلفوا، قال تعالى:
? حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ? [التوبة: 118].
إن الوحي لينزل على قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الليل الدامس والنهار، وفي البرد القارص أو لظى الهجير، وأثناء السفر، وفي هدأة السوق أو وطيس الحرب، وحتى في الإسراء إلى المسجد الأقصى والعروج إلى السماوات العلى.
وها هو الوحي ينقطع عن النبي وهو أشد ما يكون له شوقاً فقد فتر ثلاث سنين بعد أن نزل عليه جبريل بأوائل سورة العلق، وحزن النبي -صلى الله عليه وسلم- حزنا كما قالت السيدة عائشة:
(غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بالذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد أنت رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه).
وبينا هو ماشٍ ذات يوم إذ سمع صوتاً من السماء فرفع بصره، فإذا الملك الذي جاءه بحراء، فرعب منه فرجع إلى زوجته الوفية خديجة يقول: (زملوني) فأنزل الله:
? يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ?1? قُمْ فَأَنْذِرْ ?2? وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ?3? وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ?4? وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ?5?? [المدثر: 1: 5]
، فحمي الوحي وتتابع واستبشر النبي وتبدل انتظاره الحزين فرحةً غامرة، وأيقن أن الوحي خارج عن إرادته ومصدره الله علام الغيوم.
لقد أبطأ الوحي عليه شهراً كاملاً بعد حادثة الإفك، رمى به المنافقون زوجه بنت الصديق بالفاحشة وأثاروا الفضيحة وعصفت بقلب النبي -صلى الله عليه وسلم- الريبة، وقال لزوجه أم المؤمنين:
(أمَا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ).
مر شهر على النبي -صلى الله عليه وسلم- كالسنين الطويلة، فقد خاض المنافقون في الصديقة خوضاً باطلاً والنبي -صلى الله عليه وسلم- صامت لا يتكلم، وتنتابه نوازع الشك والقلق ينتظر خبر السماء، ونزلت بعدها آيات النور تبرئ أم المؤمنين، ولو كان الأمر بيده لما طالت المدة وطال الزمن، ولو كان القرآن من كلامه وصنعه لما بقي كل هذه الفترة والناس يخوضون في عرضه، إنه خبر السماء، وكلام رب العزة.
لقد كان النبي – صلى الله عليه السلام- يتحرق شوقاً إلى تحويل القبلة إلى الكعبة، وظل يقلب وجهه في السماء ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، لعل الوحي ينزل عليه بتحويل القبلة قِبَلَ البيت، ولكن الله -تعالى- لم ينزل في هذا التحويل قرآناً رغم تلهف رسوله الكريم إلا بعد قرابة عام ونصف العام.
ونزلت الآية:
? قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ?144?? [البقرة: 144].
إنه الوحي الذي ينزل على محمد حين يشاء رب محمد، ويفتر إذا شاء له رب محمد الانقطاع.
ولقد تحير العرب في الربط بين الذات الملقية والذات المتلقية فتخبطوا، وتبلبلت أذهانهم وتضاربت آراؤهم وصور الله حيرتهم.
قال تعالى:
? بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ? [الأنبياء: 5].
ردوا مصدر القرآن إلى رؤى النائم أو شطحات المجنون، وافتراءات المختلق، وتخرصات الكذوب، وإلى أخيلة الشاعر وسبحات الأديب، ونلاحظ في توالي حرف الإضراب "بل" ثلاث مرات تهكم لاذع باضطرابهم وتضاربهم، ألا ساء ما يحكمون.
إن أضغاث الأحلام التي تحدث عنها الجاهلون ردها وحي النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- منذ اللحظة الأولى التي خاطب الله فيها بقوله: "اقرأ" إلى أن نزلت الآية الأخيرة من القرآن ولحق بالرفيق الأعلى.
ومن الخطأ الجسيم أن يقع بعض المفسرين والكتاب المعاصرين عن حسن نية إلى تصوير النبي -صلى الله عليه وسلم- نائماً في غار حراء أول ما نزل عليه الوحي، مع أن رواية الصحيحين قاطعة في أن الوحي فاجئه وهو يقظ يلتمس الحقيقة ويتحنث لله، ولذلك رعب وجاء خديجة يرجف فؤاده، ولأمر ما قال القرآن:
? مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ?11? أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ?12?? [النجم: 11، 12].
لقد وصف القرآن العظيم نشأة الخلق الأولى ومصيره المحتوم، وفصل نعيم الآخرة وعذابها الأليم، وأحصى أبواب جهنم، والملائكة الموكلين بكل باب، وعرض هذا كله على العرب تحت سمع أهل الذكر وبصرهم ممن أوتوا الكتاب، وقال:
? وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ? [المدثر: 31].
من أين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - تلك المعارف الغيبية الواسعة في مثل بيئة قومه الأميين الوثنيين؟
لقد قص القرآن أحسن القصص عن أمم خلت، وصحح به أخطاءً وردت في الكتب السابقة تتناول عصمة الأنبياء، وفند بعض المغالطات التاريخية، قص قصة نوح، وفصل من أحوال موسى، وأسهب في سرد قصة يوسف، وكم من خبر كشف حجابه فتحقق ورأوه بأم أعينهم، فقد ذكر انتصار الروم على الفرس من بعد غلبهم في بضع سنين، وتم ذلك ورأوه رأي العين.
قال تعالى:
? الم ?1? غُلِبَتِ الرُّومُ ?2? فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ?3? فِي بِضْعِ سِنِينَ، للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ?4?? [الروم: 1: 4].
ولحقت بالمشركين هزيمة في بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة تصديقاً لآية في سورة القمر:
? سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ? [القمر: 45].
لقد سفه القرآن العظيم كل أمر حاول العرب أن يلصقوه بالوحي المنزل، وقال بلهجة قاطعة:
? وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُّفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ?37? أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?38?? [يونس: 37، 38].
وعجز العرب وهم أمة الفصاحة والبلاغة على أن يأتوا بسورة من مثله بعد أن تحداهم وتحدى العالم قائلاً في ثقة ويقين:
? قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ?88?? [الإسراء: 88].
بالأسلوب المعجز مس القرآن العظيم قلوب العرب من الوهلة الأولى التي سمعوه بها، وكانت الفترة المكية غنية بالصور والمشاهد، وكان الرفض من المعاندين الجاحدين من قبل أن تنزل آيات التشريع والنبوءات الغيبية والنظرة الكلية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان، ولو أتيح لمعاصري الوحي القرآني أن يطلعوا منه على الجانب العلمي كما أتيح لبعضنا اليوم وكان لهم من الثقافة ما يمكنهم من الحكم على حقائق التاريخ لأدركوا مثل جميع المنصفين عجز الزمان عن إبطال شيء منه، ولأيقنوا أن علوم الكون ستظل جميعاً في خدمته للكشف عن آيات الله في الآفاق والأنفس، كما قال -عز وجل- في سورة فصلت:
? سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ? [فصلت: 53].
إن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- تلقى الوحي بحواسه كلها، ومشاعره كلها، واعياً كل الوعي أنه عبد الله ورسوله الأمين.
وشاء الله أن يظل الوحي متجاوباً مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلمه في كل مرة جديداً ويرشده ويهديه ويثبته ويزيده اطمئناناً، وتجاوباً مع الصحابة -رضوان الله عليهم- يربيهم ويصلح عاداتهم ويجيب عن وقائعهم ولا يفاجئهم بتعاليمه وتشريعاته.
قال تعالى:
? طه ?1? مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ?2? إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَّخْشَى ?3? تَنْزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا ?4?? [طه: 1: 4].
وقال أيضاً:
? وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ? [طه: 114].
مر تفسير القرآن العظيم بأطوار كثيرة حتى وصل إلى ما وصل إليه من تآليف غصت بها بطون الكتب والتصانيف ما بين مطبوع ومخطوط، ولقد نشأ التفسير منذ زمن مبكر ومن عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان أول شارح لكتاب الله يبين للناس ما نزل على قلبه؛ لأن الصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم- فما كانوا يجرئون على تفسير آية وهو – صلى الله عليه وسلم- بين أظهرهم، فلما لحق بالرفيق الأعلى لم يكن بد للصحابة العلماء بكتاب الله الواقفين على أسراره من أن يقوموا بتوضيح ما فهموه.
والمفسرون من الصحابة كثيرون، إلا أن مشاهيرهم عشرة:
الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير.
أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، والرواية عن الثلاثة قليلة جداً، وأن السبب تقدم وفاتهم، وأجدر العشرة جميعاً بلقب عالم التفسير هو عبد الله بن عباس، الذي شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعلم ودعا له بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) وقد لقب بـ "ترجمان القرآن".
لكن الناس تزيدوا في الرواية عن ابن عباس وتجرأ بعضهم على الوضع عليه، والدس في كلامه، حتى قال الإمام الشافعي: « لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث ».
ومن الذين ورد عنهم شيء من التفسير من الصحابة غير العشرة أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، والسيدة عائشة أم المؤمنين، وما روي عنهم قليل بالنسبة إلى العشرة، وتلقى نفر من التابعين أقوال الصحابة، فنشأت في مكة طبقة للمفسرين وفي المدينة طبقة ثانية، وفي العراق ثالثة.
قال ابن تيمية: « أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس »، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاووس، وغيرهم.
وكذلك في الكوفة أصحاب ابن مسعود وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد ومالك بن أنس.
وعن التابعين أخذ تابعوا التابعين، فجمعوا الأقوال ممن تقدمهم، وصنفوا التفاسير كما فعل سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد بن حميد، فكانوا بذلك المعين الذي ربى منه ابن جرير الطبري، وجاء المفسرون من بعد ليأخذوا عن ابن جرير.
بعد ذلك اتجه العلماء في تفاسيرهم اتجاهات متباينة فكان ما يسمى بالتفسير المأثور، وهو امتداد لما سبق، والتفسير بالرأي، تعددت فيه المناهج وتضاربت الأفكار، فحمد بعضه وذم بعضه.
وأجل التفاسير بالمأثور تفسير ابن جرير الطبري، ويسمى كتابه "جامع البيان في تفسير القرآن"، ومن خصائصه أنه عرض فيه لأقوال الصحابة والتابعين وتحرير أسانيدها، وترجيح بعضها على بعض، واستنباط الكثير من الأحكام، وذكر بعض وجوه الإعراب التي تزيد المعنى وضوحاً.
ويقرب من تفسير الطبري، وقد يفوقه في بعض الأمور تفسير ابن كثير، عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي المتوفى سنة 744 هجرية، ومن مزاياه بساطة العبارة والوضوح في الفكرة والدقة في الإسناد، وتبعا لذلك ألف السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة هجرية كتابه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور".
إلا أن التفسير بالمأثور معرض غالباً للنقد الشديد؛ لأن الصحيح من الروايات اختلط بغير الصحيح، ولليهود وزنادقة الفرس باع طويل في الدس على الدين وتشويه تعاليمه.
بعد معرفتنا وعرضنا للتفسير بالمأثور لابد أن نتعرض للتفسير بالرأي الذي اختلف العلماء حوله، فمن محرم ومن مجوز، والمحرم سببه الجزم بمعنى قول الله في كتابه العظيم من غير برهان، أو محاولة التفسير مع جهل المفسر بقواعد اللغة وأصول الشرع، وتأييد بعض الأهواء بآيات القرآن العظيم زوراً وبهتاناً، أما إذا كانت الشروط المطلوبة متوافرة في المفسر فلا مانع من اجتهاده ومحاولته في التفسير بالرأي.
قال تعالى:
? أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ?24?? [محمد: 24].
وقال أيضاً:
? كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ ?29?? [ص: 29].
وأشهر التفاسير بالرأي التي تتوفر فيها الشروط الصحيحة تفسير الرازي المسمى "مفاتيح الغيب".
ويعنى ببحث الكونيات عناية خاصة، ويقسم الآية والآيات التي يفسرها إلى عدد من المسائل ثم يسترسل في تأويلها.
وتفسير آخر بالرأي للبيضاوي المسمى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل"، ولا يفوته التنبيه على قواعد اللغة، وأكثر مروياته غير صحيح.
وتفسير آخر لأبي السعود، وهو "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم" يعنى بالأبحاث المتعلقة بإعجاز القرآن، وهو جميل الأسلوب يتذوق بلاغة القرآن العظيم بشكل سليم.
وأما التفسير النسفي أبو البركات عبد الله بن أحمد المتوفى سنة 710 هجرية، فهو يرد على أهل الأهواء والبدع، وهو جامع لوجوه الإعراب والقراءات، وفيه إشارات لروائع البلاغة القرآنية في عبارة موجزة.
وتفاسير الفرق الإسلامية المختلفة ترجع في الحقيقة إلى التفسير بالرأي، وتدخل في النوع المذموم، وأصحابها لم يؤلفوها إلا لتأييد أهوائهم، أو لانتصار لمواجيدهم، ومنها تفاسير المعتزلة والمتصوفة والباطنية.
ويغلب على تفسير المعتزلة الطابع العقلي، والمذهب الكلامي، تبعاً لقاعدتهم الشهيرة: « الحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل ».
وخير من يمثل هذه النزعة العقلية في التفسير محمود بن عمر الملقب بجار الله المتوفى سنة 538 المعروف بالزمخشري في تفسيره الكشاف.
ويغلب على تفسير المتصوفة الشطحات التي تبعدهم عن النسق القرآني وتجعل كلامهم غامضاً وغير مفهوم، فإن كان يبحث عن نكت بلاغية فسيعود إلى الزمخشري، وإن التمس المباحث الكلامية عاد إلى الرازي، وإن أراد إعراب القرآن فعليه بالبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، المتوفى سنة 745 هجرية، ففيه كثير من المباحث النحوية، والمسائل المتعلقة بالقراءات.
لقد ألفت في القرن الأخير تفاسير لبعض العلماء فيما محاولة للتجديد، ولكن أغلبها قد أخفق وابتعد عن المعاني الصحيحة للقرآن العظيم.
القرآن يفسر بعضه بعضاً، عبارة يرددها المفسرون كلما وجدوا أنفسهم أما آية قرآنية واضحة، ولهم أن ينهجوا في تأويل القرآن هذا المنهج؛ لأن دلال القرآن تمتاز بالدقة والإحاطة والشمول.
لقد كانت هذه الدلالات شاملة جديرة بأن توحي للعلماء وضع مصطلحات خاصة يرمز بكل منها إلى السمة البارزة في كل فكرة يدعوا إليها القرآن العظيم وفي كل مشهد يصوره.
ومن هنا نشأت الدراسات الإسلامية، وفيها ما يسمى بمنطوق القرآن العظيم ومفهومه، وعامه وخاصه، ومطلقه، ومقيده، ومجمله، ومفصله، وعرفت هذه المصطلحات وأمثالها واستعرضت الشواهد الكثيرة الدالة عليها، وتباينت مناهج العلماء في دراستها.
فمنهم من يبحثها على أساس تشريعي وهم الأصوليون، ومنهم من ينظر إلى هذه المصطلحات من خلال الزاوية اللغوية والأدبية، ليتتبع بلذة وشغف طريقة القرآن في الأداء والتعبير.
لقد نزل القرآن العظيم بلسان عربي مبين يعبر عن العام بالألفاظ التي وضعها العرب لإفادة الشمول والاستغراق، وقد دل الاستقراء على أن ألفاظ العموم لا تخرج عن قوله تعالى:
? كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ?26?? [الرحمن: 26].
فلفظ ? كُلُّ ? فيها ما يدل على العموم، وفي ? هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ? [البقرة: 29] ، ولفظ ? جَمِيعًا ? يدل على العموم، وفي قوله تعالى: ? ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ? [البقرة: 208]، فيها العموم في لفظ ? كَافَّةً ?.
هذا هو القرآن العظيم إنه وحي يوحى وتنزيل منزل.
لقد أقبل العلماء عليه مشغوفين بكل ما يتعلق به فأحصوا عدد آياته وحروفه وعدد ألفاظه المعجمة والمهملة وأطول كلمة فيه وأقصرها، وأكثر ما اجتمع فيه من الحروف المتحركة، واشتغلوا منه بأبحاث دون ذلك وزناً معتقدين أن لهم في كل هذا ثواباً عند الله وأجراً، ولقد بذل العلماء الجهد في تصنيف وتأليف وتبيين مجمل ما ولد من علوم في أحضان القرآن العظيم والدراسات التي دارت حول الذكر الحكيم فخدمت أغراضه وغاياته، وعبرت عن كلياته وجزئياته، وقد بذل أئمة الإسلام الجهد الضخم في تأصيل الأصول ووضع القواعد، فأنشأوا المدارس الفكرية وصنفوا الكتب العلمية، لقد نزل القرآن العظيم وفيه البيان للإنسان ليدرك حقيقته على هذه الأرض، فقد جعله الله خليفته على هذه الأرض التي يعيش فيها، فقال جل شأنه:
? وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ?30?? [البقرة: 30].
وبين له من خلال القرآن العظيم الحلال والحرام والحقائق الشرعية في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والقوانين الدولية، وشئون السياسة والاقتصاد، وأحوال السلم والحرب، ووقائع المعارك والغزوات، ومواطن التقييد والإطلاق، وسرد له أسرار الكون وما فيها من خبر مضى وما هو آت ? إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ?4?? [النجم: 4].