تأملات تدبرية

سورة فاطر، سورة التنوع

سورة فاطر سورة التنوّع..

إعداد موقع إسلاميات

واقرأ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴿٢٧﴾ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ)

وفواصلها متنوعة، فجاءت (7) حروف (الراء (قدير، الأمور، الغرور، السعير، كبير، النشور، يبور، يسير، قطمير، خبير، المصير، البصير، النور، الحرور، القبور، نذير، المنير، نكير، غفور، تبور، شكور، بصير، الكبير، حرير، شكور، كفور، نصير، الصدور)، الميم (الحكيم)، النون (تؤفكون، يصنعون، تشكرون)، الدال (الحميد، سود)، الزاي (بعزيز)، الباء (لغوب)، الألف (خسارا، غرورا، غفورا، نفورا، تحويلا، قديرا، بصيرا)
د. أحمد نوفل
——————–
وجاء في (المختصر في التفسير) أن مقصد السورة: تركّز على عرض مشاهد القدرة والإبداع في الخلق.
وسورة فاطر قررت التوحيد من خلال المخلوقات المتنوعة (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾) وذكر تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿١١﴾) (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٢﴾ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴿١٣﴾ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴿١٤﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿١٥﴾ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿١٦﴾ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴿١٧﴾) (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴿١٩﴾ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ ﴿٢٠﴾ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ﴿٢١﴾ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴿٢٢﴾) (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴿٢٧﴾ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴿٢٨﴾)
فالسورة تعرض اختلاف المخلوقات في أشكالها وألوانها وخلقها وهذا من أعظم الأدلة على توحيد الله جلّ وعلا وأن كل المخلوقات خلقها الله تعالى بقدرته سبحانه وتعالى

وجاء في الظلال في مقدمة السورة:
سورة فاطر هذه السورة المكّية نسق خاص في موضوعها وفي سياقها. أقرب ما تكون إلى نسق سورة الرعد. فهي تمضي في إيقاعات تتوالى على القلب البشري من بدئها إلى نهايتها.
إيقاعات موحية مؤثرة تهزه هزاً , وتوقظه من غفلته ليتأمل عظمة هذا الوجود , وروعة هذا الكون ; وليتدبر آيات الله المبثوثة في تضاعيفه , المتناثرة في صفحاته ; وليتذكر آلاء الله , ويشعر برحمته ورعايته ; وليتصور مصارع الغابرين في الأرض ومشاهدهم يوم القيامة ; وليخشع ويعنو وهو يواجه بدائع صنع الله , وآثار يده في أطواء الكون , وفي أغوار النفس , وفي حياة البشر , وفي أحداث التاريخ.
وهو يرى ويلمس في تلك البدائع وهذه الآثار وحدة الحق ووحدة الناموس , ووحدة اليد الصانعة المبدعة القوية القديرة…ذلك كله في أسلوب وفي إيقاع لا يتماسك له قلب يحس ويدرك , ويتأثر تأثر الأحياء .
والسورة وحدة متماسكة متوالية الحلقات متتالية الإيقاعات.
يصعب تقسيمها إلى فصول متميزة الموضوعات فهي كلها موضوع واحد.
كلها إيقاعات على أوتار القلب البشري , تستمد من ينابيع الكون والنفس والحياة والتاريخ والبعث.
فتأخذ على النفس أقطارها وتهتف بالقلب من كل مطلع , إلى الإيمان والخشوع والإذعان .
والسمة البارزة الملحوظة في هذه الإيقاعات هي تجميع الخيوط كلها في يد القدرة المبدعة.
وإظهار هذه اليد تحرك الخيوط كلها وتجمعها ; وتقبضها وتبسطها , وتشدها وترخيها.
بلا معقب ولا شريك ولا ظهير .
ومنذ ابتداء السورة نلمح هذه السمة البارزة , وتطرد إلى ختامها..هذا الكون الهائل نلمح اليد القادرة القاهرة تبرزه إلى الوجود وفق ما تريد:(الحمد لله فاطر السماوات والأرض , جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع.
يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير)..وهذه القبضة القوية تنفرج فترسل بالرحمة تتدفق وتفيض , وتنقبض فتغلق ينابيعها وتغيض.
بلا معقب ولا شريك:(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها , وما يمسك فلا مرسل له من بعده , وهو العزيز الحكيم)..والهدى والضلال رحمة تتدفق أو تغيض: (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء)..(إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور.
إن أنت إلا نذير)..وهذه اليد تصنع الحياة الأولى وتنشر الموتى في الحياة الآخرة:(والله الذي أرسل الرياح , فتثير سحاباً , فسقناه إلى بلد ميت , فأحيينا به الأرض بعد موتها.
كذلك النشور)..والعزة كلها لله ومنه وحده تستمد: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً)..والخلق والتكوين والنسل والأجل خيوطها كلها في تلك اليد لا تند عنها:(والله خلقكم من تراب , ثم من نطفة , ثم جعلكم أزواجاً.
وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه.
وما يعمر من معمر , ولا ينقص من عمره إلا في كتاب.
إن ذلك على الله يسير):وفي تلك القبضة تتجمع مقاليد السماوات والأرض وحركات الكواكب والأفلاك (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل , وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى.
ذلكم الله ربكم له الملك.
والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير..ويد الله المبدعة تعمل في هذا الكون بطريقتها المعلمة , وتصبغ وتلون في الجماد والنبات والحيوان والإنسان:(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء , فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها , ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود , ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك).
وهذه اليد تنقل خطى البشر , وتورث الجيل الجيل: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)..(هو الذي جعلكم خلائف في الأرض)..وهي تمسك بهذا الكون الهائل تحفظه من الزوال.
(إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا , ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده)..وهي القابضة على أزمة الأمور لا يعجزها شيء على الإطلاق: (وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض)..وهو (على كل شيء قدير)..وهو (العزيز الحكيم)..(وإلى الله ترجع الأمور)وهو (عليم بما يصنعون)..(وله الملك)..وهو (الغني الحميد)..(وإلى الله المصير)..وهو (عزيز غفور)..وهو (غفور شكور)..وإنه بعباده (لخبير بصير)..وهو (عالم غيب السماوات والأرض)..وهو (عليم بذات الصدور)..وكان (حليماً غفوراً)..وكان (عليماً قديراً)..وكان (بعباده بصيراً)..ومن تلك الآيات وهذه التعقيبات يرتسم جو السورة , والسمة الغالبة عليها , والظل الذي تلقيه في النفس على وجه العموم .

فاطر التنوع