الحروف في القرآن الكريم, حرف الخاء

حرف الخاء – منظومة الفواجع (خطب)

اسلاميات

منظومة  الفواجع (خطب)

خطب– مصيبة  – نازلة- دائرة– طامّة – قارعة – بلاء

هذه منظومة الفواجع والمصائب التي ربما لا يخلو منها انسان في حياته فهي من قوانين هذا الكون (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الأنبياء) وبين كلمات هذه المنظومة فروق تدل على الاعجاز اللغوي الذي تفرّد به القرآن الكريم بحيث لا تغني كلمة عن أختها.

مصيبة: هي التي تصيب عزيزاً عندك فتنهيه والناس تعرف ذلك والمصيبة هي الأمر الظاهر الذي يقع على محبوب عندك فيعرفه الناس كمصيبة الموت وتترك في نفسك حزناً عميقاً والحزن عند المصيبة سُنّة. والمصيبة الواحدة تصيب شيئاً واحداً في حياتك له أهمية كبيرة كمرض عضال أو افلاس بعد غنى أو حكم بالاعدام أو والله تعالى سمّى الموت في القرآن مصيبة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) المائدة) لأنه يصيب كل بيوت الناس.

والمصيبة من ظاهرة للناس وأصلها مصوبة أي تصيب كالسهم أو اطلاق النار يثيب الهدف ولو كان شعرة كالسهم المنطلق وعندما تأتي أحدنا مصيبة ما فهي تقصده من بين ملايين الناس فتصيبه اصابة مباشرة. والمصلئب متعددة منها المصيبة في المال أو الولد وأعظمها والعياذ بالله المصيبة في الدين. والمصائب قدر (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) الحديد) (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) الشورى). وأصل المصيبة الرمي بالسهم ثم استعملت في كل شيء حاجث تكرهه النفس ويثير الحزن الشديد إذا أصابه بدقة ويقول الرسول r “إذا أحب الله عبداً أصاب منه” وجاء أحدهم الى رسول الله r فقال يا رسول الله إني لا أمرض فقال له r أو أملك أن الله لا يحبك!.

الحزن قانون والرسول r عندما جاءه خبر مقتل جعفر ابن ابي طالب وعبد الله بن رواحة جلس وفي وجهه الحزن وعندما مات ولده ابراهيم قال r: إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا ابراهيم لمحزونون” ويعقوب u عندما فقد ولديه ابيضت عيناه من الحزن (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) يوسف) (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة) هؤلاء عليهم صلاة من ربهم ورحمة وهم مهتدون هذا فقط لأنهم حزنوا فاسترجعوا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أو لله ما أعطى وما أخذ بهذه الكلمات تضفي على حزنك شرعية وقدسية هائلة من حيث أنها عبادة ترقى فيها لأعلى الدرجات ولا يرقّيك غيرها.وكل شيء له أدب حتى المعصية لها أدبها يقول تعالى في الحديث القدسي: إن العبد ليعصيني فيذكرني على المعصية لا يستغفرني فأغفر له. وللحزن أدبه ومن أدب الحزن قول إنا لله وإنا إليه راجعون. والأعجب الأحاديث فيما يعطي الله تعالى المصاب عندما يسترجع وكلما ذكر الانسان حزنه فأحدث لها استرجاعاً كما فعل أول يوم بعطيه الله تعالى نفس الأجر الذي أعطاه إياه أول يوم والانسان يستطيع أن يسترجع كل يوم ليعطيه الله تعالى كما أعطاه أول يوم. وفي الأحاديث “الحزين في ظل العرش يوم القيامة” ” الحزين على يمين الرحمن يوم القيامة وكلتا يديه يمين” “إن العبد لتسبق له المنزلة عند الله فلا يبلغها بعمل فيسلّط الله عليه الهمّ والحزن ليبلغها بذلك” فالهمّ والحزن من العبادات الجليلة يقول تعالى في الحديث القدسي “إني مع المنكسرة قلوبهم”

خطب: إذا كانت المصيبة تقع على الانسان وهي خفية لا يعرفها إلا هو ولا يريد أن يعرفها أحد أو عرفها الناس قليلاً ثم نسوها لكنها بقيت في نفسه حتى اكتسى وجهه بالحزن الدائم واضطراب الحركة حتى يقول له من يراه ما خطبك من شدة انفعاله مع هذه المصيبة التي وقعت عليه ولا يخبر بها أحداً يسمى هذا خطباً. يبدة الخطب حزناً واضطراباً في الحركة وكل من يرى هذا الانسان يخاطبه ويسأله ما خطبك؟ سمي خطباً لكثرة ما يخاطب به. والخطب هو ما تكتمه في نفسك في سرّك ويؤثر عليك همّاً وزناً واضطراباً حتى يبدو هذا عند الناس. والمصيبة ظاهرة أما الخطب فخفيّ سرّي مثل تأنيب الضمير.

والخطب كلمة جميلة من الكلمات العربية الأنيقة التي لم يعد أحد يستعملها فكل شعب من الشعوب يستعمل مكانه كلمة خاصة به كأن يقال (اش بيك؟، شوفيك؟ مالك؟ شو بلاك؟ عسى ما شرّ؟) وكل دولة وشعب استبدل هذه الكلمة بتعبير ليس بليغاً بقدر ما هو في كلمة خطب. وقد استعملها القرآن الكريم ووردت في السنة والشعر والأدب يقول الشاعر:

فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه      وبِتُ أريه الصبر كيف يكون

والخطب جمعها خطوب وقال الشاعر:

وأحسب أنّما أبلاك سرٌ      أو اعتورتك يا هذا الخطوب

والخطوب تؤثر على الانشراح وهي مصائب خفية غامضة لا يعرفها الناس ولا يريد صاحبها أن يعرفها الناس وإنما هي ظاهرة على وجهه حزناً واضطراباً. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الكلمة بدقة متناهية:

في قصة السامري: السامري كان رجلاً صالحاً طيباً أحب موسى u ولما ذهب موسى للقاء ربه عز وجلّ وتأخر ألح بنو اسرائيل بأن يكون لعم اله يعبدوه فهم أناس ماديّون فسوّلت له نفسه فصنع لهم عجلاً من الذهب الذي سرقوه من أهل مصر وكان قد رأى فرس جبريل u كلما وقع حلفره على شيء ينبت تحته عشب أخر فأخذ من هذه التربة وجعلها في العجل فصار يخور فعبد بنو اسرائيل هذا العجل فلما عاد موسى u ورأى ما فعلوه ورأى السامري وكان خائفاً وفي وجهه همّ وحزن سأله موسى (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) طه) لم يقل ما بلاؤك أو ما مصيبتك؟ فقال (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)) وهذه مصيبة في دينه. وكل مصيبة يؤجر عليها الانسان إلا المصيبة في الدين لأنها تورد النار والعياذ بالله وفي الدعاء عن الرسول r “اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا”

والقصة الثانية : عندما ذهب موسى u لمدين ووجد بئراً وعليه صخرة ضخمة ووجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد امرأتين تذودان وكان معهما قطيعاً كبيراً من الغنم وكانتا تبدوان مرتعبتان من كثرة القوم فسألهما موسى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) القصص).

وفي قصة يوسف u عندما بعدما فعله النسوة معه عندما ارسلت لهن امرأة العزيز وراودوه عن نفسه ثم عدن لبيوتهن فلمن أنفسهن على ما فعلن وبتن خائفات مرعوبات وبقين على هذه الحالة سنوات عديدة حتى قبيل خروج يوسف u من السجن لما أرسل لهن الملك وسألهن (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) يوسف)

وقصة ابراهيم u عندما جاءه الرسل فصنع لهم طعاماً ولما رأى أيديهم لا تمتد إليه سألهم (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) الذاريات) (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) الحجر)

قصة عمرو بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الحديبية عندما أمر الرسول u المسلمين بأن يفكوا احرامهم ليعودوا غلى المدينة فغضب عمرو رضي الله عنه وسأل الرسول r ألست رسول الله؟ أولسنا على الحق؟ وكان رأيه مخالفاً لرأي الرسول r وأراد أن يفتح مكة ويحارب قريشاً لكن الرسول r رأى أن يعودوا الى المدينة إلى أن يأذن الله تعالى بالفتح وكان رأيه حقاً (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) الفتح) وبقي عمر إلى يوم وفاته يتذكرها ويقول إن نجّاني الله تعالى منها فقد نجوت.

كذلك قصة الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه عندما أكل طعاماً فقيل له أنه من مال الربا فتقياً حتى كادت روحه تزهق وبقي إلى أن مات يلوم نفسه.

وهكذا ما من انسان إلا وعنده خطب يشغله إلى أن يموت فهو إما أن يكون قد ارتكب ذنباً أو تصرف تصرفاً أحمقاً مع أحدهم أو عنده همّ دفين أو ذكرى كلما تذكرها شعر بألم وحزن فيرى الناس ملامح الحزن على وجهه والهم والاضطراب فيسألونه ما خطبك؟

جاء رجل الرسول r يخبره كيف وأد ابنته في الجاهلية وكان r يسمع ويبكي فقال للرجل: أما وقد عصم الله دمك بالاسلام فغرّب عن وجهي فلا أراك ثانية. قطعاً هذا الرجل من وقت أن وأد ابنته إلى أن مات كان مهموماً.

نازلة: مصيبة تقع بليل فتتلف شيئاً واسعاً كمدينة أو قرية أو حقلاً والناس نيام. ذكر تعالى في القرآن الكريم قصة قوم لوط الذين نزل عايهم العذاب وهم نائمون فجعل عاليها سافلها (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) الصافات).

قارعة: مصيبة ليلية أو نهارية بصمت ولكن يسبقها دويّ هائل. مثال مدينة هيروشيما كان الناس جالسون في منازلهم فنرلت علهم القنبلة النووية فأفنتهم. قال تعالى (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) الرعد) حادثة مفاعل تشرنوبيل: كان الناس نيام وحصل تسريب بسيط في المفاعل فمات 120 ألف انسان (تصيبهم بما صنعوا) فهذه مصيبة أصابتهم بدارهم ثم إن الدول القريبة منهم أصابتهم الغمامة النووية فلوّثت الزرع والماء والأسماك فتأثرت بها الدول المجاورة (قريباً من دارهم). بصناعتهم التي أرادوها قوة فانقلبت عليهم وأصابت الروس وحلّت قريباً من دارهم اي في أوروبا. وهذه سنة الكون كل قوة تستعمل لظلم الآخرين تنقلب على أهلها بقارعة. وقد سمّى الله تعالى يوم القيامة في القرآن بالقارعة لأنه انفجار يدمّر الكون ويقوم على أنفاضه كون آخر والانفجارات في الأرض كثيرة وما هو قادم أكثر والعياذ بالله.

الدائرة: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) التوبة) (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) الفتح) أن تظلم أناساً بطريقة معينة باذلالهم وسجنهم واعدامهم ثم تدور الدائرة فتذوق من نفس العذاب. ويقال في المثل ( وعلى الباغي تدور الدوائر). بعض الناس يصطفون غلى جانب العدو بحيث ينصبهم العدو على قومهم فيفسدوا قومهم ويذلوهم ثم تدور الدائرة فيسلّط العدو نفسه السعب على هؤلاء فيذيقونهم من نفس العذاب. وهذه من قواني الكون ما بغى أحد على أحد إلا بُغي عليه بنفس الأسلوب في النهاية.

طامة: كارثة تسونامي مثلاً حدثت وبدون مقدمات فجأة رأى الناس أنفسهم وهم جالسون في بيوتهم أو معابدهم أو الفنادق في الأدوار العالية وجدوا أنفسهم والموجة تغمرهم وتلقي بهم في المحيط فغرقوا ثم غطّى الطين جميع الموجودات. والطامّةمأخوذة من طمّ البحر وطمّ السيل الذي يغمر كل شيء بالوحل والطين ولا يعود هماك شيء له حركة. واستعمل القرآن هذه الكلمة (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) النازعات) أي الطامة التي تغطي كل شيء.

البلاء: هذا كله سواء كان خطباً أو مصيبة أو نازلة أو قارعة أو طامة إذا كان يتعلق بامتحان الانسان بإينمانه وعدم ايمانه فهو البلاء (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) ابراهيم) . وذكر في قصة ابراهيم u الذي أمره تعالى بذبح ابنه اسماعيل u جاء قوله تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) الصافات) هذا بلاء عظيم يتعلق بايمانك وعدم ايمانك (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) محمد).

‘ذا حمدت الله تعالى على المصائب فهي من أعظم العبادات يوم القيامة فما من عبادة أعظم وأجلّ من أن تُبتلى ثم تُبعث يوم القيامة وليس عليك ذنب أو سيئة وتدخل الجنة بغير حساب ما عدا الأمانة فإذا كنت قد خنت الأمانة فهذا التي تُسأل عنه أما كل تقصيرك وذنوبك فيكفّرها البلاء حتى الشوكة يشاكها العبد تكفر ذنوبه.

الذنب قانون والاتساخ قانون تغتسل منه والاستحمام من الذنب له طرق عديدة مثل الاستغفار والصوم والصلاة وأعظم أنواع المبيدات والمطهرات للذنوب هو البلاء بكل أنواعه سواء كان مصيبة أو نازلة أو قارعة أو طامة أوخطب أما الدائرة فهي جزاء وفاق وليست بلاء لأنه كل من يمكر يمكر الله تعالى به.

يقول r: “عجبت للمؤمن إذا أصابه خير حمد الله وشكره وإذا أصابته مصيبة احتسب وصبر إن المؤمن يؤجر على كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى فِيّ امرأته” ولو سقاها شربة ماء فهذه تكفر الذنوب وهذه سُنّة ميتة . كان أبو الدرداء وأم الدرداء مثلاً في حب أحدهما للآخر وفي ليلة نامت ام الدرداء وعندما عاد ابو الدرداء من السمجد أيقظ امرأته وأعطاها كوباً من الماء لتشرب فقالت له لست عطشى فألح عليها فسألته ما وراءك فقال: قال r من شرب ماء ثم سقى زوجته دخل الجنة. هذه فيها حركة انسانية هائلة.

قال الرسول r : “إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه فيّ فإنها من اعظم المصائب” : ما أصيب المؤمنون بمصيبة أعظم من مصابهم فيّ” لأنه r مات ولنتخيل لو أنه r حيّ فينا الآن لما كان أصابنا ما اصابنا وما كنا لنعاني هذه المعاناة التي نعانيها الآن. فمنذ وفاته r حلّ العذاب بالمسلمين بدءاً من حورب الردة في عهد أبي بكر بقي الناس أشهراً لا يصلّون ثم في عهد عمر وكيف قتل ثم عثمان وما حدث له ثم قتل علي بن ابي طالب وما حلّ بأهل بيته رضي الله تعالى عنهم أجمعين ثم ما حدث لبني العباس ثم ما توالى بعد ذلك من المصائب ونحن الآن في مصيبة المصائب ولو أن الرسول r حيّ فينا اما عمّت المصائب ولعمّ الاسلام.

ومن نعمة الله تعالى على العبد أنه يصيبنا بهذه المصائب والابتلاءات. عندما نزل قوله تعالى (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) النساء) جاء رجل إلى الرسول r فقال هلكنا يا رسول الله فأجابة r لا ألست تمرض ألست تنصب ألا تصاب في مالك هذا كله يكفر الذنوب. وفي الحديث : ” ليأتينّ على أهل العافية يوم يتمنون لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض لما يرون من جزيل ثواب المبتلين” “يتمنى أهل البلاء يوم القيامة لو ضاعف الله عليهم العذاب لما يرونه من جزيل ثواب المبتلين” والعبد المؤمن يفرح بالبلاء كما يفرح بالنعمة والبلاء العام الذي نزل على المسلمين هذه الأيام ناهيك عن القتل والتشريد هذه كلها من سنن الكون.

بُثّت الحلقة بتاريخ 3/6/2005م