سحر البيان

سحر البيان – اللغة العربية ومرونتها

اسلاميات
مقدم الحلقة: الدكتور حسام النعيمي
تاريخ الحلقة:  2 /1/2009 ـ  5  من محرم 1430 هـ

 

سحر البيان

موضوع الحلقة: اللغة العربية ومرونتها

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة  والسلام على سيدنا “محمد” أشرف خلق الله أجمعين، وإلى أهل بيته  الطيبين  الطاهرين، وصحابته، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أيها المشاهدون الكرام  يقول الله -سبحانه وتعالى- { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ{3} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } وقلنا في كلمة {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قراءة ملك يوم الدين ، وكلتهما قراءة سبعية متواترة رواتها  الأمة عن الأمة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعندنا “سيبويه” الذي كان نحوياً يقول في كتابه وهو أقدم كتاب في النحو وصل إلينا  “سيبويه” توفي في حدود سنة (ثمانين ومائة للهجرة) يقول:

” والقراءة سنة متبعة.. يعني  ليس كل ما وافق العربية يقرأ به لا هي سنة متبعة مسندة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرفعها إلى ربه عن طريق جبريل -عليه السلام- من  جبريل اقرأني هكذا فأن أقرئكم فهذه هي اللي هي أصل الأحرف، وأيسر القراءات في كتابه “سيبويه” حتى نعلم أنه القراءات عبارة عن رواية أمة عن أمة، وغالباً ما يقول، وأهل مكة يقرءون كذا، وأهل المدينة يقرءون كذا، وهذه قراءة أهل الشام.. يعني يذكر البلدة  أن أهل البلدة هكذا يقرءون فهذه هي (مالكِ، ومالك) وقولنا نجمع بين هذه القراءات {مالكِ يوم الدين} وذكرنا أن كلمة (يوم) يراد به النهار، وهو نهار واحد له شأنه، وله أهميته في ذلك الوقت.

وقال: يوم الدين لم يقول يوم القيامة أو يوم الجزاء إنما هو فيه معنى الدين.. يعني حتى فيه معنى الملك، ومنه كلمة المدينة أن الناس تمتلك فيها.. يعني المملوكة مدينة  أي مملكة ككلمة الدين.. يعني يوم الملك أن إلى يملكه هو الله -سبحانه وتعالى- وفيه نوع من التأكيد، وكذلك هو يوم الدين الذي هو دين الله -عز وجل- أو بالنسبة لنا هو الإسلام.. شريعة الله -عز وجل- وهذا كما يقال للشخص  اليوم يومك يا فلان ، يعني هو اليوم الذي يظهر فيه أو يظهر فيه ربنا -سبحانه وتعالى- أحقية الدين الذي أنزله إلى  الناس على مر العصور؛ لأنه الدين عند الله الإسلام..  لكن يحرفونه، وتأتي شريعة  أخرى إلى أن كانت الخاتمة هي الشريعة التي جاء بها “محمد” -عليه الصلاة والسلام- عن ربه..

فـ { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{4} إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هذه هي القسمة ، { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قسمة تتلاءم، ونحن أشرنا إلى هذا من قبل تتلاءم مع بداية الفاتحة لما قال بعد البسملة { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} كلمة الله، ولكمة رب العالمين فـهنا ماذا قال؟

{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تخصيص الله -عز وجل- بالعبادة هي توحيد  الإلوهية { وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تخصيص الله -عز وجل- بالاستعانة هو من توحيد الربوبية.. يعني قال ربِ العالمين فـ كأنما هاتان الجملتان ترتبطان باللفظين الذين وردا من قبل {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ} هذه الإلوهية { وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هذه الربوبية مرتبطة هذه بـ هذه.. هذه واحده.. { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} اللغة العربية لغة مرنة معربة ولأنها  معربة صارت لها هذه المرونة بحيث أنك تستطيع أن تعرف الفاعل من المفعول..

عندنا مثال لجمله تبين قيمة الإعراب في العربية.. يعني يقول: لما تقول: (ما أحسن زيد) يعني تجد هذه الكلمة مكتوبة على لوحة ميم ألف ما.. وأحسن وزيد من غير إعراب لا  تستطيع أن تحكم ما المعنى الحقيقي.. لماذا ؟

لأنه بالإعراب تستطيع أن تبين المعنى الذي تريده.. فإذا قلت: (ما أحسنَ زيدٌ) معناها أنك تنفي الإحسان عنه، (ما أحسنَ زيد) يعني بل أساء، وإذا  قلت: (ما أحسنَ زيداً) نصبت هناك كانت رفع (ما أحسنَ زيدا) يعني تتعجب من حسنه، وإذا قلت: (ما أحسن زيدِ)  يعني  تسأل عن أحسن شيء فيه، اسمعني، ومنه هذا المثال المشهور..

(لا تأكل السمك أو لا تأكل سمك وتشرب لبناً) ، (لا تأكل سمكاً وتشرب لبناً).. (لا تأكل سمكاً وتشربُ لبناً) مجرد الفتحة، ضمة، كسرة، السكون يغير المعنى، مرة يكون المعنى لك أن تأكل  أو أن تشرب.. لكن لا تجمع بينهما.

يقولك هذه كيف أقوالها أنا ، أنا أريده أن أجيز له أحد الفعلين.. يعني أقول له: (لا تأكل سمكاً وتشربَ لبناً) من حقه أن يأكل سمكاً.. لكن لا يشرب اللبن.. فإذا كنت أريده أن أمنعه من الأكل، وأبيح له الشرب أقول له: (لا تأكل سمكاً وتشربُ  لبناً) يعني تستطيع تشرب هذا غير ذاك..

المعنى إذا أردت أمنعه من الاثنين أقول له: (لا تأكل سمكاً وتشرب لبناً) العربية هذا الإعراب اللي فيها.. فتقول: (زيداً أكرمته، زيداً أكرمته) بدأت بيه.. (زيداً) مفعول به؛ لأن “زيداً” تقدم.. لأن أنا الذي أكرمته، (زيداً أكرم خالدٌ).. (خالد) فاعل، (زيداً) مفعول به.. يعني أنا الذي أكرمته..

(زيداً أكرم خالدٌ).. (خالد) فاعل، (زيداً) مفعول به صار تقديم، وتأخير.. لكن هناك نظام للجملة العربية.. هذا النظام إما أن يكون فعل، فاعل، و المفعولات أول ما يبدأ بالمفعول به أو مبتدأ وخبر التتمات التي تأتي.

{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ} كان ممكن في غير القرآن يقول: نعبدكَ.. نعبدكَ (نعبد) الفعل، والفاعل ضمير مستتر تقدير نحن، (والكاف) ضمير مفعول به ، (نعبدكَ) لماذا هذه الكاف؟.

كيف ما قلنا (أكرم خالد  زيداً) أخذنا كلمة (زيداً) وضعناها بالأمام.. فصارت (زيداً  أكرم خالداً).. (زيد) بقيت مفعول به، (وخالد) بقي فاعلاً .. لكن صار المعنى عناية، واهتمام بخالد.

{نعبدكَ) المفعول به موجود هنا في الآخر بعد كلمة نعبد ، نعبدكَ يعني  وضعت الكاف في موضع كلمة (زيداً) في جملة (أكرم خالدٌ زيداً) لما رفعنا كلمة (زيد) وضعنها في الأول صارت (زيداً أكرم خالدٌ) مفعول به مقدم ما عندنا مشكل.. (نعبدك) لما أخذنا (الكاف) وضعنها في الأول كما فعلنا مع “زيد” (الكاف) لا تقوم لوحدها لابد من أن يكون هناك ارتكاز لها تستند عليه.. يعني العربي لا يقول في مثل كملة أكرمتكَ لا يقول لك: كـ أكرمتُ لا،  وإنما يأتي  بسناد أو دعامة يرتكز عليها (الكاف) وهي (إيا) وإيا سناد، وإن كان البعض قال صارت هي والكاف كلها ضمير كاملاً..

(إِيَّاكَ} والبعض يقول: لا هي دعامة حتى نستد عليها، والضمير هو (الكاف) لأن هو بالأصل كان كافاً، كرمتكَ قدمناه ما استطاع أن يقف لوحده دعمنها بإياك فهي داعم.. يعني زائدة للدعم، وليست قسماً من الضمير.. قسم قال: ولعل هذا أيسر {إِيَّاكَ} كلها ضمير نصب.. فإياك أكرمتُ العربي.. لما يقول: أكرمتك يعني وقع مني فعل الإكرام لك.. أو يقول: أكرمكَ بالمضارع.. يعني يوقع مني فعل الإكرام عليك.. يحدث هذا في هذه الجملة.. أكرمكَ  له أن يعطف.. يعني يقول: أكرمكَ وزيداً، وخالداً، وعمراً أكرمكم جميعاً، وقدمه للاهتمام، و العناية أكرمك، وفلان، وفلان، وفلان يذكر من يشاء.. لكن إذا قال: إياك أكرمُ .. يعني إذا حمل الكاف في  أكرمك، ووضعها في الأول مثل ما حمل كلمة زيداً، ووضعها في الأول في جملة (أكرم خالدٌ زيداً) قال: (زيداً أكرمك خالد)  حذف (الكاف) ووضعها في الأول، وجاء بإيا لترتكز عليها (الكاف) فقال: إياك أكرمُ  ليس له أن يعطف، وإذا عطف يكون هذا الكلام غير مستقيم في العربية.

العرب لا  تتلكم هكذا لماذا ؟ قال: لأن قولك  إياك أكرم تساوي أن تقول: أكرمكَ ولا أكرم أحداً سواك.. فكيف تقول كلمة معناها أكرمكَ ولا أكرم أحداً سواك ثم تقول: وزيداً، وخالداً لا يستقيم أنت حصرت الإكرام بهذا المخاطب حصرته  قلنا الإكرام لك حصراً ، محصور فمن أين يتأتي لك أن تضيف إكراماً آخر لغيره الكفر، وضد.. تغير العبارة تتغير عندك العبارة ، فهذا الإيجاز في هذا  البيان القرآني، وهو على أساليب كلام العرب.. لكن أن يأتي هذا الأسلوب في كتاب الله -عز وجل- بهذا الشكل المتناسق، وبما ورائه من المعاني لما يقول القرآن الكريم على لسان من يقرأ الفاتحة لأن هو تلقين، وتعليم.. كيف تدعوا الله تبارك وتعالي لما يقول: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ}.

{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أصلها في غير القرآن نعبدك، ولا نعبد أحد سواك.. اختصر نعبد، وجاءت الكاف فصارت جاءت إيا فصارت { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لما { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعني كل قضية تتعلق بالعبادة تتوجه إلى الله -سبحانه وتعالى- العبادة كلها بكل معانيها بكل تصرفاتها حكر أو خاصة بالله -سبحانه وتعالى- ولا ينبغي أن يشرك أحد مع الله  -سبحانه وتعالى- في العبادة..

كلمة العبادة  تحتاج إلى بيان حتى يكون المسلم على تبين من ذلك؛ ولذلك عندنا حديث “عدي بن حاتم الطائي”، “عدي بن حاتم الطائي” قومه أصروا على الكفر فصارت معركة بينهم، وبين المسلمين طيب، وغلبت قبيلته، وأسر من أسر هو هرب إلى الشام “عدي” (رضي الله عنه) فأسرت أخته سفانه من عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما علم من شأنها ، أسلمت لما أسلمت، وحسن أسلمها أرسلت إلى أخيها طبعا في رسالة هي تعاتبه فيها على هربه، وعلى أن تركها لوحدها..

المهم.. دخل “عدي” إلى مسجد الرسول -عليه الصلاة والسلام- لأن هي دعاته بمعنى أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يعني يكرم، وفادتك وكذا فـ أقدم إليه، فلما دخل المسجد والحديث مشهور.. لكن في أعادته أهمية الحقيقة ، لما دخل  المسجد سمع الرسول -عليه الصلاة والسلام-  يقرأ  قول الله -عز وجل- عن اليهود والنصارى { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ } هو كان في الشام حتى بعض الروايات بتقول: كان في عنقه صليب.. بعضهم يقول: من ذهب أو فضة أو صليب فقط..

المهم  كان قد تنصر في الجاهلية فقال: إنهم  لم يعبدوهم فدائماً أقول: انظروا إلى رجولة رجال هذه الأمة.. يعني هو في وسط مسجد الرسول -عليه الصلاة والسلام-  و كان هارباً، وجاء.. لكن مع ذلك لا يمنعه هذا من أن يقول: ما يعتقد قال: إنهم لم يعبدوهم.. يعني أنت تقول: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} إنا رأيتهم ما عبدوهم..

فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يبين له معني العبادة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ما معنى العبادة في الإسلام؟

قال له: بلي يا “عدي” يعني بل عبادهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فإتباعهم فذلك عبادتهم أيهم.. يعني الآية الكريمة تقصد بالعبادة هذا المعنى.. يعني لما يكون في شرع الله -سبحانه وتعالى-  الحلال والحرام، ويأتي قوم أو إنسان، ويضع أو تشريعات تغير الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال.. فقد ادعى لنفسه حقاً من حقوق الله تبارك وتعالى، وهو حق التشريع للناس عندما خالف شرع الله.. أما في المصالح المرسلة فهو ضمن الشرع، والذي يتبعه على ذلك مقر له على ادعائه لـ الإلوهية.

وكذلك في قوله تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ }.. يعني العبادة ما هي فقط سجود، وركوع.. { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} كيف الإنسان يجعل هوى نفسه إلهه؟

ما معقول إنه يصلي لنفسه.. لكن يقولون معنى ذلك أنه إذا أراد شيء من الأشياء ينظر هل هذا تهواه نفسه يعمله، هل لا تهواه نفسه ظن لا يعمله من غير أن يسأل أهذا الأمر يرضي شرع الله، موافق لشرع الله، هل هذا الأمر مخالف لشرع الله..  ما هو هذا الأصل في المسلم أنه لما يأتي  لشأن من الشئون أو شيء من الأشياء  يتحسب له، ويفكر ضابطة شرع الله -عز وجل- هذا العمل.. هذا القول.. هذا التصرف يوافق شرع الله.. يعني إذا فعلته أجر عليه لا يدخل عليا الإثم عند ذلك يفعله  هذا الأمر.. يعني ما يكون هواه نفسه..

فإذا كان الضابط له هوى نفسه ما تهواه النفس يفعله، وقد  يكون ما تهواه النفس موافق للشرع.. لكن أولاً يسأل الشرع يقول له: نعم فيفعل ذلك.. لكن أن يكون إنما فعله لهوى نفسه لا لأن الشرع يجيزه فهذا ينطبق عليه قو الله -عز وجل- {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ }..

إذن العبادة، واتخاذ الآلهة لا يعني فقط الأصنام، وأن كان لا زال إلى اليوم من يتخذ الأصنام إلهه موجود.. يعني تذهب إلى بعض البلاد الإسلامية.. الحقيقة ثم تجد أصناماً يقولك واللي هي هذه معبودات الصينيين هنا، وهم لهم حريتهم لا حول.. يعني فيه بلاد الإسلام هناك حرية لهم يضعون أصنامهم في الحدائق، وفي  أماكن، ويصبغون بيتهم بالحمرة أحمر واضح، ويضعون طعاماً يبيتونه ليلة والمسلمون لا يتحرشون بهم؛ لأنه لهم حرياتهم، ويلاحظ يعني حال المسلمين في غير بلاد الإسلام.. بل حالهم في بلاد الإسلام. كيف هو؟

فالعبادة هي ليست هي عبادة الأصنام فقط، ولا عبادة  الكواكب، وهناك من يعبد الكواكب اليوم.. يعني مع هذا التقدم الحضاري مع تفتح الأذهان، ومع تقدم العلم،  والثقافة والمفروض { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } لكن الذي يغلق قلبه ما يفتحه للتقبل، وللحوار.. يعني نحن لا نقول نفرض عليه الإسلام أبداً ما فرض الدين على أحد.. يعني لما نقول الفتوحات الإسلامية الحقيقة هذه الفتوحات كانت  لإزاحة الجيوش المانعة، وهؤلاء الكفار الذين يمنعون دعوة الله  -عز وجل- أن تصل إلى شعوبهم لما أزيحه الجيوش، وكان الحكم للمسلمين  ما فرضوا الإسلام على أحد..

قالوا كما قال الله -عز وجل- { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} هذا الرشد، وهذا الغي، وأنت حر تبقى تعبد النار براحتك.. يعني ما قالوا حتى عبدت النار لم يقولوا لهم يجب أن تكونوا مسلمين أبداً، وهذا تاريخنا يشهد بذلك.. هناك فتوى لبعض العلماء فقط يقول: بالنسبة للعربي لا يقبل  منهم إلا سلام أو القتل  يقاتل لماذا؟

لأن القرآن نزل بلغة العرب فكيف لأي فهمه.. لكن هذا  بالنسبة لزماننا انقضى؛ ولذلك صرنا نحاول أنجد كلام العلماء القدماء في بيان السحر البياني القرآني ، حتى نعرض ذلك على الناس فيكون هذا.. فلما قال الله -عز وجل- { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على لسان المسلم، وهو يقرأ لاحظ عن الكلام الأول { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ{3} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} هذا هو نوع من التمجيد.. لكن ما فيه إشارة أن الذي يقول ذلك هو هذا الإنسان المسلم، وإنما هو مفهوم من تلقين الله  -عز وجل- لنا.

إن هذه  السورة هي سورة تلقينية سورة تعليمية.. يعني قولها كذا ورددوا هذه  العبارات بألسنتكم بعد أن تردد في قلوبكم تكون قلوبكم حية بذكر هذه المعاني  تحول رأساً إلى بيان المتكلم، { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ما قال: إياك أعبد ليست فردية.. يقولون: نستشف من هذا.. ما قال: (إياك أعبد) أن المسلمين أمة  ليسوا أفراداً. لذلك من جاءكم من أمرك جميعاَ فافعلوا كذا.. يعني التفرقة في الأمة ليست شيء قليلاً.. إنما شيء عظيم، أمة موحدة.. أمة واحدة فـ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ما قال: (إياك أعبد) بحيث أنه يستدل أن هذه للصلاة، والمعنى ده لصلاة الجماعة.

الإنسان دائما يصلي جماعة؟

الجواب ليس هكذا دائماً.. يعني في كثير من الأحيان الإنسان في سفره، الإنسان في شغله أحياناً يصلي مفرداً ليس مع جماعة، وإن كانت الصلاة في الجماعة هي الأفضل طبعاً، فقال الرسول -عليه الصلاة والسلام- “أفضل من صلاة الفرد  بخمس وعشرين درجة أو بسبعٍ وعشرين درجة” الخطوة إلى المسجد ترفع درجة، وتحط خطيئة، إلى آخر هذه المرغبات التي تجعل المسلم  يجتهد  إلا لا يصلي إلا مع الجماعة.. لكن مع ذلك يمكن أن يصلي لوحده فيخسر ذلك الأجر.. لكنه لواحدة ، حتى لو صلى لوحده لو تنسل في الليل ماذا يأتي في الفروض؟ الفروض الأصل مع الجماعة.. لكن يجلس واحده يصلي بالليل نافلة.. لما يصلي واحده ما يقول: {إياك أعبد}، واللي هي إنا واحدي أصلي يبقي يقول: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعني وكأنما يستحضر أنه واحد  من مجموعة  أنه واحد ضمن مجموعة، الآن وهو ضمن هذه القافلة الممتدة قافلة الإيمان.. من “آدم” -عليه السلام- إلى قيام الساعة، وهي قافلة الإيمان هذه فيكون واحد في داخل هذه القافلة فيقول: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعني  نعبدك بصور الجمع كلنا نعبد، وإن كانت عبادة الفرد مسئولا عن عبادته.. لكن هيئتها  مع  المجموع، وفيها الأشعار  بأنه هو واحد من أمة، وليس فرداً، ولحتى للمسلم تشعره بالقوة إن هو ليس وحده حتى ولو صلى لوحده يحس أن هو واحد من أمه..

هناك أمة معه تقول: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فليس وحده يقول: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يعني يقول لك كان في غير القرآن.. هل كان ممكن أن ما يكرر {إياك} الثانية؟ يعني يقول: (إياك نعبد ونستعين) لماذا؟

{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هذا التكرار البعض قال فيه توكيد ، ولما يشوف  تكرار يقول: هذا توكيد بأن هو  فعلا الأصل أي تكرار لغرض التوكيد  حتى نحن في حياتنا العامة نستخدمه قلنا هذا كذا قلنا: لا لا ، لا لا نستعمل مرتين لا ، و لا واحده تكفي تذهب إلى المكان الفلاني.. يقول: لا لا.. لكن في الغالب يقول: لا لا أذهب لا لا أفعل كذا، يكرر.

فالتكرار بغرض التوكيد أنه يؤكد.. لكن هناك شيء آخر غير التوكيد ها هنا لما  قال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}..

أولاً: كأنما هذه جملة ثانية قائمة بذاتها لها معناها، ولها تركيبها: إنما في اللغة  أنه أيضا تركيبها نستعينك وصارت بعد ذلك الكاف.. يعني كأنما ما جرى لكلمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} جري لكمة { وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هذا شيء.

الأمر الآخر: لو قيل في غير القرآن { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يعني كأنما تنحصر العبادة، والاستعانة  بالله -سبحانه وتعالى- أن إحنا بنتعهد بذلك.. لكن لا يمنع أن نعبد غيرك، ولا نستعين به.. يعني جمع العبادة، والاستعانة خص بك (إياك نعبد ونستعين) أما ممكن نعبد غيرك.. لكن لا نستعين به.. ممكن نستعين يغيرك.. لكن لا نعبده.. أما اجتماع الاثنين فلا يكون إلا لك، وهذا لا يصح، وأن هذا لا يرضي الله -سبحانه وتعالى- أنك تقول لله: واللي هي إنا أعبد غيرك.. لكن لا أستعين بها ، أستعين بغيرك.. لكن لا أعبده الآية الكريمة تريد أن تقول لنا حصراً العبادة منحصرة، والاستعانة منحصرة..

أيضا للكلام بقيه يكون إن شاء الله تعالى في الحلقة القادمة.. أقول هذا، وأستغفر الله لي، ولكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته