سحر القرآن

سحر القرآن 21

اسلاميات

الحلقة 21:

 

أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها:

 

سحر القرآن فيه جوانب شتى من الإعجاز البياني في القرآن وكل معنى أجمل من الآخر. تحدثنا عن شيء من إجابات الإمام الرازي على بعض الأمور التي قد تستشكل على الناس ولجمال هذا الأمر ولوروده كثيراً في القرآن أحببت أن أقول لكل قارئ يُشكِل عليه شيء في القرآن النقص في علمك ومعرفتك وليس في القرآن (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). ننقل المزيد من أسئلة الإمام الرازي وإجوبته على الإشكالات التي قد يجدها بعض الناس.

 

سؤال: كيف قال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ (1) الأنبياء) وصفه بالقرب وقد مضى من وقت هذا الإخبار أكثر من ستمائة عام ولم يوجد يوم الحساب بعد؟

 

قلنا معناه أنه قريب عند الله تعالى وإن كان بعيداً عن الناس كما قال تعالى (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) المعارج) وقال تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج). الثاني أن معناه أنه قريب بالنسبة إلى ما مضى من الزمان كما قال r: ” إن مثل ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى كمثل خيط في ثوب” وقال r: “بُعثت أنا والساعة كهاتين”. الثالث أن المراد به قرب حساب كل واحد في قبره إذا مات ويؤيد قوله r: ” من مات فقد قامت قيامته”. الرابع أن كل آت قريب وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، وإنما البعيد الذي وجد وانقرض ولهذا يقول الناس إذا سافروا من بلد إلى بلد بعد ما ولوا ظهورهم البلد الأول: البلد الثاني أقرب وإن كان أبعد مسافة.

 

سؤال: كيف قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) مع أن النبي r لم يكن رحمة للكافرين الذين ماتوا على كفرهم بل نقمة لأنه لولا إرساله إليهم لما عذبوا بمفرهم لقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) الإسراء)؟

 

قلنا: بل كان رحمة للكافرين أيضاً من حيث أن عذاب الإستئصال أُخِّر عنهم بسببه. الثاني أنه كان رحمة عامة من حيث أنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه ومن لم يتبعه فهو الذي قصر في حق نفسه وضيّع نصيبه من الرحمة. ومثله r كمثل عين ماء عذبة فجّرها الله تعالى فسقى ناس زروعهم ومواشيهم منها فأفلحوا وفرّط ناس في السقي منها فضيّعوا فالعين في نفسها نعمة من الله تعالى للفريقين ورحمة وإن قصّر البعض وفرّطوا. الثالث أن المراد بالرحمة الرحيم وهو r كان رحيماً للفريقين ألا ترى اما شجّوه يوم أُحُد وكسروا رباعيته حتى خرّ مغشياً عليه فلما أفاق قال: اللهم إهدِ قومي فإنهم لا يعلمون؟

 

سؤال: فإن قيل كيف مثّل الله تعالى نوره أي معرفته وهداه في قلب المؤمن بنور المصباح في قوله تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) النور) ولم يمثّله بنور الشمس مع أن نورها أتم وأكمل؟

 

قلنا: المراد تمثيل النور في القلب والقلب في الصدر والصدر في البدن بالمصباح وهو الضوء أو الفتيلة في الزجاجة والزجاجة في الكوة التي لا منفذ لها وهذا التمثيل لا يستقيم إلا فيما ذكر. الثاني أن نور المعرفة له آلآت يتقوف على اجتماعها كالذهن والفهم والعقل واليقظة وإنشراح القلب وغير ذلك من الخصال الحميدة كما أن نور القنديل يتوقف على اجتماع القنديل والزيت والفتيلة وغير ذلك. والثالث أن نور الشمس يشرق متوجهاً إلى العالم السفلي لا إلى العالم العلوي ونور المعرفة يشرق متوجهاً إلى العالم العلوي كنور المضباح. والرابع أن نور الشمس لا يشرق إلا بالنهار ونور المعرفة يشرق بالليل والنهار كنور المصباح. والخامس أن نور الشمس يعم جميع الخلائق ونور المعرفة لا يصل إليه إلا بعضهم كنور المصباح الموصوف.

 

سؤال: كيف قال تعالى (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) السجدة) وقال تعالى في سورة المعارج (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4))؟

 

قلنا: المراد بالأول مسافة عروج الملائكة من الأرض إلى السطح الأعلى من سماء الدنيا وذلك ألف سنة، خمسمائة سنة مسافة ما بين السماء والأرض وخمسمائة سنة مسافة سمك سماء الدنيا والمراد بالثاني مسافة عروج الملائكة من الأرض إلى العرش. والثاني أن المراد في الآيتين يوم القيامة ومقداره ألف سنة من حساب أهل الدنيا لقوله تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج) ومعنى قوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) المعارج) أي لو تولى فيه حساب الخلق غير الله تعالى. والثالث أنه كألف سنة في حق عوام المؤمنين والخمسين ألف سنة في حق الكافرين لشدة ما يكابدون فيه من الأهوال والمحن وكساعة من أيام الدنيا في حق خواصّ المؤمنين ويؤيده ما روي أنه قيل: ” يا رسول الله يوم مقداره خمسين ألف سنة ما أطوله! فقال: والذي نفسي بيده ليخفف على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا” وروي أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن هاتين الآيتان فقال: يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه وإني أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم.

 

سؤال: كيف قال تعالى (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) التغابن) مع أن الهداية سابقة على الإيمان لأنه لولا سبق الهداية لما وجد الإيمان؟

 

قلنا ليس المراد يهد قلبه للإيمان بل المراد يهد قلبه لليقين عند نزول المصائب فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. الثاني يهد قلبه للرضا والتسليم عند نزول المصائب. والثالث يهد قلبه للإسترجاع عند نزول المصائب وهو أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون. الرابع يهد قلبه أي يجعله ممن إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظٌلِم غفر. والخامس يهج قلبه لاتّباع السُنّة إذا صح إيمانه وقرئ (يهدأ) بفتح الدال وبالهمز من الهدوّ وهو السكون فمعناه : ومن يؤمن بالله إيماناً خالصاً يُسكّن قلبه ويطمئن عند نزول المصائب والمحن ولا يجزع.

 

سؤال: ما معنى وصف القرآن بالثقل في قوله تعالى (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا  (5) المزمل)؟

 

قلنا فيه وجوه: أحدها أنه كان يثقل نزول الوحي على النبي r حتى يعرق عرقاً شديداً في اليوم الشاتي. والثاني أن العمل بما فيه من التكاليف ثقيل شاق. والثالث ثقيل في الميزان يوم القيامة. والرابع أنه ثقيل على المنافقين. والخامس أنه كلام له وزن ورجحان كما يقال للرجل العاقل رزين وراجح. والسادس أنه ليس بسفساف لأن السفساف من الكلام يكون خفيفاً.

 

سؤال: لأي فائدة تخصيص ذكر صفة الكرم دون سائر صقاته في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الانفطار)؟

 

قلنا قال بعضهم: إنما قال ذلك لطفاً بعبده وتلقيناً له حجته وعذره ليقول: غرّني كرم الكريم. وقال الفضيل رحمه الله: لو سألني الله تعالى هذا السؤال لقلت: غرّني ستورك المرخاة. وروي أن علياً رضي الله عنه صاح بغلام له مرات فلم يلبّه ثم أقبل فقال: مالك لم تجبني؟ فقال لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك فاستحسن جوابه وأعتقه. ولهذا قالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.

 

والحق أن الواجب على الإنسان أن لا يغتر بكرم الله تعالى وجوده في خلقه إياه وإسباغه نعمه الظاهرة والباطنة عليه فيعصيه ويكفر بنعمته إغتراراًً بتفضله الأول، فإن ذلك أمر منك خارج عن حد الحكمة. ولهذا قال رسول الله r لما قرأها: غرّه والله جهله. وقال عمر رضي الله عنه: غرّه حمقه وجهله. وقال الحسن” غرّه والله شيطانه الخبيث الذي زيّن له المعاصي فقال له إفعل ما شئت فإن ربك كريم.

 

هذه من المعاني العظيمة التي لا يجب أن نتجرأ على الله تعالى. لأنه من سوء الأدب أن يُكرِم سبحانه وتعالى وأنت تتجرأ فالمفروض أنه إذا أكرمك أن تتعامل معه بمزيد من الوقار والاحترام والتأدب ولا تتجرأ على الله تعالى.

 نكتفي بهذا القدر من الأسئلة وننتقل إلى مزيد من الإعجاز القرآني في حلقة قادمة.