سحر القرآن

سحر القرآن 29

اسلاميات

الحلقة 29:

 

موضوع النغم في القرآن

 

نتناول كثيراً من الصور البيانية والبلاغية في القرآن وقد أوشك البرنامج أن ينتهي وما زال في الجعبة الكثير، كيف لا وكنوز القرآن لا تفني. مواضيع كثيرة لم يسع الوقت لنتحدث عنها ولكن لعلي فتحت الباب أمام المشاهدين ليتعمقوا في القرآن ويكتشفوا إعجازه. تحدثنا في الحلقات السابقة عن التصوير الفني في القرآن ووعدتكم أن نتحدث عن النغم في القرآن أو الوسيقى كما يسميه البعض لكن نفضل أن نسميه النغم. النغم واضح في القرآن الكريم ووضوحه في السور المدنية ليس كما هو في السور المكية. فالسور المدنية فيها تشريع ونجد فيها إطالة أما في السور المكية فالمسألة واضحة تماماً. نأخذ صوراً من النغم في السور المكية:

 

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)) هذا ليس شعراً وليس نثراً لأن فيه وزن لكن ليس كأوزان بحور الشعر، فيه وزن وقافية وفواصل متتالية نشعر بها ويستمر الوزن في كل آيات السورة. حتى تشعروا بالوزن سنحاول أن نزيل كلمة لن تغير من أساس المعنى ونرى ماذا يحدث للآيات؟ لو قلنا ومناة الأخرى بدل (ومناة الثالثة الأخرى) نجد أن الوزن تغير وانكسر. وكذلك لو قلنا: تلك قسمة ضيزى بدل (تلك إذن قسمة ضيزى) انكسرت ونشعر أن فيها شيء خطأ. هذا ليس معناه أن كلمة الثالثة أو كلمة إذن زائدة ليس لها داعي ولكم من جمال القرآن أن يأتي بكلمات لها داعي وتحفظ الوزن. فإذا قارنا (تلك إذن قسمة ضيزى) بقولنا تلك قسمة ضيزى نجد أن الوزن في الآولى أوضح وكذلك في قوله (ومناة الثالثة الأخرى) أوضح من ومناة الأخرى. القرآن ليس بالشعر فالشاعر قد يضع كلمة ليس لها داعي لأجل المحافظة على الوزن وتجميل الكلام لكن القرآن يأتي بكلمة لها داعي ويستعملها للمحافظة على الوزن فسبحان الذي أنزل القرآن.

 

ونلاحظ التنغيم في إيقاع القرآن. الله تعالى يعدّل بعض الألفاظ ويغيّر في طبيعتها وتبقى عربية فصحى لكن كنا نتوقع كلمة فتأتي بصورة تغيّر لصورة أخرى لأجل المحافظة على الإيقاع والوزن. يقول تعالى (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) الشعراء) لو أردنا نحن أن نكتب هذا الكلام بلغة عربية فصيحة لقنا: الذي خلقني فهو يهديني ، يسقيني، يشفيني، أما في القرآن فخطف الياء وما زالت الكلمة عربية فصيحة (يهدين، يشفين، يسقين) لكن خطف الياء استدعاه الوزن والقافية لأنها تؤثر بالنفس بشكل أكبر عندما تخطف الياء فسبحان الذي أنزل القرآن وجعل كل حرف يخطف او يوضع لأجل تأثير.

 

في سورة أخرى (وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)) يمكن أن يقال في غير القرآن (والليل إذا يسري) وتكون اللغة عربية فصيحة لكنه تعالى خطف الياء للإنسجام مع الفجر والعشر والوتر والحجر. إذن في القرآن إيقاع ووزن وهو ليس بالشعر ومع ذلك نجده واضحاً في كتاب الله عز وجل هذا المعنى لن تستطيع أن تقرأ القرآن بدونه لا تجد إلتزاماً دقيقاً بالقافية والتغيير له سبب. هناك وزن لكنه ليس بشعر (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69) يس). كيف نعكس هذه المعاني أكثر وكيف ننظر في تغير القافية وليس فقط النغم؟

 

القرآن نغم فأحسوا به لما تقرأوه وبالذات في السور المكية. هو ليس بالشعر ولا بالنثر لذا قالوا هناك شعر وهناك نثر وهناك قرآن، فيه أوزان ليس كالشعر، فيه قافية لكن لا يلتزم بها كسجع النثر. نأخذ مثالاً على تغير الكلمات من أجل هذه القافية وهذا الوزن:

 

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) الحاقة) يمكن أن يقال (ما هي) في اللغة لا نقول ما هيه؟ لكنه في الآية أضاف الهاء لأجل هذا الإيقاع وهذا الوزن ولأن أثرها في النفس أكبر وهي ما زالت عربية فصحى، التغيير لأجل الوزن مع المحافظة على فصاحة اللغة لأجل الوزن ولأجل النغم وإعطاء إيحاءات لا تعطيها الكلمة الأخرى.

 

يقول تعالى (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) يمكن أن يقال (إقرأوا كتابي، حسابي) هكذا الاستعمال في لغة العرب لكن وضع الهاء مرة أخرى لأجل الإيقاع والوزن ولأجل أن يستشعر القارئ هذه المعاني.

 

كذلك تجد أحياناً يتحول النغم إلى لحن مكسور فيه حزن معجز في النفس، حتى ترتيب الكلمات توضع لتعطي هذا النغم الحزين كما نجد في سورة مريم في قصة زكريا u (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)) لها وزن وإيقاع وقافية ولحن حزين، لو غيرنا كلمة واحدة فانظر كيف تصبح الآيات فإذا قلنا: إني وهن مني العظم بينما قال تعالى (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) التأخير والتقديم لأجل الوزن والإيقاع والقافية.

 

وهناك معنى آخر تغيير القافية في نهايتها. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)) الآيات كلها فيها نفس اللحن والقافية والوزن (يا) وفجأة يختلف الوزن والقافية (ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)) لم يعد وصفاً للقصة ولا حديثهم فاختلف الوزن وصار وزناً جديداً لأن الموضوع تغيّر وصار عندنا حُكم. إذا صار هناك تغير في الوزن والقافية فاعلموا أن هناك إنتقال من موضوع إلى موضوع آخر. فسبحان الذي أنزل القرآن معجزاً لكل البشر.

 

الدليل على هذا (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ما زلنا على الوزن المتعلق بالأحكام ثم فجأة يعود الوزن إلى الوزن الأول (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41)) رجعنا للقافية السابقة لأن التعليق على القصة وإصدار الأحكام إنتهى ورجعنا للقصة. عند تغير الوزن والقافية يعني أيها القارئ إنتبه هذا الكلام مختلف عن الذي قبله والموضوع مختلف، كنا في قصة لها وزن وقافية ثم اصدر أحكاماً فصار لها وزن وقافية مختلفة ثم عدنا للقصة فعدنا للوزن والقافية الأولى.

 

قال تعالى (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)) ثم قال (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)) قافية جديدة، إنتهى من التقرير ويريد أن يدخل معه في افثبات والجدل والبراهين الكونية فتغير الوزن والقافية.

 

في قوله تعالى (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)) ثم يقول تعالى (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)) تغير الوزن وتغيرت القافية بعد القسم، نسمع قافية جديدة وبأسلوب جديد. الآيات الأولى كانت تتكلم عن قَسَم ثم انتقلت الآيات للحديث عن الآخرة فانظر عندما تستمر الآيات ستجد تغيراً في القافية والوزن (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)) وزن جديد وقافية جديدة. النغمة السابقة (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) حركة سريعة بسيطة، قارن هذا بـ (هل أتاك حديث موسى) هنا موجة متوسطة وهناك كانت موجة قصيرة ثم لما يأتي إلى الجدل والنقاش مرة أخرى يتسعمل موجة قصيرة ثم لما يأتي للقصص يأتي لموجة متوسطة، ثم الآيات التي فيها تشريع وأحكام تكون موجة طويلة لأنه تحتاج إلى تفصيل. من يستطيع هذا في كلام البشر؟! فسبحان منزّل القرآن. هذا من عجائب كتاب الله، هذا الوزن وهذه القافية التي تتبدل مع تبدل المعاني إئتوني بكتب البشر من يفعل هذا؟!

 غداً الحلقة الخاتمة إن شاء الله.