سحر القرآن

سحر القرآن 30

اسلاميات

الحلقة 30:

 

الدعاء في القرآن

 

هذه الحلقة الأخيرة من هذا البرنامج الذي عشنا معه على مدى هذه الحلقات وإني أشعر بحزن شديد على وداعكم ووداع هذا الموضوع وما زال في الجعبة الكثير من الحديث عن أنواع الإعجاز والبيان وكنت أتمنى أن أحدثكم بكل ما قرأت وكل ما تعلمت عن هذا البيان العجيب وتذكرت قولة عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما إمام التفسير والصحابي الجليل يقول ” إني لأعلم كل آية في كتاب الله متى نزلت وأين نزلت وفيم نزلت وإني لأتمنى لو يعلم كل مسلم منها ما أعلمه منها” وأنا لا أعرف كل آية ولا كل موطن ولكن عندي الكثير مما تعلمته وقرأته وأود أن أنقله إليكم وتشاركوني هذه المشاعر. سابقاً كنت أقرأ القرآن كباقي الناس لكن لما تعلمت سحر القرآن وسحر البيان وإعجاز البيان وأنواع الإعجاز والتصوير الفني في القرآن صار القرآن له طعم جديد وإحساس جديد ومشاعر جديدة ولعلكم أحسستم بها معي في سحر القرآن.

 

الدعاء هو ما سنختم به في كل أمر لكن الدعاء في القرآن له نمط خاص، كنت قد حدثتكم عن النغم في القرآن واسمحوا لي أن أبدأ الحديث عن نغم الدعاء. الدعاء القرآني يختلف عن أي دعاء آخر مهما كان في فصاحته. النغم القرآني يبدو في قمة السحر وقمة التأثير في مقام الدعاء. الدعاء بطبيعته هو نوع من النشيد الصاعد إلى الله عز وجل فلا يحلو وقعه في نفس الضارع المبتهل إلى الله عز وجل إلا إذا كانت ألفاظه منتقاة جميلة وجمله متناسقة متعانقة وفواصله متساوية لها إيقاع موسيقي حنون. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل همّ الإجابة ولكني أحمل همّ الدعاء. واالنبي r كان يتفنن في الدعاء وممن تفنن بالدعاء تقليداً وتعلماً من رسول الله r معاذ بن جبل الذي كانت له أدعية يتفنن بها حتى أن أحد الأعراب سمعها فقال للنبي r: يا رسول الله أنا لا أعرف دندنتك ولا دندنة معاذ وكل ما أعرفه أن أقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فقال r: حولها ندندن. كل دعائه r ودعاء معاذ حول هذه الكلمات. هذا الدعاء الذي جاء في القرآن الكريم والقرآن لم ينطق عن لسان الأنبياء والصديقين والصالحين إلا بأجمل دعاء نغماً وأروعه سحر بيان. هذا النغم الصاعد في القرآن خلال الدعاء يثير في كل لفظة صورة وينشيء مع كل لحن مرتعاً للخيال. سنقف مع بعض أدعية القرآن المريم ونبدأ بدعاء سيدنا زكريا u:

 

زكريا u دعا دعاء جميلاً عجيباً وكل أدعية القرآن جميلة: بعد الحروف المقطعة التي منها يتشكل القرآن وتحدى بها العرب جميعاً أن يأتوا بآية من مثله (كهيعص(1)) ثم قال (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) مريم) زكريا u كان شيخاً جليلاً مهيباً وفي دعائه نجد على كل لفظة ينطق بها مسحة من رهبة وشعاعاً من نور ونتمثل الصورة أيضاً: هذا الشيخ الجليل على وقاره متأجج في عاطفته صوته متهدج طويل النفس ما تربح أصداء كلماته تتجاوب في هذا الكون في نشيد في منتهى التأثير، بل إن زكريا u في دعائه يحرك القلوب المتحجرة بتعبيره الصادق عن حزنه وعن أساه خوفاً من أن ينقطع عقبه ويتوقف نسله فوقف يصلي (وهذه نصيحة لكل محتاج قفوا وصلّوا وادعوا الله تعالى) فوقف زكريا u قائماً يصلي في المحراب يبدأ وينادي ربه نداء خفياً ويكرر ذكر الرب بكرة وعشياً ويقول في لوعة الإنسان المحروم وفي إيمان الصديق الصفيّ هذا الإيمان من صدّيق فيقول (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) انظروا للوصف: إشتعل الرأس شيباً لم يبق فيه شيء من سواد كالنار تسري في الهشيم فتنهيه، فيه وصف عجيب من التصوير الفني (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)) لاحظوا الوزن والنغم الحزين. البيان لا يرقة إلى هذه العذوبة في الوصف التي تنتهي في كل فاصلة وفي كل آية مشددة على التنوين الذي تحوّل إلى ألفٍ ليّنة كأنها في الشعر ألِف الإطلاق والبيان لا يرقى إلى وصف هذه العذوبة وأي عذوبة أعظم من سحر القرآن؟!. الدعاء له نغم خاص في القرآن بحسب طبيعة الدعاء. زكريا وهو ينادي ربه استشعرنا هذا الجو الحزين ونحن نتصور نبياً شيخاً جليلاً منقطعاً من الأولاد يبتهل إلى ربه عز وجل خالياً في خلوة مع الله تعالى وكدنا نصغي مع ألحانه الخفية وهي تصعد إلى السماء، نصغي إلى هذا الألم والشوق للولد، كله في هذا النغم العجيب.

 كيف لو تصورنا جماعة من الصديقين والصالحين والأنبياء لو تخيلناهم يرددون مشتركين ذكراناً وإناثاً شباناً وشيوخاً بأصوات متناسقة تصعد معاً وتهبط معاً وهي تجأر إلى الله عز وجل. انظروا ماذا يقول تعالى عن هذا الجو (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) آل عمران) يقول r: ” ويل له، فيقول الصحابة من هو يا رسول الله؟ يقول: ويل له، فيقولون من هو؟ فيقول ويل له، فيقولون من هو؟ فيقول من قرأ هذه الآية ولم يتفكّر” (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) هل استشعرتم الروح في هذه الآيات؟ ألم تستشعروا أن تكرار كلمة (ربنا) يلين القلب ويبعث فيه نداوة الإيمان وأن الوقوف بالسكون على الراء المسبوقة بألِف ليّنة يعين على الترخيم ويعوّد الأسماع على أحلى ضربات النغم؟ هكذا هو الدعاء في كتاب الله عز وجل.

وإذا كان في وقف الدعائين السابقين نداوة ولين ففي بعض مواقف الدعاء القرآني شدة وقوة وانظروا إلى دعاء نوح u فيه شدة (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) نوح) لاحظ الفرق في الدعاء هنا فيه قوة وشدة وضخب وهناك فيه لين ورخاوة ورحمة. أي كتاب يستطيع أن يشكل النغم مع الدعاء؟ فسبحان الذي أنزل القرآن وجعل فيه هذا السحر العجيب الذي يأخذ بالألباب.

 

الجزء الأخير من برنامج سحر القرآن ونحن نتحدث عن الروح التي في القرآن، هذا الوزن والقوافي والإنسجام بين الأنغام والمعاني نأخذ سورة الرحمن فيتساءل الإنسان عندما يقرأها هل انبعث إيقاعها الرخيم المنساب في مطلعها أم في ختامها أم من خلال آياتها؟ أين هذا اللحن؟ فنجزم أن اللحن يسري فيها كلها في فواصلها ومقاطعها وانسيابها حتى لو أخذنا مقطعاً منها أو موضوعاً واحداً منها سنجد في أجزائه النغم والإيقاع كأنه في كل حرف لحن من ألحان السماء. على هذا الأساس إنفرد القرآن الكريم بالمحافظة على تسقه الإيقاعي سواء أخذت السورة بكاملها أو اقتطعت أجزاء منها. لذا يمكننا أن نأخذ بعض الدعاء من هنا ونضيف عليه دعاء من هناك من القرآن.

 

هناك من تحدث عن التكرار وكنت أود أن أعمل حلقة خاصة به إلا أن الوقت لم يسعفنا فأشير إشارة إلى سورة الرحمن قوله تعالى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تكررت هذه الآية فأشار بعض الناس أنها من التكرار الذي لا داعي له لكن هيهات، القرآن كلام الله المعجز والله تعالى يريد لنا أن نتفكر يذكر معجزة من المعجزات فيقول تعالى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)  ثم يذكر نعمة من نعمه فيقول تعالى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ثم يأخذ نعمة أخرى فيذكرك بنعمة الله وبعض النعم في الدنيا وكل واحدة منها تحتاج إلى إيمان وتصديق وتسليم وكذلك في نِعَم الآخرة كل واحدة تحتاج إلى تأمل عندما يذكر لك أنواع النعيم في الآخرة كل واحدة منها ألا تصدّق إلا تشكر؟ (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ليس هناك تكرار فكل واحدة تتكلم عن نعمة مختلفة ومعجزة من معجزات الله تعالى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)

 

حدثتكم عن شيء بسيط من سحر القرآن وأمَلي أن أكون قد فتحت لكم الباب لتتأملوا في سحر القرآن وأتمنى بعد اليوم لما يقرأ القرآن يقرأه بروح مختلفة يبحث عن الصور ويستشعر المعاني ويحس بالنغم ويشعر بالروحانية التي تنصب فيها كل الأمور المعنى مع الكلمة مع الجملة مع سياق مع الصورة كلها في مكان واحد هو حسب طبيعة الموضوع بلا تكرار وبلا ترتيب عشوائي وإنما كل شيء في مكانه وهذا ليس إلا لكتاب الله رب العالمين.

 وفي الختام أسأل الله تعالى أن لا نكون هاجرين للقرآن وأن نلتصق بكتاب الله عز وجل لأنه هو السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة للفرد والأسرة والأمة والبشرية جمعاء. عندما تركنا العمل بهذا الكتاب وصرنا فقط نتغنّى به دون عمل به ضعنا وضاعت أمتنا وضاعت حضارتنا. لنعُد إلى كتاب الله ففيه المنهج لإصلاحنا وإصلاح البشرية، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم نسألك اللهم أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب غمومنا وسابقنا ودليلنا إليك وإلى جناتك، اللهم علّمنا منه ما جهلنا وذكّرنا منه ما نُسّينا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.