في رحاب سورة

في رحاب سورة الفرقان – 1- د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة – د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ – تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة الفرقان – 1

تفريغ الأخت نوال جزاها الله خيرا لموقع إسلاميات حصريًا

المقدم: أنزل القرآن في رمضان ورمضان شهر القرآن (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) ووصلنا إلى سورة الفرقان قال الله تعالى في مطلعها (تبارك الذي نزل الفرقان) وهذا من الموافقات، نبدأ الحديث حول ارتباط رمضان بالقرآن وعلاقة القرآن برمضان.

د. المستغانمي: بسم الله الرحمن الرحيم،  وصلى الله وسلم وبارك على نبينا سيدنا محمد كما تفضلت شهر رمضان هو شهر القرآن، ‏الشهر الذي اختاره الله تبارك وتعالى لنزول القرآن على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وقرر ذلك وصرّح به في آية سورة البقرة ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.‏

ومن الموافقات الجيدة الربانية بدون تخطيط منا جاءت سورة الفرقان، وهي السورة الوحيدة في القرآن كله التي تحمل اسم القرآن الفرقان، يوجد سورة الفاتحة تنطبق على جزء من القرآن وهي الفاتحة، أم الكتاب، وسور أخرى هي من سورة القرآن، ‏لكن سورة الفرقان تحمل عنوان القرآن نسبة لقوله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ ‏نَذِيرًا﴾.‏

في الحقيقة إن كانت من نصيحة أقدمها لنفسي وللمشاهدين الكرام! لابد من أن نقرأ القرآن بتؤدة وبتمهل وتمعن وتدبر، والله تبارك ‏وتعالى حثنا على ذلك لقوله جلّ من قائل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ وفي آية سورة المؤمنين: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.‏ ولو أن المسلمين أدركوا عظمة هذا الكتاب والله كلنا لشكرنا الله شكراً عظيماً أن اختار لنا هذا الكتاب العظيم الوثيقة الإلهية الوحيدة ‏التي لم تحرّف ولم تزيّف، ولم تطلها أيدي المنتحلين أحد الشعراء قال:

هيهات أن يعتري القرآن تبديل ٌ ‏        وإن تبدّل فتوراة وإنجيل

ما تبدّل فتوراة وإنجيل، أما القرآن فمحفوظ بحفظ الله جل جلاله، وانتدبنا إلى قراءته بتأنٍ ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى ‏مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ منجماً على الأحداث ليعالج القلوب.‏

المقدم: تقول بأن القرآن أنزل في رمضان، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وليلة القدر في رمضان، كيف ‏يستقيم هذا الأمر وتقول الآن: بأن القرآن نزل منجماً أي: مفرّقاً، فهل اكتمل تنزيله في رمضان أم بداية تنزيله في رمضان؟

د. المستغانمي: بداية تنزيله في ليلة القدر في رمضان لعظمة هذه الليلة العظيمة: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الرواية ‏الموجودة أن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن جملة واحدة من بيت العزة من السماوات العلى إلى السماء الدنيا، وكان جبريل بأمر من الله ‏يفرقه وينجمه بأمر من الله سبحانه وتعالى إذاً هو أُنزل جملة وأُنزل مفرقاً. لكن الجمال في تنظيم القرآن ونظمه أنه نزل منجماً في ثلاث وعشرين سنة، وآيات قبل آيات، وسور ممكن تنزل السورة وآياتها في ‏سنوات، وعندما جُمع يعكس هذا الإحكام هذا التناسق في النظم. أنت الآن اطلب من أيّ عالم في الدنيا اطلب من مجموعة علماء ‏ودكاترة ومساقعة في الكتابة إذا كتبوا مقالات متنوعة في أوقات مختلفة وجاءوا لضمّها فإن الأسلوب يتفكك، فما بال هذا القرآن ‏العظيم من أوله إلى يائه محكم منسق منضد، إنه تنزيل رب العالمين!!.‏

في الحقيقة كنت أفكر في رمضان لو أن المسلمين تذكروا آية واحدة القرآن مليء بالآيات التي تتحدث عن القرآن، القرآن يتحدث عن ‏القرآن: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الجبل يخشع لكلام الله. ‏﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ وكثير من الآيات، لكن أريد أن أقف المشاهد على آية واحدة وهي قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا ‏سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ هذه آية عظيمة، وكل القرآن عظيم. الله تعالى يقول: لو ‏ثمة قرآن يسيّر الجبال من أماكنها أو يقطّع الأرض الكرة الأرضية أو يكلّم الموتى الجواب: لكان هذا القرآن، والجواب ما ورد لكي تتخيله ‏ذكرنا سابقاً أن (لو) كثيراً ما يحذف جوابها، (ولولا) كثير ما يحذف جوابها. لو أن قرآناً يفعل ذلك ويقطع الأرض ويسير الجبال فهو هذا، لكان هذا، فما بال قلوب المسلمين لا تتحرك؟! ما بال قلوب العقلاء لا ‏تتحرك لخطاب هذا القرآن؟! فنحن بحاجة إلى أن نربط المسلمين بالجسر الذي يقربنا إلى كلام الله.‏

المقدم: هناك نقطة دكتور أشرت إليها قبل أن نلج سورة الفرقان وهي قضية التأني والتؤدة في قراءة القرآن، لا يفهم ‏من الكلام هذا بأنه ونحن في شهر رمضان المبارك بأنه لا يجب علينا أن نقرأ القرآن كثيراً، لأن البعض ربما يفهم يقول: والله قيل في ‏برنامج في رحاب سورة بأنه نقرأ القرآن بتمعن فنقرأ في اليوم صفحة واحدة تكفي أفضل من أن نختم مثلاً جزء أو جزئين، نقول: لا، ‏اقرأ جزء أو جزئين ولكن بتؤدة وبتمعن، فإذا كنت تجعل من يومك العادي في غير رمضان عشر دقائق للقرآن اجعلها الآن ساعتين، ‏ثلاث ساعات هكذا قدر المستطاع، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ * ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ‏وَقُرْآَنَهُ﴾ فالعجلة في قراءة القرآن غير محبذة وخاصة ونحن في شهر رمضان.‏

د. المستغانمي: ونحن بحاجة أن نبذل جهداً، قبل أن نبدأ السورة الكريمة: أحد العلماء زميل لي قال لي: أنا كنت ‏أتعجب عندما أسمع كبار الزاهدين والتابعين يختمون في ليلة ويختمون في ليلتين قال: الآن في العصر الحديث عندما رأيت أبناءنا وبناتنا مع هذا ‏التلفون النقال يعني الهاتف بالعشر الساعات زال العجب، أولئك كانوا عاكفين على القرآن، فأبناؤنا عاكفون على بعض التكنولوجيا ‏نسأل الله أن يوفقهم وأن يهدي قلوبهم للقرآن.‏

المقدم: إذاً اعتدنا دائماً حينما نتحدث عن سورة نتحدث عن علاقتها بما قبلها، وبما بعدها، وخاصة بما قبلها على اعتبار أنه في الحلقة ‏الأولى تحدثنا بأن القرآن حينما وزعت أو وضعت أماكن سوره هذا الوضع هو توقيفي فبالتالي له دلالات وله إعجاز كذلك.‏

د. المستغانمي: نحن قلنا: سورة النور حينما ختمناها وقفنا عند قوله تبارك وتعالى : ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ‏السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (قد يعلم) أي: قد يعلم يقيناً (قد) تفيد التأكيد هنا نحن كثيراً ما نقول في النحو (قد) إذا ‏سبقت الماضي تفيد التحقيق، وعندما تسبق المضارع في القرآن الكريم كثيراً ما تفيد التحقيق، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ هو يعلم جل ‏جلاله، لذلك نحن ندرس شيئاً في النحو ونترك أشياء، (قد يعلم ما أنتم عليه)، فهذه الآية العظيمة: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ‏وَالْأَرْضِ﴾ نقرأ سورة الفرقان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ * ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.‏

لم يكتف هنا قال: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) هنا ثنّت الآية (له ملك السماوات) والفرق بينهما: ممكن أنت –ولله المثل ‏الأعلى- تملك هذه الدار كما قال أحد العلماء الشيخ فاضل أنت تملك هذه الدار ولكن استأجرها عنك غيرك أنت تملك الدار ولكن لا ‏تملك ما فيها هي للمستأجر مثلاً، الله ولله المثل الأعلى له ملك السماوات والأرض وله ما في السماوات والأرض هذا من باب التأكيد ‏على ملك الله سبحانه وتعالى. هذا المعنى الأول.‏

المعنى الثاني: في أواخر سورة النور كما رأينا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ توجيه قرآني للذين يخالفون عن أمر رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ جاءت سورة الفرقان تثبت صفة النذارة في رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ ‏نَذِيرًا﴾ وما ذكر بشيراً وفي بعض الآيات بشيراً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وأحياناً: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ سأذكر لك بعد قليل ‏فقط أربط لك آخر توجيه إنذار شديد اللهجة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه﴾ وهذا له ارتباط وثيق بمقدمة السورة الذي بعث محمداً ‏صلى الله عليه وسلم للعالمين نذيراً، هذا من بين ما ذكره العلماء في المناسبة بين سورة النور وسورة الفرقان.‏

المقدم: الحذر يتوافق دائماً مع الإنذار، إذاً هذا فيما يتعلق بالارتباط بين سورة النور والفرقان. سورة الفرقان نفسها دعنا نتحدث عن خصائصها نتحدث عن محورها العام، نتحدث عن صفاتها، الألفاظ التي فيها، العلاقة ما بين ‏بدايتها ووسطها وختامها، كعادتنا في كل السور.‏

د. المستغانمي: نعم نحن في رحاب سورة نعرّف بالسور القرآنية، وقد نعرج على بعض التفاسير أو النكت أو اللمسات البيانية. أولاً: بدايتها بديعة وهذا من براعة الاستهلال البديعة في القرآن كما قلنا والقرآن كل سوره بديعة، لكن هناك التي تظهر ‏براعة الاستهلال ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ يعني بداية مختلفة تشد الناظرين والسامعين. هنا كذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ معنى: (تبارك) تزايد خيره، كثُر خيره كثرت البركة ممن أنزل هذا القرآن، كأنه يقول: ‏تبارك الذي نزل هذا القرآن مباركاً، فيه بركة، موجود آية ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ ما معنى البركة ؟ هي الخير والخير الخفيّ، ‏لما تلقى إنسان داعية إلى الله وزاهد تقول: والله هذا إنسان فيه بركة، وفي آية تقول: فاتبعوه: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ‏حَرَجٌ﴾ إلى أن قال: ﴿اتَّبِعُوا﴾ نعم موجود في سورة الأعراف.‏

فهذه البداية العظيمة براعة استهلال عجيبة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ على عبده: هو محمد ‏صلى الله عليه وسلم، ينذر ويعلّم.‏

المقدم: هذا الاستهلال يذكرني بالاستهلال في سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.‏

د. المستغانمي: تلك بدأت بالحمد وهذه بدأت بالمباركة والثناء.‏

المقدم: وهناك أنزل على عبده، وهنا أنزل على عبده، ولكن هناك قال: (الكتاب) وهنا قال: (الفرقان).‏

د. المستغانمي: ونحن ذكرنا في سورة الكهف أن لفظ الكتاب تكرر في سورة أيقونة من أيقونات سورة الكهف، أما ‏هنا (الفرقان) وسأقول لك: لماذا الفرقان؟ إذاً هذه البداية العظيمة، وفي نهايتها من التناسق أذكر لك الآن أيضاً قبيل نهايتها: ﴿تَبَارَكَ ‏الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ يعني: كأن الله يقول: تبارك الذي نزل الفرقان كتاباً يُقرأ وتبارك الذي خلق الكون قرآناً يُنظر إليه الكون المقروء الكون الذي ننظر ‏إليه ويدل على الله سبحانه وتعالى. السراج فالسراج: هو الشمس: وجعل فيها سراجاً وقاداً، والقمر هو القمر نحن في المجموعة الشمسية، وكم في ‏السماوات من أقمار كثر كلها سرج، وكلها مصابيح.‏

المناسبة الثانية: ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وآخر آية من سورة تبارك الفرقان: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ ‏لِزَامًا﴾ ما هو الذي يكون لزاماً؟ العذاب فهو إنذار شديد اللهجة لمن لم يستجب لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ولم يستجب لنداء الله تبارك ‏وتعالى، إذاً ثمة تناسق بين المطلع والنهاية. وأيضاً عندما انتهت بهذا الإنذار شديد اللهجة جاءت سورة طسم الشعراء بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طسم﴾ * ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ ‏الْمُبِينِ﴾ * ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ * ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ هل ثمة إنذار أشد من هذا؟! الله جل جلاله يقول: لو شئت وشاءت قدرته جل جلاله لأنزل آية عظيمة تظل أعناق القرشيين لها ‏خاضعين إنذار شديد! فثمة تناسق أيضاً بين الفرقان وبداية سورة الشعراء.‏

المقدم: لماذا سميت بالفرقان؟‏

د. المستغانمي: ذكر الفرقان فيها مرة واحدة. سورة الفرقان هي سورة القرآن وكلمة (الفرقان) ذكرت: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ ‏وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ من الهدايات والفُرقان يفرق بين الحق والباطل.‏

المقدم: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ﴾

د. المستغانمي: بمعنى: نجمناه لتقرأه على الناس على مكث. وأيضاً موجود في بداية سورة آل عمران: ﴿الم﴾*﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾*﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ ‏يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾*﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ الفرقان: يفرق بين الحق والباطل، طبعاً لو ذهبنا إلى معظم المفسرين سميت بسورة الفرقان لورود هذه الكلمة، والله أنشأ الثناء على ‏ذاته العلية: تبارك وتزايد خيره وعظم خيره الذي نزل الفرقان الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين نذيراً.‏

المقدم: يعني كأن الله سبحانه وتعالى يثني على نفسه بالبركة بسبب تنزيله القرآن؟

د. المستغانمي: وكأن القرآن أيضاً كتاب مبارك هو يوحي به: تبارك الذي نزل هذا القرآن مباركاً للعالمين، لكن لا ‏نكتفي بهذه التسمية.

أولاً: ونحن في رحاب سورة نحيط المشاهد الكريم: أن التسمية كانت موجودة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث ‏صحيح لعمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع مقرئا وهو هشام بن حكيم يصلي به في سورة الفرقان فسمع لفظاً أو قراءة ليست كما ‏أقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن القرآن كما تعرف أنزل على سبعة أحرف كلها شافٍ كاف، فانتظره عمر ولم يكد يصبر ‏عن الصلاة هو يقول، فلما انتهى لببته من ثيابه وأخذته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: شده، قال: سمعته يقرأ سورة ‏الفرقان – وهذا الدليل- على غير الوجه الذي أقرأتنيه أو كما قال. فقال له: اقرأ يا عمر! فقرأ، قال: هكذا أنزلت، اقرأ يا هشام! هكذا أنزلت، والقرآن نزل لو قلنا: (قد أفلح المؤمنون) (قدَ افلح ‏المؤمنون) أو (يخادعون) (يخدعون) هي قراءات تزيد في ثراء المعنى، إذاً التسمية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الذي أريد أن أشير إليه في هذه البداية: أن سورة الفرقان: فرقت بين الحق والباطل في جميع السورة ليس فقط لوجود كلمة (الفرقان) ‏القرشيون أو المشركون يومها حاولوا قدر الإمكان أن يأتوا بشبهات، تعلّات، أباطيل، والسورة هذه تدحظها وتفندها وتبطلها، كل ما ‏أتوا بشبهة جاء القرآن ليبطلها، وأنا جمعت لك بعض الأمثلة حتى نتبين كيف جاءت تلك الشبهات ودحضتها.

من البداية بعدما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا ‏إِفْكٌ﴾ طبعاً الإشارة إلى القرآن يعني: ما هذا إلا إفكٌ بأسلوب القصر (ما هذا إلا إفكٌ افتراه وأعانه عليه قوم آخرون) الجواب: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ في نفس الآية، أحياناً يتأخر الجواب إلى الآية الثانية، وأحياناً في الآية نفسها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ‏هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ بمعنى: اختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ هذه شبهةٌ وهذا جوابها. الآية التي ‏وراءها ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ هذه شبهة أخرى بعدما قالوا: (إفك) قالوا: (أساطير الأولين) يعني مكذوبة فرد عليهم قائلاً: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي ‏يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وهذا رد على الشبهة الثانية يعني: القرآن أنزله ونزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض.‏

بعد ذلك: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يعني: أنكروا بشرية الرسل قالوا: لو كان رسولاً من عند ‏الله يتفرض أن يكون ملكاً لا يأكل ولا يشرب، وهذا ورد في سور أخرى، ولكن أريد فقط أن أربط لك بين العنوان وبين المضمون، ‏وردت فيها شبهات وأباطيل، فنّدها القرآن بطريقة عجيبة عندما قالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ‏الْأَسْوَاقِ﴾ بعد قليل ليس شرطا في نفس الآية قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ‏الْأَسْوَاقِ﴾ رد عليهم وأعطى أدلة: المرسلون لابد أن يكونوا من الناس ويمشون ويأكلون، لو كانوا ملائكة الأقوام قالوا: والله الملائكة ‏يستطيعون أن يصوموا يستطيعون، نحن لا نستطيع، فهم يتعللون فجاءت الشبهة وجاء ردها.‏

وأعطيك شيئا آخر: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾*﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني من السماء ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ ‏مِنْهَا﴾ فجاء الردّ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ خيراً مما ‏يقولون وخيراً مما يقترحون. فهي شبهات وإبطال لها وردود عليها، لكن ردود مفنّدة وردود داحضة قوية.‏

المقدم: بل استمر: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ كأنه يقول: بل قالوا أشد من ذلك

د. المستغانمي: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ وهذا إضراب انتقالي. جمعت بعض الشبهات: (وقال الذين ظلموا) ولابد ‏وأنت ستتبين معي والمشاهد مرة قال: (الذين كفروا) ومرة قال عنهم: (الذين ظلموا) ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا ‏مَسْحُورًا﴾ هذه شبهة يعني قالوا عن الرسول: أنه مسحور ليس ساحرا مسكين أصابه سحرٌ ومما جعله يختل عقلياً أو شيء من هذا النوع الله ‏سبحانه رد عليهم: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى أن يقول جل جلاله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ ‏لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ شبهة كبيرة إن أردت أن نؤمن وأن نعبد الله أولاً: نرى الله ربنا، وينزل علينا الملائكة، ‏رد عليهم الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ العتو: أشد من العلو.‏

المقدم: وهنا يكمل يقول لهم: أنهم سوف يرون الملائكة، لكن متى يرون الملائكة؟ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ ‏لِلْمُجْرِمِينَ﴾.‏

د. المستغانمي: يرونها لا على الوجه الذي طلبوه، هذه فيها نكتة رائعة سنطرحها يعني: هم طلبوا أن يروا ‏الملائكة، الملائكة سترونهم، لكن ترونهم حين يأتونكم بالعذاب، هذا يسمى تهكم بطريقة عجيبة!.‏

بعد ذلك شبهة أخرى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ هم أتوا بشبهات بأباطيل وبثوها، أنت تقول: ‏هذا كتاب من السماء، لولا نزل عليه مرة واحدة، الجواب: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أنزله منجماً مرتلاً مفرقاً حتى ‏يثبت قلب نبيه صلى الله عليه وسلم ويثبت المؤمنين معه.‏

‏﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ بمعنى: فرقناه منسقاً مرتلاً وبعض المفسرون يقولون: وأمرنا بترتيله ترتيلاً، لكن رتلناه ترتيلاً تشبه قوله تعالى تعالى في سورة ‏الإسراء: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ فهو من هذا القبيل. إذاً سورة الفرقان تفرق بين الحق والباطل، فرقت بين ‏جميع الشبهات التي ألقوها في وجه الإسلام، في وجه القرآن، في وجه محمدٍ صلى الله عليه وسلم واضح؟ وأتت بالردود فما أحراها أن ‏تسمى سورة الفرقان.‏

أما لفظ (الفرقان) ذكر في مستهلها وهي براعة استهلال عجيبة، لأننا لو ربطنا فقط لأن الفرقان ذكر فيها، لقال قائل: ولماذا لم تسم ‏سورة البقرة سورة الفرقان؟ لأنه ذكر فيها الفرقان، ولماذا لم تسم سورة آل عمران الفرقان وأنزل الفرقان؟ لا، هنا أتت بالشبهات ‏ودحضتها وأبطلتها وفنّدتها.‏

المقدم: هل تحدثت عن القرآن بخلاف الآية الأولى؟‏

د. المستغانمي: تحدثت عليه في مواطن تحدثت ماذا قال عنه الكافرون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ في ‏معرض الحديث عن الشبهات وعالجتها، وتحدثت عنه عندما الرسول صلى الله عليه وسلم اشتكى لما اتخذ قومه القرآن مهجوراً ﴿وَقَالَ ‏الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ هذا القرآن الذي سميت به سورة الفرقان اتخذوه مهجوراً متروكاً مفارقاً، ولم يتدبروا فيه، والله لو تدبروه لعلموا الحق وعلموا وحدانية ‏الله.‏

المقدم: والصياغة جميلة ما قال: (هجروا القرآن) وإنما قال: (اتخذوا القرآن مهجوراً).‏

د. المستغانمي: هذه نكتة رائعة، لأنه لو قال: ( وقال الرسول يا رب إن قومي هجروا القرآن) المعنى واضح، وإنما قال اتخذوا القرآن مهجورا يعني اتخذوا ‏منه موقف، فعل: اتخذ من خصائص السورة، (اتخذ) أيقونة لفظية في سورة الفرقان وردت كثيراً يعني حتى ‏ذلك الكافر –والعياذ بالله- ويدخل يقول: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ والله كان أبسط يقول: يا ليتني اتبعت ‏الرسول (اتخذت مع الرسول سبيلاً) ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ كان يستطيع أن يقول: ليتني لم أصطحب فلاناً، الاتخاذ هنا ‏أيقونة سأشرحها في وقتها إن شاء الله.‏

المقدم: إذاً بما أنك تحدثت فضيلة الشيخ عن الأيقونات نتحدث عن المحور العام للسورة كلنا في كل سورة نقول: بأن هذه السورة ‏محورها العام كذا وكذا وكذا، لعلي من حديثك أفهم بأن من محاورها العامة دحض الشبهات محور أساسي.‏

د. المستغانمي: دائماً الخطيب الذي يخطب خطبة له ديباجة، الكاتب الذي يكتب كتاباً عظيماً له خطبة ‏لمقدمة الكتاب، ولله المثل الأعلى -نحن لا نمثل فقط أقرب الفكرة – فعظمة سورة الفرقان كعظمة أخواتها المكيات والمدنيات مطلعها: ‏‏﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ تبارك: إنشاء الحمد والثناء على الله، ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ الحديث عن القرآن إذاً إنشاء ‏الحمد والثناء حديث عن الفرقان حديث عن الفرقان وتنويه بشأنه ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ حديث عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم ودحض ‏الشبهات ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ في القصص والإنذار، إذاً آيةٌ واحدة جمعت كل المواضيع في سورة الفرقان لا تخرج عنها.‏

فمحاور السورة ذُكرت في الآية الأولى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الآية الأولى: هي خطبة ‏الديباجة في هذه السورة العظيمة، براعة الاستهلال مركزة (تبارك): إنشاء المدح لله تبارك وتعالى، تزايد خيره تعاظم خيره، والسورة ‏الوحيدة التي وردت فيها عبارة (تبارك) ثلاث مرات: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ‏ذَلِكَ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ سور أخرى ذُكرت فيها تبارك مرة، سورة الملك ‏مثلاً.‏

المحور الثاني: نأتي إلى: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ الحديث عن الفرقان حديث عن القرآن بكونه فرقاناً يفرق بين الحق والباطل، ممكن ‏أن نتحدث عن القرآن بكونه أبلغ كتاب، ممكن أن تتحدث عن القرآن بكونه أفضل إيقاع صوتي وفواصل، ممكن القرآن شفاء، لكن هو يتحدث عن القرآن بكونه فرقاناً يفرق بين الشبهات ويدحضها، هذا المحور الثاني.‏

المحور الثالث: أنزله على عبده، وهي أعظم مرتبة يصلها الإنسان وهو بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم أرادوا أن يبطلوا كل ‏الإسلام وقالوا: هذا بشر والله لو جاءنا ملك لاتبعناه: لولا أنزل إليه ملك، لولا، لولا، حاولوا أن يلصقوا تهمة البشرية بأنها تعارض ‏الرسالة فجاء القرآن وأثبتها من البداية (عبده) لا تتوقعوا أن أنزل عليكم ملكاً ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ‏لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾.‏

المحور الرابع: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أنت في البداية قلت لي: لم يقل: (بشيراً) السورة كلها إنذار شديد اللهجة للمشركين ما فيها ‏تبشير فيها ربما بشرى أو اثنين، ولكن يغلب عليها طابع الإنذار والنذارة من البداية إلى النهاية، حتى عندما جاء القصص القرآني وأنت ‏تذكر لما تحدثنا في سورة الأنبياء وسورة المؤمنين القصص يؤتى به ليخدم الموضوع، موضوع السورة النذارة، وما معنى النذارة؟ الإخبار ‏بعاقبة سيئة، وردت فيها قصة موسى ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ * ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ ‏كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ هذه قصة موسى، وردت في الأعراف في إحدى عشر صفحة أو عشر صفحات، ووردت في سورة ‏الفرقان في آيتين: (اذهبا إلى فرعون) كذب فرعون ومن معه فدمرناهم تدميراً.‏

المقدم: وهو يتناسب مع الإنذار.

د. المستغانمي: نعم هذا الذي نريد أن يقف عليه المشاهد الكريم: نوح بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وردت في سورة ‏هود، ووردت في سورة نوح، ووردت مفصلة في مواضع وهنا قال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً﴾ ‏آية واحدة للإنذار.

لذلك المحاور هي:

  • الثناء على الله، والحديث عن وحدانيته،
  • وثناء على القرآن والتنويه بكونه فرقاناً،
  • الثناء على عبده ‏وتأكيد بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم،
  • الحديث عن النذارة والإنذار.‏

المقدم: هذه المحاور الأربعة هل مقسمة موزعة في السورة بشكل  واضح جلي؟‏

د. المستغانمي: بارك الله فيك على هذا السؤال: نعم نحن قلنا مراراً:لكل سورة ثوب، وتحدثنا في سورة النور –لعلك تذكر- كيف ‏قسمتها الآيات البينات: (إن في ذلك لآيات بينات مبينات) قسمها الله، وسورة الرحمن: (فبأي آلا ربكما تكذبان).‏ وهنا قسمها الباري جل جلاله بكلمات ثلاث: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ تحدث فيها عن القرآن وعن التوحيد، بعد ذلك: (تبارك ‏الذي نزل الفرقان على عبده) بعد ذلك تحدث عن الشبهات التي ذكرت لك بعضاً منها، في وسط الشبهات جاءت تبارك الأيقونة ‏اللفظية تقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ في الشبهات ‏أجاب عن شبهة واستعمل لفظ تبارك، في آخر السورة لما تكلم عن وحدانية الله تعالى والأدلة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ‏الظِّلَّ﴾،  ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ وهو وهو، تعريف بالخالق، قال ‏‏﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ إذاً نجد كلمة تبارك أيقونة تفصل، وهذه الفكرة هي طريقة اتبعتها في تحليل كثير من السور ‏المفسر الوحيد الشيخ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير هو قرب إليها وذكرها يقول: وهذه الدعامات الثلاث وذكر كيف أن كلمة ‏تبارك (فصل) لكن لم يفصل على الطريقة التي نتناول بها.‏

المقدم: هل هناك بعض الألفاظ الخاصة التي وردت كثيراً في السورة؟

د. المستغانمي: نعم لكل سورة ثوب وخصائص وأيقونات تتكرر، لبنات لفظية يعني تُظهر ثوبها عن غيرها. من بين ما تتميز به سورة ‏الفرقان مثلاً: المركّب الوصفي: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هذه الكلمة العربي يقولها عندما يرى يتخيل وادياً فيه جنّ يقول: ﴿حِجْرًا ‏مَحْجُورًا﴾ أي: منعاً مانعاً ساتراً يتعوذ العربي بها إذا نزلت به نازلة يقول: حجراً محجوراً من هذا العدو، فاستعملها عندما يرون ‏الملائكة لا بشرى يومئذٍ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً، اللهم إنا نعوذ بك اجعل بيننا وبين هذه حجراً حجاباً ساتراً مانعاً، حجراً ‏يعني: سترًا يمنعنا منها، والعربي كان يتعوذ بالكلمة، والحجر في اللغة كما سنصل: هو المنع، وسمي العقل حِجراً لأنه يمنع صاحبه مما لا يليق: ‏‏﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ وسمي حِجر إسماعيل؛ لأنه يمنع فيه الطواف، لابد أن نطوف خارج حجر إسماعيل، أنا أعطيك ‏المفردة. إذاً استعملها المشركون لما رأوا العذاب، لما تحدث عن البرزخ بين البحرين قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ‏وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ولم ترد في القرآن كله إلا هنا، هذا من أيقوناتها. في سورة الرحمن ‏مثلاً قال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾*﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ برزخ لا يوجد حجر محجور، هنا سورة الفرقان المشركون الظالمون ‏استنجدوا ولاذوا بكلمة حجراً محجوراً بمعنى: اجعل بيننا برزخاً ومانعاً وساتراً، ولما جاء الحديث عن البرزخ قال: ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا ‏مَحْجُورًا﴾ هذا من التجاذب اللفظي من خصائصها.‏

سؤالي المطروح: لماذا كلمة حجراً محجوراً الوصف والموصوف فقط في هذه السورة جاء هكذا؟ لأن هذا من التجاذب يختار البيان القرآني من ‏الألفاظ ما يتناسق مع السورة وثوبها.‏

أيضاً من الأيقونات التي تستوقفنا في السورة وسوف نراها بعض المصادر على وزن (فعول) هذه قليلة الاستعمال لا أقول لم تستعمل، ‏أنا أقول: قليلة نادرة مثلاً كلمة (ثبور) على وزن (فعول) عندما قالوا: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾*﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ‏ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ الثبور الهلاك، انظر كلمة (ثبور) ثلاث مرات في آية، هذه قليلة الاستعمال.‏

لو جئنا إلى كلمة (العتو) ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ فعولاً، وكذلك (نفوراً) ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.‏

عندما نجد ثبوراً، ونشوراً: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا ‏نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النشور (فعول) أولاً: الإيقاع الصوتي، ولأن ثمة حضور واضح لصيغة فعول، نشوراً كفوراً، شكوراً، واضح الكلام؟ ‏فمن الأيقونات المستعملة فيها هذه.‏

أيضاً نجد فيها المفعول المطلق على وزن تفعيل، وهذا من خصوصياتها، أنا فتشت في القرآن كله لا يعني كلامي حتى ‏لا يفهم المشاهد أن هذه اللفظة أو تلك لم ترد ممكن وردت في سورة أخرى، لكن هنا مضطردة عندما نجد تقديراً وتنزيلاً، نزلناه ‏تنزيلاً، قدرناه تقديراً، رتلناه ترتيلاً، وقدره تقديراً نزل تنزيلاً، رتلناه ترتيلاً، دمرناهم تدميراً، تبرناهم تتبيراً بمعنى: الهلاك شيء ‏مطّرد.‏ اذهب إلى سورة النور التي انتهينا منها في الأسبوع الماضي لا نجدها، فهي من أيقوناتها اللفظية.‏

أيضاً حديث عن الحشر بطريقة تهز النفوس:  ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى أن يقول: ﴿وَكَانَ ‏يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ اذكروا هذا اليوم واجعلوه في بؤرة شعوركم كأنه يقول هكذا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ بعد ‏ذلك يقول: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ لم يقل: لا يبشر المجرمون: (لا بشرى) نفي الجنس هذه عظيمة.‏

‏﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يا ويلك أيها الكافر أيها المشرك من هذا اليوم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ وفي النهاية يقول: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ هذه من الألفاظ التي تكررت.‏

وعندما قلت لك في بداية السورة: تبارك الذي أنشأ الثناء على ذاته العلية أيضاً نجد أدلة الوحدانية، وتكررت عندما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ ‏إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ ‏الْبَحْرَيْنِ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ هو الذي هو الذي كأن الآية تعرّف ألا تعرفون الله؟ هم قالوا: من ‏الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا، فهذا هو تعريف الله.‏

إذاً محورها العظيم: رد الشبهات، وثمة مواضيع جاءت في أول آية وجاء التفصيل في السورة.‏

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ تحدثنا حول هذه الآية إلى أن يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هنا (الذي) بدل من الأولى: ﴿الَّذِي ‏لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ المفعول المطلق موجود ‏هنا.‏

د. المستغانمي: هذه الآية في الحقيقة: بدأت بالجزء الأول من الآية: ألم نقل: (تبارك الذي) من هو؟ الله (الذي) الثانية هي بدل من ‏الأولى، وممكن أن تكون مبتدأ هو الذي، وأحد المفسرين قال: (ممكن أعني الذي) مفعول به لفعل محذوف.‏ ‏(الذي) بدل من الأولى هو واحد.‏

المقدم: يمكن لأن الذي اسم موصول فبالتالي الحركة فيه لا تظهر، مقدرة، فجعلهم يقدرونها.‏

د. المستغانمي: إذاً الذي له ملك السماوات من هو؟ الله، من الذي نزل الفرقان؟  هو يقرب لك المعنى: الذي له ملك السماوات والأرض.‏ هل أحد في الخلق ادعى أنه يملك السماوات والأرض، هل ثمة دولة تدعي من في السماوات والأرض؟ لا يوجد الذي أنا أعرفكم كأنه ‏يقول: أعرفكم بمن هو الله الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً للأسف هناك من قال: ولد ولداً، وهناك من قال ولد ‏ولداً، وهناك من قال: (اتخذ ولداً) جاءت الآية الثانية تنزه الله عن الولد وعن الشريك: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ممكن واحد ‏يقول: (له ملك السماوات والأرض) لكن له شريك، وهكذا كانت قريش: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ ‏الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ لكن لماذا تعبدون الأصنام؟ ليقربونا إلى الله زلفى، يعني هم ما أنكروا أنه خلق السماوات وأنهم لهم قصة أنكروا جعلوا معه شريكاً، ‏وهناك من قال الملائكة بنات الله جعلوا له ولداً، مثل النصارى عندما يدعون أن عيسى ابن الله. إذاً الآية الثانية توحد الله وأثبتت له ‏ما يليق بجلاله من صفات:‏

أولاً: له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولداً، ولم يكن شريكٌ في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، من الذي خلق هذا ‏الكون؟ الله سبحانه وتعالى وخلقه بمقدار دقيق كل شيء عنده بقدر، وبمقدار آيتان: في سورة الرعد: (بمقدار) وفي القمر: (بقدر) ‏للتناسق اللفظي.‏

المقدم: الله سبحانه وتعالى يذكر كثيراً في القرآن دائماً يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ ‏وَالْأَرْضِ﴾ مع أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء وله ملك كل شيء، فلماذا دائماً يذكر باطراد ملك السماوات والأرض، ‏ويذكر خلق السماوات والأرض؟

د. المستغانمي: لما يقول: السماوات هي كل الكون، يعني هذا الأرض التي نعيش فوقها هي نقطة في هذا الكون، نحن نتبع المجموعة ‏الشمسية إحدى عشر كوكب أو تسعة على ما اكتشف، المجموعة الشمسية ولا شيء في مجرة درب التبانة على طولها مائة ألف سنة ضوئية ‏كما يقول الفيزيائيون أهل الفلك شيء بسيط من الحائط العظيم حائط المجرات.‏

المقدم: تقصد أن الوجود كله محويٌ في السماوات والأرض؟.‏

د. المستغانمي: لكن خلق السماوات الآن كل الأبحاث العلمية الدقيقة أنفقوا الملايير وصلوا إلى القمر، وما زالت الأبحاث حول ‏المريخ لم يصلوا إليه هذه في مجموعتنا، أين نحن من ملك السماوات ومن علم السماوات؟ الله سبحانه وتعالى ماذا قال؟ ﴿يَعْلَمُونَ ‏ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ليس الظاهر، (ظاهراً) نكرة جزء من الظاهر، والباطن أين نحن منه؟ لذلك يقول الله: (له الملك) هذه كلمة لا ‏يقولها إلا إله، لذلك وأنا أقرأ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ ‏لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ يعني: أيّ كاتب أيّ عالم أيّ دكتور يكتب يقول: وأعتذر وإن كان ثمة خطأ، هذا كلام الله يقول محمد كبشر لا ‏يستطيع أن يقول: (لئن اجتمعت الجن والإنس) الإنس ملايين ما يستطيعوا، لأنه كلام إله.‏

فالآية الأولى فيها أربع مسلمات، أو أربع قضايا: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ المشركون كانوا ‏يعترفون: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ‏﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ القضية الأولى والرابعة مسلمة، لكن القضية الثانية والثالثة فيها شكوك عندهم، ماذا فعل الله جل جلاله؟ أتى بالمسَلَّمة الأولى: ﴿لَهُ ‏مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأتى بالمسلّمة الأخيرة: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ثم أتى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ‏شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾.‏

المسلَّمة الأولى والأخيرة تدل على المسلمتين في الوسط، فإن كنتم توقنون أن الله خلق وأن الله يملك السماوات مالك السماوات لا ‏يحتاج إلى ولد وإلى شريك ما أغناه عن الشركاء، فهذه تثبت صفات الواحدانية وتثبت هذه الصفات التي يتصف بها الله.‏

المقدم: الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾*﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ ‏وَالْأَرْضِ﴾ في سورة تبارك يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هنا (الذي له ملك السماوات والأرض) ‏يعني: معرفة بالإضافة، لكن هناك بـ(أل) للتعريف.‏

د. المستغانمي: الملك المعروف يعني كل الملك الذي ورد ذكره في جميع السور وفي سورة الفرقان: (تبارك الذي بيده الملك) ‏بشكل عام، وعلى كل حال: أنا أعددت لك شيئاً في الحلقات القادمة إن شاء الله سأذكره لك ببعض من الإعجاز الذي يتميز به هذا ‏الكتاب ولا تنتهي غرائبه.‏