لمسات بيانية - حلقات

لمسات بيانية – أسرار التكرار في سورة النساء-2

اسلاميات

الحلقة 2

أسرار التكرار في القرآن الكريم في سورة النساء

د. جمال السيد

سؤال: قال تعالى في سورة النساء (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)) وقال تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (116)) باختلاف الفاصلة بين الآيتين فلماذا اختلفت النهاية في الآيتين؟

نظراً لاختلاف الموقف في المرتين، فالآية الأولى تتحدث بعد ذكر تبديل وتحريف أهل الكتاب الذين آتاهم الله الكتاب، ذكرت اليهود وأن الله أعطاهم التوراة وعرّفهم وعلّمهم ثم بعد ذلك بدّلوا وحرّفوا فناسب ذلك الختام الأول في الآية الأولى (وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا). الله بيّن أنهم افتروا وافرتاؤهم هذا كبير وعظيم كان عندهم كتاب فأشركوا بالله وبدّلوا. أما الآية الثانية فتتحدث عن قوم لم يكن عندهم كتاب سابق فلم يبدلوا ولم يحرّفوا لأنه لم يكن عندهم أصلاً كتاب سابق فناسبهم (وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا) والضلال بعيد وشديد وشرّهم أيضاً كبير. هو الضلال بعد عن الحق، هؤلاء ابتعدوا عن الحق أما الأولون فقد اخترعوا عبادة من عندهم، اخترعوا شركاً من عندهم مع أنهم يعرفون الحق فالمفتري رجل يعرف ويبدّل أما الضالّ فهو رجل لا يعرف ويرفض أن يتبع الحق فالمفتري عن علم والضالّ عن جهل وربما يكون عن علم (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ (23) الجاثية) لكن ابتعد عن الطريق الصحيح، الضلال في الآية يبين أن هؤلاء لم يكن لهم كتاب سابق فناسبهم كلمة الضلال، وفي سورة الفاتحة (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)).

سؤال: نداء أهل الكتاب في القرآن يأتي مرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ (47) النساء) وفي غيرما موضع (قل يا أهل الكتاب) فما سر هاتين الصيغتين؟ وما اللمسة البيانية فيهما؟ ومن هم أهل الكتاب؟

أهل الكتاب هم كل من آتاهم الله كتاباً، أرسل الله إليهم رسولاً وأنزل عليهم كتاباً كاليهود والنصارى أنزل الله أنبياء كثيرين أنزل موسى وعيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام فمن اتبع هذين النبيين فقد اتبع التوراة والإنجيل حتى لما حرّفوا ذكرهم الله تعالى بأنهم أهل كتاب. الله تعالى يقول في آية النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) وذكر الله (يا أهل الكتاب) اثنتي عشرة مرة في القرآن بينما في هذه المرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) يمكن أن نلحظ هنا شيئين: الأول أن الله تعالى أراد أن يعظهم وأن يذكرهم بأنه أعطاهم الكتاب وبأنه أنزل إليهم الكتاب فعليهم أن يعملوا بما فيه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) ذكّرهم بما أعطاهم كتاباً فعليهم أن يفكروا وينفذوا ما فيه، هذا مقام استدعى دعوتهم إلى الإيمان. هنام بعض المفسرين يقولون وقد ذكر الكرماني الرأي الثاني أن هذا الموقف استخفاف بهم فلم يقل (يا أهل الكتاب) وإنما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) كأن هنا استخفافاً بهم وتجاهلاً لهم. هناك من يقول أن الله أراد أن يعظهم فذكّرهم بالكتاب وأنهم أوتوا الكتاب وعليهم أن يعملوا بما فيه وأنا شخصياً أميل إلى الرأي الأول أنه للوعظ والإرشاد والله يذكرهم بدليل أن الله يدعوهم إلى الإيمان بعد ذلك كما قال ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير “لا يدع القرآن فرصة للوعظ والإرشاد إلا استغلها” فالقرآن هنا استغلّ الموقف ليعظهم ويدعوهم إلى الإسلام وإلى الإيمان وإلى العودة إلى الحق.

سؤال: قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) النساء) وقال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) المائدة)؟

الآية الأولى تتحدث عن تحاكُم يهودي ومنافق فاختصم كل منهما فقال اليهويد نختصم إلى أبي القاسم قال اليهودي نختصم إلى كعب بن الأشرف فالآية نزلت لتذم هذا المنافق الذي يدّعي أنه مسلم بلسانه ولكنه يرفض حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فهنا تحاكم والتحاكم يستلزم وجود حَكَم ولذلك الآية الأولى ذكرت (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) النساء) (إلى ما أنزل الله) لنعرف ما بيّن من حلال وحرام ومن صواب وخطأ و (إلى الرسول) ليحكم بيننا. صدّ عن الرسول لأنه يعرف أن الرسول لا يأخذ رشوة ولا يأخذ عطية ولا يحابي أحداً فتخوّف لأنه يعرف أنه على غير الحق لذا أراد أن يحتكم إلى كعب بن الأشرف لعله يميل إليه لسبب أو لآخر وكراهية للرسول صلى الله عليه وسلم وللحق الذي جاء به أيضاً.

سؤال: قال تعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (87) النساء) وقال أيضاً (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً (122) النساء) فلماذا تختلف النهايات؟ وما الفرق بين القول والحديث؟

كل ختام يناسب ما قبله. الله سبحانه وتعالى تحدث عما سيكون أنه سيجمع الناس يوم القيامة وأنه سيجمعهم في يوم لا ريب فيه وأن الله بيّن لهم أن هذا كائن لا محالة ولذلك ختمت الآية (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (87)) فهذا حديث، إخبار ناسبه كلمة حديث، فكلمة (حَدِيثًا) هنا تناسب الإخبار فهذا حديث حدّثنا الله الناس به فختمت الآية به. أما الآية الثانية فهي وعد من الله عز وجل لعباده بأنه سيرحمهم ويعطيهم ويثيبهم ويدخلهم الجنة وأنه سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يقول “ومن أصدق من الله وعداً” لأنها سُبقت بوعد فكان من الممكن أن تنتهي الآية بـ”ومن أصدق من الله وعدا” لكن نرجع إلى مسألة الفواصل فالفواصل في سورة النساء تنتهي بألف مد في الآيات هنا وقبله (حديثا) يعني ألف وقبله ياء فلو جاءت (وعدا) أو (قولا) تكون ألفاً وحدها فصارت مختلفة عن فواصل الآيات التي تحيط بها ولذلك عُدِل عن استخدام كلمة وعدا إلى استخدام كلمة (قيلا) والقيل القول والوعد، الوعد قول (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً) كأنها ” ومن أصدق من الله وعداً” فراعت الآية الفواصل فأتت بقوله تعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً). بالنسبة لهذه الآية القول فيه وعد، فيه تضمين بالنسبة لهذا الكلام الله وعدهم، كلّمهم. اللغة تفرّق بين الحديث والقول أقول حدّثت فلاناً أي كان كلامي معه وجهاً لوجه، مشافهة، حدثته يعني كان هناك اتصال بيني وبينه أما قلت فقد يكون فلاناً سمعني وقد لا يكون قد سمعني ولا يُشترط أن يجيب عليّ أما حدّثته فتستدعي متكلماً، تستدعي سامعاً، تستدعي حواراً، تستدعي مشاركاً، تستدعي نتيجة، مفاعلة يعني قلت قولاً ونجد في القرآن الكريم الفعل (قال) هو الأكثر (قل هو الله أحد) (قل أعوذ برب الفلق) (قال الله) (وإذا قيل لهم) (فقلت) بجميع صيغه بالثلاثي والمصدر وإسم الفاعل (القائلين). فالله سبحانه وتعالى راعى الفواصل هنا ولما راعى الفةواصل هنا فجاءت كلمة قيلا مكان كلمة وعداً لأنها أنسب.

سؤال: في قوله تبارك وتعالى (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (91) النساء) ومرة يقول (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا (89) النساء)، ما الفرق بين الآيتين؟

هو أخذٌ وقتلٌ في المرتين ولكن المأمور بأخذهم وقتلهم في المرة الأولى يختلفون عن المأمور بقتلهم في المرة الثانية. في المرة الأولى تتحدث الآية عن أناس يدعون أنهم آمنوا وأسلموا ولكنهم لم يؤمنوا ولم يسلموا لحظة ولا طرفة عين فالله سبحانه وتعالى يبين للمؤمنين بأن عليهم أن يواجهوهم إذا لم يؤمنوا فإن على المسلمين طالما أن هؤلاء لن يؤمنوا ولن يواجهوا في سبيل الله طالما أنهم معتدون يحاربون المسلمين محاربة دائمة فالله يقول لهم (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ) حيث وجدتموهم في الحِلّ والحرم، حيث وجدتموهم في أي مكان معناه أن المؤمنين قادرون على أخذهم والآية أتاحت لهم أن يقتلوهم في أي مكان، في الحِلَ والحرم، هذا معنى وجدتموهم. أما الآية الثانية فتتحدث عن قوم كانوا يأتون إلى المدينة فإذا دخلوا المدينة أعلنوا إسلامهم ليأمنوا المسلمين وإذا رجعوا إلى مكة خافوا من أهل مكة فيرجعون إلى الكفر (يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ (91) النساء) هذه صفة المنافقين، هؤلاء كانوا يظهرون الإيمان في المدينة ثم إذا عادوا إلى مكة يعودوا للكفر مرة أخرى وحجتهم أنهم كانوا يريدون أن يأمنوا قوة المسلمين وبطشهم في المدينة ويريدون أن يأمنوا قوة المشركين وبطشهم في مكة فتكون النتيجة أنهم كلما ردوا إلى الفتنة تجدهم دائماً كافرين فالله يقول لهم (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ) أي حيث تمكنتم منهم، ثقِفَ الرجلُ الرجلَ يعني تمكن منه وليس مجرد الإيجاد فقط لأنهم قد لا يجدونهم وقد يجدونهم ولا يتمكنوا منهم، هم يأتون إلى المدينة ثم يغادرون المدينة ويعودون إلى مكة وهؤلاء قد يهربون ولا يستطيع المسلمون أن يتمكنوا منهم فهم ليسوا مستوطنين المدينة فجاءت كلمة (حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ) لتناسب الوضع الذي فيه المؤمنون بالنسبة لهؤلاء الكفار فهم لا يقدرون على أن يجدوهم في كل وقت ولو قال القرآن لهم “حيث وجدتموهم” يعني هذا أن المسلمين سوف يفتشوا عنهم في مكة أو في الجزيرة وهذا أمر صعب جداً على المسلمين في ذلك الوقت فجاءت كلمة (حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ) أي حيث تمكنتم منهم.

سؤال: قوله تبارك وتعالى (فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) (96 دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) النساء) درجة جاءت مفردة وجاءت جمعاً فما اللمسة البيانية؟

فيها احتمالات: الله سبحانه وتعالى أراد أن يبين منزلة المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ويبين أنهم أفضل ممن لم يجاهدوا واستثنى الله الذين عندهم أعذار فبيّن أن عليهم التفوق فقال أنهم يزيدون درجة (فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) هؤلاء المجاهدين في سبيل الله وهؤلاء القاعدون أيضاً مؤمنين ولكن حبسهم العذر هؤلاء أفضل من الذين لم يجاهدوا. القاعدون هم الذين لم يذهبوا للقتال، هناك قاعدون بعذر وقاعدون بغير عذر، القاعد بعذر هذا له نفس أجر من خرج لو كان يريد أن يجاهد ومنعه العذر كفقر أو عجز أو رعاية الوالدين هذا له ثواب والجهاد هنا فرض كفاية. أما الحديث الشريف ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم) قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر)، الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري- المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 4423، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]” يعني هم معكم عندما تسيرون مسيرا لكنهم معذورون لكن منعهم عذر ظاهر فلهم الثواب ولهذا قال تعالى (وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى (95) النساء) حتى لا يظن واحد أن هذا المؤمن الذي قعد مغضوب عليه أو مرفوض. القاعد بدون عذر هذا لو كان الجهاد فرض عين فقد أثِم ويكون مخطئاً والآية هنا لا تتحدث عنه وإنما تتحدث عن الذي قعد بعذر. فالله تعالى فضّل المجاهدين على غير المجاهدين درجة، فلماذا قالت الآية التي تليها (درجات) بعد أن قال (درجة)؟ مع أن الكلام على نفس الموقف، هذا استدعى بعض العلماء أن يقولوا أن الأولى تخص قوماً والثانية تخص قوماً. بعض المفسرين يقولون أن الدرجة الأولى تخص الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وتخص من لم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ولكن لهم عذر قالوا هؤلاء أفضل من هؤلاء بدرجة. أما الثانية (درجات) فهي تخص من جاهد بماله وبنفسه فهو أفضل ممن لم يجاهد ولم يكن له عذر أفضل منه بدرجات هذا رأي. ولكن لأبي السعود رأي جميل هنا وأنا أرى أنه صواب يقول “لعل هذا يقودنا إلى أن نفكر بهذا الأمر، لعل الله عز وجل أراد أن يوضح بطريقتين بطريقة الإبهام ثم بطريقة الإيضاح فالله أبهم الأمر عندما قال درجة ثم بيّن أنه جعل لكلا الفريقين الحسنى (وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى) ثم عاد إلى إظهار فضل هؤلاء المجاهدين فقال (دَرَجَاتٍ مِّنْهُ)” يعني هنا إيضاح لهذا التفضيل ويعطي مثالاً لذلك (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) هود) فقول الله (وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) هو نفس (نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ) وجاء بينهما (بِرَحْمَةٍ مِّنَّا) أبهم الله في البداية أنه نجاهم ثم وضّح مما نجاهم (مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ). فيقول: فالآية في الأولى أبهمت الأجر بيّنت أنه قد فضلهم ثم عادت إلى توضيح هذا الفضل وحجمه وعِظَم هذا الفضل فقالت أنه عبارة عن درجات كثيرة وأن الله قد أعد للمجاهدين مائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السموات والأرض. قول آخر يقول أن الدرجة الأولى تدل على الأفضلية في الدنيا ولكن هذا الأجر في الدنيا لا يناسب الفضل في الآخرة فجاءت الآية الثانية لتوضح أن الأجر في الآخرة درجات وليست درجة واحدة، فقالوا درجة الأولى للدنيا ودرجات للآخرة لأنه جاء بعدها أيضاً (وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً)، هذا ما شجع هذا الفريق أن يقول أن درجات تخص الآخرة. والرأي الثاني قاله الكرماني تقول أنه ربما يكون درجة الأولى بمعنى المنزِل (قال الكرماني في نسخة “لعلها منزل” وفي طبعة أخرى قال “لعلها منزلة”) إذا افترضنا أنها منزلة بمعنى الرتبة فهو يقصد هذا في الأولى، يقول ربما تكون الأولى أي درجة تعني المنزلة يعني إن منزلتهم عالية أن كلمة درجة من ضمن معانيها اللغوية منزلة. وقال جاءت درجات بالجمع لتدل على المنازل بمعناها في الجنة، تقول فلان ارتفعت درجته عندي يعني ارتفعت منزلته وللمجاهد في الجنة درجات يعني طبقات بعضها فوق بعض فيقول درجات الثانية تدل على تعدد المنازل في الجنة للمجاهدين وفي الحديث ” من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها). قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 7423، خلاصة حكم المحدث: [صحيح] ” فهو أراد أن يقول أن الأولى بمعنى والثانية بمعنى، يعني ربنا فضل المجاهدين على القاعدين درجة أي منزلة إضافة إلى أن لهم درجات في الجنة أي منازل. وأنا شخصياً أميل إلى رأي أبو السعود أن الله عز وجلّ بيّن جزاءهم في البداية مبهماً ثم بعد ذلك وضّحه فبيّن أن أجرهم عظيم وأن لهم درجات كبيرة وأنهم يصلون إلى المرتبة الأحسن. إذن هناك ثلاثة آراء: رأي يقول إن درجة في الدنيا ودرجات في الآخرة، ورأي آخر يقول للفرق بين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم وبين القاعدين حتى ولو بعذر فهم أحسن من القاعدين ولو كانوا بعذر بدرجة وأن الدرجات للفرق بين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم وبين القاعدين بدون عذر ولكن هذا الرأي مرجوح لكن الحديث الذي ذكرناه في البداية أن المؤمن إذا حبسه عذر فكأنه مجاهد. الرأي الثالث يقول إن درجة الأولى بمعنى الرتبة والمنزلة فتعني أنهم تفوقوا ولهم رتبة ومكانة بينما درجات تعني منازل والمنازل متعددة الدرجات.

سؤال: يقول تعالى مرة (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (115) النساء) ومرة يقول (وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) الأنفال) ومرة (وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) الحشر) فما الفرق؟

هناك تفسيرات. أولاً قال سبحانه وتعالى مرة (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) ومرة قال (وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ) ومرة ثالثة قال (وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ) هذه في سورة الحشر. لو نظرنا إلى ما تقوله اللغة يقولون إن فكّ الإدغام هو الأصل وأن الإدغام هو الفرع. فك الإدغام جاء على الأصل في قوله تعالى (وَمَن يُشَاقِقِ) هذا قاله ابن الزبير الغرناطي وقاله كذلك الكرماني. (ومن يشاق الله) قالوا جاءت مدغمة وأرادوا أن يبينوا السبب. شقّ الثلاثي يأتي منها الرباعي شاقق (فاعَل) فهو مضاعف ثلاثي شقّ ثم زيد عليه حرف وهو ألف المفاعلة فصار شاقق والمضارع يشاقق بفك الإدغام وبدون فكّ الإدغام يشاقّ. هنا للكرماني رأي جميل: يقول الأصل فك الإدغام إذن لا نقول لماذا فك الإدغام لأنه جاء على الأصل. ويقول يشاقّ الله جاءت في سورة الحشر لأنه قد سبقها قول الله عز وجل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فجاءت يشاقّ مدغمة مناسبة لما قبلها (شاقوا) التي هي مدغمة ولم يُعرف أنها تدغم في موقف لم تأت شاقق بالرباعي. هناك مضارع يشاقق وورد مرتين في القرآن. فجاءت في المضارع مدغمة لتناسب الموقف. وقالوا هناك سبب آخر (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) قالوا الألف واللام في كلمة الرسول غير لازمتين بينما الألف واللام في كلمة لفظ الجلالة (الله) لازمتين وما دامت الألف واللام في كلمة (الرسول) غير لازمتين يعني كلمة الرسول تأتي نكرة وتأتي معرفة بينما كلمة (الله) لا تأتي إلا معرفة بالألف واللام فقال كلمة الرسول بالألف واللام الحركة هنا حركة القاف صارت مكسورة فصارت لازمة، صارت القاف لازمة والألف واللام غير لازمتين فكان فك الإدغام أحسن، هذا كلام الكرماني. أما (وَمَن يُشَاقِّ اللَّه) فالألف واللام لازمتين في لفظ الجلالة (الله) في سورة الحشر فبالتالي جاء الإدغام مناسباً لهذا الأمر. واستشهد بشيء: يقول تقول للرجل إُردد ولا تقول لاثنين ارددا وإنما رُدّا لأن الدال قد تحركت بحركة لازمة لا تُنطق هنا إلا مفتوحة (أُردُدَا)، (يشاقق) حقها الكسر وجاء بعدها حرف مكسور فجاء بعدها حرف ساكن فكسرت القاف لمنع التقاء الساكنين (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) لا يجوز التقاء الساكنين فبناءً عليه كُسرت القاف في كلمة (يشاقق). أما الألف واللام في كلمة لفظ الجلالة (الله) لازمتين لا بد أن تكون موجودتين في لفظ الجلالة فجاءت (يشاقّ الله) تراعي هذا الأمر. وأيضاً (شاقّوا) قبلها (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) الحشر) يشاقّ جاءت مدغمة لتراعي (شاقوا) التي كانت في الماضي قبلها.

هناك لفتة أخرى (وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ) قالوا لما عُطف الرسول على لفظ الجلالة صار هنا عطف فصار هنا اثنان فجاءت (يشاقق) قد فُكّ إدغامها بقافين لتناسب المعطوفين.

سؤال: في قوله تبارك وتعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) النساء) وفي قوله تبارك وتعالى (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129) النساء) لماذا تحسنوا وتتقوا في الأولى وفي الثانية تصلحوا وتتقوا؟

ننظر إلى الموقفين: الآية الأولى يتحدث الله سبحانه وتعالى عن رجل وامرأة المرأة تخاف من زوجها نشوزاً تخاف أن يتعالى عليها أو أن يعرض عنها فالأمر ما زال خوفاً فتلجأ هذه المرأة إلى شيء تتنازل عن شيء من حقها فكأنها تتنازل عنه إما بالخلع تطلب الطلاق فهذا قد يغيظه ويغضبه وبالتالي فإنه قد يظلمها أو يتشدد معها فدعا الله إلى الإحسان (وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ) والله رضي هذا الصلح وهذا من قبيل الصلح والمرأة من حقها أن تتنازل (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) والله يعلم أن المرأة قد يكون عندها شيء من الشحّ، من البخل الشديد تبخل بما عندها. (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) الأنفس هنا مجبولة على حُبَ ما تملِك فالإنسان عندما يتنازل عما يملك يكون شحيحاً والشحّ شدة البخل فلا يريد أن يتنازل ويكون متمسكاً بالشيء إلى آخر رمق فالله يبيّن هنا للرجل والمرأة، يبين هنا للمرأة أن لا تكون شحيحة في هذا الموقف فعليها أن تتنازل بدلاً من الطلاق وبدلاً من إنهاء الأُسرة فالله هنا دعا في هذه السورة إلى الوفاق وإلى الصلح وإلى حسن التعامل وحسن المودة. في سورة النساء مع أنها تهتم بالنساء نلاحظ أنها لم تتحدث عن الطلاق ولما أشارت إلى الطلاق في الآية (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ (130) النساء) لم تقل الطلاق باللفظ وإنما قالت (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ) هذه هي الإشارة الوحيدة للطلاق. نعود إلى الآية فالله أباح للمرأة أن تتنازل عن شيء من ممتلكاتها أو شيء من نصيبها كأن تقول له كما قالت السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم لا تطلقني وإنما وهبت يومي للسيدة عائشة فأبقاها الرسول صلى الله عليه وسلم معه وكان لا يقسم لها وجعله يومها للسيدة عائشة رضي الله عن أمهات المؤمنين. تقول المرأة لزوجها أبقيني زوجة لك وأتنازل عن نفقاتي مثلاً أتنازل لك عن حقي، أتنازل لك عن ليلتي إن كان له أكثر من زوجة، أتنازل لك عن بعض حقوقي فالله دعا هنا إلى الإحسان.

في الاية الثانية (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129) النساء) هنا الآية تتحدث عن موقف خلاف يتحدث عن الظلم، الآية الأولى تخاف أن يعرض عنها زوجها أو يتعالى عليها وفي هذه الآية الزوج عنده أكثر من زوجة ولكن قلبه يميل إلى واحدة وضد واحدة فقلبه قد يتسبب في انه يجعل الثانية كالمعلّقة لا هي زوجة ولا هي مطلّقة فهنا ظُلم فأمر الله تعالى بالإصلاح ورفع الظلم فناسب قوله (وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ).

اختلاف نهايات الآيتين: الله سبحانه وتعالى يجعل ختام كل آية مناسباً للآية. الله سبحانه وتعالى بيّن في الآية الأولى للرجل والمرأة بأنه خبير بما يفعلون إن كانت هي تريد التنازل بالحق وإن كان هو يريد أن يستنزف أموالها أو أن يعرض عنها فالله يحذِّر الطرفين فيبيّن لهما أنه خبير بأفعالهم وأنه عليم بأقوالهم أنه عليم حججهم فيحذّرهم حتى يحرص كل منهما على الإحسان ويحرص كل منهما على التقوى. أما الثانية فالله يعلم أن الرجل قد يستطيع أن يعدل في قسمته من الناحية المادية فيبيت عند هذه يوماً وعند هذه يوماً يشتري لهذه بيتاً ولهذه بيتاً، يشتري لهذه طعاماً ويشتري للثانية طعاماً، يعطي لهذه نفقة ويعطي للثانية نفس النفقة ولكن قلبه إلى واحدة دون الأخرى. (فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ) أي لا تميلوا في الجانب المادي الذي تستطيعون أن تتحكموا فيه وليس الجانب المعنوي وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقسم بين زوجاته ويقول “اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك” وهو القلب، القلب قد يميل والله لا يحاسب على الميل القلبي لأن الإنسان لا يتحكم فيه.

قال تعالى (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) هذه استطاعة معنوية وليست استطاعة مادية، الآية هنا تتحدث أنهم قد يستطيعون أن يعدلوا في الأمور المادية كالمأكل والمشرب والكسوة وقضاء الليل عند هذه وعند هذه ولكن عدم الاستطاعة مقتصر على الأمور المعنوية الأمور القلبية وهي ارتبطت بأول السورة (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3)) هذا العدل المادي في النفقة إذا وجدتم أنكم عاجزون عن تحقيق العدل الذي هو في ملككم وإرادتكم واستطاعتكم ففي هذه الحال يكتفي بواحدة. وضّحت الآية (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) هذا في الأمور القلبية المعنوية في المشاعر وفي المحبة وميل القلب ولهذا قال تعالى (فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ) هناك ميل بالقلب ولكن ينبغي أن يكون الميل في القلب سبباً للميل في النفقة أو في الظلم أو سبباً في فراق واحدة لأنه يحب واحدة أخرى. وسورة النساء تميل إلى جانب المودة بدرجة عالية جداً وهي تعتني بالنساء إلى درجة، لو نظرنا إلى قول الله تعالى (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7)) خصّت الآية الرجال وخصّت النساء لحكمة لأنهم كانوا في الجاهلية يحرمون النساء من الميراث فالقرآن أن يبين أن لهنّ حقوقاً في الميراث.

ما هو إعراب (الأنفس الشح)؟

النفوس قد غلب عليها شُحّها، سيطر عليها شُحّها، الأنفسَ مفعول به والشحَ مفعول به والفعل أحضر مبني للمجهول (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) الأنفس كانت مفعولاً أول، خارج القرآن الجملة (نقول أحضر المالُ الأنفسَ الشحَ) فلما بني الفعل للمجهول يحذف الفاعل ويصير المفعول الأول نائباً للفاعل ويبقى المفعول الثاني مفعولاً ثانياً (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) الأنفسُ كان مفعولاً أول فلما صار نائباً للفاعل رُفِع فصار الأنفسُ وبقي المفعول الثاني مفعولاً (الشُحّ). وجاءت الأنفس بالجمع وجاءت معرفة ولما يأتي الجمع معرّفاُ يدل على شيوع الجنس يعني أنه يشمل الجنس كله الرجال والنساء والأطفال والشيوخ فالمرأة قد تبخل بمالها والرجل قد يطمع في المزيد فالشح قد يدفعها أن لا تتنازل عن حقها والشح قد يدفعه إلى أن يطلب المزيد. والأنفُس جمع قِلّة على وزن أفعُل والشح أيضاً جاء معرّفاً ليدل على أن الموقف يستغرق الجنس كله وكأن الشُحّ كله قد أصاب الأنفُس كلها.

بُثّت الحلقة بتاريخ 29/5/2010م

—————————-