لمسات بيانية, لمسات بيانية - حلقات

لمسات بيانية – الحلقة 18 – الفاتحة

اسلاميات

نحن نحاول أن نقف بلمسات بيانية عند بعض الجزئيات التي ترد في كلام الله سبحانه وتعالى. والكلام على سورة الفاتحة جملة وتفصيلاً يحتاج إلى حلقات وإلى كلام طويل. بل أكثر من هذا أن الفخر الرازي رحمه الله تحدث مرة وقال إن في سورة الفاتحة من الأسرار ما يزيد على عشرة آلآف فائدة فعجِب الناس منها وكذلك ذكر في بداية كتابه مفاتيح الغيب تعريفات من سورة الفاتحة بحيث أوصلها فعلاً إلى أكثرمن عشرة آلآف في تعريفاتها. نحن لا نملك هذا لكن الذي نقوله لأمر ما جعلها الله سبحانه وتعالى أصلاً في الصلاة بحيث أن المسلم يقرأها في كل ركعة وفي الحديث الشريف “لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أو بأم الكتاب” ولهذا تحتاج إلى تأمل في مفرداتها في كلياتها وجزئياتها. وفيها إذا نظرنا إلى السورة تعظيم لله سبحانه وتعالى تمجيده بالحمد له وذكر ربوبيته للعالمين وإدراته لشؤونهم وفيها الحديث عن رحمته بهم وفيها الكلام على التوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وفيها حصر العبادة به وحصر الإستعانة به وفيها اللجوء إلى اليه ليثبتنا ويثبت من يقرأ هذه السورة على الصراط المستقيم الذي إتجهنا إليه بدخولنا في الإسلام والتثبت برحمته سبحانه وتعالى أن لا نزِلّ أو نضِلّ. فهي فيها معاني كثيرة لكن سنقف إن شاء الله تعالى عند هذه الجزئيات التي في جميع السورة ونقف عند قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) والذي إخترناه كما إختاره طابعو المصحف الشريف وقلت هذا في الجلسة الماضية هو ما ذهب إليه علي إبن أبي طالب كرم الله وجهه بما رواه عبد الرحمن السلمي في أن قوله الله عز وجل إن بسم الله الرحمن الرحيم هي الآية الأولى من سورة الفاتحة. ولهذا إختيارنا لانعارض من إختار إختياراً آخراً كما قلنا. فالحمد لله رب العالمين هي الآية الثانية من سورة الفاتحة وفقاً لمصحف المدينة النبوية ووفقاً لإختار الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومن معه من صحابة رسول الله r ورضي الله غنهم أجمعين.

الحمد لله:

سنعرض ما ورد في كتاب الله عز وجل من لفظة الحمد لله؟ هنا عندنا الحمد لله رب العالمين فنقف أولاً عند قوله تعالى: الحمد لله. لما ننظر في التفسير بشكل سريع نجد أنهم يقولون الحمد أي الشكر ، المديح لله، إلخ.. معناه أنهم يعرضون علينا ألفاظاً كأنها تكافئ أو تفسر كلمة الحمد فهي مدح وثناء وشكر. لكن لما تأتي إلى دقائق اللغة وما اطّلع عليه علماؤنا من لغة العرب نجد أنهم يقولون هناك فرق بين الحمد والمدح مع أن المدح والحمد مادتهما واحدة (ح-م-د) لكن هناك إختلاف في التركيب (حمد، مدح) ولعل هذا الإتفاق في الصوت هو الذي جعل إتفاقاً واسعاً بين الحمد والمدح لكن يبقى هناك فوارق جزئية حتى نعرف : هل يمكن أن نضع مكان الحمد لله المدح لله في سورة الفاتحة؟

الحمد والمدح:

حينما نقول الحمد (هذا كلام علمائنا في كتبهم) الحمد يقتضي أن يكون الحامد يحمد من هو مستحق للحمد أما المدح فقد يكون الكادح يمدح من هو مستحق ومن هو غير مستحق طمعاً في جائزة أو طمعاً في شيء كما كان يصنع الشعراء فيقولون هذا الشاعر مدح ولا يقولون حمد. فالحمد لمستحق الحمد فإذن بهذا الجانب لا تصلح كلمة المدح هنا لأن الله سبحانه وتعالى مستحق للحمد بذاته وصفاته جلّت قدرته. الممدوح قد يكون يستحق أن يُمدح وقد لا يستحق لكن لغاية في نفس الشاعر يمدح. لا تصلح كلمة المدح لأنها ستحتمل هذين المعنيين لا تصلح هنا. هنا ينبغي أن تكون الحمد. الأمر الثاني : الحمد لله كما لمسه العلماء في اللغة يتضمن نوعاً من الإجلال والتعظيم والمحبة فأنت لا تحمد إلا من تُجلّه وتعظّمه وتحبه أما المدح فليس فيه هذا الشيء. هذا سبب ثان يرجح كلمة الحمد عن المدح. الأمر الآخر أن الحمد إنما يكون بعد النِعمة أما المدح فيمكن أن يكون بعدها ويمكن أن يكون قبلها. فلما نبدأ بكلمة الحمد لله فمعناه أننا علمنا نِعَم الله عز وجل علينا. لذلك نحمده سبحانه ففيه إشارة إلى معرفة النِعم. عندما نقول الحمد لله يعني أننا نعترف يا ربنا بما أنعمت علينا من نِعَم (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) هذا فرق آخر بين الحمد والمدح. المدح لم يرد في القرآن الكريم لا بالمصدر ولا بالمشتقات ليس في القرآن الكريم مدح ولا أي صيغة من صيغ المدح لما في المدح مما ذكرناه إحتمال الصدق والكذب وإحتمال أن يكون كارهاً عندما يمدح قد يكون فيه صدق أحياناً لكن ليس غالباً. هل يكون الحمد باللسان؟ الحمد باللسان وبالجنان لكن لا بد أن تنطق بالحمد ولا بد أن تترجم ما في الجنان على اللسان وهذا لا يختلف فيه العلماء.

الحمد والشكر:

هل يمكن أن نضع الشكر مكان الحمد؟ الحمد مع إشتقاقاتها وردت كثيراً في القرآن الكريم. أحصيناها على محمد فؤاد عبد الباقي (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) وردت في 67 موضعاً. الشكر إستعمل كثيراً في القرآن فهل نقول الشكر لله بدل الحمد لله؟ قلنا الحمد يقتضي المحبة والتعظيم والشكر ليس فيه ذلك. حينما تشكر إنساناً ليس شرطاً أن تعظّمه أو تحبه. يمكن أن تشكره لشيء فعله لك. لو قلنا الشكر لله سنفتقد هذه الخاصية أو الميزة في كلمة الحمد. الأمر الآخر : الشكر إنما يكون على نعمة أُنعِم بها عليك فتشكر  (ولئن شكرتم لأزيدنكم) وتشكر الإنسان الذي يقدم لك خدمة أما الإنسان الذي يقدم خدمة لإنسان لآخر فأنت لا تشكره. بينما الحمد يكون لما أصابك وما اصاب غيرك من نِعَم فالحمد أوسع من الشكر. ومن أجل ذلك كان إختيار الحمد أولى من لفظة الشكر. مسألة المكروه يقول الناس (الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه) معناها أنك لا تحمده بسبب المكروه ولكن تحمد الله سبحانه وتعالى فيما تعتقد أنه مكروه وهو في حقيقته خير لك لأن الله سبحانه وتعالى لا يختار لعبده المؤمن إلا الخير (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا) إذا وقع لك شيء تراه مكروهاً في نفسك كُن مطمئناً وواثقاً أن الخير فيما إختاره الله عز وجل لك وإن كان في ظاهر الأمر ليس فيه خير. وهذا من التجربة وجدت أن كثيراً من الأحيان عدة حالات  في حياتي الشخصية مرت بي أقول الحمد لله هذا فيه خير لكن في داخل نفسي أقول بالحسابات ليس فيه خير أين الخير؟ هكذا تحدثني نفسي في داخل نفسي لا أرى فيه خيراً لكن ثقتي بالله أن أقول فيه خير ثم تمضي الأيام ويثبت لي بعد ذلك أن الخير فعلاً في ذلك الذي وقع وليس الذي كنت أتمناه أو أريده. لذلك نقول للناس (الذي لا يحمد على مكروه سواه) لا تعتقد كراهته وإنما تقول هو سبحانه إختار لي ما هو خير لي في ديني وفي دنياي.

الحمد والثناء:

تأتي أمام الحمد كما قلنا : المدح والشكر والثناء. لما ننظر في كلمة الثناء نحن الآن نستعملها كأننا نسينا أولياتها من أين هي؟ الثناء لا يأتي إلا مع (على) أنت تقول حمده وحمد له (تعدي الفعل مباشرة إلى المفعول أو باللام) والتعدي باللام تقرّبه (حمد له فعله) لكن أثنى لا تأتي إلا مع (على) والثناء فيه نوع من الإستعلاء لا ينسجم مطلقاً مع بداية الفاتحة حتى في الإستعمالات القديمة لا نجد أثنى على الله إبتداء إنما يقول حمد الله وأثنى عليه يجعلها ملحقة. حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله تأتي ملحقة لا تأتي منفردة لمكان على هذه لأن فيها نوع من الإستعلاء. لما نأتي إلى الفعل أثنى نجد أن الثلاثي منه تني والثني هو العطف ففيه معنى الإنعطاف كأنه لم يكن منصرفاً إليه ثم إنصرف إليه بينما الحمد لله تريدنا أن نتجه إبتداء إلى الله سبحانه وتعالى وأيضاً الثناء بكل تصريفاته لم يرد في كتاب الله عز وجل لا المدح ولا الثناء لعل لمكان هذا المعنى لأن فيه إنعطاف وتحوّل لعلّ ذلك لا نعلم.

الحمد لله:

الحمد الآن هي مميزة عن غيرها والألفاظ ولا يصلح غيرها هنا. هذه الألف واللام في الحمد هي أل الجنسية لتعريف الجنس، لبيان الجنس. معناه الآية تريد أن تقول جنس الحمد ولما جنس الحمد يعني الحمد لا تدع منه شيئاً كلّه بكل جنسيته بما هو. الحمد لله: اللام في كلمة (لله) هي للتخصيص أو الملك فكأن الحمد خاص بالله سبحانه وتعالى. العلماء يصربون لنا مثالاً ولله المثل الأعلى كما تقول السرج للفرس والسرج لا يكون إلا للفرس وكما نقول الآن الطاقية للرأس فالطاقية لا تكون إلا للرأس. الحمد لله معناه الحمد مختص لله سبحانه وتعالى لكن اله سبحانه وتعالى من رحمته وتلطفه وفضله إنه جعل إمكان حمد الآخرين. من أين علمنا إمكان حمد الآخرين؟ من أنه لم يقل لله الحمد فيحصر جعل هنا خصوصية وليس حصراً لأن في الحصر كما سنأتي في (إياك نعبد) عندما يقدم المفعول أو المتعلق في الحصر لا تستطيع أن تعطف بينما إذا لم يكن حصر يمكنك أن تعطف. فضلاً عن أنه عندما يقول لله الحمد هذا التقديم كأنه هناك نوع من الشك في الحمد والموضع ليس موضع شك وإنما موضع تلقين وتعليم يعلّمنا الله تعالى ميف نتجه إليه بالدعاء لأن الجملة وإن كانت جملة خبرية (الحمد لله: مبتدأ وخبر) لكن معناها معنى إنشائي لأن أنت عندما تقول الحمد لله لا تريد أن تخبر إنساناً أن الحمد خاص بالله. لا. وإنما أنت تدعو وتمجد الله سبحانه وتعالى تعظّمه تقول الحمد لله لا تريد أن تخبر. عندما يقرأ الإنسان الفاتحة (الحمد لله) أو عندما يصيبه شيء ويقول الحمد لله هو لا يريد أن يخبر أحداً أن الحمد لله وإنما يريد أن يتوجه إلى الله تعالى بالثناء عليه وتعظيمه وتمجيده. هي إن كانت جملة خبرية لكن معناها معنى إنشائي لأن معناها معنى دعاء. هو يريد أن يعلمنا هذا الكلام لذلك لا يصلح فيها هنا تقديم الجار والمجرور (لله الحمد).

الحمد لله أو إن الحمد لله؟

هل يمكن أن نقول : إن الحمد لله في هذا الموضع؟ الجواب هو هو. الموضع ليس موضع شك حتى نذكر. أنت تقول: زيد ناجح لمن هو خالي الذهن لكن إذا كان هناك إنسان يشك في نجاح زيد يأتي يقول لك زيد لا ينجح فتقول له: إن زيداً ناجح وبقدر زيادة الشك تزيد التوكيدات إذا كان شكه عظيماً نقول له: إن زيداً لناجح، تدخل اللام وقد تلجأ إلى القسم (والله إن زيداً لناجح). والموضع ليس موضع شك هنا وإنما موضع يقين لذلك لم يقتض التأكيد. إذن الحمد لله هي أولى من الألفاظ الأخرى وهي أولى من التقديم والتأخير وسنأتي إلى مواطن خمسة مواضع جاءت (لله الحمد) ونبين لماذا قدمت كلمة لله على كلمة الحمد. وهي أولى من إن الحمد لله وكذلك أولى من (حمداً لله) عندما يقول الإنسان حمداً لله : حمداً مصدر مؤكد أيضاً. نقول الموضع ليس موضع تأكيد هذه واحدة. حمداً لله: ما دام منصوباً إذن هناك ناصب له والناصب الأصل فيه أن يكون فعلاً معناه الجملة فعلية تقدّر والجملة الفعلية جالّة على الحدوث بينما الجملة الإسمية ثابتة دالة على الثبات . فالحمد لله بجملتها الإسمية أثبت من حمداً لله. نقول نحمد الله، أحمد الله، إحمدوا الله: ونحمد كلام مجموع فإن هذه اللفظة موضعها هاهنا لا يصلح مكانها غيرها. هذا كلام الله سبحانه وتعالى بهذا التفصيل الذي فصّله العلماء كما قلت من الرازي وغيره وأستاذنا الدكتور فاضل السامرائي تحدث في ستين صفحة عن هذه المسألة وبيّنوا أن هذه الكلمة لا يصح كلمة أخرى في موضعها.

الحمد لله: لم يقل الحمد للقادر، الحمد للرحمن، الحمد للعظيم أو أي إسم من أسماء الله الحسنى وهذا تكلمنا عليه لما قلنا (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) و(بسم الله الرحمن الرحيم). هذه اللفظة (الله) تضم تحت لوائها جميع الأسماء الأخرى بكل ما فيها ولذلك توصف ولا تصف: نقول الله الرحمن، الله الرحيم لكن لا نقول: الرحمن الله.

أين وردت: الحمد لله رب العالمين في القرآن؟

هذا فيما يتعلق بلفظة (الحمد لله) وقبل أن ننتقل إلى كلمة رب العالمين لنا فيها وقفة. ننظر إين وردت الحمد لله رب العالمين كاملة.

الحمد لله رب العالمين في بداية الفاتحة بعد البسملة معناه بداية عمل.

في نهاية سورة الصافات بعد الحديث عن الكون وما يضم إلى قيام الساعة إنتهاء الحياة (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)) النهاية.

كذلك في نهاية سورة الزمر (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75))

الأنعام (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)) في نهاية الحياة، في بداية الفاتحة، في نهاية الحياة، نهاية السور التي تشير إلى نهاية الحياة، نهاية مواقف معينة (الحمد لله رب العالمين). هنا في نهاية عمل ( الأنعام) إنتهى أمرهم. والحمد لله رب العالمين فيها كلام عن الناس.

لاحظ الآية الأولى (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)  يونس) هذا يوم القيامة في الجنة

وفي سورة غافر (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)) هناك في آخر الدعاء وهنا يحتمل أوله وآخره (فادعوه مخلصين له الدين) كأنما الحمد في الأولى والآخرة. هنا الفائدة التي نقولها أن كلمة الحمد لله رب العالمين جاءت في أول الفاتحة تحميداً وتمجيداً لله سبحانه وتعالى وبها يختم العمل والدعاء وتأتي قي سور آخرى في الآخرة أي الحمد لله رب العالمين في البدء وفي الختام, ومما ذكرنا لفظة الحمد في هذا الموضع هي الأمثل حتى بين جميع الألفاظ في حقها الدلالي. وصورة الحمد بالألف واللام والرفع أمثل من سائر الصور. عندنا في الحديث “كل أمر ذي بال لا يبدأ بحمد اله فهو أقطع” وفي رواية “فهو أجزم”.

بُثّت الحلقة بتاريخ 2/2/2006م

رداً على سؤال من إحدى المشاهدات حول ما يجري من إساءة للنبي الكريم محمد r قال الدكتور حسام حفظه الله: نحن يجب أن نتخذ موقفاً قوياً في هذه الأمور ولكن عندنا مثل في العامية : الذي يبصق على القمر تسقط بصقته على لحيته. فلا يمكن أن يمس الرسول rr بسوء حتى عند الغربيين الذين صاروا يتعرفون على حياته r لكن لا يعني أننا نتوقف عن كشف هؤلاء وفضحهم هؤلاء الذين تحرّكهم المصالح الإقتصادية هي حرب شركات هذه شركة تدفع لهذه الجهة وشركة تدفع حتى نقاطع هذا ولا نقاطع هذا.

يا ناطح الصخرة اليوم                    فلم يضرها وأوهى قرنه الوعر.

قرون من طين يضربون بها حجارة صماء.

سؤال ومداخلة: كلمة الحمد ظلمت كثيراً في كتب التفسير والإمام إبن كثير وغيره يعممون الحمد ويخصصون الشكر وفي تصوري أنه خاطئ من حيث الطريقة لا من حيث المضمون. الحمد لله في الفاتحة حمد مطلق حمد على كل ما يعلمه الإنسان وما لم يعلمه وعلى ما حمده الله تعالى بذاته لذاته. الحمد في قوله تعالى في سورة الكهف (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) هنا تخصيص لحمد الفاتحة على حمد النعمة. الحمد ليس معناه الشكر وإبن القيم قال: الحمد ينقسم إلى حمد شكر وحمد مدح. وأنا أقول أن الحمد مقام إلهي ومقام تعبدي والله تعالى ألهم كل المخلوقات (وإن من شيء إلا يسبح بحمده). فالحمد عام يخصص بحمد الكهف أو بمحامد القرآن. ويرد الدكتور حسام على مداخلة المشاهد فيقول: الحمد يراد به جنس الحمد على الإطلاق وأنا لست ميّالاً للتعرض لما قاله بعض علمائنا السابقين بما لا نوافقهم عليه ولكننا سنتكلم عن كلمة الحمد.

سؤال: في قوله تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) الأنبياء) هل وردت (ما) هنا لغير العاقل؟

بشكل سريع: (ما) هي لغير العاقل و(من) للعاقل لكن إذا إختلط العاقل وغير العاقل عند ذلك يمكن أن نعبّر بـ (ما) أو نعبّر بـ (من) بحسب الموضع الذي يتكلم عليه: (إنكم وما تعبدون حصب جهنم) الأصل في العبادة كانت للأصنام ولذلك إستعمل (ما) ولكن هذه لا تمنع من دخول العقلاء فيها لأنه عامة ونحن نعلم أنهم عبدوا فرعون والرهبان والأحبار وذكرت ذلك في وقتها من حديث عدي بن حاتم الطائي الذي قال فيه للرسول r: يا محمد إنهم لم يعبدوهم كيف تقول (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟ فالرسول rr يبيّن له مفهوم العبادة في الإسلام فقال بلى أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتّبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. فهؤلاء أيضاً هم حصب جهنم وهؤلاء الرجال يحرّفون الناس عن منهج الله سبحانه وتعالى وهم أيضاً حصب جهنم مع من يقرّهم على ذلك بنص الحديث الصحيح يكون كأنه عابد لهم بإقرارهم على العبادة حتى نُخرِج من أدانوا عبادتهم وهم لم يقروهم عليه كالمسيح. هم عبدوا المسيح لكنه u ما أقرّهم على ذلك. (ما) شاملة العقلاء والأصنام والأحجار.

سؤال: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) آل عمران) هل البيت الحرام كان موجوداً قبل ابراهيم u وهل بُني أو وُضِع للناس؟

أولاً فيما يتعلق في البناء هذه مسألة تاريخية غير مفيدة. نحن الآن أمامنا البيت نحد إليه فالبحث فيها لا يأتي بفائدة وعلماؤنا خاضوا في هذا الأمر منهم من قال بناه آدم، ومنهم من قال إبتدأ بناءه نوح ومنهم من قال بنته الملائكة. بعض المفسرين يقول حتى يجمع الآراء والروايات الواردة قال يمكن أن نقول بنته الملائكة وبمرور الوقت خرب ونحن لا نريج أن نناقض هذه المسألة فهو قول الله تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) يعني في هذا المكان الذي يزدحم فيه الناس ولم يقل (مكة) لأن مكة كبيرة واسعة حتى لا يأتي شخص ويقول البيت ليس هنا وإنما في مكان آخر في مكة. (للذي ببكة) هذا الذي تزدحمون عنده قاطع ولم ترد فيه قراءة أخرى. بنته الملائكة حتى نجمع الكلام وجدده آدم ثم جدده إبراهيم وهذا نوع من المخلص.،وإلا نقول هذا السؤال ليس فيه ثمرة.

سؤال: ما تفسير قوله تعالى في سورة الفرقان (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) وكيف يمد الظل؟

الظل موجود ويحرك وكأنه يشير إلى قدرة الله تعالى عبى تحريك الكون لكن يمكن أن نقف عند قوله تعالى (ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيرا) تحرّك الظل ليس تحركاً سريعاً. تحرّك الظل معناه تحرك الأرض حول نفسها، هذا الدوران حول نفسها بحيث يكون الظل يتحول بشكل يسير يعمي هي تدور بإنضباط ولو قبضه قبضاً سريعاً لما بقي حيٌّ على وجه الأرض. هذه حقيقة علمية يمكن أن نقول أشار إليها القرآن بهذه الآية بكلمة القبض اليسير. يقول لهم أنظروا كيف يقبض الظل قبضاً يسيراً كيف يسير بشكل هادئ من صورة إلى صورة يطول ويقصر وهم يشاهدونه إشارة إلى عظمة الخلق. نحن الآن عرفنا ما هو شأن الأرض وكيف تدور حول نفسها وحول الشمس الآن نقول هذه حقيقة علمية ولو كان القبض ليس يسيراً ما كانت تكون حياة على الأرض.

سؤال: ما سر تكرار حرف القاف عشر مرات في آية واحدة في كل من السور التالية: البقرة، النساء، آل عمران، المائدة، الرعد، المزّمل؟

فكرة إحصاء الحروف ليس فيها لمسة بيانية. رجعت إلى سورة الرعد (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)) لما تستمع إلى الآية ى تحس نوع من تأثير الحرف أو ظهور الحرف وإنما هي كلمات تعبّر. أحصيت التاء وردت 9 مرات ، الراء وردت 7 مرات، الخاء 5 مرات، اللام 36 مرةز ليست مسألة حرف القاف المسألة أن المعاني إقتضت هذه الألفاظ. هذا لا فائدة منه وهذا يذكرنا بالذي قال لأحد الأمراء : أنا أستطيع أن أُدخِل إبرة في إبرة فرمى إبرة على الخشبة وجاء بإبرة ثانية فضربها فدخلت في خرم الإبرة الأولى. شيء عجيب فقال الأمير أعطوه مئة درهم وإجلدوه مئة جلدة. مئة على حسن فنّك ومئة جلدة على الوقت الذي أنفقته في قضية لا نفع منها. ما الفائدة من أن تدخل إبرة في خرم إبرة؟ حساب الأحرف ليس فيه فائدة وكل ما لا يثمر الأعمال                  تكلّف لا نرتضيه حالا.

سؤال: ما الفرق بين الخشية والخوف؟

الخشية أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقّي، فيها نوع من الإطمئنان أن تتقي الوقوع في خطأ. والخوف فزع في القلب تخِفّ له الأعضاء ولذلك سمي خوفاً لأنه تخِفّ له الأعضاء. هذا الفارق الجزئي. الخشية فيها نوع من الإطمئنان : هو يخشى أن يكون هذا الشيء مع إطمئنان قلبه. والخوف فيه نوع من إضطراب القلب، فزع القلب ولذلك هذا الكلام نقلاً من أحد النصوص: تخِفّ له الأعضاء يعني جشم الإنسان قد يرتجف ، قد يخف للتحرك، للهرب ومن هنا سُمي خوفاً للخِفّة التي يؤدي إليها.

سؤال: ما الفرق بين العام والسنة في قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) العنكبوت)؟

العام هو لما فيه خير والسنة لما فيه شر. العلماء يقولون الغالب وليست مسألة مطلقة. لكن في الإستعمال القرآني أحياناً يستعمل (تزرعون سبع سنين دأباً) (ثم يأتي عام فيه يغاث الناس) الزرع فيه جهد في هذه السنين. في قصة نوح (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) كأن الخمسين عاماً هي الخمسين الأولى عام الأولى من حياته التي كان مرتاحاً فيها وبقية السنين الـ 950 كان في مشقة معهم حتى بلغ أن يقول (ولا يلدوا إلا فاجراً كفّارا) هذه تجربة. هذا الغالب ومن أراد أن يلتزم الإستعمال القرآني  يحرص على إستعمال السنة في جدب وقحط والعام لما فيه خير لكن إذا وجد شاعر يستعمل نصاً عن السنة مختلف لا يستغرب. الرسول rr في حديث لا ندري مداه من الصحة “اللهم إجعلها عليهم سنيناً كسنين يوسف” سنوات قحط وشر. هذا في كتب النحو والأحاديث التي في كتب النحو يستفاد منها في الشواهد النحوية واللغة وليس في تأصيل الحديث من حيث الصحة.

في سورة الكهف ذكر القرآن (ثلاثمئة سنين وإزدادوا تسعا) لم يقل وازدادوا تسعة أعوام. بعض الحاسبين يقول هذه 300 سنة في الميلادي توافق 309 في الهجري. إذا جاءت موافقة فهي موافقة لكن هي لون من ألوان التعبير أن يقول ثلاثمئة وازدادوا تسعا. لما كانوا يعانون منه وقد يقول القائل لم تكن كلها سنين قحط. الأمر ليس هذا ولكنه الغالب.

 

أسئلة المشاهدين خلال حلقة 2/2/2006م:

ما هو شرح الآية (بشيراً ونذيرا)؟

2009-01-30 19:07:45