لمسات بيانية - حلقات

لمسات بيانية – د. أحمد حسن فرحات – 3 – الهداية في القرآن الكريم

اسلاميات

الحلقة 3

الهداية في القرآن الكريم

د. أحمد حسن فرحات

المقدم: بالكلام الطبيعي عندما يقول أحدهم لأحدهم شيء يقول “الله يهديك” جميعنا يطلب الهداية من الله سبحانه وتعالى، وفي سورة الفاتحة قال تعالى (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)) الدعاء لله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، ما معنى الهداية في اللغة والاصطلاح من خلال آي القرآن الكريم.

د. فرحات: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيجنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الهداية هي الدلالة بلطف ولذلك نجد آيات كثيرة في القرآن جاء فيها لفظ الهداية وستختلف المعاني باختلاف هذه الآيات كما سنبين ذلك في حينه.

المقدم: ما معنى (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)؟

د. فرحات: تقول فلان مهتدي إلى الله، مهتدي إلى الإسلام لكن هذا المسلم الذي اهتدى إلى الإسلام كل يوم يقرأ الفاتحة كلما صلى يقرؤها في كل ركعة ويقول هذا الدعاء (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) بعض المفسرين قال هي بمعنى ثبتنا على الصراط المستقيم لكن المعنى الأدق هو أن الإنسان وإن كان على العموم هو في طريق الهداية إلا أنه في كل جزئية من جزئيات الحياة تحتاج إلى الهداية فأنت في اليوم الواحد تمر بك مواقف كثيرة تحتاج فيها إلى هذه الهداية. (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) يعني في كل جزئية من جزئيات الحياة في كل موقف من المواقف التي نتعرض لها. إذن نحن نحتاج إلى هذه الهداية الإلهية في كل موقف وفي كل معركة في كل اتجاه وفي كل عمل نقوم به ومن دون هذه الهداية لن نوفق في العمل الذي نريد أن نقوم به.

المقدم: إذن في الدعاء (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) يعني لا هداية إلا من الله عز وجل؟

د. فرحات: نعم. الهداية تأتي بمعاني. المعنى اللغوي الدلالة بلطف وفي الاصطلاح تأتي بحسب معاني الآيات التي سنتحدث عنها. فنقول الهداية الدلالة إلى الخير والرسول صلى الله عليه وسلم وصف في القرآن بقوله (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) الشورى)

المقدم: هل هناك أنواع للهداية؟

د. فرحات: هناك هداية فطرية، هناك هداية عقلية، هناك هداية شرعية، وهناك هداية بمعنى الدلالة على الخير وهناك هداية بمعنى التوفيق القلبي من الله للإنسان.

المقدم: ما هي الهداية الفطرية؟

د. فرحات: الهداية الفطرية هي أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان خلقه موحداً فطرة هذه الهداية الفطرية كما قال (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) الروم) وكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه أو يشركانه“. هذه هداية فطرية لكل المخلوقات ليس فقط للإنسان وإنما للكون كله (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) طه) يعني هداه لما يصلح شأنه. كل المخلوقات فُطِرت على التوحيد (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (49) النحل) (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (44) الإسراء)

المقدم: والهداية العقلية؟

د. فرحات: الهداية العقلية هي استعمال الإنسان للعقل والحواس في معرفة الخير من الشر وهذا يكون بعد أن يصبح الإنسان بالغاً راشداً عاقلاً لأنه قادر على التمييز. والهداية العقلية تؤكد الهداية الفطرية. الهداية الفطرية ليس هناك عليها مسؤولية لأنها نعمة من الله أعطيت للجميع هدية هذه ليس عليها حساب. لكن الهداية العقلية إذا كان الإنسان لم يهتدي بعقله ولم يعمل بحواسه التي أعطاه إياها الله فيكون مسؤولاً ولذلك قالوا وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) الملك) إذن الهداية العقلية فيها مسؤولية

المقدم: هم يعقلون أم لا يعقلون؟ هم مكلفون يعني هم يعقلون ولكنهم ضلوا مثلاً؟

د. فرحات: المنفي ليس وجود العقل وإنما المنفي استعمال العقل. هم عندهم عقول ولكن لما لم يستعملوا عقولهم كأنهم فاقدوا العقول ولذلك قال (أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (179) الأعراف) لأن الأنعام ليس عندها عقل وهؤلاء عندهم عقول لكن لا يستفيدون من حواسهم ولذلك قال (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171) البقرة) النفي هنا ليس لوجود العقل وإنما النفي هنا استعمال العقول.

المقدم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (5) الجمعة) لا يعقلوها ولا يقوموا بتكاليفها

د. فرحات: لذلك قال (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا (179) الأعراف) يعني لا يعقلون الحق ولا يسمعون الحق ولا يبصرون الحق لكن يبصرون الطريق الذي أمامهم، يستخدمون حواسهم في الأشياء وصموا عن الحق

المقدم: هم صنعوا هذا من تلقاء أنفسهم أم أن الله لم يشأ لهم الهداية فأصمّها؟

د. فرحات: الله أعطاهم هذه الأشياء أعطاهم العقل والحواس والهداية الشرعية أرسل إليهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب إذن صار عندنا هداية فطرية تؤيدها هداية عقلية تؤيدها هداية شرعية. والإنسان مختار رب العالمين خلقه مختاراً يعني يستطيع أن يفعل وأن لا يفعل يستطيع أن يرى وأن لا يرى إذن هو مخيّر في هذه الأشياء ولذلك المسؤولية تترتب على وجود هذا الاختيار فالمُكرَه ليس عليه مسؤولية

المقدم: كيف نفهم (يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء (93) النحل)؟ ما هو مقابل الهداية؟

د. فرحات: الضلال، (يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء).

المقدم: الكل بأمر الله سبحانه وتعالى. هل لنا أن نتساءل (يُضِلُّ مَن يَشَاء) هو لم يشأ للضالّ أن يهديه

د. فرحات: المراد بذلك نحن قلنا أن رب العالمين هدى الجميع ابتداء وأعطاهم وسائل الهداية العقلية وأنزل عليهم الكتب ثم يقول الله في آية أخرى (يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء) كيف نفهم يضل من يشاء ويهدي من يشاء؟ هذه ليست غامضة لأنها حددت بآيات أخرى قال (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) البقرة) إذن هم كفروا فعوقبوا بالضلال. (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) آل عمران) إذن هم ظلموا فعوقبوا بالضلال، (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) المائدة) إذن هم خرجوا عن طاعة الله فعوقبوا بالضلال. إذن الضلال من الله عقوبة والهداية من الله ثواب ولذلك قال (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11) الرعد). إذا كانت الهداية أعطيت للجميع ابتداء فالضللال من الله جاء على موقفهم من الهداية الفطرية فالذي يسير ويؤكد هذه الهداية الفطرية يزيده الله هدى والذي ينحرف يعاقبه الله بزيادة الضلال كما قال (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26) البقرة)

المقدم: إذن الهداية من الله للكل لكن الله يضل من أراد الضلال ولم يرد الهداية

د. فرحات: يضل من انحرف عن طريق الهداية الفطرية التي أُعطيت له ابتداء

المقدم: لكن نسبة الهداية إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى تجعلنا نسأل ما ذنب أبو لهب وأبوجهل؟

د. فرحات: هو قال (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11) الرعد). السلوك الإنساني هو نتيحة لما في النفس، أيّ إنسان يتصرف بناءً على قناعات وعلى مسلّمات في ذهنه على حيثيات في ذهنه فلما يريد أن يغير سلوك الإنسان لا بد أن يغير ما في نفسه، أن يغير قناعاته، أن يغير فهمه أن يغير ما في عقله، فالتغيير النفسي يتبعه التغيير السلوكي فعندما نرى سلوكاً معيناً عند الناس هذا نتيجة لشيء في النفس فإذا أردنا أن نغير سلوكاً لا بد أن نغير ما في النفس وهذا معنى الآية القرآنية (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11) الرعد)

المقدم: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء (56) القصص) الرسول عليه الصلاة والسلام أحب أن يهتدي قومه كلهم لكن الله سبحانه وتعالى حكم هذه القضية بتلك الآية، كيف نفهم الآية؟ والمشيئة هنا مشيئة العبد أم مشيئة الرب؟

د. فرحات: مشيئة الرب لأن الرسول عليه الصلاة والسلام وصف في القرآن (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) الشورى) إذن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهدي للطريق أن يبين الطريق لكن الاستجابة لهذا الطريق هذا أمر يكون من قبل الله سبحانه وتعالى توفيقاً لمن مشى في طريق الهداية الفطرية التي أشرنا إليها والتي أكدتها الهداية العقلية والتي أكدتها الهداية الشرعية، هذا الذي يوفقه الله، هذا الذي يهديه الله. الدليل على ذلك في آيات أخرى في القرآن (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17) محمد) (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (69) العنكبوت) والانحراف والضلال (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) الصف) إذن هذا قانون، الهداية والضلال من الله لكن ضمن قانون أشار الله سبحانه وتعالى إليه قال الذين يهتدون يزيدهم هداية والذين يضلون يزيدهم ضلالة. من هذه الآيات كلها نستطيع أن نفهم معنى الهداية ومعنى الضلال

المقدم: ربما تكون هنالك نظرة أخرى في الآية الكريمة (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء (56) القصص) لماذا لا تعود المشيئة على العبد؟ إذا شاء العبد الهداية هداه الله، يجوز هذا أم لا يجوز؟

د. فرحات: هناك آيات كثيرة (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) البقرة) (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) آل عمران) (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) المائدة) هذه الآيات كلها تدل على أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء لكن من الذي يضله الله ومن الذي يهديه الله؟ هذا كله محدد. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (69) العنكبوت) (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) الصف) إذن الهداية من الله والضلال من الله لكن ضمن إطار وضع لنا الله قواعده وبيّن لما كيف تتم الهداية وكيف يتم الضلال.

المقدم: (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (90) الأنعام)؟

د. فرحات: الضمير يعود على الأنبياء والرسل (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر الأنبياء السابقين قال له (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) يعني يمكن أنت أن تستفيد من طرقهم التي سلوكهم في الهداية وأن تسير على نفس الطريق.

المقدم: وفي قوله تبارك وتعالى (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) الشورى) ما معنى الآية؟ وما معنى الهداية فيها؟

د. فرحات: الذي ينيب إلى الله ويرجع إلى الله ويعمل بمقتضى أوامر الله فإن الله يكمل له طريق الهداية كما قال (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (69) العنكبوت) كل هذه الأشياء تدور حول محور واحد

المقدم: أن الإنسان إذا أراد الهداية هداه الله وإذا لم يُرد أضلّه الله

د. فرحات: إذا عمل بمقتضى الهداية الفطرية التي منحه الله إياها ابتداء فإن الله يهديه ويسهِّل له الطريق

المقدم: هل لي أن أسأل ما الباعث الأول على الهداية؟ ما الذي ينبغي عليّ عمله لكي أكون على طريق الهداية؟

د. فرحات: أول شيء قلنا أن القضية ليست متاهة وإنما هي واضحة جداً. الهداية الفطرية هذه تعطى للإنسان بدون إرادته حينما يُخلق توضع في نفسه وتشير إليها بعض الآيات القرآنية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا (172) الأعراف) قبل أن يخلق الإنسان وهو في عالم الذر أُخذ عليه العهد والميثاق (قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ (173) الأعراف) إذن الهداية الفطرية عميقة في الإنسان وهي جزء من تكوين الإنسان ولذلك هي قوية جداً فالإنسان بطبيعته إذا ترك وشأنه سيتجه إليها ولكن من أين يأتيه الانحراف والضلال؟ من البيئة التي يعيشها فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه لكن هذه تبقى في النرحلة الأولى قبل البلوغ لكن بعد البلوغ على الإنسان أن يعيد النظر فيما ورثه عن آبائه وأجداده هل كان على حق أو كان على باطل لأن المسؤولية فردية يوم القيامة.

المقدم: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) المدثر)

د. فرحات: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) النجم ) (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) مريم) لا يقول شيخ لقبيلة مسؤول عن القبيلة كلها.

المقدم: هل ينبغي على الإنسان أن يفعل خطوات معينة وأنا ربطت هذا بقوله تعالى (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا (54) النور) بداية الهداية طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من تعاليم سماوية.

د. فرحات: قال تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى (17) فصلت) هنا هديناهم يعني بيّنا لهم طريق الخير وطريق الشر فاستحبوا طريق الشر على طريق الخير، الهداية تأتي بمعنى الدلالة على الخير.

المقدم: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) البلد) ما معنى الهداية هنا؟

د. فرحات: الهداية هنا بمعنى الهداية الفطرية وأيضاً بمعنى الهداية الشرعية لأن الله تعالى بيّن لنا طريق الخير وطريق الشر فطرة وشرعاً، النجين طريق الخير وطريق الشر لذلك قال (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) الشمس) عرّفها الفجور وعرّفها التقوى لكن النتيجة (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) الشمس) زكاها بمعنى نمّاها وعمل على رفعتها ودسّاها بمعنى غطّاها وجعلها غير واضحة. بذرة القمح تضعها في التراب أنت تسترها لكن تسترها لكي تنمو ولكي تصعد إذا لم تسترها لا تنمو فالنفس أيضاً تتزكى بالتستر عن فعل القبيح، النفس تسمو بهذا الشيء (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) نمّاها (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) بينما الآخر يدسي نفسه يسترها فلا ينميها ولا يجعلها تخرج كما تخرج نبتة القمح.

المقدم: فيما ذكرناه من آيات قرآنية ربما يكون فعل الهداية جاءت بالصيغة الفعلية لكن إذا قرأنا في سورة البقرة جاءت بالإسم (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)) هدى جاءت بالإسم وليس الفعل فما معنى الهداية هنا؟ ولماذا لم تأت بصيغة الفعل هنا؟

د. فرحات: عندما جاءت في سورة الفاتحة (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) هذا الدعاء، جاء الجواب من الله سبحانه وتعالى الصراط المستقيم هو القرآن (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) قال ذلك ولم يقل هذا، ذلك للبعيد مع أنه قريب لما نعلم بأن هذه السورة جاءت في سياق مناقشة أهل الكتاب والسورة مدنية ومطالع سورة البقرة أول ما نزل في المدينة (ذَلِكَ الْكِتَابُ) الذي عرفتموه في التوراة والإنجيل وفي الكتب السابقة ذلك الكتاب جاء الآن (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) إشارة إلى أن هذا الكتاب كان موعوداً به عند الأنبياء السابقين وعند الرسل السابقين

المقدم: أم ذلك بعيد حتى لا تطاله أيديكم فتحرّفه كما حرّفت الكتب السابقة؟

د. فرحات: هذا من مُلَح التفسير لكن الأصل هو هذا أن ذلك الكتاب المنتظر الذي تنتظرونه قد جاء يقصد القرآن الكريم (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ). هنا قال هدى للمتقين.

المقدم: أين نقف في الآية؟ هل نقف عند (لا ريب) أو عند (لا ريب فيه)؟

د. فرحات: هذه قراءات وكلها جائز

المقدم: ما معنى (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)؟ وهل هذه توأمة مع (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) طلب الهداية في سورة الفاتحة؟

د. فرحات: هذه جواب لما جاء في سورة الفاتحة فالذي يريد الصراط المستقيم فهذا هو الصراط المستقيم كما قال في سورة آخرى (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ (153) الأنعام). لكن هنا أضاف الهداية للمتقين وفي آية الصوم قال (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ (185) البقرة) قال هدى للناس، لماذا هنا للمتقين وهناك للناس؟

المقدم: هل تغيير التركيب الإضافي يدل على اختلاف الدلالة؟

د. فرحات: نعم. هو القرآن هدى للناس يعني هو جاء لهداية الناس جميعاً

المقدم: ليس المتقين فقط؟ أحد العاملين في الدعوة يقول هدى للمتقين فقط بنصّ الآية

د. فرحات: هو في الأصل هدى للناس جميعاً لكن بعض الناس يستجيب وبعضهم لا يستجيب فالذي يستجيب هو الذي يستفيد من هذه الهداية والذي لا يستجيب لا يستفيد منها ولذلك هنا الإضافة للمستفيد وهناك إضافة عامة للجميع كما تقول قد أسفر الصبح لذي عينين، هل الصبح للمبصر أم للجميع؟ الأصل للجميع لكن المبصر هو الذي يراه وغير المبصر لا يراه. إذن أنت تضيف هنا للمستفيد وهناك تضيف للمكلفين عموماً للناس جميعاً، فهذه الإضافة بمعنى وتلك بمعنى آخر وليس بينهما تعارض. نقول هذه الأمة كل من بُعث إليهم النبي عليه الصلاة والسلام من زمنه إلى يوم القيامة هذه كلها أمته المسلم وغير المسلم، كيف تكون أمته؟ نحن نقول هو بُعِث للجميع فهذه أمة الدعوة والذين استجابوا له أمة الإجابة. إذن الرسول عليه الصلاة والسلام بُعث للعالمين لكن نحن نقول بعث لنا باعتبار أننا نحن الذين استفدنا منه وغيرنا لم يستفد منه فإذن هذه الإضافة يمكن أن تكون عامة بمعنى ويمكن أن تكون خاصة بمعنى آخر.

المقدم: وهذا تعدد الأوجه وليس بينهما تعارض. ربنا تبارك وتعالى يتكلم عن المتقين (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) يذكر صفات المتقين يقول (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) هدى جاءت هنا بالمصدر فكيف نربطها مع هداية سورة الفاتحة؟

د. فرحات: عندنا هداية نظرية وعندنا هداية عملية. يقول (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) قال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) فسّر الصراط المستقيم بأنه الإسلام أو القرآن هذا تفسير نظري وإذا أردنا التفسير العملي قال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) من هم الذين أنعم الله عليهم؟ (فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ (69) النساء) لما يسألك إنسان عن مكان معين تقول له المكان المعين يقع في المنطقة الفلانية هذه نظرية وإذا أردت شيئاً عملياً تقول له هذا الإنسان يسير إلى ذلك المكان اتبعه ولا تفارقه وإذا مشيت خلفه تهتدي ولا تضيع وهناك أناس منحرفون تقول له إياك أن تمشي مع هؤلاء لأنهم يضلونك عن الطريق لكن الذين يدلونك على الطريق هم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.

————فاصل———-

المقدم: مقابل الهداية هو الضلال، إذا كان الكتاب فيه هدى للمتقين وعدّد سبحانه وتعالى صفاتهم ثم قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) البقرة) مع أن المتبادر للذهن أن يكون مقابل الهداية الضلال لم يقل الضالين فهل الذين كفروا فئة أخرى؟

د. فرحات: أول سورة البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وبيّن المتقين بأنهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)) ابن عباس يقول هذه في المؤمنين من العرب المهاجرين والأنصار. والآية التي بعدها (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) قال هذه في الذين آمنوا من اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه باعتبار سورة البقرة تواجه مجتمع المدينة ثم بعد ذلك قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) البقرة) قال هذه في الكافرين من اليهود الذين لم يستجيبوا مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما وهؤلاء سبق في علم الله أنهم لن يؤمنوا لكن هناك من كفار قريش من آمن. إذن هذا اللفظ هنا عام لكن المعنى خاص ولذلك قالوا هذه في طائفة خاصة من الكافرين  سبق في علم الله أنهم لن يؤمنوا فأيئس الرسول منهم (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)

المقدم: وقوله (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (7))

د. فرحات: هذه عقوبة، هم كفروا، إستعمل كلمة كفر هنا لأن هؤلاء

المقدم: استعملها لأنها مقابل الهداية وهذا هو سؤالي لم يقل ضلوا أو أضلوا

د. فرحات: لأنهم هم في الواقع كان عندهم صفات النبي وكانوا ينتظرون مجيئه (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ (89) البقرة) كفروا هنا بمعنى ستروا صفات النبي وقالوا ليس هو النبي الذي ننتظره. لأن الكفر في اللغة هو الستر والتغطية كفر بمعنى ستر وغطّى، والكلمة cover في الانجليزية مأخوذة من كفر بالعربية وهي كلمة أصيلة في اللغة العربية. وفي مصر يقال كفر كذا للمزارع، المُزارع كافر في اللغة العربية لأنه يستر البذرة في التراب ويغطيها، الليل كافر لأنه يستر كل شيء والبحر كافر لأنه يغمر كل شيء بظلمته أيضاً.

المقدم: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (29) الفتح) الكفار هنا بمعنى الزراع أم الكفار الذين يكفرون؟

د. فرحات: لا، بمعنى الكفار الكفار. لكن هناك آية أخرى (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ (20) الحديد) هنا الكفار بمعنى الزراع

المقدم: يكفرون الأرض يعني يسترونها. اللغة العربية عجيبة

د. فرحات: هذه كلمات أصيلة في اللغة العربية لم نأخذها عن أحد

المقدم: عندهم الحق والصواب لكنهم كفروه وغطوه

د. فرحات: قالوا ليس هذا الذي نريد أو الذي ننتظره.

المقدم: نقف عند تشبيهين في هذه السورة يحدثنا القرآن عن فئة أخرى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) البقرة) هل هذه فئة أخرى غير الذين تحدث عنهم في الآية السابقة؟

د. فرحات: هو تحدث أولاً عن المؤمنين من العرب ثم تحدث عن المؤمنين من اليهود الذين آمنوا ثم تحدث عن الكافرين من اليهود والآن يتحدث عن المنافقين من اليهود (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)) ما هو المرض؟ المرض أكثر كتب النفسير يقولون النفاق والقرآن يقول (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ (49) الأنفال) العطف يقتضي المغيرة. قال بعضهم المرض دخول الشك وفي آية أخرى (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ (50) النور) الريب غير المرض. إذن المرض هنا هو الحسد والحقد لأن اليهود منعهم الحسد والحقد من الإيمان لأنهم كانوا ينتظرون أن يكون النبي من بني إسحق فلما جاء من بني إسماعيل كفروا (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ (54) النساء) (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم (109) البقرة)

المقدم: مع أن ابن عباس قال المرض هو النفاق

د. فرحات: في شيء من هذا القبيل. المرض هو الحقد والحسد تحديداً هذه استنباطات نستنبطها لكن هناك آية صريحة في سورة محمد (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29))

المقدم: يعني أحقادهم

د. فرحات: حدد المرض بالأحقاد (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ)

المقدم: تستمر الآيات الكريمات

د. فرحات: هذا يدلنا على شيء، من الذي يدّعي الإصلاح؟ الذي عنده رسالة سابقة أم الذي ليس عنده رسالة؟ هم عندهم شيء لذلك هم يدعون الإصلاح، هم أصحاب رسالة سابقة.

المقدم: والقرآن قال (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (12) البقرة)

د. فرحات: ويقول في سورة البقرة أيضاً (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13)) ثم يقول (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا (142) البقرة) الفساد في الأرض إذا ذُكر ينسب إليهم.

المقدم: إذن عندنا مجموعة من الفئات عندنا متقين وعندنا مؤمنين من العرب وغيرهم وعندنا كفار وعندنا منافقين. هنا تأتي الإشكالية (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17)) سبق قبلها المنافقين وسبق قبلها الذين كفروا، (مثلهم) لمن تعود؟ مثلهم لي الطائفتين؟ أم ينطبق على الفئتين من الناس؟

د. فرحات: ذُكِر الكافرون أولاً ثم المنافقون ثم قال (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (16)) (أولئك) تعود إلى الكافرين وإلى المنافقين. إذن بعدما ذكرهم بهذه الطريقة بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى سيضرب لهم مثلين بعض المفسرين يجعل المثلين للمنافقين والبعض الآخر يجعل المثل الأول للكافرين والآخر للمنافقين

المقدم: قال تعالى (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) رجعنا إلى الهداية مرة ثانية وأود أن أربط بين الهداية في سورة الفاتحة وفي أول سورة البقرة وفي تضعيف الآيات فكيف نفهم الهداية هنا؟

د. فرحات: هم كانوا ينتظرون مجيء الهداية عن طريق النبي المنتظر، هم قالوا سيأتي نبي وكانوا يستفتحون به على العرب لبأنه سيأتي نبي وسنؤمن به وسنقاتلكم قتل عاد وإرم (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ (89) البقرة) إذن الهداية جاءت ولكنهم أعرضوا عنها فأصبحوا على ما كانوا عليه دون أن يستفيدوا من هذه الهداية الجديدة.

المقدم: فسجّل القرآن (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى)

د. فرحات: كيف اشتروا الضلالة بالهدى؟ الشراء والبيع هو عبارة عن مبادلة مال بمال هذا تعريف عقد البيع، معروض عليهم الهداية التي جاءت ومعروض عليهم أن يبقوا على الضلال الذي هم عليه فآثروا أن يبقوا على الضلال ولم يأخذوا الهداية التي جاءتهم فكانوا كمثل الذي استبدل شيئاً بشيء أو باع شيئاً بشيء

المقدم: والباء تدخل على المتروك يعني هم أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. نقف عند هذا الربط بين الهدى وبين نقيضه ولم يأت الضلال،

د. فرحات: (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى)

المقدم: ما وصفهم بأنهم ضالون

د. فرحات: هم اشتروا الضلالة أخذوا الضلالة فالذي لا يأخذ الهداية يكون ضالاً، هو اشترى الضلالة هو آثر أن يكون ضالاً عرضت عليه الهداية فأبى أن يهتدي بها

المقدم: هم كفار منافقون ضالون؟

د. فرحات: طبعاً، (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى) هنالك ضالّ وهناك من يشتري الضلالة يدفع ثمنها

المقدم: (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) إذن مناط التكليف كله على الهداية؟

د. فرحات: طبعاً.

المقدم: يشرع القرآن بضرب المثلين، أنت ترجح لمن يكون المثل؟

د. فرحات: مرجح أن تكون للكافرين. قال (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً) يعني مثل الكافرين من اليهود الذين سبق ذكرهم في شرائهم الضلالة بالهدى كمثل الذي استوقد ناراً إنسان طلب أن توقد له نار ليهتدي بها فلما أوقدت النار انصرف عنها واستفاد منها غيره وهو لم يستفد منها. هم كانوا يستدعون النبي يطلبونه أن يأتي (استوقد) هم استوقدوا مجيء النبي، طلبوا مجيء النبي فلما جاءهم ما عرفوا فلم يستفيدوا منه واستفاد غيرهم منه ودخل غيرهم في الإسلام.

المقدم: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) الله هو الذي ذهب بنورهم؟

د. فرحات: (ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ)، النار باقية والرسول باقٍ والهداية باقية فما الذي حصل؟ هم انصرفوا عنها ولذلك قال (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) إذن النار باقية لكن كأن الله ذهب بنور أبصارهم حينما انصرفوا عن هذه الهداية. فإذن نلاحظ في آية الكافرين قال (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ (7)) وهنا نفس الشيء يقول (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) هناك تناسب بين الآيتين.

المقدم: (فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ) استخدم أضاء والنور فلماذا لم يستخدم نفس اللفظة ضوء أو نور؟

د. فرحات: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ) بنورهم يعني بنور أبصارهم ليس بنور النار، النار باقية لم تذهب النار ولذلك يستفيد منا الآخرون، أضاف النور لهم وليس للنار. فالمقصود فيها نور البصر لأنهم لم يستفيدوا من هذه النار التي أمامهم

المقدم: هل هناك فرق بين الضوء والنور في القرآن؟

د. فرحات: النور ترى به الأشياء والضوء قد يكون فيه حرارة مع النور

المقدم: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) البقرة) هذا مثل آخر؟ ولمن؟

د. فرحات: هذا مثل آخر ينطبق على المنافقين. و(أو) في هذه الحالة نعتبرها للتقسيم. القسم الثاني بدأ بـ (أو) و(أو) تأتي للتقسيم وتأتي للإباحة في اللغة. الإباحة مثال صاحِب فلان أو فلان أنت مخيّر أن تصاحب هذا أو هذا مباح لك هذا أو هذا. التقسيم عندما تقول مثلاً (وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ (135) البقرة) هنا (أو) للتقسيم، هنا الكلام جاء لليهود والنصارى مع بعض لكن تقدير الكلام “وقالت اليهود كونا هوداً تهتدوا وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا” لأن النصارى لا يقولون على اليهود أنهم على هدى واليهود لا يقولون على النصارى أنهم على هدى. أوضح من هذه (حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ (24) يونس) ليلاً أو نهاراً، رب العالمين يعرف متى ستأتي في الليل أو في النهار لماذا قال ليلاً أو نهاراً؟ لما كانت الأرض كروية إذا جاءت في الليل هنا ستكون في النهار هناك فلو قال ليلاً فقط سيقول الذين جاءتهم بالنهار القرآن غير دقيق في التعبير

المقدم: ليلاً أو نهاراً هنا لا تعني التحديد

د. فرحات: يعني على نصف الأرض ليلاً وعلى نصفها نهاراً. هذا اسمه التقسيم، على قسمها الأول ليلاً وعلى قسمها الآخر نهاراً وهذه تثبت كروية الأرض (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ (5) الزمر) ليله مكور ونهاره مكور فيجب أن تكون الأرض كرة حتى يكور الليل والنهار.

المقدم: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) الأنبياء) كل في مدارات دائرية مختلفة. (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ (19) البقرة) هذا للتقسيم؟

د. فرحات: هذا التشبيه للقسم الثاني من اليهود الذين هم المنافقين

المقدم: ما هو الصيب؟

د. فرحات: الصيب هو المطر النازل من السماء يصب يعني ينزل. صيّب مطر إذا كان كثيراً يقال له وابل وإذا كان خفيفاً يقال له طلّ والغيث يعني يغيث الناس بمعنى أنه يصلح زراعتهم ويسقي النبات.

المقدم: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)

د. فرحات: هنا فيه حذف أو مثل المنافقين في شراء الضلالة بالهدى كمثل أصحاب صيب كممثل ناس يسيرون في مطر أو المنافقين في شرائهم الضلالة بالهدى كمثل أصحاب صيب يسيرون في مطر هذا المطر يصاحبه رعد وبرق والظلمات هي ظلمة الليل وظلمة المطر وظلمة السحاب وما يصاحبه (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) يصاحبه رعد ويصاحبه برق.

المقدم: ما وجه الشبه أو ما الرابط بين المشبه والمشبه به؟ الذين اشتروا الضلالة بالهدى وأصحاب الصيب؟

د. فرحات: المطر فائدته في أنه ينقذ الناس وأنه يترتب عليه خير كثير فالمطر مثال للقرآن والرعد والبرق مثال للزواجر الموجودة في القرآن والتهديد بالعذاب والبرق للأشياء التي يمنحها الإسلام لمن يدخل في الإسلام مثلاً (كلما بدا برق ) لما ترى البرق تستبشر بالخير لكن الرعد مخيف (يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) من هم؟ الذين يسيرون في هذا الصيب والمنافقون يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا الخير الذي جاء به القرآن. إذن هم تركوا المطر وانصرفوا إلى ما يصاحبه من الصواعق والمنافقون تركوا القرآن وانصرفوا إلى ما فيه من التهديد والوعيد، هذا وجه الشبه والرابط بينهما.

بُثّت الحلقة بتاريخ 23/4/2010م