الحروف في القرآن الكريم, حرف الخاء

حرف الخاء – منظومة الفيوضات الإلهية (خير)

اسلاميات

منظومة الفيوضات الالهية  (خير)

 

خير– رحمة  – رزق- نعمة– مِنّة –  فضل – بركة – احسان – هبة –

هذه من منظومة الفيوضات الالهية الذي لا حد له ويبدأ بكلمة الرحمة وكل أنواع الفيوضات الالهية من نعمة وفضل واحسان ومِنّة وبركة كلها ننفرع من كلمة الرحمة. والرحمة نوعان رحمة في الدنيا وهي تشمل كل المخلوقات لا فرق بين مؤمن وكافر ولا بين موحّد ومشرك وهي من عطاء الربوبية ورحمة في الآخرة وخي خاصة بالمؤمنين الموحدين وهي من عطاء الألوهية كما قال تعالى (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الاعراف) ولهذا قال العلماء (الرحمن الرحيم) أي رحمان الدنيا ورحيم الآخرة.

الرحمة: هي رفق يؤدي الى حسن الرعاية والاحسان والتعطّف بالخلق ومنها يتفرّع بقية الفيوضات فيأتي الخير والفضل والرزق والنعمة والمِنّة والاحسان والبركة.

الخير: في كتاب الله تعالى يشمل كل انواع الفيوضات، كل شيء تشتهيه النفس وتحبه حباً جمّاً عظيماً مهما كان نوعه (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) آل عمران) كل هذه الشهوات الى آخر ما في الدنيا من منع ومتاع وشهوة وشهية من انواع الخير وكل ما يحبه الناس ولا يختلفون في حبه فهو من الخير (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) العاديات) فالخير هو كل شيء تحبه من نفوذ وسمعة وبنين ومال وصحة (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الانبياء) اختبار لكل ما تحبه. فالخير كل شيء تحبه ايجابياً كان أم سلبياً.

الرزق: هو الخير وكل ما سيأتي هو كله خير والدافع للخير الرحمة والخير يتفرع الى أنواع كل نوع من أنواعه له كلمة تدل عليه مباشرة. والرزق هو الخير المتعلق بالطعام والغذاء (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) المائدة) نعمة الغذاء ومكافحة الجوع وكل ما يتعلق بالطعام والاطعام هو الرزق وهو الذي يمسك على الانسان حياته. حيثما وردت كلمة الرزق في القرآن دلت على الطعام (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) النحل) (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) الانعام) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) يس) فهموا ان الطعام هو الرزق. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) البقرة) (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) البقرة) (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) يوسف) (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) الكهف) وهكذا في كل مرة ترد كلمة رزق في القرآن فهي تعني الطعام حصراً (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) البقرة). قال تعالى (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) الذاريات) أصل الغذاء المطر.

النعمة: الخير عام وهو كل مجموعة النعم مادية ومعنوية. إذا جزّأنا الخير الى جزئيات فكل جزئية هي نعمة. قال تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) النحل) انعم الله تعالى علينا بنعم عديدة كالسمع والبصر وغيرها يمكن عدّها لكن لا يمكن حصرها أي معرفة اسرارها واعجازها وفضل الله تعالى علينا بها وقدرته سبحانه وتعالى. النعمة جزئية واحدة من الخير العام الشامل. والفرق بين الخير والرزق في القرآن (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) يس) هذا خير عام (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة) هذا مال، خير مال في الانفاق والرزق هو الطعام. والطعام في كثير من العصور والعهود أفضل من المال بكثير خاصة في حالات المجاعة تكون فيها كسرة الخبز أفضل من مليون دولار ولهذا قال تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) البلد).

المِنّة: نعمة معنوية لا يفعلها الا الله عز وجلّ  وهي أعلى من كل ماديات الأرض ولا يهبها الا الملوك العظام لأتباعهما. والمِنّة غير مادية ليس بها شهوة وانما هي عطاء عظيم لا يفعله الا الله تعالى (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) الصافات) من غير الله تعالى قادر على أن يفعل لموسى وهارون ما منّ الله تعالى به عليهما، (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران) من الذي يستطيع أن يمنّ علينا برسول مثل محمد صلى الله عليه وسلم إلا الله تعالى، (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) الحجرات). المِنّة اذن هي النعمة العظيمة غي المادية لأنها أكبر وأرقى وأغلى من كل ماديات الأرض ولا يفعلها الا الله تعالى (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) القصص) منّ الله تعالى على بني اسرائيل بعدما استضعفوا بأن أورثهم الأرض.

الفضل: وسام أو نعمة يهبها الله تعالى لعباد مخصوصين جداً ليميّزهم على من سواهم كأن يكون عندك مئة ضابط ثم تعطي واحداً منهم وساماً فيصبح يشار اليه بالبنان. قال تعالى (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) النساء) لم يؤت تعالى هذا إلا للرسول صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) الاسراء) كل نبي له ميزة عن الآخرين موسى وعيسى وسليمان وداوود (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) سبأ) الجبال تؤب مع داوود فقط والحديد يلين له، (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) النمل) (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) النور) من غير أبي بكر آتاه الله تعالى هذا الفضل؟ وفضل الله تعالى عيسى ابن مريم بأشياء ميزه بها عن غيره من ابراء الأكمه والأبرص والكلام في المهد وغيرها، (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) آل عمران) نزلت في غزوة أحد عندما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وعلي وبعض الصحابة في أثر ابو سفيان وجمعه ليرهبوهم فقيل لهم ان الناس قد اجتمعوا لكم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. وقيل ان حسبنا الله ونعم الوكيل قالها سيدنا ابراهيم عليه السلام عندما ألقي في النار فنجاه الله تعالى منها. والله تعالى يعطي كل انسان فضلاً لا يعطيه لأحد غيره فيصبح متميزاً على من سواه (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) هود) (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) يونس)

البركة: شيء يسير يقوم بوظيفة الشيء الكبير مثل حفنة ماء سقى بها النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً كاملاً. فالبركة هي الشيء اليسير يودعه الله تعالى طاقات كبيرة وبركة كبيرة. كلما قلنا تبارك الذي جعل في السماء بروجاً أي اعطانا نعمة لا حدود لها فتخيل كم يستفيد الناس من النجوم والبروج وكذلك انظر في تلك الحبة الصغيرة (الحبة السوداء أو حبة البركة) كم أودع الله تعالى فيها من البركة ففيها شفاء للعديد من الأمراض وفيها طاقات هائلة. والليلة المباركة التي نزل فيها القرآن الكريم (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) الدخان) هي ليلة مكونة من بضع ساعات هي خير من عبادة الف شهر تغفر فيها الذنوب وعجائبها لا تنتهي. وقال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ص) كتاب واحد لا تنقضي عجائبه وكل عصر يكتشف فيه الناس ما لم يعلمه احد قبلهم وفيه منافع وأسرار جديدة. وقال تعالى على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) مريم) تكلم في المهد وأحيا الموتى وأبرأ الاكمه والأبرص. فالبركة هي ان يودع الشيء اليسير طاقة أشياء كثيرة.

(في اتصال لاحدى المشاهدات أضافت كلمة هبة كما جاء في قوله تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) الشورى).

هذه هي منظومة الفيوضات الالهية عندما يفيض الله تعالى على عباده بفضله واحسانه ورحمته ونعمته ومنّته. وفي الحديث عن سورة البقرة ” خذوها فإن أخذها بركة وتركها حسرة وندامة ولا يطيقها البَطَلة” فسورة البقرة فيها من المنافع علمياً ونفسياً وعقيدة وحماية وعصمة الكثير.

قال تعالى (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) البقرة) كل شيء في كل الاتجاهات نفسي او مالي او علاجي او جسدي وكل خير داخل في هذه الآية. (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) آل عمران) يشمل كل شيء حتى الخاطرة. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج) خير عام ليس فقط مال بل كل ما تشتهيه النفس. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {س}(77) الحج) بكل أنواعه. (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) الاحزاب) على كل شيء العلم والهداية والمال وكل ما هو محبوب. (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) البقرة) حتى الصحة. فالخير شيء والروق شيء آخر والفضل شيء آخر.

الفضل: لو تأمل كل انسان في نفسه لوجد أن فيه فضل لا يملكه الآخر إما نفسي أو علم او اخلاق او صوت ولا بد أن يكون له ميزة أو صفة أو حال أو سمت معين لا يملكه الآخر. (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) الحديد) (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) الاحزاب) سيتميزون بفضل من الله تعالى على الكثيرين وهم قِلّة.

البركة: اختص الله تعالى بها المؤمنون وهي تتبع التقوى فكلما تقدّمت في التقوى تقدمت في عالم البركة (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) البقرة) فالبركة زيادة الخير غير محسوسة لا تّرى. وإلا كيف نفسر اجتماع مجموعة من الناس على طبق صغير يأكلون منه جميعاً ويشبعون؟ وبعض الناس عندهم على قليل لكنهم نفعوا به الكثيرين. والبركة تكون في كل شيء سيارة أو بيت أو زوجة. والفَرَس في البيت تأتي معها البركة والخير فيها الى يوم القيامة. والرسول صلى الله عليه وسلم يوصينا بلعق بقايا الطعام من الوعاء والأصابع لأن في آخر الطعام الربكة. وكذلك من توجيهاته صلى الله عليه وسلم أن في السحور بركة كما يوجهنا أن غسل اليدين قبل الطعام وبعده بركة والوضوء بركة وخاصة لمن يداوم على الوضوء فكلما انتقض وضوءه جدّده وفي هذا الحديث عن بلال رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لبلال أنه سمع دف نعليه في الجنة فأخبره أنه كان يداوم على الوضوء والوضوء يفيض على الانسان مشاعر ايمانية ايجابية عظيمة.

والبركة في الوقت أساسها التقوى وإذا نظرنا في تاريخ سلفنا الصالح نتعجب كيف كانوا يكتبون كل تلك الكتب والمؤلفات التي تركوها في وقت قصير وكانوا صغاراً في السن هذا كله من البركة في الوقت والعلم.

والبركة في الأرض تتأثر بالظلم أو العدل فالعراق مثلاً كان من أخصب الأراضي في المنطقة لوجود نهري دجلة والفرات وكان فيه من الزرع والنخل ما كان يسد حاجات الدول المجاورة ولكن بسبب الظلم الذي شاع بين الناس أفقرت الأرض وأصبحت السعودية التي كانت صحراء مصدراً من مصادر تصدير الحنطة للعراق قال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) هود). وقال هارون الرشيد : الغنم ضرعها يدر لبناً بالعدل ويجفّ بالظلم.

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاذ بن جبل عن الخير قال معاذ: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقلت يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار فقال صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت. قال ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال الصوم جُنّة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وتطفئ غضب الرب وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله فقال كفّ عليك هذا وأمسك بلسانه قلت أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكبّ الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟

هذه أبواب الخير يوم القيامة وما أسهلها ويغني عنها بعد الأركان الخمسة كفّ اللسان.

في هذا العصر نعاني من قلة البركة في المال مع توافره وقلّت القناعة لشدة قساوة الناس والظلم الذي يسود بين البشر وموضوع البركة موضوع غير معقول  ونفسية الانسان تنعكس على فعله مباشرة وعلى البركة والكون كله مليء باللامعقول. يقول صلى الله عليه وسلم ” من تعلّم كلمة أو كلمتين أو ثلاث أو أربع أو خمس مما فرض الله عز وجلّ يعلّمهن ويتعلّمهن دخل الجنة”  فليست العبرة بالكثرة ولا بالكمّ. ويقول صلى الله عليه وسلم :أكثر النساء بركة أيسرهنّ مؤونة” إن لله تعالى نفحات فتعرضوا لنفحات الله.

أرض فلسطين تلك الأرض المباركة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم بركتها في أنها قلب العالم ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وبها صلى بالأنبياء جميعاً والله تعالى ضاعف العمل فيها وجعل أهلها أهل رباط والذي يجري فيها الآن ما هو إلا تصحيح وجهاد وهي لن تجوع ولن تعرى ولن تُحتلّ إلا لفترة من الزمن ولشدة حب الله تعالى لأهل هذه الأرض المباركة يبتليهم ليرفع درجاتهم فقد جرى على أهلها ما لم يجري على بشر يُذلّون ويهانون ومع هذا تجدهم صابرين يجاهدون فهذه بركة في السماء والأرض وفي الدنيا والآخرة وما يجري فيها لن يفتّ في عضدها وشعبها تعوّد على العطاء والبسالة والجهاد وطفل منهم بجيش بأكمله.

بُثّت الحلقة بتاريخ 5/8/2005م