لمسات بيانية, لمسات بيانية - حلقات

لمسات بيانية – الحلقة 50

اسلاميات

الحلقة 50

 

سؤال 212: ما معنى الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) الممتحنة) وأين أماكن الوقف؟

هذه الآية الأولى في سورة الممتحنة التي يقول فيها الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) الممتحنة) قلنا في مرة ماضية إن العلامات التي في المصحف هي من إجتهاد اللجان التي تولت طباعته. فقد يجد المسلم إشارة بمنع الوقف. هنا عندنا إشارة عند قوله تعالى (يخرجون الرسول r وإياكملا) بعد كلمة (وإياكم) هناك إشارة (لا) يعني تقترح اللجنة أنه لا يستحسن الوقف هاهنا (يخرجون الرسول r وإياكم) ثم يأتي قوله تعالى (أن تؤمنوا) لأن معنى الآية هو يخرجون الرسول r ويخرجونكم لأنكم تؤمنون بالله ربكم، هذا هو المعنى. لكن إذا أحس القارئ أنه لو وقف هنا يتبيّن له المعنى أكثر (وإياكم) ثم يقول (أن تؤمنوا بالله ربكم ) معناه لأن تؤمنوا بالله ربكم أو يصِلها. نحن عندما نقول: أكرمت زيداً وأكرمت خالداً هذا فيه تكرار والتكرار لا يكون إلا لغرض بلاغي إذا أراده المتكلم أن يخصّ خالداً بإكرام منفرد به فيقول أكرمت زيداً وأكرمت خالداً. لكن عادة العرب أنها تحذف الفعل وتستغني بحرف العطف (أكرمت زيداً وخالداً) يعني وأكرمت خالداً ولذلك يأخذ الحركة الإعرابية. إذا كان خالداً مخاطباً يعني إذا قال أكرمت زيداً وأكرمت :لا يقول له خالداً ويشير إليه وإنما يستعمل الضمير فيقول له أكرمت زيداً وأكرمتكَ. فإذا حذف أكرمت سيبقى الضمير (الكاف) لوحده والضمير وحده لا يقف ولا بد من اعتماده على (إيّا) بعض العلماء يقولون هي إعتماد وقسم يقول هي والكاف بجملتها تكون ضميراً، تكوّن ضمير النصب. فهنا المعنى: يخرجون الرسول r ويخرجونكم، يخرجون الرسول r ويخرجونكم فيها تكرار فحذفت يخرجون وبقيت (كُم) لوحدها (يخرجون الرسول r وكُم) لايستفيم فتأتي (إيّا) فصارت (إياكم) بمعنى يخرجون الرسول r ويخرجونكم.

(أن تؤمنوا بالله ربكم): هنا اللام محذوفة كأنه مفعول لأجله يعني (لأجل إيمانكم أخرجوكم). (أنّ) تحذف قبلها اللام في لغة العرب كما قال الله سبحانه وتعالى (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) بمعنى لئن جاءه الأعمى. اللام تحذف كثيراً لأنها تكون مفهومة والعربي إذا كان الشيء مفهوماً لا يذكره ولذلك أحياناً إذا ذكر في موطن الفهم الواضح يقولون هذا شاذّ كما قال:

لك العِزُّ إن مولاك عزّ         وإن يُهِن فأنت لدى بحبوحة الهون

قالوا: فأنت لدى بحبوحة الهون كائن، قال: هو واضح كائن. زيدٌ في الدار لا نقول زيد كائن في الدار فالحذف هنا واجب.

(لا) بعد إياكم) في الآية (يخرجون الرسول r وإياكم) لا نقف عند إياكم وهذا إجتهاد اللجنة ويمكن أن تستقيم العبارة (يخرجون الرسول r وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم) هذه ليست إياكم التحذيرية بمعنى إياك أن تفعل كذا، أحذّرك. لا تقف عند الرسول r لا يجوز لأنه فصلت بين المعطوف عليه والمعطوف وسيلتبس المعنى عند ذلك تصبح كأنه ينهاهم عن الإيمان ولذلك لو وضعت (لا) بعد الرسول r لعلّها تكون أوجه وأقوى (يخرجون الرسول rلا وإياكم) لا بد أن تصِل. اللجنة أرادت أن تُقرأ الآية كاملة. هذه العلامات غير منضبطة في المصاحف ولكن في الغالب علامة الوقف متشابهة في المصاحف وهناك خلافات يسيرة جداً جزئية وقد رجعت إلى أكثر من مصحف ووجدت الجميع يضع (لا) على هذه الكلمة كأنه يريد أن تُقرأ الآية كاملة ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْلا أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) الممتحنة)). لكن الإنسان قد ينقطع نفسه فهو يحتاط لذلك ولا يكون كهذا الذي قرأ (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته) يقف هنا. لو اعتقد صحة معنى هذا الوقف قد يُخرج من المِلّة لأن الله عز وجل لا يحمل إصراً. لكنه وقف ليس لأنه يعتقد ذلك وإنما لأنه انقطع نفسه. ينبغي للإنسان أن يحسب للأمر حسابه أن نفسه قصير فيقف في المكان الصحيح. لذلك انظر إلى المجوّدين: الآن الطاغي على الإذاعات وأجهزة التلفاز هذه القراءات المرتّلة طغت وفيهم من يقف وقفات يستحق أن يُعزَّر عليها. لما تسمع قراءة المجودين لعبد الباسط، المنشاوي، الحصري، الشعشاع، محمد رفعت عندهم نفس طويل وليس كلإنسان له صوت حسم مجوداّ للقرآن وليس كل مجوّد للقرآن لديه نفس طويل. وينبغي أن تتوفر في المجود شروط منها طول النفس حتى لا ينقطع نفسه.

هذه الآية لها قصة هي بطبيعة الحال كما يقال خصوص السبب لا يمنع عموم المعنى واللفظ (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب). نزلت هذه الآية بسبب معين فيه درس للمسلمين وفيه إستفادة وفيه بيان لرحمة رسول الله r الرحمة المهداة r. بعد صلح الحديبية نكثت قريش العهد وقتلت مجموعة من حلفاءالرسول r ومزقت المعاهدة بهذا العمل وأراد r أن يعدّ العدّة لفتح مكة وكشأنه في سائر أموره كان يستشير ويسأل. في هذه المرة إستشار عدداً محدداً ولما افتضح الأمر ما غضب الآخرون لمَ لم تستشرنا لأنهم يثقون بفعل رسولهم r وهذا ينعكس حتى على الإمام الحاكم المبسوط الطاعة ليس شرطاً أن يستشير كل الناس لأن بعض الأمور تحتاج إلى كتمان فيستشير بعض الناس. ممن استشارهم أحد المهاجرين وبدريّ من أهل بدر، ممن شهد بدراً وهو حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إستشاره وصار الرأي أن يفتح مكة وجميع المسلمين لا يعلمون. حاطب كتب رسالة إلى قريش – وهو مهاجر وقاتل في بدر لكن هذه خطرات الشيطان – كتب إلى قريش يُعلمهم فيها بعزمالرسول r. علِم r بذلك. أرسل حاطب الرسالة مع إمرأة، الذي يروي الحديث هو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: دعاني الرسول r r وقال (قي رواية البخاري): تذهب مع أبي مرثد والزبير رضي الله عنهم جميعاً، قال ستجدون إمرأة في المكان الفلاني (وسمى المكان خاخ) ستجدون معها رسالة ائتوني بالرسالة. ذهبوا إليها، هم فرسان وهي تركب ظعينة على بعير فأنكرت وأقسمت وهي مشركة أنه ما معها شيء وكادوا يرجعون ثم تنبّه الإمام علي فقال: والله ما كذبنا رسول الله r لتخرجنّ الرسالة أو في روايتين: لأعريّنّك أو لأقطعنّ رأسك، وفي الحالين الإمرأة العربية ما عندها استعداد لذلك فأخرجت الرسالة من ضفيرتها فجاءوا بها إلىالرسول r. هذا كشف سر حربي فكيف يتصرف الرحمة المهداة؟ لا ينسى ماضي الرجل، له ماضي وهو مؤمن، يرسل إليه فيقول: ما حملك على هذا؟ فيقول: يا رسول الله والله ما حملني عليه ردّة عن الإسلام أو كفرٌ بك أو كفرٌ بالله سبحانه وتعالى ولكن إخواني من المهاجرين لهم عشائر، الله سبحانه وتعالى جعلهم سبباً في حماية من هناك من ذرياتهم – هو كان لصيقاً بقريش ولم يكن عنده احد وأولاده وذريته هناك – أنا ما عندي أحد فأردت أن تكون لي يد ينفعني الله بها عندهم (نلاحظ أنه ردّ الأمر أيضاً إلى الله) وفي رواية (وقد علمت أنهم مهزومون) أي حتى إذا علموا فهم مهزومون، فقال r: صدقت. أحد الصحابة ويروى أنه عمر قال: يا رسول الله هذا نافق فلأقطع عنقه، قال: ما يدريك لعل الله عز وجل إطّلع على قلوب أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم. لأن هؤلاء بنوا دعامة الإسلام فلا ينبغي أن يُنكر لذلك ولا يجوز إنكار فضل ذوي الفضل (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) يعني الشخص الذي له منزلة وقيمة إذا عثر أقِله وإقبل منه لكي يتوب إلى الله عز وجل. والآية تخاطب المؤمنين على مر العصور صحيح أنه لهذه الواقعة لكن تذكر أن رابطة العقيدة هو الرابطة الحقيقية وليست رابطة النسب (لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم) هذه الرابطة الأنساب لتتعارفوا. يروى عن عمر كان يقول: لا يكن أحدكم كعرب الأنباط إذا سُئل من أين الرجل؟ قال أنا من بلدة كذا. بلدة كذا فيها شتى العشائر فلا تقول أنا من البصرة لكن قل لي من أيّ القبائل حتى نتعارف ونتبيّن العربي من غير العربي.

(يا أيها الذين آمنوا): نداء بأحبّ صفة للمسلمين وهي الإيمان. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) الذي كفر بهذا الدين لا مجال للمودة بيني وبينه، يمكن أن يكون عندي إشفاق عليه وأدعوه إلى طاعة الله لكن لا يكون حباً وإنما إشفاق لأن هذا قد يدخل النار فأنا حريص على دعوته لطاعة الله سبحانه وتعالى. (عدوي وعدوكم) عدو المؤمنين هو عدو الله سبحانه وتعالى لأنهم كفروا بما أنزله الله سبحانه وتعالى, من أين جاءت العداوة؟ ما نقمتهم؟ ماذا صنع أصحاب الأخدود بالملك؟ لم يعملوا إنقلاباً وإنما مجرد آمنوا بالله سبحانه وتعالى (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) البروج) مجرد الإيمان يوغر صدور الكافرين فلا يجوز أن تلقي إليهم بالمودة ولا يجوز أن تسمعهم المودة.

(يخرجون الرسول r وإياكم) : إستعمل الفعل المضارع ولم يقل أخرجوا، هم واقعاً أخرجواالرسول r وأخرجوكم لكن الفعل المضارع لأنه يدل على الإستمرار يعني هذا شأنهم وهذا دأبهم وهذه أخلاقهم وهم ماضون في إخراج إخوانكم الآخرين فإخراجهم إخراجٌ لكم. هم مستمرون في المضايقة. ما قال (أخرجوا) حتى لا تكون القضية تاريخية وإنما واقع حال فكيف تلقون إليهم بالمودة؟ والمشكل هو إيمانكم (أن تؤمنوا بالله ربكم) فقط.

(إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي): هذا الشرط جوابه محذوف دلّ عليه ما قبله وهو (إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تلقوا إليهم بالمودة ولا تسروا إليهم بالمودة) يعني دلّ عليه ما تقدّم وهذا تأكيد له (تسرون إليهم بالمودة). هذا الإسرار لا ينفع لأنه تعالى قال (وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) (ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) من يلقي إليهم بالمودة ويسر إليهم بالمودة فقد ضل سواء السبيل، حاد عن الطريق المستقيم السليم. وفيه لمسة رحمة بالمسلمين: قال ضلّ سواء السبيل ما يقل كفر، إنما إنحرف عن الطريق وينبغي أن لا ينحرف فيُعاد إلى الطريق ولم يقل كفر.

دلالة إستخدام الفعل (يُخرج) تحديداً، ما قال: يطردكم. لأن هذا بلدكم، هذا مكانكم والإنسان مرتبط بمكان نشأته لذلك المسلمون أقاموا في المدينة دولة الإسلام كما سميت باكستان الأرض الطاهرة، هذه المدينة المنورة هي الأرض الطاهرة أرض دولة الإسلام مع ذلك كان يقف بلال رضي الله عنه وينشد أبياتاً يتغنى فيها بمكة وأماكن مكة (قد يكون من شِعره أو حفظها عن غيره):

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة             بوادِ وحولي إذخرٌ وجليل

وهل أرِِدن يوماً مياه مجنّة               وهل يبدونّ لي شامت وطفيل

(إذخر وجليل) مناطق في مكة وشامت وطفيل جبال وكل مكان له فيه ذكريات. يقول له رسول الله r: يا بلال دعِ القلوب تقِرّ. أي لا تهيّج قلوبنا إلى مكة ثم قال r: اللهم حبِّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة.

هم أخرجوهم إخراجاً، الطرد: أنت قد تطرد شيئاً لصيقاً، لكن تخرجه يعني كأنك تقلعه من جذوره. الإخراج تقول: أخرجه من المكان الفلاني تدل على علاقة متينة بالمكان كأنه متأصّلٌ فيه (ويخرج أضغانكم) كأن الأحقاد متأصلة ولكن الله تعالى يخرجها.

(إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) الممتحنة) هذه حالهم فكيف تسالمونهم؟ ثقِفَه بمعنى إستولى عليه أو حصل عليه. حتى في العامية نستعمل كلمة قريبة من ثقف وهي (لقف) نقول لقفه أي حصل عليه كأنه يُمسِك به. (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) هذه المودة في قلوبهم، هذه الرغبة والحرص الشديد على كفر المسلمين ويريدون ـأن يعيدوكم إلى ملّتهم.

(لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) الممتحنة): لن تنفعكم يوم القيامة، يمكن أن نربطها بـ (لن تنفعكم يوم القيامة) أو بـ (يفصل بينكم). الذي ينفع أُخوّة الإيمان وليس الأرحام؟ الأرحام ليست هي الأصل مع أن هناك وصية وتشديد في صلة الرحم لكن الرحم هو رحم الإيمان. الرحم رحم جنس ورحم الإيمان فإذا فُقِد رحم الإيمان فعند ذلك لا يجوز هذا ويكونون أعداء. (يكونوا أعداء) هم ليسوا نسيجاً وحدهم في هذا لكن يذكّرهم الله تعالى بما كان من إبراهيم وقومه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) الممتحنة) الرابط هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتخيّل هذا في بيئة عشائرية لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النادبات، إنما فقط يقول يا آل فلان لا يسألونه. في هذه البيئة يقول لهم إذا كان أرحام معها إيمان لا بأس أما إذا كان أرحام كفرة فهؤلاء أعداء ولا يجوز أن تلقوا إليهم المودة.

سؤال 213: في قوله تعالى (وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) الأعراف) الجمل أحياناً تُقرأ الجُمّل بالتشديد فهل يختلف المعنى بهذه القراءة؟

هذا السؤال قديم ولعلنا تكلمنا عنه مرة بشكل سريع. أولاً كلمة الجمل في اللغة لها أكثر من معنى. فمن معانيها الحيوان المعروف (الجمل) الذي هو الناقة والإبل والبعير والجمل، هذا معنى من معانيها. ومن معانيها هو إسم لجنس سمك معيّن العرب تسميه الجمل (سمكة في البحر تسمى جملاً). ومن معانيها: الحبل الغليظ، فله ثلاثة معاني. نحن عندما نجد معاني متعددة للكلمة نحاول أن نرى العلاقة بين الألفاظ. فلما عندنا كلمة سم الخياط وهو ثقب الإبرة أو خرم الإبرة، هذا الثقب يناسبه الخيط وليس الجمل الحيوان لكن لا يمنع أن يكون المُراد هو الجمل لكن الأكثر موافقة لصورة النص هو أن يكون الحبل الغليظ أو الذي تشد به السفن يكون في غاية الغلظ. يقوّي هذا أنه نحن عندنا قراءة شاذة وذكرنا أكثر من مرة أن كلمة شاذة لا تعني أنها خطأ وإنما تعني أنه لم يكن يقرأ بها جمهور عظيم من الناس. نقول هذه قراءة مكة يعني أهل مكة جميعاً كانوا يقرأون هكذا: الجمل. إبن محيصن، أحد العلماء كان في مكة لكنه كان يقرأ بروايات من قبائل قليلة فقرأ: الجُمّل (حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ). لما نأتي إلى كلمة الجُمّل وهو سمعها من أناس سمعوها من رسول الله r أو نقلت إليهم أو قرأوا بين يديه فأقرّهم لكن عددهم كان قليلاً فما جُعِلت متواترة لأن المتواتر هو قراءة أمّة، جمع عظيم من الناس. فلما قرأها وهي ليست قراءة أهل مكة التي هو مقيم فيها فلم يقرّوها وجعلوه قارئاً شاذّاً وجعلوه من القُرّاء الأربعة عشر (من الأربعة الذين فوق العشرة). هذا يعطينا درساً أن أهل مكة عدّوا هذه القراءة شاذة لأنه كان يقرأ بقراءة من خارج بلدهم، حتى لا يقرأ أحدٌ في الشارقة (وأدخله النار) بالإمالة ففي البلد الذي يميل أمِل.

فما دام عندنا هذه القراءة والجُمّل له معنيان: الأول الحبل الغليظ وله معنى آخر وهو الحساب الخاص بالأرقام يسمونه حساب الجُمّل. الحساب لا شأن له هنا فإذن ما بقي إلا الحبل الغليظ. فلما يكون هناك قراءة لا تُحمل إلا وجهاً واحداً هو الحبل الغليظ وقراءة أخرى لها ثلاثة وجوه فإذن القراءة ذات الوجه الواحد تقيّد هذه الوجوه الثلاثة راجحاً ولا نقطع. لا نقول أن الذي قال الجمل مخطئ لأن العربية تحتمله بوجود هذه القراءة وهي قراءة عرب.

بمناسبة حساب الجُمّل نقول أن الذين يقومون بوضع حساب الجُمّل على ألفاظ القرآن الكريم واهمون خاطئون جداً لأن هذا الحساب له صورتان: صورة في المشرق وصورة في الأندلس والمغرب ويختلف لأن حساب الجُمّل قائم على حروف (أبا جاد). هم يأتون إلى أبجد هوز حطي كلمن وهذه غير ألف باء تاء ثاء جيم، هذا نسميه ترتيب ألف بائي وذاك الترتيب الأبجدي. لذلك قِسم يقول رتبت المصادر ترتيباً أبجدياً هذا خطأ وإنما يقال هو رتّبه ترتيباً ألف بائياً. الأبجدي يعني هل هو وضع (أ ب ج د هـ و ز)؟ إذا صنع هذا فهو ترتيب أبجدي. الترتيب الألف بائي أهل الأندلس ثم المغرب من ورائه يختلفون عن المشرق.

الترتيب وضعوا له أرقاماً إلى التسعة (أبجد هوز حط) إلى الطاء 9 ولما نأتي إلى الياء تصير 10 ثم الكاف 20، اللام 30، الميم 40، النون 50، إلى أن يصل إلى سعفص تصبح الصاد 90، القاف تبدأ 100 (قرشت) إلى الغين في (دضغ) تصير 1000. هذا غير متفق عليه حتى لا يحسب على كلمات القرآن. لأنه لو أخذت كلمة (ضرب) بحساب المشارقة 1002 وبحساب المغاربة 292 فكيف تقول أن القرآن ذكر هذا وهذه الأرقام، لا يجوز هذا. لأن عندنا السين 60 والمغاربة يضعون الصاد بدله الصاد 90 يضعون الضاد، الظاء 800 يضعون الضاد. ستة أحرف مختلف فيها معنى ذلك لما نأتي إلى (كهيعص) حسابها بحساب الجُمّل يكون 195 عند المشارقة و165 عند المغاربة فإذن حذار.

نقول هذا الكلام حتى لا يعتمد أحدٌ كلام الأرقام بحساب الجُمّل، أن هذه تُجمع هكذا وهذه تُجمع هكذا. هذا غير وارد لأنه على أي حساب يحسب؟ الأندلس أم البصرة؟

ما دلالة إستخدام فعل يلِج؟

يلج بمعنى يدخل ولم يقل يدخل لأن الدخول قد يكون براحة أما الولوج إلى المكان ففيه شيء من التضييق في المكان. ولوج شيء في شيء يعني كأنما يكون هناك تماسّ في الولوج لذا قال يلِج وتكون الحركة قليلة. أما الدخول فالدخول يكون واسعاً. قال يلج لأنه سم خياط وعادة حتى الخيط الرفيع لا بد أن يمس الأطراف.

سمّ: هو ثَقْب الإبرة والإبرة معروفة وهي التي يُخاط بها. ومعنى الآية دلالة على إستحالة دخول هؤلاء الذين هذه صفاتهم (كذّبوا بآياتنا) لاحظ ما قال كذّبوا آياتنا. (كذبوا بآياتنا) الباء التي فيها معنى التأكيد. كذّب بمعنى نسب الآيات إلى الكذب لكن كان يمكن أن يُعدّيها من غير باء يقول كذّبته أي نسبته االكذب لكن أدخل الباء إشارة إلى أنهم يريدون أن يلصقوا – لأن الباء الأصل فيها الإلصاق – وإن كان فيها معنى الزيادة والتوكيد كأنهم يريدون أن يلصقوا الكذب بالآيات إلصاقاً. يرغمون فكرة الكذب إرغاماً لتلتصق بآياتنا. هذا بذل جهد للتكذيب.

واستكبروا عنها: هذا الإستكبار والتعالي. وما قال استكبروا عليها حتى لا تكون الآيات تحتهم وإنما قال عنها، تجنبوها، وإن قال استكبروا والاستكبار إستعلاء قال استكبروا عنها أي إنحازوا عنها وانحرفوا عنها. الذي يبذل جهداً ويشتغل في تكذيب الآيات بنوع من الإستكبار لا تفتّح له أبواب السماء والسماء لها أبواب تحملها على الحقيقة أو على المجاز ونحن عندنا أحاديث صريحة بهذا.

Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:”Table Normal”; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:””; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:”Times New Roman”; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;}

أسئلة المشاهدين خلال حلقة 1/7/2006م:

ما اللمسة البيانية في تقديم هارون على موسى في الآية (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) طه)؟

(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) البقرة) في المغرب يقرأون برواية ورش عن نافع، أهل النحو يقولون أن كان هنا هي كان التامة فهل هناك فرق بين (كان) التّامة و(كان) الناقصة؟

ما هو إعراب كلمة (غفرانك) في (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) هل هي مفعول مطلق أو مفعول به؟

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) آل عمران) ما دلالة استعمال نزّل في المرة الأولى وأنزل في الثانية؟

ما دلالة إختيار صيغة إسم الفاعل على الصفة المشبهة في (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) ص) وهل الهاء في (إنه) هي ضمير متصل أو ضمير الشأن؟

ما الفرق بين الآيتين (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) آل عمران) و (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) آل عمران) الفرق بين يفعل ويخلق؟

بُثّت الحلقة بتاريخ 1/7/2006م

2009-01-28 09:32:17