لمسات بيانية - حلقات

لمسات بيانية – د. أحمد حسن فرحات – 4- المتشابه اللفظي في القرآن الكريم

اسلاميات

الحلقة 4

د. أحمد حسن فرحات

المتاشبه اللفظي في القرآن الكريم

المقدم: العرب يتلاعبون في الألفاظ فما هو تعريف المتشابه اللفظي في اللغة وتحديداً في القرآن الكريم؟

د. فرحات: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المتاشبه يأتي بمعنى المتماثل في اللغة نقول هذا يشبه هذا أي يماثله. لكن المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أُطلق فيما يقابل المتشابه المعنوي فهناك متشابه لفظي وهناك متاشبه معنوي. المتشابه المعنوي هو الذي ورد في قوله تعالى (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7) آل عمران) هذا يعتبر متشابه معنوي والقرآن وُصِف كله في بعض الآيات بالتشابه ووصف كله بالإحكام (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) هود) القرآن كله محكم بهذا المعنى. والتشابه العام (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ (23) الزمر) فالمراد بالمتشابه هنا المتشابه في الحق والصدق والعدل فالقرآن كله بهذا المعنى حق وصدق وعدل. أما المتشابه اللفظي فهو عبارة عن الآيات التي فيها ألفاظ متماثلة أو متشابهة فيها الزيادات في بعض الأحيان فيها نقص في بعض الأحيان، فيها تقديم فيها تأخير لأغراض وحكم الموجودة في كل حرف بل في كل كلمة بل في كل حركة كما سبق أن ذكرنا في الحلقة الأولى. هناك كتب مؤلفة في المتشابه اللفظي من هذه الكتب مثلاً كتاب الكرماني المسمى البرهان في متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان والكتاب المنسوب للخطيب الإسكافي وهو درة التنزيل وغرة التأويل في بيان المتشابه من آي التنزيل والكتاب الثالث هو أوسعها ملاك التأويل القاطع لذوي الإلحاد والتعطيل في بيان المتشابه من آي التنزيل، والكتاب مكتوب عليه خطأ “بذوي الإلحاد والتعطيل” القاطع بذوي كأنه ساطور يقطع فيهم بينما المقصود القاطع لحجتهم. هذا خطأ في التحقيق.

المقدم: في قوله تبارك وتعالى (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) البقرة)

د. فرحات: في سورة البقرة (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ (251)) هذا الجزء من الآية ورد في سورة الحج (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج) الآية الأولى في سورة البقرة جاءت تعقيباً على فرضية الجهاد على بني إسرائيل (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (246) البقرة) بينما الآية الثانية جاءت تعقيباً على الإذن بالقتال والجهاد للمؤمنين (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)) هذا التشابه في هذا الجزء

المقدم: ما الحكمة من هذا؟

د. فرحات: الحكمة من هذا أن هنا فرضية جهاد وهنا فرضية جهاد لكم في الآية الأولى قال (لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) كيف نتفسد الأرض؟ (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ) فكأن الجهاد شُرِع لرفع الفساد من الأرض

المقدم: والأشياء المذكورة هذه رمز الفساد في الأرض

د. فرحات: التفصيل هو في أن هذه الأشياء لولا الجهاد لهدمت أماكن العبادة وقضي على الحرية الدينية. فإذن شُرع الجهاد لتأمين الحرية الدينية حرية العقيدة وحرية العبادة. لكن ترتيب الألفاظ في الآية له غرض بياني قال صوامع وبيع الصوامع هي معابد الرهبان تقول راهب في صومعة هي مكان عبادة منفرد والبِيَع كنائس النصارى بشكل عام والصوامع خاصة بالرهبان معبد خاص للراهب تقول راهب وحده معتزل. والصلوات معابد اليهود والمساجد مصليات المسلمين. هذا الترتيب يلفت الانتباه هل هذا الترتيب زماني؟ ليس زمانياً لأنه بدأ بالنصارى ثم جاء باليهود ثم المسلمين. ما الحكمة من هذا الترتيب؟ لأن القضية تتعلق بالجهاد والنصارى يدعون أنه ما عندهم جهاد فجاء بهم في الأول، هم يدّعون أن الإسلام انتشر بالسيف وهم عندهم تسامح (من ضربك على خدك الأيمن فدر له الأيسر) (ومن سخّرك ميلاً فامشِ معه اثنين) (ومن خاصمك وأخذ منك الرداء فاترك له الثوب) هذه الأشياء موجودة في الإنجيل عندهم، هذا التسامح الذي يدعونه جاء القرآن ليؤكد أنه كان عندهم جهاد وأكد هذا المعنى في آية أخرى في سورة الصف (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)) إذن بدأ بالنصارى لأنه عندهم ادّعاء أن دينهم دين التسامح ثم رجع إلى اليهود ثم إلى المسلمين وليبين أن حق هذه الدور أن تحفظ نتيجة الجهاد الذي فرض على المسلمين.

المقدم: ما دلالة اختيار هذه المفردات تحديداً الصوامع، البيع، الصلوات؟ هل لها لمسة بيانية؟

د. فرحات: الصوامع هي معابد خاصة للرهبان والرهبان هم أبعد الناس عن قضايا القتال وعن قضايا الجهاد ولذلك ورد في الأحاديث النبوية والتوصيات اليت وردت في قادة الجيش “وستمرون في جهادكم على أناس قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له”.

المقدم: إذا نظرنا إلى قوله تعالى (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) البقرة) ومرة (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171) البقرة) لماذا اختلفت خاتمة الآيات مع أن الترتيب المنطقي واحد؟ وما اللمسة البيانية في كل آية على حدة؟

د. فرحات: الآية الأولى وردت معنا في الحلقة السابقة لما تحدثنا عن التشبيه الأول (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) البقرة) إذن هم اشتروا الضلالة بالهدى وآثروا الضلالة على الهدى فإذن هم لم ينتفعوا بهذه الحواس التي عندهم ولا ينتظر لهم أن يعودوا إلى الهداية ويرجعوا إليها بعد أن عطلوا اسبابها التي هي العقل والحواس. أما الآية الثانية فسياقها مختلف تتحدث (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171) البقرة) يعني ومثل هؤلاء الكافرين (هنا حذف) حينما يناديهم القرآن كمثل الراعي الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء يعني الراعي عندما يصيح بأغنامه الأغنام لا تفهم مراده ولكن تسمع صوته ولذلك يشبه الكافرين أنهم حينما يسمعون القرآن بأنهم لا يفهمون وإنما يسمعون كلاماً، صياحاً كما تسمع الأغنام صوت الراعي ولكن لا تفهم المراد إذن هم (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) هذا الكلام الذي هو القرآن الذي يُلقى عليهم لأنهم صمّوا اسماعهم عنه وأغلقوا عيونهم عن آياته وكذلك أيضاً لم يفكروا فيه فكأنهم أصبحوا لا يعقلون هذه الآيات ولا يسمعونها ولا يفهمونها

المقدم: عدم العقل مترتب عليه عدم الرجوع أو العكس عدم الرجوع مترتب عليه أنه لا يعقل حتى القرآن وصف (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (5) الجمعة)

د. فرحات: هناك الحديث عن الهداية والضلال هم لما آثروا الضلالة على الهداية القرآن يبين لهم أنه لا فائدة منهم كما قال في بداية الآيات (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ (7) البقرة) وقبل هذه الآية قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6)) إذن ليس هناك أمل أن يرجعوا إلى الإيمان أو أن يعودوا إلى الهداية لذلك قال (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18)) ليبين أنهم اتخذوا طريقهم ومشوا فيه ولا رجعة فيه حتى ييئِّس النبي عليه الصلاة والسلام منهم

المقدم: إذا سألنا: الصم البكم العمي خارج القرآن لا يعقلون أو لا يرجعون؟

د. فرحات: حسب المناسبة الكلامية، هل ورد هذا الكلام في سياق معين أم لا، فمعنى المفردة مرتبط بالسياق وهذا ما يسميه عبد القاهر الجرجاني الموقف فلا نستطيع أن نفهم معنى الكلمة إذا لم نفهم الموقف الذي جاءت فيه هذه الكلمة. فإذن فهم الكلمة مرتبط بالموقف ومرتبط بالسياق الذي وردت فيه ولذلك تختلف أحياناً معاني الكلمات باختلاف السياق الذي وردت فيه.

المقدم: في قوله تبارك وتعالى (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة) وفي يونس قال (وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (38)) هذا التحدي “شهداء ومن استطعتم” ما الفرق بينهما؟ وما اللمسة البيانية في هذا الاختيار الدقيق تحديداً؟

د. فرحات: أولاً نحن ذكرنا هذه الكتب التي أُلّفت في المتشابه اللفظي، إن هذه الأقوال التي وردت في هذه الكتب إنما هي اجتهادات وليست هي الكلام الأول والأخير ليس فيها القول الفصل وإنما الأمر محتمل لاجتهادات ولقراءات متعددة ولأفهام متعددة فلا ينتظر منا أن نأخذ قولاً ونعتبره القول الأول والأخير وأنه هو المسلّم به دون غيره، الذي أقصده أن هذه الكتب نفسها فيما بينها فيها اجتهادات لذلك ننبه المشاهدين والمستمعين إلى أن هذه الأقوال إنما هي اجتهادات ولا يؤخذ أنها مسلمات غير قابلة للنقد أو غير قابلة للترجيح أو غير قابلة أن يؤخذ غيرها مكانها، هذه فقط جملة معترضة في الموضوع الذي نحن فيه.

———-فاصل———-

المقدم: (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة) (وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس)

د. فرحات: الشهيد ورد في القرآن بعدة معاني: ورد بمعنى النبي (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا (41) النساء) هذه قطعاً في النبي صلى الله عليه وسلم معناها النبي. لكن هنالك آية أخرى (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75) القصص) هنا أكثر المفسرين قالوا الشهيد هو النبي بدليل الآية الأخرى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ) لكن لما الإنسان يقرأ الاية (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) فقلنا للشهداء هاتوا برهانكم، “للأنبياء هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله” لا يصح هذا المعنى،

المقدم: شهيداً هنا بمعنى ماذا؟

د. فرحات: هم قالوا بمعنى النبي لكن لما وجدوا أنها لا تتناسب مع السياق قالوا الخطاب ليس للأنبياء وإنما للأمم (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) فقلنا للأمم وليس للأنبياء (فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)

المقدم: شهيد تكون بمعنى ماذا؟

د. فرحات: بمعنى النبي عندهم حسب فهمهم. النزع هو الأخذ بشدة هل يتناسب الأخذ بشدة مع مقام الأنبياء؟! لا يتناسب. غذن لا يمكن أن يراد بها النبي هنا. إذن ما المراد بالشهيد هنا؟ آية البقرة (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)) الشهيد يُطلق على ممثل القوم الناطق باسمهم المتكلم باسمهم كأنه زعيم. إذن ماذا نفسر الشهيد في آية يونس (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا)؟ يعني أعتاهم أشدهم عتواً فقلنا لهؤلاء العتاة هاتوا برهانكم فضل عنهم ما كانوا يفترون. هذا استنباط لكن هل هنالك نص صريح في الموضوع؟ نأتي لسورة مريم (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)) استعمل النزع هنا وهناك وبدل الأمة هناك استعمل شيعة هنا وفسّر الشهيد هناك بأنه اشدهم على الرحمن عتيا

المقدم: هم ماذا قالوا في (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ

د. فرحات: هم قالوا شهداء يشهدوا لكم، بعض المفسرين وبعض الكتب قالوا يشهدوا لكم. بينما (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ) يعني استعينوا بهم أو تستمعون لكلامهم أو تتبعونهم، ادعوهم ليقفوا إلى جانبكم ليساعدوكم وليس كما قيل يشهدوا عليكم.

أسئلة المشاهدين خلال حلقة 24/4/2010م

عبد المجيد من السعودية: الدكتور زغلول النجار لما سئل ما نسبة الآيات الكونية في القرآن على آيات التشريع والأحكام قال هي تشكل حوالي سدس القرآن وبالنسبة لآيات المتشابه كم نسبتها في القرآن؟ وكم نسبة الناسخ والمنسوخ في القرآن؟

د. فرحات: الآيات المتشابه إذا كان المقصود المتشابه المعنوي فهي ليست كثيرة بينما آيات المتاشبه اللفظي فهي كثيرة. بالنسبة لآيات الناسخ والمنسوخ أولاً الآيات الناسخة والمنسوخة وعددها هذا أمر يختلف بحسب معنى النسخ عند المتقدمين ومعنى النسخ عند المتأخرين. المتقدمون يطلقون النسخ على بيان المجمل، على تقييد المطلق، على الاستثناء بينما المتأخرون يطلقون النسخ على زوال الحكم السابق بالكلية فقط. على مذهب السلف الذين يقولون بأن النسخ يشمل تخصيص العام وبيان المجمل والاستثناء وتقييد المطلق وما إلى ذلك فيكون معنا آيات كثيرة جداً قد تصل إلى 200 آية. إذا أخذنا نسخ الحكم السابق بالكلية يعني إزالته والمجيءبحكم جديد فهنا تتراوح بين سبع آيات أو عشر آيات بحسب اجتهاد المفسرين وهذه قضية اجتهادية.

غازي من السعودية: من هم اللاعنون؟

عبد الله من اليمن: يقول تعالى (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) الواقعة) ما الفرق بين المسّ واللمس؟ وما الفرق بين المطهّرون والمتطهرون؟

د. فرحات: أولاً هذه الآية وردت في سياق (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)) إذن الحديث عن القرآن الكريم في مواقع النجوم في اللوح المحفوظ قبل أن ينزل إلى الأرض. هنا (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أي القرآن لا يصل إليه إلا الملائكة المطهّرون بمعنى لا تصل إليه الشياطين ولذلك قال في الاية التي بعدها (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80)) إذن رب العالمين هو الذي نزل به من مواقع النجوم إلى السماء الدنيا ثم من السماء الدنيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا نفي لما كان يدّعيه المشركون.

المقدم: لا يمسه إلا المطهرون يعني القرآن الكريم في اللوح المحفوظ والمقصود بالمطهّرين هم الملائكة. واللمس؟

د. فرحات: القرآن يشير إلى هذا في آية أخرى يقول (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) الشعراء)

المقدم: عرفنا أن المطهرون هم الملائكة.

د. فرحات: إذن لا تصل إليه الشياطين كما كانوا يدّعون بأن الشياطين نزلت به

المقدم: لا حرج. إذن ليس المطهرون هنا يعني المرأة في فترة الحيض كما نقرأ على بعض المصاحف (لا يمسه إلا المطهرون)

د. فرحات: المطهّر غير المتطهر. المطهّر خلقة فالملائكة مطهرون خِلْقة (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم) لكن الإنسان يكتسب الطهارة بالوضوء بالماء بالاغتسال هذا متطهر ولذلك قال (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) البقرة). لكن ابن تيمية له رأي يقول إذا كان القرآن في مواقع النجوم لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة قال (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) عبس) إذن هم يستطيعون الوصول إليه ويمسوه. يقول ابن تيمية إذا كان القرآن في مواقع النجوم لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة فمن باب الإشارة لا من باب العبارة (دلالة الإشضارة أقل من دلالة العبارة) كذلك في الأرض لا ينبغي أن يمسّه إلا من تطهر. هناك معنى إشاري آخر، يقول الراغب الأصفهاني (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) يعني لا يصل إلى حقيقة معانيه إلا من طهرت قلوبهم، يعني لا يمس حقيقة معانيه إلا من طهرت قلوبهم، هذا معنى إشاري آخر. إذن صار لدينا ثلاثة معاني: معنى أنه في اللوح المحفوظ لا يصل إليه إلا الملائكة والمعنى الثاني أنه كذلك ينبغي أن يكون في الأرض لا يقترب منه إلا المتطهرون والمعنى الثالث أن الذي يريد أن يصل إلى حقائق معاني القرآن عليه أن يكون طاهر القلب.

نادية من عجمان: نعلم أن البشرى تكون دائماً للخبر السار ففي قوله تعالى (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) الحجر) (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) البقرة) (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ (2) يونس) وقال في سورة التوبة (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) التوبة) لماذا قال بشِّر مع العلم أنهم لم يكونوا فرحين بهذه البشارة؟

المقدم: ما الفرق بين المس واللمس؟

د. فرحات: عندنا آية (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء (6) المائدة) هذه الآية ايضاً الشافعي فسّر فيها الملامسة أنها اللمس باليد

المقدم: هذا تفسير فقهي لكن لغةً ما الفرق بين المسّ واللمس؟

د. فرحات: المس واللمس هناك اختلاف في اللغة فيها ولذلك اختلف فيها الفقهاء بناء على هذا الاختلاف. في اللغة تأتي اللمس بمعنى لمسه بيده أما مسّه قد يكون فيها شيء من المبالغة أكثر كأنه وصل إلى شيء أبعد من مجرد اللمس المباشر في اليد. مسّ فيها شيء من المبالغة. لكن لما نأتي إلى الآية القرآنية (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) لامس فيها اشتراك في اللفظ بين اللامس والملموس ففيها معنى الاشتراك كما تقول قاتل يعني كلاهما يقاتل الآخر لكن أحياناً تأتي في جانب واحد مثلاً تقول عاقبت اللص يكون من جانب واحد لكن في الغالب هذا الفعل يفيد المشاركة.

المقدم: المسّ أعمق من اللمس وكلاهما مسّ باليد، لماذا يستخدم مرة مسّ ومرة لمس؟

د. فرحات: في قصة مريم تقول (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ (20) مريم) اللمس قد يكون باليد والمس قد يكون أبعد من ذلك لكن لما يقول لامس صار فيها معنى المشاركة إذن انتقلت من كونها مجرد لمس باليد إلى معنى آخر قد يكون اشتراك بين اللامس والملموس فتكون مقدمة لما وراءها ولهذا فسرها بعض الفقهاء مثل الأحناف وغيرهم بالجماع (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) وأنا لي اجتهاد فيها، الأمر مرتبط بسياق الكلام قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ (6) المائدة) نقف هنا وإذا أردنا أن نضع عنواناً لهذا المقطع من الآية نقول “الطهارة بالماء”. تتمة الكلام قال (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) إذن هنا (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) مقابل (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا) فذكر الحدث الأصغر أولاً ثم الحدث الأكبر وهناك ذكر الحدث الأصغر أولاً ثم الحدث الأكبر فتكون هذه مقابل تلك. عبّر في الأولى بالجنابة وعبّر في الثانية بالجنابة.

———-فاصل——-

المقدم: البشرى تستعمل للخبر السار فلم تستعمل مع العذاب؟

د. فرحات: البشارة سميت بشارة لأنه يظهر أثرها على البشرة وهي غالباً تستعمل في الخير والفرح لكن على سبيل الاستهزاء تستعمل في الشر. إذا أردت أن تسخر بإنسان رسب في الامتحان تقول له أريد أن أبشرك بشارة فيقول ما هي؟ تقول رسبتَ في الامتحان. هذا استهزاء طبعاً فقوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) التوبة) على طريق الاستهزاء.

المقدم: (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة) (وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس) تحدثنا عن شهدائكم فماذا عن من استطعتم ولماذا اختلفت الكلمة بين الآيتين؟

د. فرحات: لما نقول (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ) يعني كبراءكم شعراءكم الذين يمكن أن تستعينوا بهم لكن هناك جاءت أعم (وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ) سواء كانوا كبراء عظماء شعراء، من الجن أو من الإنس كما قال في آية أخرى (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء)

المقدم: لماذا استخدام شهاداءكم بالذات ولم يقل مثلاً ساداتكم، كبراءكم علماً أنها ذكرت في القرآن (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) الأحزاب) وكما ذكرتم هم عليهم مناط الكلام؟

د. فرحات: الأصل أن كل كلمة تستخدم في سياقها الذي وردت فيه ولا يجوز في القرآن أن نستخدم كلمة مكان كلمة أخرى لأن الاختيار مترتب على السياق الذي وردت فيه فلما نقارن بين كلمة وكلمة أخرى يجب أن نعلم سياق الكلام لأن سياق الكلام هو الذي يحدد لماذا اختار هذه الكلمة ولم يختر الكلمة الأخرى فلا نستطيع أن نقول كلاماً هكذا على الإطلاق أن هذه الكلمة أفضل من هذه الكلمة.

المقدم: لماذا استخدم (شهداءكم) في هذه الآية (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ) ولم يقل سادات أو كبراء مع أن القرآن استخدم الكلمتين؟

د. فرحات: الشاهد هنا فيها معنى الذي يتمثل بإسم القوم. أصل الشهادة يأتي من الحضور يقول (إذا حضر الشهر) فالشهادة مأخوذة من الحضور. ولذلك الشهداء هم الذين يحضرون المجالس ويحضرون المشاهد الكبرى ويتكلمون بإسم القوم فيكون كلامهم عن القوم ملزماً لقومهم لأنهم يتكلمون باسمهم. بينما الكُبراء قد لا يكونون شهداء قد يكونون مجرد رؤساء وليس عنددهم هذه المقدرة على أن يتكلموا باسم القوم. هذه فيها معنى غير معنى تلك وإن كانوا قد يشتركون في جزء من المعنى إلا أنهم يختلفون في جزء آخر.

المقدم: شهداء جمع ماذا؟

د. فرحات: جمع شهيد.

المقدم: وشهود؟

د. فرحات: شاهد تجمع على شهود. شاهد إسم فاعل وشهيد صفة مشبهة والصفة المشبهة قد تكون بمعنى إسم فاعل وقد تكون بمعنى إسم مفعول. لما تقول شهيد المعركة قالوا هو الذي تشهد الملائكة حضوره لما يموت.

المقدم: في القرآن (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ (133) البقرة) قال شهداء مع أنها ليست بهذه الدلالة؟

د. فرحات: هنا المقصود فيها ما قاله يعقوب لأبنائه كان بحضرة أناس يجلسون ويشهدون موته وهناك وصية تتعلق بهذا الحضور.

فراس من سوريا: ما الفرق في القرآن الكريم بين (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ (58) النور) و(كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ (32) الأعراف) و (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ (105) الأنعام)؟

في بعض الآيات القرآنية (سخر لكم) وأحياناً (سخر) مباشرة بدون لكم كما في سورة النحل (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (12)) و(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ (14) النحل) فما الفرق؟

في سورة النور في ذكر دخول البيوت يقول تعالى (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ (28)) بينما في حفظ الفروج يقول (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ (30) النور) فما الفرق؟

محمد من الجزائر: ما اللمسة البيانية في تضافر المصدر مع إسم الفاعل في أوائل سور الذاريات والمرسلات والنازعات والعاديات؟ (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4)) هذه كلها اسماء فاعل مع المصدر.

د. فرحات: الآية تبدأ (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)) الذاريات هي صفة للرياح بدليل الآية الأخرى (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ (45) الكهف) فالرياح ذارية لأنها تذرو ما تصادفه في طريقها تفرِّقه وتنشره فهي ذاريات ولكن القسم بإسم الفاعل هنا أكّده بالمصدر فقال (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) يعني كأنه يشير إلى شدة هذه الرياح حتى تستطيع بهذه الشدة أن تذور كل ما تصادف في طريقها.

المقدم: اقتران المصدر بإسم الفاعل فقط للتأكيد؟

د. فرحات: نعم، تأكيد. اللمسة البيانية في الذاريات (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2)) هنا الفاء تفيد التعقيب. الحاملات اختلف فيها هل هي الملائكة؟ هل هي السفن؟ لكن أرجح أنها كلها من صفات الرياح (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) تحمل السحب الثقيلة كما ورد في آية أخرى (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً (57) الأعراف) فإذن الرياح تحمل السحاب الثقال (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) الذي يحمل الحمل الثقيل تخف سرعته فقال (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) تجري بسهولة ويسر بعد أن تحمل هذه الأحمال الثقيلة. ثم قال (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) هذه الأحمال التي تحملها من الأمطار الغزيرة تقسمها في الأرض فتكون رخاء لبعض الناس وتكون عذاباً على البعض الآخر. ثم قال في جواب القسم (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)) إذن الاستدلال على البعث والاستدلال على الجزاء بفعل الرياح هذه التي ترونها أمامكم وكيف تكون عذاباً لبعض الناس وكيف تكون نعيماً للبعض الآخر.

المقدم: ما الناحية البيانية في اقتران المصدر باسم الفاعل؟

د. فرحات: كله يفيد التأكيد وشدة الفعل.

المقدم: ما الفرق في القرآن الكريم بين (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ (58) النور) و(كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ (32) الأعراف) و (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ (105) الأنعام)؟ وما اللمسة البيانية بين التبيين والتفصيل والتصريف؟

د. فرحات: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ (58) النور) يعني هناك آيات سبق أن نزلت في القرآن الكريم تحتاج إلى توضيح وتحتاج إلى بيان فلما يأتي بيانها لأن القرآن نزل منجّماً فنزلت بعض الآيات مجملة في البداية ثم وعد القرآن بتبيينها (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) القيامة) فقد تكفل الله ببيان هذا المجمل فقال (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ). التفصيل يأتي في مقابل الإحكام يقول تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ (1) هود) أُحكمت يعني أنها جاءت موجزة جاءت غير مفصلة والتفصيل في مقابل الإحكام والتبيين في مقابل المجمل. والتصريف جعل الكلام في أساليب مختلفة ومتعددة (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ) الآيات تصرّف بمعنى أنها تأتي بأساليب متعددة ومختلفة لأنها في كل سياق تأتي بمعنى جديد كما نتكلم الآن في المتشابه اللفظي هذا نوع من التصريف البيانية، نفس الاية تأتي هنا بشكل وتأتي هناك بشكل آخر هذا نوع من التصريف..

المقدم: مرة يقول (سخر لكم) ومرة بدون لكم (سخر) يعدّي الفعل بنفسه (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (12) النحل) و(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ (14) النحل) فلماذا مرة يقول (لكم) ومرة يعدّي الفعل بنفسه؟

د. فرحات: لما تقول (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ) المقصود فيها أن كل ما في هذا الكون سُخر للإنسان (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (20) لقمان) هذه آية عامة شاملة إذن البحر يدخل فيها. لما يقول (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ) يعني لكم بدليل (لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) إذن هذا مفهوم مما بعده فليس بحاجة أن يُنصّ عليه لأنه معروف ومفهوم.

بُثّت الحلقة بتاريخ 24/4/2010م